إسلام ويب

أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول أهل السنة والجماعة المقررة عندهم: أن العقل لا يقدم على النقل، وأنهما لا يختلفان إذا صح النقل وسلم العقل من الآفات، ومع هذا فهم لا يقللون من شأن العقل أو يلغونه؛ فإن الشرع بنصوص الكتاب والسنة قد خاطب العقل والعقلاء، وجعل العقل هو مناط التكليف للمرء، ثم هم أيضاً لا يتجاوزون به حدوده، فيبحثون عن الحكمة والعلة في كل شيء، بل ما ظهر منها أخذوا به، وما لم يظهر أسلموا له وأذعنوا.

    1.   

    بيان أهمية العقل في الإسلام وعدم تعارضه مع النقل

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فلا زال الكلام موصولاً عن أصول وخصائص أهل السنة والجماعة، وكنا قد تكلمنا عن الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يقدمون النقل على العقل، وبينا أن ذلك لا يكون إلا عند التعارض، والأصل ألا يختلف عقل صريح مع نص صحيح، ولأجل ذلك صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم الجليل: (درء تعارض العقل والنقل)، وبين أن العقل يتفق تمام الاتفاق مع النقل إذا صح عن الله عز وجل وعن رسوله صلوات ربي وسلامه عليه، وقلنا: لا يمكن أن يختلف العقل مع النقل إلا لأمرين لا ثالث لهما:

    الأمر الأول: عدم ثبوت النقل عن الله وعن رسوله، ويقصد بعدم ثبوت النقل عن الله؛ أي الأحاديث القدسية، أو عن رسوله في أحاديثه النبوية، ولذلك يستحيله العقل ويرده رداً شديداً؛ لأنه لم يثبت ابتداء فضلاً أنه لم يتفق مع العقل.

    الأمر الثاني: عدم إدراك العقل لمقصود النص، النص ثابت لكن العقل يقصر تماماً عن فهمه.

    ومعنى تقديم النقل على العقل: أن النقل يكون حاكماً على العقل وليس العكس، خلافاً لما فعلته الفرق الضالة؛ فإنهم جعلوا العقل حاكماً على النقل، ومعنى حاكم، أي: أن كل واحد منهم إذا قرأ نصاً في كتاب الله أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفهمه، رد النص وقدم عليه العقل، حتى ولو كان آية في كتاب الله عز وجل.

    ولا أقول بإلغاء العقل تماماً، فهذا مما لا ينبغي أن يحدث من عاقل؛ لأن الله في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته إنما خاطب العقل وأمره بالنظر والتفكر والتدبر والعلم والسياحة في ملكوت الله عز وجل، كما أن العقل في بني آدم هو مناط التكليف، فكيف يلغى؟! ولكن الذي ألغيه وأبطله: أن يقف العقل محاداً لله ورسوله، أما إبطال العقل بالكلية فلا، ولذلك آثرت أن يكون هذا الحديث متمماً للدرس السابق ومكملاً له، ومبيناً لأهمية العقل في الإسلام وأنه مناط التكليف.

    خطاب الله للعقلاء في القرآن

    أسوق لك هنا بعض الأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وكذا من المعقول لأهمية العقل؛ لأنه لا يعقل أحد أن الله تبارك وتعالى قد أمر المجنون أو المعتوه الذي غاب عقله بالأوامر والنواهي، كما أن الله تبارك وتعالى إنما خاطبنا في كتابه وفي كلامه العظيم، وأمرنا أن ننظر في ملكوته، في سماواته وأرضه، في بحره وبره، وأن ننظر نعم الله علينا السابغة الظاهرة والباطنة حتى نتعرف عليه من واقع نظرنا وفكرنا وتدبرنا وتفكرنا في نعمائه وآلائه، هذا الذي يعبر عنه الناس بأننا نعرف الله تبارك وتعالى من واقع نعمه وآلائه، وإن كان أهل السنة والجماعة على أن الله تبارك وتعالى يعرف بالنقل لا بالعقل، وإن شئنا أن نجمع بين هذا وذاك نقول: الله تبارك وتعالى يعرف أولاً بالنقل الذي أمرنا به في كتابه، وأمرنا به نبيه عليه الصلاة والسلام في سنته، ثم هو سبحانه وتعالى يعرف بنعمه وآلائه، ثم هو يعرف كذلك بالعقل عند العقلاء.

    فبم أمرنا الله عز وجل في كتابه؟ انظر إلى قوله في سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، هذه الآيات وهذه المعجزات والآلاء والدلائل إنما تدل على القادر عليها، الخالق لها، المصرف لأمرها، ولكن لا يتدبر هذه الآيات إلا العقلاء، ولذلك قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، وقال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ [الرعد:2-3] أي: بسطها: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا [الرعد:3]، والرواسي هي الجبال التي تمسك الأرض أن تميد وأن تمور وأن تذوب فتبتلع من عليها، فالله عز وجل إنما بسط الأرض وجعل الجبال فيها كالأوتاد والمسامير التي تحفظها أن تمور فتبتلع ما فيها: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ [الرعد:3]، من كل نوع من أنواع الثمار جعل زوجين اثنين ذكراً وأنثى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد:3]، وإنما الفكر محله القلب والعقل على السواء: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد:4]، ومعنى صنوان: أي: متحد في الأصل، الأرض واحدة، والماء الذي تسقى به الأرض واحد، فإذا زرعت رماناً وتيناً كان لهذا طعم ولذاك طعم، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن سبحان ربي جعل لهذا طعماً وجعل للآخر طعماً آخر، قال: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد:4]، أنت تقول: أنا أحب الرمان ولا أحب التين، أحب المانجو ولا أحب الجوافة، والأرض واحدة والماء واحد والجو الذي نبت فيه جميع الثمر واحد، ومع هذا أنت تحب هذا ولا تحب ذاك: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4]، فهذا خطاب للعقل كذلك، للدلالة على قدرة الله عز وجل.

    وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ [النحل:10]، ماء السماء أعذب وأطيب ماء على الإطلاق، وهو حديث عهد بربه، كما قال عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان المطر إذا نزل تعرض له النبي عليه الصلاة والسلام، وأدخله بين ثوبه وجلده، وهو يقول: (إنه حديث عهد بربه)، أطيب ماء هو ماء المطر، فالله عز وجل جعل لنا منه شراباً سائغاً، ومعنى سائغاً: عذباً زلالاً ولم يجعله ملحاً أجاجاً، تشربه وتستلذ به مع أنه نزل من السماء قد خالط الدخان والتراب وغير ذلك، ولكن الذي نقاه هو الله عز وجل.

    قال: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10]، أي: وجعل منه بعد مخالطته في الأرض شجراً، فِيهِ تُسِيمُونَ ، أي: ترعون فيه أنعامكم، ومنه الإبل السائمة، والسائمة من الإبل التي لا تربط في مكان معين، إنما تسيم وتهيم في الأرض لتأخذ رزقها من الأرض شرقاً وغرباً.

    يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [النحل:11-12]، ولا غنى لأحد قط عن آلاء الله عز وجل.

    وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ [النحل:12-13]، أي: وما جعل لكم من نعمه وآلائه في الأرض. مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:13-14]، إذا أخرجت الأسماك من البحر حية أو ميتة حل لك أكلها، ولذلك سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).

    وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل:14]، تغوص في أعماق البحر فتستخرج الجواهر واللآلئ، فتكون أغلى وأثمن الزينة على بدنك وبدن امرأتك.

    وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ [النحل:14] وَتَرَى الْفُلْكَ أي السفن: مَوَاخِرَ فِيهِ ، أي: تشق الماء شقاً وتفلقه نصفين، قف على شاطئ البحر وانظر إلى باطنه لابد أن طرفك يرتد إليك بأن باطن البحر أعلى من طرفه الذي تقف أنت عنده، وأنت تنظر إلى السفينة قادمة في وسط البحر يخيل إليك أنها تفلق البحر إلى فلقتين، فانظر إلى آلاء الله ونعمائه عليك.

    وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل:14-17]، الخطاب للعقلاء، الله عز وجل خالق كل شيء، مَن من الناس أو الملائكة أو الأنبياء يستطيع أن يفعل شيئاً أو أن يخلق شيئاً مما خلقه الله عز وجل ويخلقه؟

    وقال تعالى في سورة النحل كذلك: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً [النحل:66]، الأنعام: البقر والغنم والإبل التي تركبونها وتشربون ألبانها لكم فيها عبرة إذا كنتم تعتبرون يا أولي الأبصار والاعتبار: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66]، انظر إلى عظمة هذه الآية! هذه الآية الأنعام كالبقرة مثلاً تأكل البرسيم أو الحشيش أو الزرع، هذا الزرع يمضغ في فمها، ثم يهضم في معدتها، ثم يتحول جزء منه إلى دم في العروق، وجزء منه إلى بول المثانة، وجزء منه إلى لبن في الضرع، ثم الله تبارك وتعالى ينقي هذا اللبن من بين الدم والفرث فيجعل هذا اللبن شراباً سائغاً لذيذاً طيباً مباركاً فيه، تشربه وأنت تستسيغه وتستلذه وهو من بين الروث والدم والبول، تشرب هذا اللبن وقد خرج من بين كل هذا، من الذي نقاه؟ الله عز وجل، ولكن من الذي يعلم ذلك؟ أصحاب العقول، أما المجانين فلا يعرفون شيئاً عن ذلك، بل ولا يطالبون بمعرفة ذلك.

    وقال الله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:67]، كانوا يتخذون من النخيل والأعناب مسكراً قبل الإسلام، فامتن الله عز وجل عليهم بالسكر والشراب الذي اتخذوه من نعمه وآلائه وزروعه وثماره قبل الإسلام، لا يعني ذلك أن المسكر حلال، فقد حرمه الله عز وجل على المؤمن.

    وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل:68] أي: أمر الله تعالى النحل، وهي أحد مخلوقاته: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل:68-69]، تصور أن النحلة تكون فضلاتها شفاء لك! عسل النحل لذة من لذة الدنيا، فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:69].

    وفي سورة الحج الله تعالى يقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، أفلم يسيروا في الأرض للنظر والتدبر والتفكر والاعتبار بقلوبهم وعقولهم، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ ، العمى الحقيقي عمى القلب وليس عمى البصر.

