إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - مقدمة الكتاب [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر كتاب الإمام اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من أهم الكتب المصنفة في العقيدة؛ لما حوى من المسائل المهمة، وقلَّ أن تجد مصنفاً بعده لا يستفيد منه، وقد كان سبب تأليفه كما يقول مؤلفه هو طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف كتاباً في شرح اعتقاد أهل السنة، وكذلك انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة وانشغالهم عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى.

    1.   

    التعريف بكتاب أصول الاعتقاد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    فمع كتاب (أصول الاعتقاد) للإمام أبي القاسم اللالكائي ، وقد تناولنا في الدرس الماضي حياة الإمام من حيث اسمه ونسبه وطلبه للعلم ورحلته وثناء العلماء عليه وغير ذلك.

    وسنتكلم عن الكتاب -وهو محل الدراسة- فنقول: التعريف للكتاب يشتمل على عدة موضوعات: اسم الكتاب، موضوع الكتاب، سبب التأليف، أجزاء الكتاب، تاريخ تأليفه، توثيق الكتاب، منهج المؤلف في هذا الكتاب، قيمة الكتاب العلمية، المآخذ التي أخذها أهل العلم على الكتاب.

    اسم الكتاب

    أولاً: اختلف أهل العلم في اسم الكتاب، فمنهم من قال: هو (السنة)، ومنهم من قال: هو (شرح السنة)، ومنهم من قال: (شرح اعتقاد أهل السنة)، ومنهم من قال: (أصول السنة)، ومنهم من قال: (شرح حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، ومنهم من قال: (حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، أي: بغير كلمة (شرح)، ومنهم من قال: (السنن)، ومنهم من قال: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، وهذا هو الموجود على غلاف الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الموجود كذلك في النسختين المخطوطتين اللتي اعتمد عليهما محقق الكتاب. وهو الاسم الذي ترجح لنا أنه اسم الكتاب؛ لوجوده على غلاف النسختين الموجودتين: الظاهرية والهندية.

    وأما بقية الأسماء الأخرى التي اختلف فيها أهل العلم فإنها تصلح أن تكون أسماء لكتب المعتقد، وهي مذكورة في الفهارس أو في كلام العلماء، وهذا الخلاف إنما نشأ لأن المؤلف صنف كتاباً في العقيدة على منهج أهل الحديث، ولم يختر لكتابه اسماً، فاختلف أهل العلم في تسمية الكتاب على النحو الذي ذكرناه.

    يقول هنا: وأما مؤلف الكتاب فلم يجعل له عنواناً، وإنما ذكر في المقدمة موضوع الكتاب فقال: [ وقد كان تكررت مسألة أهل العلم إياي عوداً وبدءاً في شرح اعتقاد مذاهب أهل الحديث ]. أي: أنه يريد أن يقول: إنهم طلبوا مني أن أصنف كتاباً في العقيدة على مذهب أهل الحديث ففعلت، وهذا هو الكتاب.

    أما هو فلم يضع عنواناً بعينه لهذا الكتاب، وإنما ذكر أنه صنفه على سبيل أهل السنة والجماعة. أي: على طريق ومنهج أهل السنة والجماعة.

    موضوع الكتاب

    أما موضوع الكتاب فهو يبحث في المسائل الاعتقادية على منهج أهل الحديث ومذهبهم، وهو ما عرف (بأهل السنة والجماعة ).

    يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: [ ولم آل جهداً في تصنيف هذا الكتاب ونظمه على سبيل أهل السنة والجماعة ]، فمرة يسميه: (سبيل أهل الحديث) ومرة يسميه: (طريق أهل السنة والجماعة) وكلاهما واحد.

