إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - التزام السنة ونبذ البدعةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المؤمن يلتزم بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ويترك ما خالفهما وينبذه وراء ظهره، والمبتدع يتبع الأهواء والآراء الضالة المضلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه وما أجمع عليه الصحابة وسلف هذه الأمة.

    1.   

    الأمر باتباع الكتاب والسنة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فمازال الكلام موصولاً عن التزام السنة ونبذ البدعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الكوفي رحمه الله ورضي عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم].

    وفي الدرس الماضي قلنا: كاد أن يكون كلام الصحابة وحياً نزل من السماء؛ لأنهم عاينوا الوحي كتاباً وسنة، فألفوا كلام الله عز وجل، وألفوا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فكان كلامهم يشبه كلام الله وكلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    فلم يتكلم صاحب من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام بقول إلا وله شاهد من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    أما قوله رضي الله عنه: (اتبعوا). أي: اتبعوا الكتاب والسنة. (ولا تبتدعوا) في دين الله عز وجل (فقد كفيتم) أي: فقد كفاكم الله تعالى في كتابه، وكفاكم رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته أن تبتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وتجد مصداق ذلك في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    فهذا التمام والكمال في شريعة الرحمن تبارك وتعالى إنما تحذر كل الحذر ممن سولت له نفسه أن يشرع للناس من عند نفسه ثم يستحسن ذلك ويأمر الناس باتباع ما ابتدعه.

    وفي رواية بزيادة: (وكل بدعة ضلالة). أي: كل بدعة في الدين ضلالة، وصاحبها ظالم.

    قال: [قال ابن مسعود : إنها ستكون أمور مشتبهات -أي: ستظهر فيكم ولكم أمور مشتبهات- فعليكم بالتؤدة]. أي: عليكم أن تسيروا معها سيراً حثيثاً بالتؤدة والاطمئنان وعرض هذه الأمور المستحدثة والمشتبهة على فهم السلف لكلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

    قال: [فإنك أن تكون تابعاً -يعني: فلأن تكون تابعاً- في الخير خيراً من أن تكون رأساً في الشر]. يعني: إياكم والمحدثات، سواء كانت هذه المحدثات في الاعتقاد أو في العبادات أو في الأخلاق أو في السلوك، ولم يأت لها دليل في كتاب الله ولا في سنة الرسول ولا في فعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، لم يكن فيها شاهد ولا نص.

    قال: فاحذر من اتباع هذه البدعة فإنها محدثة، وكل محدثة في الدين بدعة وضلالة.

    وقال أيضاً: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة أو أمراً مبتدعاً في الدين تنكرونه، فعليكم بالهدي الأول]. كما في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة : (سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون). لأن الحق له صور وعلامات كعلامات القرين، فالأمراء أحياناً يأتون بالمعروف وأحياناً يأتون بما ينكر عليهم.

    قال: (فمن كره فقد برئ)، أي: من كره بقلبه فقد برئ بيده من الإثم. (ومن أنكر فقد سلم). أي: ومن تعرض لهذا المنكر بالإنكار والتغيير فقد سلم، ولكن الحرج كل الحرج والإثم كل الإثم على من رضي بهذا المنكر وتابع الأمراء عليه.

    قال: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم]. يعني: ربما تأتي البدعة منكم أو تأتيكم من غيركم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول. أي: فعليكم بكتاب الله وسنة رسوله وهدي الصحابة رضي الله عنهم.

    فكل هذه النصوص إنما تحث المسلم أن يتمسك بما كان عليه سلف الأمة، وبما كان عليه أهل القرون الخيرية الأولى؛ لأنهم أدرى بكتاب الله وهم كذلك أعلم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا ظهر في دين الله عز وجل غير ما تعرفون من كتاب الله وسنة رسوله وفهم الصحابة والسلف الصالح على جهة الخصوص من هذه النصوص فعليكم أن تتمسكوا بالهدي الأول أي: بالأمر العتيق.

    قال: [قال ابن مسعود كذلك: ما كان أهل الكتاب إلا كان أول ما يدعون السنة، وآخر ما يدعون الصلاة.

    وقال: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا -يعني: مفصل أنملة- أو يقول: يأتي من بعدكم أقوام يدعون من السنة -أي: من العقيدة- مثل هذه. وأشار إلى بعض الأنملة. كأنها تلك القطعة من اللحم التي تحت الظفر، وهو شيء يسير جداً.

    يقول: فإن تركتموهم وما أحدثوا لكم في الدين جاءوا بالطامة الكبرى، وإن لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون السنة وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة].

    الذي يلزمنا وهو أوضح في المراد: أننا لو تركنا أهل الباطل بباطلهم وأهل الفساد بفسادهم لعم العقاب، كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25].

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر رضي الله عنه: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عذاباً ثم لا يرفعه عنكم).

    وفي رواية: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عذاباً ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).

    جاء في حديث النعمان بن بشير في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب مثلاً للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فقال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا صعدوا إلى أعلى السفينة وأنزلوا دلوهم فاستقوا، فقالوا: لو أنا خرقنا خرقاً في نصيبنا ولم نؤذ من فوقنا) نيتهم حسنة، ولكن الناس لو تركوهم على هذا النحو لهلكوا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (فإنهم إن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)؛ لأن الذي في أسفل السفينة لو خرق فيها خرقاً لعبئت السفينة بالماء وبالتالي لابد أن تغرق، فيغرق من في أسفلها ومن في أعلاها.

    ولذلك يقول الصديق رضي الله عنه: (إنكم تقرءون هذه الآية وتفهموها على غير وجهها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب، ثم تلا هذه الآية).