    وفي سورة الروم يقول الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم:19]، أي: بعد موتكم تبعثون وتخرجون كما يخرج الله تعالى الحي من الميت، والميت من الحي، يخرج الله تعالى الدجاجة من البيضة والبيضة، من الدجاجة، حي من ميت، وميت من حي، ويخرج الله تعالى الحب من النبات، ويخرج النبات من الحب، ويخرج الله تعالى الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، حي من ميت، ويفعل ما يشاء إنه على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.

    وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، أي: تنتشرون في ربوع الأرض شرقاً وغرباً، بل وفي السماء كذلك.

    وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]، مَن من الناس يمكن أن يجعل بين الرجل وامرأته مودة ورحمة إلا الله عز وجل؟ لو أن خلافاً نشأ بين رجل وامرأته من الذي يصلح المرأة، ومن الذي يصلح الرجل؟ إن أراد الله عز وجل بهما ضلالاً وحيرة وتيهاً وعذاباً فمن يصلحهم غيره؟ لا أحد، ولذلك يسن لمن وقع في بلية أن يتضرع إلى الله عز وجل بالبكاء والذل والخشوع والخضوع، ويتحرى أوقات الإجابة، ويدعو بالدعوات المسنونة ليصرف الله عز وجل عنه الهم والحزن، ولذلك كان إذا نزل بالنبي عليه الصلاة والسلام هم أو غم قال: (اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وذهاب همي، إلا أذهب الله عنه الهم)، ولذلك هذه النصوص تحتاج إلى قلوب وعقول واعية تتوكل على الله عز وجل، وتدرك حقيقة هذا الكلام، وأنه حق نزل من السماء؛ فإن لاكته ألسنة غير مؤمنة به فإنها لا تنتفع به أبداً، لابد من الإيمان بكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام.

    قال: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22]، خلق الله تعالى الأبيض والأحمر والأسود، وخلق الألسنة مختلفة حتى في بلد واحد، لو أنك ذهبت إلى قرية من قرى الصعيد، فلعلك لا تعي ما يقول لك مخاطبك ومكلمك، اختلاف ألسنة واختلاف ألوان للدلالة على قدرة الله عز وجل، وعلى وجود الله عز وجل، وعلى وحدانية الله عز وجل في خلقه وقدرته.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم:22-24].

    إلى آيات كثيرة جداً تدل على أن الخطاب في كتاب الله إنما هو للعقلاء.

    خطاب النبي للعقلاء في السنة

    وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام تجد نفس الخطاب، فعن علي وعمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رفع القلم عن ثلاثة)، الحساب والجزاء والجنة والنار والثواب والعقاب إنما يرفع عن ثلاثة: (عن المجنون حتى يبرأ)، المجنون الذي لا عقل له حتى يبرأ من جنونه ومن مرضه العقلي؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ولما كان العقل مناط التكليف عند الآدمي استلزم أن يكون له عقل. (وعن النائم حتى يستيقظ)، لو أن إنساناً نام عن الظهر والعصر فلا حرج عليه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، لم يؤثمه ولم يحرجه، بل يصلي ما فاته في نومه من صلاة النهار وإن كان في منتصف الليل وتعتبر أداء لا قضاء، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة)، ينسب الإنسان للتفريط إذا فرط في جنب الله وهو مستيقظ متذكر، أما إذا كان التفريط في النوم فإنه ليس تفريطاً على الحقيقة، بل معفو عنه.

    قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: عن الصغير حتى يبلغ ويكبر، كما جاء في رواية عائشة بلفظ: (وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)، وفي رواية علي عند الترمذي وابن ماجه قال: (وعن الصبي حتى يشب)، أي: يصير شاباً. (وعن المعتوه حتى يعقل).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) المغلوب على عقله، (كل طلاق جائز)، أي: واقع لا محالة، إلا أن يقول مجنون لامرأته: أنت طالق. فلا يقع طلاقه.

    وأخرج أحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين -أي: بين عمودين- فسأل عنه، فقالوا: هذا حبل اتخذته فلانة، فإذا أعيت تعلقت به)، أي: إذا تعبت من طول القيام في الصلاة تعلقت بهذا الحبل وهي قائمة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (خذوا الحبل، فليصل أحدكم ما عقل -أي: فليصل أحدكم ما دام عقله معه- فإذا غلبه النوم أو النعاس فلينم -وفي رواية: فليرقد-) وهذا في صلاة النافلة.

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه، وفي رواية: لتعقل عنه).

    وقال ابن عمر رضي الله عنه: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي، فقام إلى ابن عمر رجل من الناس، فقال: يا أبا عبد الرحمن ! أواجبة هي -يعني: أضحية العيد-؟ قال: قلت لك: إن النبي عليه الصلاة والسلام أقام في المدينة عشراً يضحي، قال: يا ابن عمر أواجبة هي؟ فغضب ابن عمر وقال: أتعقل عني، لقد قلت لك: إنه أقام عشر سنين بالمدينة يضحي)، يقول الترمذي راوي الحديث: وعلى هذا الحديث عمل أهل العلم: أن الأضحية سنة يستحب العمل بها لمن قدر عليها.