    وقد جعل المؤلف لكتابه مقدمة اشتملت على عدة أمور منها:

    أولاً: بيان ما كان عليه السلف من اتباع للأثر واجتناب للبدع والنهي عن مناظرة أهلها. أي: أن أول مسألة تكلم فيها الإمام في مقدمة الكتاب هي: بيان ما كان عليه السلف من اتباعهم للأثر، وهذا بلا شك يختلف مع أهل البدع والضلال، فإنهم ليسوا متبعين للأثر، وإنما هم يقدمون العقل على النقل كما ذكرنا ذلك في الدرس الماضي، ولذلك تجد أن من أعظم الفروق بين أهل السنة والجماعة وبين أصحاب الاعتقاد الفاسد أو الفكر المنحرف: أن هؤلاء يقدمون العقل على النقل.

    ثانياً: التعريض بالمنهج العقلي -أي: ذمة ولو من طرف خفي- وذم رواده من المعتزلة، وذكر جهلهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذي يتكلم عن فضل التمسك بالأثر واتباع منهج السلف في ذلك لابد وأنه ولو لم يتكلم عن المواقف فإنه يشتمل ذلك ضمناً على ذم ما خالف ذلك. أي: من خالف ذلك من المعتزلة، ومن أتى بعدهم في تقديمهم العقل على النقل.

    ثالثاً: الإشارة إلى بداية ظهور البدع وموقف العلماء والحكام من المبتدعة.

    رابعاً: ذكر فضل أهل الحديث ووجه تسميتهم بهذا الاسم.

    خامساً: ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب.

    سادساً: بيان منهجه وشرطه في تصنيف هذا الكتاب.

    وهذا ما يتعلق بموضوعات المقدمة، إذ إن كل موضوع منها، وكل جزئية منها تصلح أن تكون موضوعاً طويلاً عظيماً؛ لأنها تعد معالم في أصول أهل السنة والجماعة، وفي منهج أهل السنة والجماعة.

    بل إن كل مسألة من هذه المسائل التي معنا جديرة بالدراسة والتوسع فيها، ولذلك لو لم يكن في الكتاب إلا هذه المسائل لكفى، فضلاً عن أنه جعل ذلك مقدمات لأصل الكتاب.

    أما أصل وموضوعات الكتاب فقد جعلها المؤلف في مجلدين:

    المجلد الأول: تكلم فيه على موضوعات معينة.

    الأول: ذكر أسماء علماء أهل السنة والجماعة. أي: الذين تكلموا في مسائل الاعتقاد.

    الثاني: الحث على التمسك بالسنة واجتناب البدعة؛ لأن هذا أصل من الأصول، ولذلك كرره المؤلف، فمرة يذكره في المقدمة، ومرة يذكره في آخر كتابه. فيسوق نصوصاً في آخر الكتاب للدلالة على ذلك تختلف عن النصوص التي ساقها في مقدمة الكتاب.

    الثالث: التوحيد وأسماء الله وصفاته.

    الرابع: ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة في القرآن.

    الخامس: النهي عن التفكير في ذات الله عز وجل.

    السادس: مبحث القدر.

    السابع: البعثة النبوية والمعجزات.

    الثامن: جزء من مبحث الإيمان.

    وأما المجلد الثاني: فإنه يحتوي على الموضوعات الآتية:

    الأول: تكملة لمبحث الإيمان.

    الثاني: المرجئة.

    الثالث: أبواب في المعاصي والتوبة.

    الرابع: القبر وما فيه.

    الخامس: الأمور الواقعة يوم القيامة.

    السادس: المخلوقات غير المرئية كالملائكة والجن.

    السابع: علامات الساعة الكبرى والصغرى.

    الثامن: الفضائل، وهو ما سماه بكتاب: (الكرامات)، وبين معتقد أهل السنة والجماعة في الكرامات.

    سبب التأليف

    أما سبب تأليفه لهذا الكتاب فيقول: ما دفعنا إلى تأليف هذا الكتاب إلا سؤال بعض أهل العلم له أن يؤلف كتاباً في: (شرح اعتقاد أهل الحديث)، وهذا هو السبب الأول.