    إذاً: لا يضرك مخالفة من خالف إذا أنكرت عليه، أما أن تبقى بغير إنكار فإن العذاب يشمل الصالح والطالح، كما جاء في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج عليها فزعاً وقال: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بالسبابة والإبهام). وهو خرم بسيط جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب)، ثم قرن ذلك الشر المرتقب في العرب بخرم يسير جداً فتح من ردم يأجوج ومأجوج، وهذا يدل على أن العرب إنما أنيط بهم على جهة الخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل.

    قالت زينب بنت جحش : (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث). ولكن لو أن المرء أدى ما عليه كما قام رجل إلى مروان الخليفة المدني الأموي كان يخطب قبل صلاة العيد، فقام إليه رجل وقال: بدلت وغيرت، إنما الصلاة قبل الخطبة، فسبه مروان فجلس الرجل، فقال أبو سعيد الخدري مشيراً إلى الرجل: أما هذا فقد أدى ما عليه. أنكر عليه وهو خليفة، فلا حرج عليه بعد ذلك، لو أن الله تعالى أنزل عليهم عذاباً وخصهم فإنه يبعث هذا الرجل على نيته الصالحة وعلى عمله الصالح، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيحين: (يغزوا جيش الكعبة -أي: في آخر الزمان- حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، قالت عائشة : يا رسول الله! أيخسف بهم جميعاً؟ قال: نعم. قالت: فيهم أسواقهم ومن ليس منهم) يعني: فيهم أقوام إنما مشوا معهم لا لتكثير سوادهم وإنما للتجارة والمرابحة والبيع والشراء.. وغير ذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يخسف بهم جميعاً ثم يبعثون على نياتهم).

    فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما وجودكم في هذا المكان ووجود غيركم في مثل هذا المكان إلا ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل.

    ولذلك فإن هذا الواجب العظيم مناط بخيرية هذه الأمة، كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    وقال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71].

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأهميته ذهب بعض أهل العلم إلى أنه من فرائض الإسلام العينية التي تجب على كل مكلف، ولكن مذهب الجماهير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين.

    قال: [قال ابن مسعود : عليكم بالطريق الطريق -أي: الهدي المستقيم- فلئن لزمتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً؛ ولئن خالفتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً].

    فالذي يترك الكتاب والسنة بفهم السلف لابد أنه واقع في ضلال، وإن كان متبعاً لآثار من مضى فإنه على الهدي المستقيم.

    قال: [سئل ابن مسعود كذلك عن مسألة فيها لبس، وشبهة وإشكال، فقال: أيها الناس! إن الله قد أنزل أمره وبيناته، فمن أتى الأمر من قبل وجهه فقد بين له، ومن خالف فوالله لا نطيق خلافه].

    يعني: إذا كان يعجبكم أن تمسكوا بآثار وأفهام من مضى فأنا معكم، وإذا خالفتم فلا أطيق أن أخالف معكم.

    قال: [عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتعمق والتنطع، وعليكم بالعتيق]. أي: الأمر الأول الذي لا بدع فيه ولا تنطع فيه ولا تعمق.

    قال: [قال سفيان : كان السفهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة]. أي: موافقة هديه عليه الصلاة والسلام

    قال: [عن الحارث بن قيس قال: قال لي عبد الله : يا حارث ! تريد أن تدخل وسط الجنة؟ قلت: نعم. قال: عليك بهذا السواد الأعظم]. والسواد الأعظم هم أهل السنة والجماعة.

    قبض العلم

    قال: [عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يقبض، أو متى يفتقر إليه].

    فقوله: عليكم بالعلم يعني: تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه؛ ولذلك تجد في بعض التراجم مصطلحاً عجيباً جداً، وهو قولهم: صدوق يهم، اضطر الناس إليه أخيراً.

    يعني: هو لم يكن أهلاً للرواية عنه، ولكن عنده من العلم والرواية ما ليس عند غيره، فاضطر الناس إلى حمل العلم عنه في آخر أيامه؛ لأنه لم يبق أحد عنده من العلم ما عند هذا الرجل، فاضطروا إليه، وهذا معه هدي السلف، حتى وإن كان من أفسق الناس يحملون عنه، ويا حبذا لو حمل عنه أهل الفهم والذكاء والعقل الراجح الذين يميزون بين الحق والباطل، لا عامة الناس الذين يفتنون بباطل هؤلاء؛ ولذلك تجد في بعض التراجم أن كثيراً من علماء السلف إنما حملوا علماً معيناً عن أصحاب البدعة، بل وعن أصحاب المعاصي، حتى ورد عن أحدهم أنه كان تاركاً للصلاة، فقال طلابه: نختبر ذلك فيه، إذا نام لطخنا مؤخرة قدمه بالمداد فنظرنا هل يذهب هذا المداد بماء الوضوء أم لا؟ فظل المداد في قدمه أسبوعاً كاملاً.

    هل هناك أحد يصلي ويخفى على أحد، فالإنسان الذي يصلي لا يخفى على عامة الناس من جيرانه وإخوانه وطلابه أنه يصلي.

    فتصور أن يكون شيخاً محل اختبار الطلاب، هل هو يصلي أو لا يصلي؟ ومع هذا كانت الرحلة إليه في زمانه، لأجل علم أصول الفقه ما لا يحمله أحد على وجه الأرض، فذهب الناس إليه العالم وغير العالم لحمل العلم عنه، ولم ينظروا إلى معصيته في هذه الحالة.

    أما أهل البدع فكم تقرأ في كتب الرجال، بل وفي رواة الصحيحين: فلان قدري، فلان معتزلي، فلان شيعي، فلان خارجي، فلان محترق بالتشيع، وغير هذه الكلمات، وتجدهم من رواة الصحيحين.