    وأخرج أحمد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يا أبا ذر اعقل عني)، يخاطب أبا ذر بأن يجمع عقله وفكره وتدبره ونظره، يعني: افهم عني ما أقول لك، واستوعبه بعقلك جيداً، قال: (لعناق يأتي رجلاً يوم القيامة خير له من مثل جبل أحد ذهباً تركه وراح، أعقلت يا أبا ذر ؟)، يعني: ولد الناقة تقدمه في سبيل الله عز وجل ستلقاه يوم القيامة، (خير لك يا أبا ذر من مثل جبل أحد ذهباً تركته وراءك ولم تقدمه لله عز وجل).

    ثم قال: (يا أبا ذر اعقل عني ما أقول لك: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة)، الذين يستكثرون من جمع حطام الدنيا وأموالها ومتاعها هم في الحقيقة المحسورون يوم القيامة، الموقوفون المحاسبون الذين يتمنون أن لو كانوا فقراء في حياتهم كلها (إلا من قال به هكذا وهكذا)، أي: إلا من أنفق من ماله في كل واد وعلى كل محتاج.. على الأرامل والمساكين والأيتام والفقراء وطلاب العلم وغير ذلك من المحتاجين: (يا أبا ذر ! اعقل عني ما أقول لك: إن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).

    وكذلك أخرج أحمد في مسنده: (أن رجلاً أخذ بزمام ناقة النبي عليه الصلاة والسلام)، يعني: ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعترضه، ثم أمسك بلجام ناقته، وقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يقربني إلى الجنة ويباعدني عن النار؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: فاعقل إذاً أو افهم)، إذا كنت تسأل هذا السؤال فليس أحد إلا ودندنته هذا .. الدخول إلى الجنة والبعد عن النار، ولكني أقول لك كلاماً عظيماً تنجو به من النار وتدخل به الجنة، فاعقل هذا عني وافهمه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً -هذا أول شيء- وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتأتي إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك)، يعني: افعل الخير مع الناس كما تحب أن يفعل الناس معك الخير، قال: (وتكره للناس ما تكره أن يؤتى إليك، خل زمام الناقة) أي: دع الناقة تمشي في سبيلها بعد أن حبستها حتى أخذت سؤلك.

    وفي الصحيحين من حديث أنس أنه قال: (نهينا أن نخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا أن يأتي الأعرابي العاقل من البادية فيسأله ونحن نسمعه).

    وفي حديث ماعز لما زنى، فجيء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقرره مراراً حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أبه جنون؟ قالوا: ما به من جنون يا رسول الله)؛ لأنه لو زنى وهو مجنون لا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس محلاً للتكليف، فكيف يقام عليه الحد؟

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه الشيخان: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن). فأثبت أن العقل يذهب تماماً بالجنون والعته، وأثبت أنه ينقص ثم يعود، وأثبت أنه كامل، وهذا محل التكليف ومناطه.

    وأخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بين يدي الساعة لهرجاً، قلنا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل، قلنا: يا رسول الله! إننا نقتل في كل عام من المشركين كذا وكذا، قال: ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً، ففزع الصحابة أيما فزع، فقالوا: يا رسول الله أوفينا عقولنا في ذلك الوقت)، يعني: أيقتل بعضنا بعضاً ونحن عقلاء، انظر إلى فهم الصحابة وإنكارهم الأمر أشد الإنكار لذلك؛ لأن العقل إنما يأمر بحفظ الدماء لا إراقتها، وغير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية التي تدل على أن العقل مناط التكليف، ولذلك نقدم النقل على العقل حين التعارض، ولا يمكن أن يتعارض النقل مع العقل إلا لأمرين لا ثالث لهما: عدم ثبوت النقل، أو عدم فهم العقل لكلام الله عز وجل، أو كلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    إدراك العقل للأوامر الشرعية وتعليله لها

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    قبول الصحابة للأمور الغيبية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم

    بعض النصوص يقرؤها الناس فيستبعدونها ويقولون: إن هذه النصوص لا يمكن أن تستقيم مع العقل، وهؤلاء بقصد أو بغير قصد جعلوا العقل حاكماً على النص، وحاكماً على النقل، وهذا مسلك خاطئ إلى أقصى حد، فالذي لا يدركه عقلك يدركه عقلي، والذي لا يدركه عقلي يدركه عقل غيري، والذي لا تدركه أنت اليوم بعقلك تدركه غداً بعقلك، والذي لا تدركه أنت في حال جهلك تدركه في حال علمك، والذي لا تدركه في حال ضلالك تدركه في حال هدايتك، فكيف يكون العقل حاكماً على النفس، وأي عقل هو؟ أي عقل هذا الذي يحكم على كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام؟

    (امرأة يراها النبي عليه الصلاة والسلام في النار لأجل هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، اعترض على هذا بعض أرباب العقول.

    وقتيل من الصحابة كان في صف الجهاد، يرى الصحابة أنه من أهل الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أراه من أهل النار في بردة غلها) أي: عباءة أخذها من الغنيمة قبل أن توزع ثمنها أربعة دراهم يدخل بسببها النار، آمن بذلك الصحابة وكفر بذلك من كفر، واستبعدوا ذلك، وقالوا: لماذا لا يعفو الله تعالى عنه ويغفر له بجهاده؟ أيعذبه بسبب بردة ثمنها أربعة دراهم؟

    (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفاً) بسبب كلمة وليس بردة.. كلمة قالها يستهزئ بها أو يسخر، كلمة خرجت منه تسبب سخط الله عز وجل عليه، كذلك (وإن الرجل ليدخل الجنة بكلمة قالها من رضوان الله).