    الثاني: انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة والانشغال عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى مما أدى إلى ضياع الأصول القديمة التي أسست عليها الشريعة. أي: عندما رأى أن معالم الشريعة كادت أن تطمس في زمانه، ورأى انصراف أهل السنة عن بيان ذلك والتأليف والتصنيف فيه، تصدى لذلك بناء على طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف في هذا الموضوع.

    أجزاء الكتاب

    وأما أجزاء الكتاب فقد جعله في مقدمة وجزأين، وقد ذكرنا النقاط والموضوعات التي تكلم فيها في المقدمة وفي الجزأين.

    تاريخ التأليف

    أما تاريخ تأليف هذا الكتاب فإنه كان قبل موته ببضع سنوات. ونحن قلنا: إن الرجل قد درس المذهب الشافعي ببغداد، وكان من أكابر الفقهاء والمحدثين، ولم يظهر ذلك إلا في آخر أيام حياته.

    وقد أورد في هذا الكتاب جملة مستكثرة من الأحاديث والآثار والموقوفات والمقطوعات على التابعين وغيرهم، مما يدل على أن هذا الجهد العظيم لابد وأن يسبقه رحلة طويلة وزمن بعيد جداً في تحصيل هذه الأقوال.

    فهذه علامات وقرائن تدل على أن هذا الرجل قد صنف هذا الكتاب في آخر حياته، فضلاً أن بعض النقول تدل على ذلك، ولذلك يقول رحمه الله وهو يذكر كتاب القدر الذي أمر بقراءته على المنابر:

    [ وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد رحمه الله في جمادي الآخرة سنة 413هـ ]، والرجل مات سنة 418 .

    ثم يقول: الطريثيثي في سند رواية الكتاب: (حدثكم الشيخ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ في ربيع الأول سنة 416) والرجل مات سنة (418)، وغيرها من النقول التي تدل على أن هذا الكتاب ألف في آخر حياة الإمام.

    توثيق الكتاب

    في الحقيقة هناك نقولات كثيرة جداً عن الإمام الكبير ابن الجوزي -وهو تلميذ الإمام- وعبد الغني المقدسي رحمه الله، وعن أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بـأبي شامة صاحب كتاب البدع، وعن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعن ابن أبي العز الحنفي ، وعن الإمام الذهبي ، وابن حجر العسقلاني ، والسيوطي ، وغيرهم من أهل العلم الذين وثقوا نسبة الكتاب إلى المؤلف.

    منهج المؤلف

    ذكر المؤلف رحمه الله منهجه في مقدمته، وبين الطريقة التي سيتبعها في التأليف وهي:

    أولاً: أنه لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى تصفح عامة كتب الأئمة الماضين، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهداً في تصنيفه. لذا فمن أراد أن يصنف وأن يكتب وأن يضع السواد على البياض فينبغي إن كان سلفياً حقاً، ومتبعاً لا مبتدعاً، ومتأنياً لا متسرعاً، أن يعلم أن مذهب أهل العلم أنهم ما وضعوا السواد في البياض -أي: ما وضعوا قلماً في ورقة- إلا على هذا النحو.

    فهو رحمه الله تعالى لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى قرأ في هذا الباب كتب من سبقه، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهداً في تصنيفه. أي: لم يتعجل في تصنيف هذا الكتاب، وإنما بذل فيه جهداً مشكوراً، والمتصفح لهذا الكتاب يعلم ذلك جيداً.

    ثانياً: أنه فصل المسائل الخلافية. ومعلوم أنه تكلم في المسائل الخلافية بكلام مفصل، وبين المحدث لكل مسألة. أي: المبتدع لكل مسألة ثلاثية. ومعلوم أنه لا يتكلم عن الخلافيات في الفقه، وإنما يتكلم عن خلاف أهل العلم في مسائل الاعتقاد، فهو يذكر المسألة التي خالف فيها الخلف مذهب السلف، ويبين من أحدث هذه البدعة أولاً، ثم من تبعه إلى زمانه. وكذلك تكلم عن الفترة الزمنية التي أحدثت فيها تلك البدعة.