    أما قول ابن مسعود هنا: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله، فإن أحدكم لا يدري متى يطلب أو متى يفتقر إليه. يعني: فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج الناس إليه.

    عندما تنزل قرية وهذه القرية في شوارع القاهرة، الناس يرونك ملتحياً واللحية طويلة، وشكلك شيخ، وأنت لا تعرف شيئاً بالمرة، فيجيء إليك شخص ويقول لك: يا شيخ! أنا طلقت امرأتي، أو قلت لامرأتي كذا، وقلت لأبي وقلت لأمي، ولشريكي في العمل.

    فأنت واحد من اثنين:

    إما أن تكون موفقاً وتقول: لا أدري، وإما أن يحملك الحياء المزور الباطل أن تقول في دين الله ما لم ينزل الله به سلطان، وهذا الذي يحصل.

    فموقف مثل هذا يستحثك على طلب العلم، لو الناس احتاجوا إليك وأنت مؤتمن على دينك، فإذا كان الأمر كذلك فلا أقل من أن تعض بالنواجذ على كل لحظة وثانية تمر من وقتك، فإنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

    وكان السلف رضي الله عنهم من أحرص الناس على الانتفاع بأوقاتهم، وعدم التفريط في لحظة واحدة، ولهم في ذلك حكايات وروايات تطول ولا داعي للبدء في هذا الأمر.

    قال: [كان عروة بن الزبير يأتي بأبنائه وأبناء أخيه عبد الله بن الزبير ويقول: يا بني! تعلموا العلم فإنكم صغار قوم اليوم، وربما تكونوا كبار قوم غداً. وما سئل أحد مسألة فأصيب بخيبة من عالم يسأل في مسألة لا جواب عنده فيها]. فيحثهم على طلب العلم.

    قال: [قال عمر رضي الله عنه: تعلموا قبل أن تسودوا]. يعني: تعلموا قبل أن تصيروا سادة كبار عظماء في نظر الناس.

    قال: [قال مالك : لا أحب أن يتولى الرجل القضاء إلا أن يتعلم. قيل: ولم؟ قال: لأنه إن عزل من القضاء أنف أن يرجع في طلب العلم]. يعني: أنف أن يكون طالباً بعد أن كان قاضياً.

    فهذه بعض النصوص في معنى قول ابن مسعود : فإن أحدكم لا يدري متى يقبض أو متى يفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق.

    ويقول: وستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نبذوه وراء ظهورهم. يعني: لا علاقة لهم البتة بكتاب الله عز وجل ولا بسنة رسوله، وإن كانوا في ظاهر أمرهم يدعونكم إلى كتاب الله، مثل جماعة التكفير والهجرة، الظاهر أنهم يدعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء قد نبذوا القرآن والسنة وراء ظهورهم، ولا توجد علاقة مهما دقت وجلت تربطهم بكتاب الله ولا بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنهم خوارج هذا العصر حقاً، وهم أبناء الخوارج السابقين الذين ظهر سيدهم وأبوهم الفكري في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

    حدثني رجل وقال: لقد ذهبت لشراء بعض قطع الذهب لبناتي من شارع فيصل، وأنتم تعرفون أن التكفير والهجرة مقرها في شارع فيصل، فمستنقع التكفير والهجرة فيه، وهم يتمركزون هناك وينادون على بعضهم البعض من أقطار المحافظات للسكنى في هذا المكان، ولا أدري ما علة ذلك! ربما تكون في المستقبل دولة مستقلة مثلاً! أو ينوون أن يكونوا دولة مستقلة، على أية حال لهم ذلك، خاصة وأن الأمن يعرف نشاطهم جيداً؛ وأظن أنه يتركهم لأنه يعلم أنه لا خطورة منهم على الكراسي والمناصب، وإنما تركهم ليهدموا ما يبنيه غيرهم، لأن الأمن لا يلعب أبداً بل يضرب عصفورين بحجر واحد.

    لكن البناء وإن كان غير مرتفع إلا أنه أثبت في الأرض؛ لأنه كالكلمة الطيبة والشجرة الطيبة، أما هذا الباطل مهما انتفش فإنه إلى زوال.

    قال المشتري: بعد إذنك أنا سأصلي الظهر ثم أعود لك مرة أخرى. قال: أين ستصلي الظهر؟ قال: في هذا المسجد، فقال: جميع مساجد العالم مساجد ضرار إلا ثلاثة: المسجد النبوي، والكعبة، والمسجد الأقصى!

    فقال: وماذا عن هؤلاء الناس؟ فقال: إن هؤلاء كلهم ضلال.

    والعجيب أن هؤلاء يروحون ويجيئون يمرحون في البلد وهم آمنون، لكن إن شاء الله إن ماتوا على ذلك فهم المفزعون يوم القيامة، والله لا علاقة لهم بدين الله البتة.

    قال: [قال ابن مسعود : إنكم في زمان العمل فيه خير من الرأي -يعني: السنة خير من الرأي- وسيأتي زمان الرأي فيه خير من العمل]. يعني: السنة.

    قال: [عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال لرجل سأله عن الأهواء: عليك بدين الصبي الذي كان في الكتاب -والأعرابي، واله عما سواهما].

    يعني: عليك بدين الأعرابي في البادية والصبي في الكتاب، فإن عقيدتهما سليمة؛ قبل أن يتلونا بالفلسفة والمنطق وآراء المعتزلة والأشعرية وغير هؤلاء الذين ليسوا من أهل السنة، والعجيب أن الأزهر إلى يومنا هذا يدرس عقيدة الأشاعرة الماتريدية ويقول: هي عقيدة أهل السنة والجماعة.