    ونساء كثيرات يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير، أي: تكفر المرأة عشرة زوجها وقد أحسن إليها الدهر كله، فإذا بدا منه شيء في يوم من الأيام، قالت: ما رأيت منك خيراً قط، أنكرت كل عشرته الطيبة وإنفاقه عليها، وتحصينه إياها، ومحافظته عليها وعلى أولادها؛ تنكر كل هذا في لحظة غضب ربما أساء فيها زوجها إليها.

    وكذلك الذين يقتطعون حق إخوانهم بغير حق، قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهم: (من اقتطع حق أخيه المسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، من اقتطع، أي: من أخذ حق أخيه المسلم بيمينه أو بشماله، حتى لو كان بقدمه، إذ ليس تعيين اليمين هنا مقصوداً في النص بقدر ما يكون المقصود هو المعنى، أي: أخذ مال الغير بغير حق، فمن تعدى فقد أوجب الله له النار، (فقال رجل: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان عوداً من أراك) عود من سواك، لا شجرة ولا أرضاً ولا بيتاً، بل أقل القليل من السواك إن أخذه واقتطعه بغير إذن صاحبه، وبغير طيب خاطر منه أو ثمن، فقد أوجب الله له النار.

    (ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد رجل خاتماً من ذهب فنزعه ثم ألقاه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه! -فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن لبس الذهب للرجال حرام، بل هو طريق إلى النار- ثم قال أحد الجالسين لهذا الرجل: خذ خاتمك، قال: والله ما كنت لآخذه بعد أن ألقاه النبي عليه الصلاة والسلام).

    وامرأة دخلت النار لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها؛ لأنها لم ترع حق الجوار بالسب والشتم والصياح والأصوات العالية والتلفزيون والأذى والعري.. وغيره، كل هذا إيذاء للجيران، بل كبيرة من الكبائر.

    ورجل من المهاجرين عذب في قبره بسبب دينارين لم يسددهما، حتى سددهما عنه أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه، سأل النبي عليه الصلاة والسلام: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يوصي به؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة : يا رسول الله صل عليه وعلي دينه، تحمل عنه الحمالة - فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم في آخر اليوم، قال: أين الرجل الذي تحمل الحمالة، فقام أبو قتادة وقال: أنا يا رسول الله، قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: لا، إنما هو اليوم -أي أن الأمر لا يتسع ليوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين، وإنما كان يجب أن يكون القضاء في نفس اليوم- فقال: اذهب فاقض عن صاحبك، وفي اليوم الثاني: قال يا رسول الله قضيت عنه الآن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلده).

    ومر النبي عليه الصلاة والسلام بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) لا يستنزه، أي: لا يستبرئ من بوله، كان يبول كما تبول الحيوانات والدواب، ثم يضع ذكره في ثوبه وينصرف فينجس نفسه وينجس ثوبه، كيف تصح له صلاة مع هذه النجاسة؟ (والآخر كان يمشي بين الناس بالنميمة)، يعني: ليس الأمر الذي بسببه عذبا بأمر شاق عليهما، بل هو أمر يسير، كان بإمكان هذا أن يتطيب من بوله، وكان بإمكان هذا أن يكف لسانه، فلما تركوا الأمر واقترفوا النهي استحقوا العذاب.

    وجوب التسليم بالنقل الثابت

    أيها الإخوة! إن تكذيب قدر الله عز وجل كفر، ورد الأمر على الله عز وجل كذلك كفر، والعبودية الحقة لله عز وجل هي: طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل .

    كثير من الناس الآن يقولون: حديث الذبابة الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وقعت ذبابة في شراب أحدكم فليغمسها وليشرب الشراب، فإن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء). كثير من الناس رد هذا الخبر، لا لأن إسناده منقطع، ولا لأنه شاذ أو منكر، ولا لأن رواته ليسوا عدولاً ولا ضابطين -وهذه معايير ثبوت الرواية- إنما قالوا: هذا الحديث غير معقول ألبتة، عرضناه على عقولنا فلم تقبله، نقول لهم: النقل صحيح يجب التسليم له، والنقل ثابت شئتم أم أبيتم، ويلزمكم الإيمان به، أما عقولكم فينبغي لكم أن تلغوها هنا تماماً؛ لأنها قصرت عن فهم النص مع ثبوته، هذا الذي عنيته بالعقل، وهو العقل الباطل السفيه الذي يقف محاداً لله ولرسوله، فأقول بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا وقعت الذبابة في شراب أحدكم فليغمسها في الماء؛ لأن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء)، وهو لا يدري لما سقطت سقطت بأي الجناحين، فإن كانت سقطت بجناح الشر فجناح الخير يطيب هذا الشر، وينقى الشر من الشراب، وإذا سقطت بجناح الخير فإن جناح الشر لا يؤثر فيه، فتكون بذلك قد عملت بالحديث، ولم تعمل فيه عقلك؛ لأنك هنا غير مكلف بإعمال العقل، وإنما أنت مكلف بالطاعة والسمع والامتثال والانقياد والذل والإذعان والخضوع والإيمان والتسليم المطلق لله عز وجل، وهذا عنوان إيمانك وعنوان إسلامك.