    ثالثاً: الاستدلال على صحة مذهب أهل السنة والجماعة بالقرآن الكريم.

    رابعاً: فإن لم يجد فمن السنة.

    خامساً: فإن لم يجد فيهما ولا في أحدهما استشهد بقول الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذا يدل على حجية كلام الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه

    سادساً: فإن لم يجد عنهم فعن التابعين لهم بإحسان.

    سابعاً: ثم أخبر أنه لم يسلك فيه طريق التعصب على أحد من الناس.

    فهذه كلها مناهج سلفية، وكلها مذاهب لأهل السنة والجماعة، ولذلك لأهل السنة والجماعة معالم إذا توفرت في المرء عد منهم، وإذا لم يتصف بها المرء لم يكن منهم، أو كان بعيداً منهم على قدر بعده من منهجهم ومعالمهم.

    قال: [ هذا هو المنهج المكتوب ]. وهناك جانب آخر منه اتبعه المؤلف ولم يذكره وهو:

    أولاً: أن المؤلف اهتم بالجمع فقط من غير تمحيص للأحاديث والآثار التي أوردها، وإن كان قد أوردها بأسانيدها فإنه لابد من ذكر درجتها من الصحة أو الضعف، وخاصة وهو محدث حافظ؛ لأنها تمس أهم جوانب الدين، وهو جانب الاعتقاد.

    وكان هذا مأخذاً أخذه المحقق على المؤلف، وهو في الحقيقة عند عرض هذا الكلام على أصول أهل السنة لا يكون انتقاصاً، فهو يريد أن يقول: إن المؤلف هنا اهتم بقاعدة التقميش التي يقول بها المحدثون، وقاعدة التقميش إذا كنت في موطن أو في محل الكتابة فينبغي أن تأخذ عن كل أحد، وأن تكتب عن كل من هب ودب، وأما إذا كنت في موطن التصنيف، وفي موطن التعليم لغيرك فإنه ينبغي أن تفتش في هذه المجموعات، ولا تحدث إلا بأحسنها وأفضلها.

    والمؤلف رحمه الله تعالى كتب في كتابه كل ما وقع إليه في الباب أو في المسألة، سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً.

    وفي الحقيقة هذا لا يعد كبير عيب؛ لأن قاعدة أهل الحديث أن من أسند نصاً فقد برئ من عهدته، فهو يروي هذه النصوص مسندة، وإذا كان هذا الصنيع في هذا الكتاب فما الحرج عليه بعد ذلك؟ وكأنه أحالك إلى البحث في أحوال الرواة الذين رووا مثل هذا الحديث أو هذا الأثر، وهذا صنيع كثير من الأئمة قبل هذا الإمام وبعده، ولم يعب عليهم ذلك أحد.

    ثانياً: أن المؤلف يعرض الاعتقاد ثم يذكر أدلته سرداً من غير تعليق أو شرح. أي: أنه يتكلم في أصل المسألة التي يريد أن يتكلم فيها، ثم يتكلم بعد ذلك في الأدلة، فيسرد أدلة هذه المسألة، مثل الإمام الطبري في تفسيره، حيث يأتي على الآية ويقول: هذه الآية اختلف في تأويلها على نحو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أقوال. ثم يقول: والقول الأول كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، وأدلة القول الأول كذا وكذا، وهكذا ويذكر بعد ذلك أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين مسندة إلى زمانه، منها الضعيف ومنها الصحيح، بل ومنها الموضوع، ولا يعد هذا عيباً في الكتاب، ولعل المؤلف رحمه الله معذور في ذلك لكثرة النصوص الواردة، إذ لو اتبع هذا المنهج لتضخم الكتاب جداً.

    وعلى أي حال لا يعد هذا عذراً للمؤلف إذا ألزمناه بالشرح والبيان، فكم من كتاب ضخم لم يمل منه أهل العلم.

    ثالثاً: أن المؤلف لم يذكر المذاهب المخالفة في المسألة التي يوردها إلا في أماكن قليلة جداً كما في مسألة: (الاسم والمسمى). أي: الاسم والمسمى لله عز وجل، هل هو واحد أو أن الاسم هو المسمى؟ ستأتي هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

    والمؤلف رحمه الله تعالى إذا أراد أن يتكلم في المسألة لا يذكر المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وهذا أيضاً لا يلزمه، وقد تكلم أهل العلم في حديث افتراق الأمة: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين، قالوا: من هي يا رسول الله؟). انظر إلى سؤال الصحابة: من هي؟ ولم يقولوا: من هم. وفي هذا السؤال إشارة إلى لزوم بيان وجوه عقيدة أهل السنة والجماعة على جهة الخصوص للدلالة على بطلان ما يخالفهم؛ لأن هناك منهجاً أعوجاً يقول: نحن ندرس في اعتقاد الفرق الضالة وما دونه في الاعتقاد، وغير هذا الاعتقاد هو عقيدة أهل السنة والجماعة ضمناً، والرد على هذا: أن هذا كلام لم يسبق له قائل. والصواب: أنه لابد من دراسة عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا بأس بدراسة المذاهب الضالة المنحرفة، لكن هب أن الوقت لا يتسع لمثل هذا، فهل يلزم الطالب أن يدرس عقيدة الفرق الضالة؟ فليدرس في عقيدة أهل السنة وما دونها هي العقائد الباطلة، فيدرس أولاً عقيدة أهل السنة والجماعة، وما دون هذه العقيدة يوضع في سلة مهملة.

    رابعاً: يختم بعض المباحث برؤى ومنامات تشهد لأهل السنة والجماعة بصحة عقائدهم، وتعيب على المخالفين لهم كما فعل في نهاية مبحث القرآن والقدر. مع أن المنامات والرؤى والأحلام لا يستفاد منها لا في باب العقائد ولا في باب الأحكام، وإنما هي مؤثرات فقط، لا من باب الاستشهاد والحجج في إثبات مسألة عقدية أو مسألة فقهية.

    خامساً: يقدم في أول المبحث بعض الآثار بدون سند، ثم يأتي بها بعد بأسانيدها. وهذا الذي فعله الإمام البخاري في المعلقات، ولا عيب هنا؛ لأن البخاري في الجزء الكبير من المعلقات في الصحيح كما في كتاب العلم، أو كتاب بدء الوحي -وهو من أوائل الكتب التي صنفها في الصحيح- يأتي بآثار فيسردها سرداً دون سند، ثم يأتي بها مسندة في نهاية الكتاب، كما في كتاب القدر، أو في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، أو كتاب التوحيد، سواء كانت معلقة في مكان ومسندة في مكان آخر، فهل هذه المعلقات التي أوردها مرة معلقة ومرة مسندة تعد من معلقات الصحيح؟ الجواب: لا؛ لأنه في باب الصحيح أوردها مسندة، وكذلك فعل المصنف هنا، فهو رحمه الله تعالى يأتي بكلام أهل العلم سرداً في معظم المباحث والأبواب ثم يأتي به بعد ذلك مسنداً في مواضع أخرى.

    قيمة الكتاب العلمية

    يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب المصنفة في العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وخاصة في مذهب أهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وقل أن نجد مصنفاً بعده لا يستفيد منه أو يشير إليه، كما رأينا ذلك من قبل في توثيق الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.

    ومن المميزات التي اشتمل عليها المجلد الأول من هذا الكتاب:

    أولاً: أنه أورد وسرد كثيراً من الآثار على ما يقارب (1300) نص ما بين حديث وأثر كلها تتحدث عن مسائل اعتقادية.

    ثانياً: أن هذا المجلد يعد موسوعة لأسماء علماء أهل السنة، حيث يشتمل على ما يقارب (600) من أسماء علماء أهل السنة والجماعة، وهذا يؤكد لنا إجماع الأمة على عقيدة أهل السنة قبل وبعد ظهور الانحرافات في الاعتقاد.

    ثالثاً: أن هذا المجلد حفظ لنا عقيدة أحد عشر إماماً من علماء أهل السنة ذكر في أكثرها مواقفهم من المسائل العقدية التي اختلف فيها أهل العلم.

    رابعاً: يعتبر الكتاب من المستخرجات، حيث أن المؤلف رحمه الله سلك في إيراده للآثار مسلك المحدثين، إذ يورد الحديث أو الأثر بسنده إلى قائله، أي: أنه يريد أن يقول: إن هذا الكتاب فيه فائدة حديثية عظيمة جداً، وهو أنه سلك في إيراده للآثار طريقة المحدثين، وهو ما يسمى في مصطلح الحديث بـ (المستخرج)، والمستخرج هو: أن يعمد المستخرج -بكسر الراء- إلى نص بعينه، كأن يكون في سنن أبي داود ، فيورد هذا النص بسنده هو من غير طريق أبي داود. وهذا بخلاف المستدرك، فإنه بعكس ذلك، ولذلك معظم المستخرجات فيها زيادات، وهذه الزيادات تأتي في الغالب بزيادة المعنى، فإذا أورد النص الموجود عند أبي داود من غير طريق أبي داود فلا يخلو هذا من فائدة في مزيد الأسانيد أو في مزيد النصوص.

    قال: فإذا كان الحديث مخرجاً في أحد الكتب الستة فإنه لا يورده من طريقه، بل من طريق آخر، ولا يكاد يوجد ضمن هذا الكتاب ما يخالف هذه القاعدة. أي: كأن هذا الكتاب في باب العقيدة مستخرج على كل النصوص الموجودة في كتب السنة.

    قال: ولا شك أن وروده من تلك الطريق سيؤدي إلى زيادة أو موافقة لها فائدتها الحديثية.

    هذه هي بعض المميزات التي يتميز بها هذا الكتاب عن ما سبقه من مؤلفات أهل السنة في العقيدة إلى جانب مميزات أخرى لم تذكر.

    المآخذ على الكتاب

    لا يخلو كتاب من الكتب البشرية من صفات النقص والخطأ إذ العصمة لم يجعلها الله تعالى إلا لأنبيائه ورسله، وهذا الكتاب قد أخذ عليه بعض المآخذ منها:

    أولاً: ركاكة خاصة في المقدمة، إذ إنه بعد المقدمة أورد نصوصاً محكمة، بينما المقدمة يغلب عليها السجع المتكلف الذي لا يتضح معه المعنى في بعض الأحيان.

    ثانياً: عدم تنظيم وترتيب الأبواب؛ فإن المسألة تفهم بترتيب مباحثها ومسائلها، وأن تبنى الثانية على الأولى والثالثة على الثانية، والمؤلف لم يهتم بهذا الترتيب، فربما قدم ما حقه التأخير أو أخر ما حقه التقديم، ولا شك أن هذا عيب كذلك.

    يقول: ولم يهتم المؤلف بالعناوين التي تنظم الأبواب والنصوص، فربما يتكلم في عدة مسائل تحت مسمى واحد أو تحت كلمة واحدة، مع أن كل مسألة من هذه المسائل ينبغي أن تفرد بعنوان أو بباب أو فصل أو مبحث؛ لأنه قد يرغب القارئ في قراءة مبحث في القدر، فتجده يتكلم فيه على القرآن، أو تجده يتكلم فيه عن الإيمان بالملائكة، وربما يكون هناك فوائد تظهر لنا عند دراسة الكتاب، لكن على أي حال يعد هذا عيباً في الكتاب من جهة التأليف.

    ثالثاً: عدم صحة بعض الأحاديث والآثار الواردة فيه.