    الأزهر يجرم تدريس العقيدة الطحاوية، ومن فعل ذلك تعرض للجزاء والعقوبة وربما فصل من الجامعة، لأنه يدرس عقيدة التوحيد، وهم يعتقدون أن التوحيد الحق، إنما هو في مذهب الأشاعرة والماتريدية، مع أن هؤلاء هم المؤولة الصارفين لآيات الصفات عن ظاهرها، وهم أشبه بالمعطلة الذين يعطلون صفات الله عز وجل، فكيف يكونون أهل سنة إذاً؟

    ويقول الأشاعرة الماتريدية: إن الله تبارك وتعالى يتكلم بكلام نفساني، أو أن يد الله تعالى معناها القدرة والقوة.. وهكذا في كل صفات الله عز وجل، فلا الأشعرية أهل سنة ولا الماتريدية أهل سنة، إنما يصح لهم أن يكونوا من أهل القبلة، أما من أهل السنة فلا، فأهل السنة هم من كانوا على مثلما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.

    أما ما أثبت بعدهم في الاعتقاد والعلم والعمل فليس ذلك من منهج أهل السنة والجماعة.

    فيريد عمر بن عبد العزيز أن يبين سلامة الفطرة أولاً من هذا اللوث الفلسفي المنطقي العقدي، فيقول: عليك بدين الصبي في الكتاب والأعرابي الذي لم يخالط أهل المدينة، فإنه تعرف على الله عز وجل بأسمائه وصفاته من واقع بدويته، واله عما سواهما.

    من آوى محدثاً في الدين

    قال: [عن أبي العالية في قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] قال: أخلصوا دينهم وعملهم ودعوتهم لله عز وجل].

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

    فقوله: (من أحدث حدثاً). أي: ابتدع في دين الله عز وجل بدعة أو واقع جرماً استحق عليه الحد أو التعزير أو طلبه السلطان ليعاقبه، ثم خبأه آحاد الناس، فالذي خبأه والذي فعل الفعل وأحدث الحدث في الإثم سواء. (قيل: يا رسول الله! وما الحدث؟ قال: بدعة تغير سنة) يعني: بدعة تضيع سنة وتفوت ظهورها.

    قال: (أو مثلة تغير قوداً، أو نهبة تغير حقاً) والقود هو القصاص، فذكر مظالم الدماء، ومظالم الأموال وقس على هذه النهبة غيرها بما يماثلها من جرائم الأموال والأعراض والجنايات على الأملاك وغيرها، فمن أحدث حدثاً في دين الله بالابتداع أو بالقتل أو نهب الأموال أو غير ذلك ثم خبأه أحد الناس، وكم تسمعون من هذه المواقف، قد يأتي إليك شخص ويقول لك: أنقذني وخبئني عندك، إنني عملت عملاً وخائف منهم أن يأتوا فيقتلونني، وهذا كان موجوداً في الصعيد غالباً، وربما يكون شيء من ذلك في المدن البحرية، لكنه مشهور غالباً في الصعيد.

    فيحرم على أحد أن يحدث في دين الله شيئاً، أو يعتدي على أموال الناس وأعراضهم وأبدانهم، كما يحرم على الغير أن يؤويه إذا كان يعلم ذلك أنه يحرم عليه، وإلا فكلاهما يتعرض للعنة الله عز وجل والملائكة والناس أجمعين.

    قال: [عن عاصم الأحول قال: دخلنا على أبي العالية الرياحي فقال: تعلموا الإسلام ما هو. قال: فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه -أي: فلا تبتعدوا عنه- وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم الإسلام، -أي: هو الإسلام- ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم -أي: عن الإسلام يميناً ولا شمالاً- وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء].

    فالناظر في وصايا السلف يجد منهم الأمر العجب!

    في هذا الزمان لو أن شخصاً قال لأخيه: أوصني، ربما يعجز أن يوصيه بأي وصية، ولا يخطر على باله كلاماً يقوله له، وهذا حادث، لكن انظر إلى السلف، ما كان أحدهم يفوت موقفاً إلا وينصح إخوانه ويذكرهم بالله عز وجل وبدينه والتمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام وترك الابتداع في الدين.

    قال: [عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة]، لأن هذا هو شأن البدعة، ما من بدعة قط إلا والناظر إليها لأول وهلة من الجهال يستحسنها ويستجملها ويقول: نعم والله هذا أمر جميل. وهذا شأن البدعة دائماً.

    وهذا شأن الأحاديث الموضوعة المفتراة المكذوبة على النبي عليه الصلاة والسلام، تجد أن واحداً يتكلم بكلام لا يمكن أن يقبله العقل، أما من جهة النقل فكلام ليس له سند أبداً.

    مثلاً: قوله عليه الصلاة والسلام الذي يروى عنه: (إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)، هذا الحديث لا أقول: إنه مكذوب، بل ليس حديثاً أصلاً.

    صعد دكتور كبير في علم الشريعة الإسلامية منبراً من منابر الدعوة، ولا أجد حرجاً بأن أقول: منبر مسجد الاستقامة في مدائن الجيزة، وهو أستاذ جامعي كبير، وليس عيباً عليه أن يقول هذا الكلام السخيف، ولكن العجيب أن واحداً في المسجد لم ينكر عليه قط.

    قال: إن رجلاً تزوج، وبعد بنائه حملت امرأته، فلما سمع بهذا الحمل وكان ذلك في المساء نادى منادي الجهاد، وقال: اللهم إني أستودع ما في بطن امرأتي عندك، وذهب، ثم رجع بعد عام، وكانت الأم قد ماتت، فقيل له -أي: فقال له أهل قريته- : منذ أن دفنا امرأتك وإننا نرى نوراً يخرج من القبر بالليل والنهار، فذهب هذا المجاهد وفتح القبر ووجد الأم عظاماً رميماً إلا ثديها، وقد التقمه الطفل، والطفل جالس في كفنه، وهذه المرأة قد ماتت قبل أن تلد، ولكنها ولدت في القبر.

    هذا الكلام أقوله باشمئزاز شديد جداً، وهو يقصها للناس والناس تقول: الله الله، وضج المسجد مائة مرة في الخطبة، تصور أن خطبة تقوم على هذا السفه من أولها إلى آخرها! والله سبحانه يحيى العظام وهي رميم! فمن أجل أن يعبر الناس عن فرحتهم بمقدرة الله عز وجل يقفون على أرجلهم ويتحدثون بالخطبة، ألا يوجد في هذه الآلاف المؤلفة عاقل؟ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78]؟ رجل فقط يقوم ويقول: ما هذا؟ ويأخذه من قفاه فينزله، ويقول له: أنت لا تصلح لمثل هذا المكان.

    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً للعلم أو محباً له، ولا تكن الخامسة فتهلك. قيل: وما الخامسة؟ قال: المبتدع.

    ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما سمع هذا الكلام قال: سبحان الله! لقد جعل للعبد مسالك. يعني: إما أن تكون عالماً أو متعلماً أو مستمعاً للعلم أو محباً له، فلا أقل من ذلك؛ لأنه شيء من اثنين: إما أن تكون مبغضاً للعلم وأهله، وإما أن تكون مبتدعاً في دين الله عز وجل، وكلاهما شر.

    قال: [عن ميمون بن مهران قال: إياك وكل شيء يسمى بغير اسم الله]. يعني: احذر أي مصطلحات: ديمقراطية، اشتراكية، رأسمالية، أو غيرها من المصطلحات الباطلة، فهذه المصطلحات بأكملها لا علاقة لك بها؛ إذا سمعت منهم قال الله وقال الرسول عض عليه بالنواجذ، إنما مصطلحات أخرى تناقض وتناهز الإسلام فبل عليها.

    جزاء من سن في الإسلام سنة سيئة

    قال: [عن عبد الله بن أبي قتادة قال: من دعا إلى سنة فأجيب إليها أعطاه الله أجر من أجاب إليها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة فأجابه إليها أحد حمله الله مثل أوزارهم ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، ثم تلا هذه الآية: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل:25]]. ألم أقل: إن السلف كاد أن يكون كلامهم وحياً؟

    وهذا الكلام شبيه بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها).

    فلو أتينا بهذا النص وقلت لك: استنبط منه كلاماً آخر يفيد المعنى، ربما نعجز إلا أن يكون أديباً لغوياً فصيحاً كهذا الراوي عبد الله بن أبي قتادة من كبار التابعين، أبوه هو أبو قتادة الأنصاري الصحابي المعروف الكبير، إنما نسج قولاً على منوال قوله عليه الصلاة والسلام.

    ثم بين أنه استفاد ذلك من قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل:25].

    المراد بالكتاب والسنة والفرق بينهما

    قال: [عن قتادة في قول الله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:48] -والضمير يعود على النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: الكتاب كلام الله عز وجل، والحكمة هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام].

    وفي قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:34]، وهذا الخطاب موجه لنساء النبي خاصة، ولنساء الأمة عامة: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34] آيات الله هي القرآن، والحكمة هي السنة. وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة.

    قال: [عن حسان بن عطية رحمه الله قال: كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ومثله من السنة] يعني: ينزل عليه بالقرآن وينزل عليه بالسنة.

    إذاً: السنة وحي من السماء، لكن الفرق بين الوحيين: أن الوحي الأول كتاب الله عز وجل، هو كلام الله تعالى، الذي روي إلينا بالتواتر من أوله إلى آخره، والسنة ليست كذلك، بل بعضها اليسير تحقق فيه شرط التواتر والبقية وهي الغالبية العظمى من الروايات إنما جاءت من طريق الآحاد.

    والقرآن متعبد بتلاوته، والسنة ليست كذلك، القرآن كلام الله عز وجل بنصه وحرفه، والسنة كلام الله عز وجل بالمعنى وهي من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فأصل السنة وحي السماء، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عبر عنها بألفاظ من عند نفسه، وألفاظ النبي عليه الصلاة والسلام ليست كألفاظ غيره من البشر؛ لأنه أبلغ ما خلق الله عز وجل، وأفصح خلق الله عز وجل.. وغير ذلك من الفروق بين الوحيين.

    قال: [عن مجاهد في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] قال: سبيلاً وسنة].

    عاقبة البدعة

    قال: [عن مجاهد وهو مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما قال: أفضل العبادة حسن الرأي]. يعني: أفضل العبادة: أن تعبد ربك على منهاج النبوة، لا تجتهد في عبادتك لله، إلا أن يأتيك الخبر عن الله عز وجل وعن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

    أما غير ذلك فبدع كلها لا عبرة بها، بل ترد على العبد في وجهه، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). أي: من ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو مردود عليه في وجهه غير مأجور فيه، بل هو مأزور عليه. يعني: يناله الوزر ولا يؤجر على ذلك، فأفضل العبادة التزام السنة.

    وعن ابن عباس قال: لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة.

    وهذا أمر لابد أن يتم تلقائياً، إذا ظهرت البدعة فلابد أن يكون في مقابل البدعة في دين الله سنة، فإذا ظهرت البدعة واستقرت وعمل بها الناس فالناس لا يعلمون بالسنة والبدعة، فهم يعملون بأحدهما؛ فإن عملوا بالسنة أماتوا البدعة، وإن عملوا بالبدعة أماتوا السنة، ولذلك جاء في رواية مرفوعة: (ما عمل الناس ببدعة إلا وقد أماتوا سنة). والصواب أن هذا الكلام موقوف من كلام كثير من السلف رضي الله عنهم: لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن.

    قال: [عن عبد الله بن الديلمي قال: إن أول الدين تركاً السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. يعني: اعتقاداً تنقضه شيئاً فشيئاً، عروة عروة، خصلة خصلة حتى تفقد الدين كله].

    قال: [قال ابن الديلمي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضياً ولا نزعت سنة إلا ازدادت هرباً].

    قال: [عن حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله من سنتهم مثلها، لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة، عقوبة لهم؛ وأعظمها للمبتدع أن الله احتجز التوبة عنه]. كما في حديث عند ابن ماجة وغيره: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته). حتى تعلموا أهمية الالتزام والاستمساك بالسنة وخطورة البدعة.

    قال: [وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن ناساً يجادلونكم بمتشابه القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل].

    وهذا هو المنهج لمخاطبة أهل البدعة، فأهل البدع لا يمكن أن يجادلوك في محكم القرآن؛ لأن القرآن فيه محكم ومتشابه، كما بين الله تعالى ذلك في صدر سورة آل عمران: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، لكن أهل الإيمان وبالذات أقوى أهل العلم.

    فديدن أهل البدع باستمرار حول متشابه القرآن؛ ولذلك يقول واحد من المبتدعة من جماعة التكفير عند أن قيل له: كيف ذاك؟ قال له: أنت شيء من اثنين: أنت ممكن أم مستضعف؟ قال له: ممكن في أشياء وأشياء، ومستضعف في أشياء وأشياء أخرى. قال له: أريد كلمة واحدة، أنت ممكن أو مستضعف؟ قال له: لو قلت أنك ممكن فإثم هذه المرأة المتبرجة في رقبتك. فقال له: لابد أن يغير. ولو قلت أنك مستضعف سقطت عنك الجمعة والجماعات.

    فتحس أنك عند أناس عربجية؛ لا علم ولا طلاب علم ولا علماء ولا مجموعة من الناس وضعوا أصول من حثالة عقولهم فيا ليت حتى صارت من عقول المعتزلة فيضلل صاحبها، المعتزلة هم على ضلال، لكنهم أناس محترمون، عندهم شيء اسمه شبهة علم، ولهم أصول، لكن هؤلاء لا أصول ولا فروع، ولا حتى مسكة ولا رائحة من رائحة العلم، يريد أن يجعل الدين عبارة عن معادلة كيت أو كيت، مخير أو ليس بمخير أو شيء من هذا القبيل، وفي الأخير تجد شاباً يذهب إلى الهجرة والتكفير ولا ينفع معهم.

    أقسم بالله لو تمكنت منهم ما ضربتهم إلا بجريد النخل ثم ثنيت بالضرب مرة أخرى.

    لو كان النقاش يجدي مع كل أحد سنناقش كل منحرف، لكن ثبت أن عمر أتى برجل تكلم في القدر، فعلقه من رجليه في سقف المسجد وضربه بالنعال والجريد حتى سال دمه، وقال المضروب: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب الذي كان برأسي. فهناك أناس لا يذهب ما في رأسه من الشبه إلا بذلك.

    أحياناً امرأتك إذا ضربتها تخضع لك، فإنك إذا نظرت إليها بعينيك تخاف، لو نظرت إليها تعرف أأنت غضبان، أم مرتاح وفرحان، فهي لا تسمع الكلام إلا بالتقريع والتوبيخ.

    لو أنك نمت في فراشها وأدرت لها ظهرك قتلتها، وأخرى تقول: الحمد لله أنها جاءت منه! فهن درجات، وأخرى لا ينفع معها إلا الضرب، والله العظيم أنني أعرف أخاً صديقاً له امرأة ودائماً في شجار معها، وعندما تتشاجر معه ويحمى الوطيس تذهب إلى المطبخ وتأتي بالسكين وتعطيه من أجل يضربها، وهذا بلاء عظيم جداً.

    فكذلك أصحاب الأفكار، منهم المؤدب الذي هو بالفعل حريص على الحق، فهذا نحترمه وإن كان على ضلالة؛ لأنه قليلاً قليلاً سيعرف الحق، لأنه لم يعمل في حسبانه أنه يرد عليك في كل جزئية تتكلم فيها، بل إنه يشتري منك ويأخذ منك، ويظل يراجع نفسه ويحاسب نفسه، فمثل هذا تحترمه جداً، وآخر يعمل ويعتقد أنه لابد أن ينتصر عليك لا محالة، وآخر ليس عنده استعداد أصلاً أن يناقشك ويسمع كلامك، فالناس درجات.

    منهج وفكر جماعة التكفير

    جماعة التكفير ما جلسوا يوماً واحداً لطلب العلم، وشيخهم إنسان لا علاقة له بالعلم البتة؛ واسمه شكري مصطفى ، بل إنه لا يعرف عنه أي اتصال بالعلم، والذي كان يعرف عنه: الهجوم والتكفير لعلماء الأمة، سلفاً وخلفاً، حتى كفر النبي صلى الله عليه وسلم.

    أقسم بالله العظيم! أن هذا حدث منه، والذي ينقل ذلك عديل شكري مصطفى وهو ثقة، وكان معه في جماعته، وهو يحبه إلى الآن.

    وقد سمعته أنا بأذني رأسي، وإذا أردتم أن تعرفوا اسم هذا فهو الشيخ محمود شاكر ، والذي يريد أن يسأله يذهب فيسأله.

    حدثني مشافهة في حضرة أخي وشقيقي سمير الزهيري وفي حضرة الدكتور أحمد حطيبة ، علم من أعلام الدعوة في الإسكندرية، وفي حضرة غير واحد، حتى قال محمود شاكر لـشكري في السجن لما نودي عليه ليشنق، وكان محمود قد بدرت منه بادرة التوبة، فقال شكري لـمحمود : يا محمود ! أنا سأعيش ثلاث سنوات وسأربيك؛ لأنه بدرت منه بادرة توبة، تكلم بكلام يهز المنهج، فلما جيء إلى حبل المشنقة قالوا له: ما تقول في النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: كافر، قيل: وما كفره؟ قال: الله تعالى هو الذي كفره ولست أنا فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1]! قال: فهذا محمد إرضاء لزوجاته حرم ما أحل الله، والمعلوم يقيناً عند المسلمين أن من حرم حلالاً أو أحل حراماً متعمداً فهو كافر.

    أيمكن أن يكون هذا من بني آدم يقال أنه طالب؟! ولذلك أنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن شكري مصطفى مات على الكفر البواح، والذي لا يكفر شكري لابد أن يراجع إيمانه مرة أخرى مع الله.

    منهج السلف في الأخذ بالسنة وترك البدعة

    قال: [قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمالاً لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولى].

    قال: [قال أبو الدرداء : لن تضل ما أخذت بالأثر]. يعني: كلما أخذت بالأثر فأنت بعيد كل البعد عن الضلال.

    قال: [يقول أبو الأسود : إن استطعت ألا تحك قفاك -وفي رواية: جلدك- إلا بأثر فافعل]. يريد أن يخبرك بأن حركاتك وسكناتك كلها لابد أن تكون منضبطة على كتاب الله وعلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يشهد له قوله عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي).

    قال: [قال ابن عباس : من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة -أي: المبتدعة- فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه].

    قال: [قال معاوية لـابن عباس : أأنت على ملة علي ؟ قال ابن عباس : ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة محمد عليه الصلاة والسلام. أرأيتم إلى هذا الكلام الجميل. يعني: معاوية يريد أن يقول له: أنت معي أم مع علي ؟ فقال له: أنت على ملة علي ؟ فرد عليه فقال: ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة محمد عليه الصلاة والسلام].

    قال: [قال رجل لـابن عباس : الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم -يريد أن يلبس على ابن عباس - فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة، إنما هو الأثر].

    قال: [قال مالك بن أنس : قيل لرجل عند الموت: على أي دين تموت؟ فقال: أموت على دين أبي عمارة ، وعلى ملة أبي عمارة -كأنه رجل كان مبتدعاً، وكان من أهل الأهواء- قال مالك : يدع المشئوم دين أبي القاسم ويموت على دين أبي عمارة؟!].

    قال: [عن ابن سيرين قال: الرجل ما كان مع الأثر فهو على الطريق]. يعني: مادمت متمسكاً بالأثر فاعلم أنك على الصراط المستقيم، فإذا حدت عن الأثر لقول فلان وعلان ومذهب فلان أو فلتان فاعلم أنك ضللت ضلالاً بعيداً.

    قال: [عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك حتى أصابتها ريح شديدة فتحات ورقها -أي: فسقط ورقها- إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات تلك الشجرة ورقها، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة]. يعني: إن كان اجتهاد واقتصاد فليكن على منهاج الأنبياء وسنتهم.

    قال: [كان أبو الأحوص يقول لنفسه: يا سلام ! نم على سنة خير من أن تقوم على بدعة]. يعني: كن متبعاً للسنة خير لك من أن تكون رأساً في الشر ورأساً في البدعة.

    وعن شريح أنه كان يقول: إنما أقتفي الأثر -يعني: أبتدع الأثر- فما وجدت قد سبقني به -يعني: الصدر الأول- حدثتكم به. فهذا شريح ما كان يتكلم بكلمة إلا ولابد أن يكون له فيها سلف، حتى إذا قيل له: من أين لك هذا؟ قال: قال به فلان، أو سمعته من فلان، أو حدثني به فلان.

    وعن إبراهيم النخعي قال: لو أن أصحاب محمد مسحوا على ظفر لما غسلته التماساً الفضل في اتباعهم، وإبراهيم النخعي إمام الكوفة وكان مجتهد الزمان في زمانه.

    يعني: الأمر قد ورد في القرآن والسنة بغسل اليد، ولو أن السلف مسحوا على أظفارهم لما تجاوزت المسح؛ لأنهم أفهم لكلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، بل مسحت كما مسحوا اتباعاً، أو يقول: التماساً للفضل في اتباع سلف الأمة، وهذا كلام جميل جداً.

    قال: [يقول الشعبي : نزل المسح من السماء]. يعني: نزل المسح على النعلين والخفين والجوربين من السماء.

    قال: [عن الشعبي قال: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ لأن المسح سنة والسنة أفضل].

    وأنتم تعلمون أن مسألة المسح على الخفين من مسائل الأحكام، وقد وردت في كتب الاعتقاد؛ لأنها أنكرت عند بعض فرق الضلال، وهم الشيعة الرافضة، فلما كانت هذه علامة على دين الرافضة وأنهم ينكرون المسح على النعلين والخفين والجوربين قام أهل السنة بإظهار هذه السنة، فكانت من مسائل الأحكام العملية من جهة، ومن مسائل الاعتقاد من جهة أخرى.

    ولذلك يخطئ من يظن أن الكتب المصنفة في العقيدة إنما تحوي مسائل الاعتقاد كلها، وإنما غالب هذه المسائل التي جاءت في كتب الاعتقاد ما اعتنى بها من صنف فيها إلا لمخالفة غير أهل السنة والجماعة لأهل السنة والجماعة في هذه المسائل.

    وبعبارة أخرى: عندما تقرأ العقيدة الطحاوية إياك أن تظن أن هذه مسائل الاعتقاد ولا مسائل غيرها، بل هذه المسائل أو معظم المسائل التي خالفنا فيها أهل البدع، وأظهرها أهل الإسلام في مصنفات مخطوطة؛ حتى يحافظوا على طلاب العلم وأهل العلم والعامة الناشئين في حظيرة أهل السنة والجماعة.

    قال: المسح على الخفين أفضل من الغسل. لأن الغسل يعرفه كل أحد، لكن المسح فيه أظهار لسنة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً وأبداً يحرص على مخالفة أهل الكتاب.

    فمثلاً: الصلاة بالنعلين، أنت الآن لو صليت بالنعلين، سيكون رد الناس عليك شديداً؛ لأن الناس لم يروا أحداً يصلي بالنعلين، فإذا تمكنت أن تصلي في نعليك فافعل إظهاراً للسنة، وإذا تمكنت أن تمسح على الجورب أو النعل أو الخف فافعل إظهاراً للسنة وتعبداً لله عز وجل، وصحة لعبادتك بخلاف من ينكر ذلك، وافعل هذا في وسط لا يعرف هذه السنة.

    نحن كنا مثلاً منذ 20 سنة، والمرأة المنتقبة في الريف عندما كانت تمشي بالنقاب كان الصبيان والأطفال بل والكبار والصغار يرمونها بالطوب ويزفوها من البيت إلى المحطة أو من المحطة إلى البيت.

    لكن الآن والحمد لله بالإصرار على إظهار هذه العبادة لله عز وجل أصبح هذا الأمر طبيعياً جداً، بل أخذ موضع احترام وتقدير وإجلال، بل حتى الذين يجلسون على البوافي يقولون: اتركوا هذه المرأة ولا تؤذوها لئلا تدعو علينا بالليل، فالأوغاد ينظرون إليها باحترام وإجلال.

    كذلك الملتحي، ففي كل ثلاثين أو أربعين قرية أو في مركز من المراكز أو في محافظة من المحافظات نادراً أن تجد شخصاً ملتحياً، وهذا كان قبل 30 إلى 40 سنة.

    وعند أن تجده تجده أضحوكة الناس، حتى الأم كانت تخوف ابنها فتقول له: أتعرف عمك الشيخ محمد، لو لم تسكت سأحضره إليك يعضك ويأكلك ويعمل كذا، بل صوروه بأنه بعبع هو الذي يعض الأولاد ويؤذي الأولاد ومن هذا القبيل.

    والحمد لله! الآن الشباب الملتحي منتشر في كل بيت من بيوت الريف والمدينة، في كل بيت وضع الله عز وجل من يظهر الدين فيه.

    فإظهار السنة أمر مهم جداً؛ ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يخلع نعله خصوصاً للصلاة ولا يلبسه خصوصاً للصلاة، فإذا أدركته الصلاة منتعلاً صلى منتعلاً، وإن أدركته حافياً صلى حافياً، على حاله التي أدرك عليها وقت الصلاة.

    وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (صلوا في نعالكم، فإن اليهود لا يصلون في نعالهم). وفي رواية: (خالفوا اليهود والنصارى). وفي رواية: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم). خالفوهم يعني: صلوا في نعالكم. (وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعله، وبينما كان في بعض صلاته أهوى إلى خفه فخلعه وألقاه عن يساره، فأهوى الصحابة إلى نعالهم فخلعوها فألقوها، فلما فرغ من صلاته عليه الصلاة والسلام قال: ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ قالوا: يا رسول الله! وجدناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. قال: إن جبريل نزل وأخبرني أن بهما أذى أو قذراً، فإذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلينظر في نعليه، فإن كان بهما أذى أو قذراً فليدلكهما بالأرض وليصل فيهما)، أي: فإذا كنت على قارعة الطريق أو في ساحة عمل، أو مكان يصلح بأن تصلي بالنعل فلا بأس بإظهار هذه السنة، من باب إحياء السنن وإماتة ما استقر في قلوب الناس أن هذا هو الدين.

    قال: [قال المعتمر بن سليمان : ما بلغ أبي أمران إلا أخذ بأشدهما. وأبوه هو سليمان التيمي ، كان من أكابر المحدثين، روى له البخاري ومسلم .

    كان دائماً يأخذ بالعزيمة، ثم قال: إلا أمراً واحداً هو المسح على الخفين فإنه كان يمسح]. يعني: يريد بذلك اتباع السنة.

    قال: [عن عبدة بن أبي لبابة قال: إني لأبادر الحدث لبس الخفين تشييداً للسنة]. يعني: لا يريد أن ينُقض وضوؤه، إنما يتكلف ذلك حتى إذا قضى حاجته التي لا حاجة له فيها ذهب فمسح على الخفين، تشييداً للسنة. والتشييد هو البناء، أي: رفعاً لراية السنة.

    يقول الشيخ ابن بطة في نهاية الباب: [فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر به أصحابه والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة واتباع الآثار ما فيه بيان وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خيري الدنيا والآخرة، فإنه قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

    وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه، ونعوذ به ممن كان موصوفاً به، فإنه قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].

    ورحم الله عبداً بذل الحذر، واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة].

    وكان ابن عوف يقول لنا: رحم الله رجلاً لزم هذا الأثر، ورضي به وإن استثقله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.