    فالعبودية الحقة لله عز وجل هي طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل معناه، صغيراً أو كبيراً، وافق معقولاً أو خالفه؛ لأن الرب سبحانه وتعالى أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد الذي حقق العبودية لله عز وجل تمام التحقيق هو الذي أطاع معبوده دون تردد ولا شك ولا ريب، ولا توقف ولا سؤال: لم، وكيف؟ لم أمر الله بكذا؟ وكيف يأمر الله تعالى بكذا؟ وكيف ينهى عن كذا؟ وإذا كان العبد لا يطيع الله إلا فيما وافق هواه وعقله لكان المعبود بحق هو الهوى والعقل، لو كنت لا تطيع الله إلا فيما وافق عقلك، فلابد أن تعلم أنك تعبد عقلك ولا تعبد الله تبارك وتعالى على الحقيقة، وربما ذهبت لتطيع عقلك وهواك فوقعت في المهالك والفواحش، كما قال الله تعالى: وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216].

    وجوب الإيمان بالغيب وإن لم تعقل صوره

    لا يمنع أن يكون في الدين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، فبعض الدين بين الله تبارك وتعالى الحكمة منه، وكانت تتمشى مع العقل السليم، لكن الله تبارك وتعالى أخفى على عباده حكمة بعض الأوامر والنواهي ليبتلي إيمانهم أيؤمنون به أم لا، وأنا أضرب لك أمثلة أنت تؤمن بها، ولكنك لا تتصورها، ولا يمكن أن تتخيلها بل ولا تعقلها:

    الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب هل تتصورها؟ الجواب: لا.

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف) من يعقل هذا؟ لا أحد.

    خلق الملائكة: ملك واحد بلغت أجنحته ستمائة جناح، الجناح الواحد يسد ما بين السماء والأرض، من يعقل ذلك؟!

    ولذلك ابتلى الله عز وجل إبراهيم عليه السلام صاحب الحنيفية أبو الأنبياء، وجعل الله تعالى الأنبياء من نسله، ولذلك كان إمام الأنبياء؛ لأنه سلم في غير المعقول، من منا يأخذ امرأته وولده ويتركهما في أرض قفر صحراء لا زرع فيها ولا ماء، لابد أنه قبل الآخرين يحكم على نفسه بالجنون، إبراهيم عليه السلام لما أمر بترك ولده وزوجه في صحراء مكة عند البيت الحرام قبل بنائه وقبل ظهور معالمه.. لما أمر بترك زوجه وولده في هذا المكان القفر تركهم بغير تردد ولا شك ولا ارتياب، ثم انطلق إلى ربه، وكذلك لما أمر بذبح ولده البكر إسماعيل نفذ الأمر مباشرة، فلما علم الله عز وجل منه الصدق والإذعان أنزل نجاة ولده كبشاً يذبح فداء، وهو سنة لجميع أهل الإسلام إلى قيام الساعة، من منا يفعل ما كان يفعله إبراهيم عليه السلام.

    الإيمان عجيب إذا خالطت بشاشته القلوب، ينطلق صاحبه لينفذ كل أمر ويجتنب كل نهي.

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ضرس الكافر يوم القيامة كجبل أحد) ضرس من أضراس الكافر يوم القيامة كجبل أحد، فما بالكم بجميع أضراسه، بل ما بالكم بجميع بدنه كيف يكون الكافر حينذاك؟ لابد من التسليم، وإلا إذا لم تسلم وقعت في التكذيب وهو كفر.

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر)، وهجر هي أرض البحرين الآن، بين قوائم الباب الواحد من أبواب الجنة كما بين مكة والبحرين، وفي رواية: (ما بين مكة وبصرى) أي: الشام، من منا يصدق أن باباً واحداً سعته ما بين البحرين ومكة، أو مكة والشام، من منا يصدق أن في الجنة شجرة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام؟ لابد من الإيمان والتسليم وإلا وقعت في التكذيب والجحود والنكران، لابد أن تقول: سمعنا وأطعنا حتى تتميز عن غيرك، وحتى تكون حقاً مقدماً للنقل على العقل.

    وكذلك القبر وما فيه من عذاب ونعيم نؤمن به إيماناً جازماً، ونؤمن أن هذا القبر الضيق الذي لم يبلغ عرضه متراً وطوله مترين.. نؤمن أنه يفتح لأهل الإيمان وأهل الطاعة حتى يكون مد بصرهم، وينعمون فيه أكثر من نعيمهم في حياتهم الدنيا، كما نؤمن أن هذا القبر يكون على أهل الكفر والجحود والعناد وعلى أصحاب المعاصي حفرة من حفر النار يضيق على صحابه؛ حتى يبعثه الله عز وجل يوم القيامة فيدخله النار، نؤمن بهذا كله، وإن كان المعقول يقول: هذا شيء غير معقول، لكننا لا نحكم عقولنا والحالة هذه، بعض الناس يقول: لابد لي من إثبات الحكمة من الأمر والنهي؛ لأن دين الله تبارك وتعالى مبني على الحكمة، وهو الحكيم الخبير اللطيف سبحانه وتعالى. أقول: نعم، لا يوجد أمر إلهي إلا ووراءه حكمة، لكن الفارق بيني وبينك: أنني أؤمن أن الله تبارك وتعالى أحياناً يبين الحكمة في الأمر والنهي، وأحياناً يخفيها ابتلاء لإيمان العبد.

    نعم، كل أمر ونهي مبني على الحكمة لا محالة، الله تعالى لا يشرع شرعه سدى ولا هباء ولا بغير مصلحة للعباد، وربما ظهرت المصلحة وربما خفيت، لكنها تخفى على العباد ولا تخفى على رب العباد الذي شرعها وأمر بها أو نهى عنها.

    الحكمة في الأمور التعبدية

    بعض الناس يقول في عدة المرأة: إن حكمتها وعلتها استبراء الرحم، وبيان هل في الرحم حمل أم لا؟ الجواب: أن هذا يتبين بحيضة واحدة، فلماذا جعلت العدة لمن تحيض ثلاث حيضات، مع أن براءة الرحم تظهر بحيضة واحدة بعد الطلاق، ثم المرأة هي المرأة، والرحم هو الرحم عند الأمة والحرة، فلماذا جعل الشرع عدة الحرة ثلاث حيضات، وجعل للأمة حيضتين؟ ولماذا جعل الله تبارك وتعالى العدة ثلاثة قروء لمن تحيض، وثلاثة أشهر لمن أيست من المحيض أو الصغيرة المقدور على جماعها والتي لم تبلغ سن الحيض بعد، ولكنها تزوجت قبل الحيض؟ مع أن المرأة التي أيست من المحيض إذا اعتدت بالأشهر فأدركها الحيض أو أتتها حيضة في أثناء أشهرها ولو في الشهر الثالث انقلبت العدة في حقها من الأشهر إلى القروء، ولزمها أن تمكث حيضتين أخريين بعد حيضتها التي أدركتها في الشهر الثاني.

    المرأة الحامل تعتد وعدتها وضع الحمل، هب أن امرأة حاملاً توفي عنها زوجها، المعلوم أن عدة المرأة التي توفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، بعض الناس قالوا: هذا لحرمة الزوج، ولعدم جرح أولياء الميت، فلزم المرأة أن تنتظر أربعة أشهر وعشراً، على أية حال ربما تكون هي الحكمة، لكننا لا نعتمد عليها، بل نقول: إن هذا مردود بأن المرأة لو توفي عنها زوجها وهي حامل، ووضعت حملها وزوجها على فراشه بعد أن مات وقبل أن يدفن حل لها أن تتزوج، فأين الأربعة أشهر وعشراً؟ إنما الأربعة أشهر وعشراً للمرأة التي مات عنها زوجها وهي غير حامل، أما الحامل فعدتها وضع الحمل وإن كان لحظة واحدة، لو أن الرجل شخص بصره إلى السماء ولفظ أنفاسه ثم وضعت المرأة حملها ولا يزال الرجل على السرير، جاز لمن أدرك الرجل قبل أن يدفن أن يتزوج هذه المرأة، فأين الأربعة أشهر وعشراً؟ أين خاطر الأولياء؟

    لابد من التسليم وعدم الاعتماد على العلة والحكمة، فأحياناً تظهر وأحياناً لا تظهر، وهل أنت لا تؤمن بما في كتاب الله ولا بما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام إلا إذا بانت لك العلة وظهرت لك الحكمة؟ إذاً أنت لا تعبد إلا نفسك، فالجانب التعبدي في الإسلام وفي دين الله عز وجل كبير جداً، فالشريعة الإسلامية في عمومها فيها ما يوافق أهل العقل والحجى والحكمة، لكن الجانب التعبدي كبير جداً كذلك، فإن مواقيت الصلاة، وأعداد الركعات من الأمور التعبدية، هل يمكن أن تقول لله عز وجل: لماذا جعلت المغرب ثلاثاً والظهر أربعاً والصبح اثنتين؟ وما هي الحكمة في ذلك؟ إذا كنت لا تؤمن بأمر إلا إذا ظهرت حكمته لك، فقل لي بربك: ما حكمة توقيت الصلاة في هذه المواقيت بالذات وأعداد الصلوات؟ نعم لها حكمة، لكن لا يعلمها إلا الخبير اللطيف سبحانه وتعالى.

    وكذلك كون الزكاة في بعض الأموال دون جميعها، وجعل النصاب في الغنم غير البقر.. غير الإبل.. غير الزروع.. غير الثمار، فكل له مقدار وله توقيت، فزكاة المال 2.5% إذا حال عليه الحول وبلغ النصاب، ربما يقول قائل: لماذا 2.5 بالذات، لِمَ لمْ يكن 2 فقط، أو 3 أو 5؟ أقول: آمنت بالله وصدقت النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك أعمال الحج من طواف وسعي وتقبيل للحجر والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ومنى ورمي الجمار، كلها أعمال تعبدية، ولذلك تحرج عمر رضي الله عنه من تقبيل الحجر الأسود، ولولا أنه رأى النبي عليه السلام يقبله ما قبله؛ لأن عمر أمر بما أمر الله تعالى به ورسوله، لذا يسمع ويطيع وإن كان الأمر فوق المعقول، يقول عمر : والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك، وهذا إيمان من عمر .

    كما أن العقوبات والحدود الشرعية أمور تعبدية، لا يمكن أن يقال لله: لمَ، وكيف؟ فعقوبة الزاني المحصن تختلف عن غير المحصن، عقوبة الزنا غير عقوبة السرقة، عقوبة السرقة غير عقوبة قطع الطريق، فالله عز وجل رتب لكل عقوبة حداً معيناً، لا يجوز لأحد أن يعترض على الله، بل نقول: سمعاً وطاعة لله عز وجل، ولذلك جعل الله عز وجل عقوبة السرقة قطع اليد، لكن ليست أي سرقة، سرقة من حرز وربع دينار فصاعداً، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا قطع في أقل من ربع دينار فصاعداً)، أما أقل من ربع دينار فيعزر السارق، وربع دينار فصاعداً يحد حداً، وتقطع يده من الرسغ، أي: تقطع كفه اليمنى، فإذا سرق ثانية قطعت كفه اليسرى، أما إذا عتدى أحد عليك فقطع يدك، فالدية خمسمائة دينار، فلماذا لا تكون ربع دينار؟ لأن العقل يقول هذا، ولذلك بعض الملاحدة قال:

    يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار

    يعترض على الله عز وجل، يقول: هي ديتها خمسمائة دينار، فلماذا تقطع في ربع دينار؟ إما أن تكون ديتها ربع دينار أو أنها لا تقطع إلا إذا سرقت خمسمائة دينار فصاعداً، فرد عليه المؤمن الموحد وقال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، فافهم حكمة الباري. لما كانت أمينة واعتدي عليها استحقت دية عظيمة خمسمائة دينار، فلما خانت ومدت يدها لأموال الناس بغير حق وسرقت هانت.

    رد الشبهات في جانب الحكمة والتعليل في الأمور التعبدية

    هذا المخذول المعتوه الملحد مصطفى محمود خرج علينا منذ شهر بفرية أخرى، وهو أقل من أن يأتي بشبهة من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه يقرأ لسلفه من الملاحدة والطاعنين في دين الله عز وجل، فيأتي بشبههم، فإذا انطفأت النار وهدأ الجو تلقف شبهة أخرى من أسياده، فهو يقول الآن ويدندن حول قول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، والآية خاصة بالإماء لا بالحرائر، فإذا أتت الأمة الزنا، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ أي: الحرائر مِنَ الْعَذَابِ .

    يقول وهو يضحك تارة ويبتسم أخرى: لقد استدركت على ربي، هكذا أراد أن يقول، لكن ربما استحى أن يقول هذا باللفظ، فيقول: إذا كانت الأمة عليها إذا زنت نصف ما على المحصنة من العذاب، ولكن لو زنت الحرة المحصنة رجمت حتى الموت، فكيف ينتصف الموت في حق الأمة؟ ولعلك إذا سمعت هذا مني قلت: نعم، كلامه صحيح.

    الجواب: أنه قد جاء في صحيح مسلم والبخاري وغيرهما أنه (لا رجم على الأمة ألبتة)، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت الثالثة -وقال الراوي ولا أدري أقال ذلك في الثالثة أم في الرابعة- فليبعها ولو بحبل) ولم يقل: ليرجمها، وإجماع أهل العلم على أن الأمة إذا زنت وهي محصنة فلا رجم عليها، تشهد لذلك النصوص التي وردت عن النبي، بل أمة للنبي عليه الصلاة والسلام زنت فحدها بخمسين جلدة.

    والأمر طويل، والشبهات كثيرة جداً، ومردها إلى مرض القلوب الذي يتقلب فيه الملاحدة بالليل والنهار طعناً في دين الله عز وجل، وما أباحه الله تعالى وحرمه.

    هناك أمر تعبدي آخر، وهو: أن الله تبارك وتعالى أباح البيع وحرم الربا، مع أن الصورة واحدة في البيع والربا، مع أن المرابي قد يكسب ديناراً واحداً، والبائع يكسب ألف دينار والبيعة واحدة، ومع هذا أحل الله هذا وحرم ذاك؛ حتى نقول: سلمنا وآمنا.

    وقد أمرت المرأة ألا تحد على أحد قط أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً، يعني: المرأة لا تحد على أبيها ولا أمها ولا أخيها ولا عمها، وهم أقاربها بالدرجة الأولى إلا ثلاثة أيام، ويحرم عليها أن تحد عليهم اليوم الرابع، أما زوجها فيحرم عليها أن تخرج من بيتها حداداً عليه قبل مرور أربعة أشهر وعشرة أيام، لماذا؟ سلمنا وآمنا، وهذا هو الابتلاء في الدين؛ ليختبر الله تبارك وتعالى إيمانك.

    وغير ذلك من الأمور التي وردت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبداً أن يقف أمامها العقل، وليس له إلا أن يقول: سلمنا وآمنا.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد.