إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏الزهد والرقائق
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب ‏الزهد والرقائق - أكثر أهل الجنة الفقراء - قصة أصحاب الغار

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏الزهد والرقائق - أكثر أهل الجنة الفقراء - قصة أصحاب الغارللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجنة هي سلعة الله الغالية، والتي لا تتحصل بالمال والجاه وإنما بالعمل الصالح، وما وقر في قلب العبد من التقوى والإيمان، ومصداق ذلك أن أكثر أهل الجنة هم الفقراء، وهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة سنة كما في بعض الآثار.

    1.   

    باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    شرح حديث: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)

    شرح حديث: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)

    شرح حديث: (إن أقل ساكني الجنة النساء)

    قال: [ وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي - وهو معاذ العنبري - قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح -وهو الضبعي البصري يزيد بن حميد - قال: كانت لـمطرف بن عبد الله -وهو ابن عبد الله الشخير - امرأتان فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة؟ -أي: الزوجة الثانية- فقال: جئت من عند عمران بن حصين فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أقل ساكني الجنة النساء) ] يعني: وافق القدر أن يسمع من عمران بن حصين ما يكون سبباً لتأديب امرأته، أن النبي عليه الصلاة والسلام اطلع في النار فوجد أن أكثر أهلها النساء، وأنه أخبر أن أقل ساكني الجنة هم نساء الدنيا، فهو يثبت لها أن حظها في الجنة قليل إن لم تستقم، فما بالها تسأل هذا السؤال؟ وما سألته إلا على سبيل التبكيت والتقريع له، ولذلك ألقمها حجراً بما سمعه آنفاً من عمران بن حصين.

    قال لها: (لست من عندها أتيت، ولكني أتيت من عند عمران بن حصين رضي الله عنه، وحدثنا أن أقل ساكني الجنة النساء) فقد كلمها كلاماً جميلاً ما استطاعت أن تقول له: أنت تشتمني أو تسبني؛ لأنه سمع حقاً أن عمران بن حصين ذكر مرفوعاً: (أن أقل ساكني الجنة النساء) .

    [ وحدثنا محمد بن الوليد بن عبد الحميد - وهو المعروف أو الملقب بـحمدان القرشي البصري - قال: حدثنا محمد بن جعفر -أي: البصري غندر - حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً يحدث: أنه كانت له امرأتان. بمعنى الحديث السابق ].

    معنى قوله: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)

    أما قوله عليه الصلاة والسلام: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين). فالمسكين هو: الخاشع المتذلل الفقير إلى الله عز وجل، وليس معناه أنه فقد كل متاع الدنيا، ويبين لنا ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين) فالمسكين بمعنى المتذلل الخاضع الخاشع في الدين القائم الصائم، وغير ذلك من أحوال التعبد والاجتهاد فيه.

    ولا يمنع أن يكون المسكين على هذا النحو فقيراً كذلك، فلو جمع إلى العبادة والخشوع والذل والخمول وترك الكبر والتكبر فقراً وقلة حاجة لكان هذا أولى له.

    معنى قوله: (وإذا أصحاب الجد محبوسون)

    قوله: (وإذا أصحاب الجد محبوسون). أصحاب الجد اختلف فيهم أهل العلم: هل هم أصحاب الولايات والسلطات والزعامات والإمارات أو أن الجد المقصود به المال؟

    فإن كانوا أصحاب المال فهم محبوسون -أي: موقوفون- بين يدي الله عز وجل يسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها. وإذا كانوا أصحاب سلطة وإمارة فهم كذلك محبوسون وموقوفون بين يدي الله عز وجل، وإن الفقراء المساكين ليدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام.

    وإن كان يقصد بأهل الجد أصحاب الولايات والإمارات؛ فإنهم يسألون عن رعاياهم ماذا عملوا فيهم؟ هل قاموا لهم بواجب النصح والإرشاد والتعليم، وحملهم على طاعة الله عز وجل، وتأديبهم، وإقامة الحد فيهم على معصية الله عز وجل؟ أم أنهم لم يعنيهم دين الله عز وجل وإنما اعتنوا بجمع الأموال والحفاظ على كراسيهم. فأصحاب الجد إما أن يكونوا من أصحاب الولايات أو من أصحاب الأموال، وفي كلٍ ورد الخبر بأنهم محبوسون وموقوفون للسؤال عن ما كان منهم، إما عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها، وإما عن ولاياتهم ماذا عملوا فيها، وهل قاموا بواجب نصح الأمة أم لا.

    خلاف العلماء في الأفضلية بين الغني الشاكر والفقير الصابر

    قال: وفي هذا الحديث: تفضيل الفقر على الغنى، وكذلك فضيلة الفقراء على الأغنياء، لكن بلا شك هذه مسألة خلافية قديمة بين أهل العلم، وقد اختلف اختلف العلماء: أيهما أفضل: الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟

    وقلنا: شكر الغنى هو مراعاة حق أصحاب الحق في هذا المال بإخراج الزكاة وصدقات التطوع وغير ذلك. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الغني الشاكر على هذا النحو أفضل من الفقير الصابر؛ لأن الفقير الصابر خيره ونفعه وعبادته لم تتعد إلى غيره وإنما اقتصرت عليه، فهو وحده المستفيد بهذا الصبر، أما الغني الشاكر فخيره متعد إلى الغير.

    هب أن رجلاً صائماً قائماً عابداً، ليس له شغل إلا هذا وليس له مال، فهو بخلاف الرجل الغني القائم الصائم الصابر الذي يعرف حق الله تعالى في هذا المال، فهو ينفق منه هكذا وهكذا ويقول به في كل ميدان، يجهز به الجنود والغزاة، ويساعد به الفقراء والأيتام والأرامل والمساكين وغير ذلك. فلا شك أن نفع هذا خير من نفع الرجل الصابر الفقير.

    قال: أما قوله: (إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار). أي: من استحق من أهل الغنى النار لكفره وعناده وجحوده دخل النار، أو من كان من أهل الغنى ولكنه عاص واستوجب عصيانه دخول النار دخل النار.

    شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ...)

    قال: [ حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم ] وهو أبو زرعة الرازي الإمام الكبير وهو من أقران الإمام مسلم ، وهو من أئمة الجرح والتعديل، بل الإمام مسلم لم يرو له في صحيحه إلا هذا الحديث مع أنه صاحب فضل على مسلم ومسلم كما يقول الإمام الذهبي : كان عنيداً جداً، وكانت به حدة العجم، فلهذا لم يرو عن البخاري حديثاً واحداً مع أن البخاري شيخه.

    وفي هذا قصة طويلة لعلكم سمعتموها: أن البخاري لما نزل نيسابور طريداً شريداً بسبب الوشايات التي حدثت عليه بسبب فتنة خلق القرآن، دعاه محمد بن يحيى الذهلي لأن يدخل نيسابور، فلما أشرف على الدخول خرجت إليه نيسابور برجالها ونسائها وأطفالها يملئون الطرقات والشوارع ومداخل البلد يستقبلون الإمام البخاري، فأنزلوه في دار، وإذا بهذه الدار تمتلئ بأهل البلد حتى صعد الناس السطوح فملئوها حتى لم يبق موضع قدم، وطلبوا من البخاري التحديث، فلما حدث ببضعة أحاديث اجتمعت البلد كلها للسماع من الإمام البخاري وفيهم مسلم ، والإمام محمد بن يحيى الذهلي قد خلا مجلسه تماماً من الطلاب، فتحرك داعي الحسد في قلب محمد بن يحيى الذهلي وهو يعلم أن البخاري موقفه سليم في مسألة خلق القرآن ولكنه غلبه الشيطان في لحظة ضعف، فوشى بـالبخاري عند حاكم نيسابور وقال: إنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فطرد الإمام البخاري مرة ثانية من نيسابور بسبب هذه الفتنة، وكان الإمام مسلم من أجل تلاميذ محمد بن يحيى الذهلي ، فلما انصرف البخاري بعد أن سمع منه مسلم جملة مستكثرة من الأحاديث لمدة دقائق في نيسابور انطلق مسلم ليسمع مرة أخرى من الذهلي ، فلما رآه الذهلي شق عليه ذلك فقال: من كان يحضر مجلس البخاري ويقول بقوله لفظي بالقرآن مخلوق فليقم عن مجلسنا. فعلم مسلم أن هذه الرسالة موجهة إليه وكانت فيه حدة، فقام مغضباً من المجلس وانطلق إلى بيته وأرسل ما كان قد سمعه من كتبه عن محمد بن يحيى الذهلي ، وكانت قد بلغت حمل بعير.

    فحملها كلها على ظهر البعير ثم أرسل بها إلى محمد بن يحيى الذهلي وقال: لا حاجة لنا في حديثك ولا نحدث كذلك عن البخاري .

    ولذلك خطَّأ كثير من أهل العلم الإمام مسلم في تركه الرواية عن الذهلي وعن البخاري في آن واحد. وقالوا: ولو روى عن الذهلي لروى إلينا علماً كثيراً غزيراً.

    وهو كذلك لم يرو عن أبي زرعة الرازي إلا هذا الحديث الذي بين أيدينا، مع أنه وإن كان قريناً له إلا أنه في منزلة شيخه. قال الإمام مسلم : لما صنفت الصحيح عرضته على أبي زرعة الرازي فما استبعده استبعدته، وما تركه أبقيته. فالإمام مسلم يعلم قدر أبي زرعة الرازي، وانفراده بالرواية عن أبي زرعة لهذا الحديث يعد دقيقة من دقائق الإسناد عند الإمام مسلم .

    قال: [ حدثنا ابن بكير -وهو يحيى بن عبد الله بن بكير - حدثني يعقوب بن عبد الرحمن -وهو المدني القاري، نزيل الإسكندرية في مصر- عن موسى بن عقبة المدني - صاحب المغازي - عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: (كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك) ].

    والفجاءة هي: البغتة. يعني يأتيك الأمر على غير توقع. فالإنسان الذي بلغ من العمر ستين أو سبعين أو ثمانين سنة وهو مريض فإنه يزار، فلو سمعنا أنه مات فليس في ذلك شيء من الفجأة؛ لأن الكل يتوقع موته. أما أن إنساناً شباباً يتحرك بكل حيوية وفتوة وفجأة سمعنا أنه سقط ميتاً، فلا شك أن هذا موت الفجأة وهو من علامات الساعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من هذا، وبين في أحاديث أخر أن هذا من علامات الساعة.

    شرح حديث: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)

    قال: [ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان - وهو ابن عيينة ؛ لأن سعيد بن منصور لا يروي إلا عنه- ومعتمر بن سليمان - وهو التيمي - عن سليمان التيمي - وهو سليمان بن طرخان التيمي - عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء) ].

    أعظم فتنة يمكن أن يمر بها الرجل هي فتنة النساء عموماً، فتنة النساء الأجانب وكذلك الزوجة، بل الفتنة غالباً إنما تأتي من قبل الزوجة أكثر من مجيئها من قبل النساء الأجنبيات، فيفتن المرء مع امرأته في معاملة أمه وأبيه مثلاً، أو في معاملة أهله وجيرانه، أو في معاملة أصدقائه وغير ذلك، ففتنة الزوجة أعظم بكثير من فتنة المرأة الأجنبية في الشوارع.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وسويد بن سعيد ومحمد بن عبد الأعلى جميعاً عن المعتمر قال ابن معاذ : حدثني المعتمر بن سليمان قال: قال أبي: حدثنا أبو عثمان عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - رضي الله عنهم - : أنهما حدثا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء) ].

    شرح حديث: (... فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ...)

    قال: [ وحدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة - وهو سعيد بن يزيد الأزدي البصري الملقب بـالقصير - قال: سمعت أبا نضرة - وهو المنذر بن مالك بن قطعة - يحدث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

    قال: ( قوله: (إن الدنيا حلوة خضرة، فاتقوا الدنيا) معناه: تجنبوا الافتتان بها كما تتجنبوا الافتتان بالنساء، وتدخل في النساء: الزوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزوجات -كما قلنا- لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن.

    وقوله: (الدنيا خضرة حلوة): يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما: حسنها للنفوس، ونضارتها ولذتها. فالنفس دائماً تميل وتركن إليها؛ لأن فيها المتع واللذات والشهوات وغير ذلك. قال: (كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً فكذا الدنيا.

    والثاني: سرعة فنائها). والمعلوم أن كل أخضر مصيره إلى الجفاف والذبول واليبس، فكذلك الدنيا لا بد أن تفنى وأن تزول كما يزول الأخضر ويحل محله اليابس.

    قال: ( ومعنى: مستخلفكم فيها) أي: يجعلكم في الدنيا خلفاً لمن سبقكم، ويجعل لكم خلفاً لمن تسبقونهم، لا أن الله تعالى استخلفنا فيها؛ لأن هذه القضية تحتاج إلى تحرير، وهذه مسألة متعلقة بالاعتقاد.

    وبعض أهل العلم يقولون: إن الخلف هنا لله عز وجل، فالله تعالى استخلفنا في الدنيا لنعمرها، ومعنى استخلفنا. أي: جعلنا نواباً ووكلاء عنه في عمارة الدنيا، وهذا بلا شك كلام خطير.

    قال: ( ومعنى: (مستخلفكم فيها) أي: جاعلكم خلفاء للقرون الذين قبلكم، فأنا خلف لوالدي ووالدي خلف لوالده، وهكذا كل قرن يخلف قرناً. أي: جاعلكم قروناً يعقب بعضكم بعضاً ويخلف بعضكم بعضاً.

    وقوله: (فينظر كيف تعملون). أي: أتعملون بطاعته أم بمعصيته؟ فإن أهل الطاعة يجازيهم بأحسن مما كان منهم، وإن أهل المعصية يعاقبهم الله عز وجل أو يعفو عنهم بمشيئته ورحمته.

    1.   

    باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال

    قال: (باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل إلى الله بصالح الأعمال).

    قال: [ حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي - وهو من نسل المسيب المخزومي المدني محمد بن عبد الرحمن - قال: حدثني أنس -يعني: ابن عياض المدني أبا ضمرة - عن موسى بن عقبة عن نافع الفقيه عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينما ثلاثة نفر يتمشون) ] والمقصود بالنفر هنا: الواحد. يعني: ثلاثة أشخاص، وإن كان النفر في اللغة يطلق على العدد من ثلاثة إلى تسعة، وقيل غير ذلك.

    [ (بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر -يعني: اضطرهم المطر؛ لأن يدخلوا في مكان يأوون إليه- فأووا إلى غار في جبل -أي: مكان مظلم في داخل جبل له فوهة- فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل) ] أي: وقعت صخرة كانت مهيأة للوقوع فوافق وقوعها فوهة الجبل فسدته تماماً حتى أنهم لم يروا شيئاً من السماء ولا شيئاً من الضوء. [ (فانطبقت عليهم -أي: فانطبقت على فم الغار- فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها) ] يعني: كل واحد منكم يتذكر أو يحاول أن يتذكر عملاً صالحاً قدمه لله عز وجل مخلصاً فيه غير مشرك به ليتوسل إلى الله عز وجل به أن يفرج عنا ما نحن فيه. وهذا يفيد جواز التوسل بالعمل الصالح، وأنه ليس فيه شيء من الشرك.

    وبعضهم قال: لا يفهم من الحديث جواز التوسل بالعمل الصالح؛ لأن كل واحد منهم قال: (يا رب! إن كنت تعلم أني عملت ذلك لك ففرج عنا ما نحن فيه). فكل واحد منهم لم يتوسل ولم يزك نفسه ولم يقطع بأن ما عمله صالحاً وإنما أرجع الأمر إلى الله عز وجل، فقال: (إن كنت تعلم يا رب أن هذا صالحاً ففرج عنا ما نحن فيه) فقال الذي يزعم أو ينكر التوسل بالعمل الصالح ليس في هذا الحديث حجة؛ لأنهم لم يقطعوا بصالح أعمالهم وإنما ذكروها فقط وأسندوا الأمر في صلاحها أو فسادها إلى الله عز وجل. وقالوا: لو كان عملاً صالحاً ففرج عنا ما نحن فيه، وزعموا أنهم توسلوا بالدعاء لا بذات العمل الذي ذكروه، وإنما اتخذوه سبباً للتقرب إلى الله عز وجل، وإنما أصل القربة إنما كان ذلك في دعائهم.

    وهذا على أية حال بعد وتكلف في رد ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من جواز التوسل بالعمل الصالح، أو الذي يغلب على ظن العامل أنه صالح، وكل إنسان أعلم برذائله، فكل إنسان يعمل عملاً صالحاً في الظاهر لكنه يوقن من نفسه أنه أخلص فيه لله أو أنه عمله رياءً وسمعة، فهؤلاء لما غلب على ظنهم أنهم عملوا هذا العمل لله عز وجل على الشرط الذي اشترطوه على أنفسهم: كل منكم ينظر في عمله، فمن عمل عملاً صالحاً خالصاً لله عز وجل فليذكره ليتوسل إلى الله به.

    والشاهد على ذلك: أنهم لما ذكروا هذه الأعمال وتوسلوا إلى الله عز وجل بها فرجت عنهم الصخرة على الحقيقة وفي الواقع، وهذا يدل على جواز التوسل إلى الله بالعمل الصالح.

    قال: (انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها). أي: بهذه الأعمال.

    وهذا الحديث ورد في من كان قبلنا، ولذلك الذي ينكر التوسل بالعمل الصالح يقول: هذا الحديث ليس فيه حجة لما ذكرنا آنفاً، لأن هذا متعلق بمن كان قبلنا أو بشرع من كان قبلنا. وهذه مسألة خلافية بين الأصوليين: هل شرع من كان قبلنا شرع لنا أم لا؟ والجمهور على أن شرع من كان قبلنا ليس شرعاً لنا، وبعض أهل العلم قالوا: بل هو شرع لنا ما لم يخالف.

    وفي حقيقة الأمر: التوسل بصالح الأعمال في هذا الحديث لا علاقة له بشرع من قبلنا؛ لأن العبرة في هذا الحديث بسكوت النبي عليه الصلاة والسلام عنهم وإعجابه بهم، وهذا يدل على جواز الأمر واستحبابه لدى النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن ما أخذنا الجواز من مجرد العمل أو الفعل ولكن أخذناه من مجرد الرواية التي رواها النبي عليه الصلاة والسلام عن الأمم السابقة وسكوته على ذلك وعدم الإنكار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام روى عن الأمم السابقة شيئاً وأنكره، وروى شيئاً وسكت عنه، وروى شيئاً واستحسنه، فهذا مما استحسنه النبي عليه الصلاة والسلام فكان شرعاً لنا لاستحسان النبي عليه الصلاة والسلام لا بمجرد عمل القوم له.

    ولا يخفى للمتتبع لروايات هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا على نسق واحد وترتيب واحد في كل الروايات، وإنما حصل تقديم وتأخير في الروايات، فصاحب الوالدين ذكر أولاً، ويذكر ثانياً وثالثاً في رواية أخرى، وصاحب المرأة يذكر أولاً وثانياً وثالثاً، وصاحب الأجير يذكر أولاً وثانياً وثالثاً، وهذا يدل على أن الرواة إنما تصرفوا في هذا الحديث بالمعنى ليدل على جواز الرواية بالمعنى عند السلف رضي الله عنهم أجمعين.

    قصة الرجل البار بوالديه

    قال: [ (قال أحدهم -وهو الأول- : اللهم إنه كان لي أبوان) ]، يطلق على الأب والأم أبوان من باب التغليب، كما يطلق العمران على أبي بكر وعمر وكذا الشيخان على أبي بكر وعمر ، والقمران للشمس والقمر.

    [ (شيخان كبيران) ] وهذا من باب التغليب كذلك؛ لأن الأم لا يقال لها شيخة وإنما يقال لها: عجوز، كما لا يقال للرجل: عجوز وإنما يقال له: شيخ [ (وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم)] يعني: أقوم على أمر رعايتهم وإطعامهم وغير ذلك مما يلزمهم. فهذا الرجل كان متكفلاً بوالديه وبامرأته وأولاده الصغار.

    قال: [ (فإذا أرحت عليهم) ] أي: فإذا روحت إليهم في نهاية اليوم بعد رعيي للغنم. [ (حلبت) ] أي: حلبت الغبوق، والغبوق إنما يقال لشراب الليل، بخلاف الصبوح؛ فإنه يقال لشراب الصباح صبوحاً، فاللبن يسمى في المساء غبوقاً ويسمى في الصباح صبوحاً. [ (قال: فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني) ] يبدأ بوالديه يسقيهما قبل أن يسقي أولاده [ (وأنه نأى بي ذات يوم الشجر) ] أي: بعد بي مكان الرعي، لأنه لم يجد للمرعى والخضرة ليرعى فيه سائمته إلا في مكان بعيد جداً، فلما بعد به المكان رجع متأخراً وإذا بوالديه قد ناما. [ (فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب) ] على عادته [ (فجئت بالحلاب أو المحلاب) ] وهو الإناء الذي يحلب فيه. أما اللبن فهو الحلاب أو المحلوب.

    قال: [ (فقمت عند رءوسهما فكرهت أن أوقظهما من نومهما) ] أي: فقام الرجل عند رأسي والديه انتظاراً لاستيقاظهما، وكره إيقاظهما؛ لأن المرء إذا نام يكره أن يوقظ قبل موعد استيقاظه. فهذا الرجل لما علم كراهة والديه أن يوقظا في غير موعد قد اعتادا أن يستيقظا فيه كره هو كذلك أن يفزعهما بالاستيقاظ في غير موعد يقظتهما.

    قال: [ (وأكره أن أسقي الصبية قبلهما) ] ويكره في الوقت نفسه أن يسبق أبناءه بالشرب قبل والديه. [ (والصبية يتضاغون عند قدمي) ] يتضاغون أي: يبكون ويصيحون عند قدميه، ربما يكون هذا من شدة الجوع، وربما يكون من غير جوع، وأنتم تعلمون أن الصبية إنما يبكون أحياناً بغير سبب، وأحياناً يبكون بسبب، وربما يكون هذا الوالد قد سقاهم ما يكفيهم من جهة سد الرمق ولكن أراد الأولاد أن يشربوا مزيداً عن الحاجة ومزيداً عن سد الرمق. على أية حال: هذا كلام أهل العلم، وربما يكون مقبولاً أو لا يكون مقبولاً عند البعض.

    قال: [ (فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر) ] يعني: لا يزال الوضع على هذا النحو أكره أن أوقظهم وأكره أن أسقي أولادي قبلهم، والأولاد يبكون ويتضاغون حتى انفلق الفجر.

    [ (فإن كنت) ] وهو يخاطب الله عز وجل. [ (تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء غير أنهم لا يستطيعون الخروج) ].

    هذه القصة فيها فضيلة بر الوالدين، وفيها كذلك فضيلة من قام بحسن الرعاية لمن يعولهم، لأن هذا الرجل كان دأبه أن يسرح في أول النهار وأن يروح في آخر النهار يحلب الشاة أو البقر أو الغنم ويسقي والديه وأبنائه.

    حكم النفقة على الأبوين

    في الحديث مسألة: هل نفقة الأبوين واجبة على الابن؟

    ربما نبادر القول بنعم، وأنه يجب على الابن أن ينفق على والديه ولا غضاضة في هذا التعجيل، لكن القضية إنما محلها إذا كان الولد ليس معه إلا ما يكفي امرأته وأولاده في سد الرمق، فهل يطالب الابن كذلك والحالة هذه برعاية والديه؟

    السؤال بمعنىً آخر: إذا لم يكن مع الولد إلا ما يكفي للنفقة على والديه نفقة واجبة أو على قدر الكفاية أو النفقة على امرأته وأولاده، فأيهما تقدم: النفقة على أبويه أم على أولاده وامرأته؟ أنتم تعلمون النصوص التي وردت في قوله عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) والمعلوم يقيناً أن النفقة على المرأة والأولاد داخلة في مسئولية الرجل في الدرجة الأولى، ووقع الخلاف بين أهل العلم في نفقة الأبوين، فأيهما يقدم الولد إذا لم يكن معه إلا ما يكفي لأحد الطرفين: والديه أم الزوجة والأبناء؟ وهل هذه القضية يحكمها قوله عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك). وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن خير أو أطيب ما أكل المرء من كسب يده وولده من كسبه) وغير ذلك من الأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة التي تفيد أن الوالد يملك الولد وما ملك من المال؟

    هذه القضية يا إخواني! وقع فيها نزاع عظيم جداً، فقد قرأت منذ أكثر من خمسة عشر عاماً كلاماً لـابن القيم الجوزية وعلق في ذهني يقول فيه: لا يلزم الولد على هذا النحو أن ينفق على والديه، بل لوالديه أن يأخذا من مال الزكاة أو الصدقة المطلقة للإنفاق على أنفسهما، والولد إنما يعمل لينفق على زوجته وأولاده. وهذا الذي أحفظه جيداً منذ سنوات عدة وأردده على بعض المسامع، وقد راجعني أحد الإخوة الأفاضل من طلاب العلم في ذلك، وبمناسبة إعدادي لشرح هذا الحديث قلبت مكتبتي شرقاً وغرباً هذا اليوم حتى أحصل على هذا الكلام الذي قرأته لـابن القيم فلم أحصل عليه، وخير لي أن أنسب الوهم إلى نفسي، لكني على أية حال قرأت ذلك وربما يكون لغير ابن القيم ، وربما يكون لـابن القيم في كتاب ليس بين يدي الآن، لأن كل كتب ابن القيم التي أملكها الآن بحثت فيها بحثاً حثيثاً منذ طلوع الفجر إلى ساعتي هذه ولم أجد شيئاً.

    فعلى أية حال: الرجوع عما كنت بثثته في الناس خير من التمادي فيه، وبل وخير من إثباته لإمام من أئمة الهدى مع احتمال طروء الوهم. وقد نظرت في الأحاديث التي كنت قد قرأت شرحها فيما يتعلق بأحاديث الباب عند أبي داود في باب: الرجل يأكل من مال ولده، عن عمارة بن عمير عن عمته: (أنها سألت عائشة رضي الله عنه في حجر يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه). وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة ، وقال الترمذي : هو حديث حسن. وهو كذلك.

    وعن النبي عليه السلام قال: (ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم) .

    وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يجتاح مالي) يجتاح يعني: يستأصله. (قال: أنت ومالك لوالدك) مع قول الولد: يجتاح. (إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم). لما كنت طالباً في الجامعة وذلك قبل عشرين سنة، وكنت أسافر كل إجازة وإذا بوالدي منتظر لي في المطار من أجل يأخذ مني الفلوس، فكنت أعطي له البعض وأحتفظ بالبعض الباقي فكان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) فلم يحفظ من أحاديث السنة كلها إلا: (أنت ومالك لأبيك)، لم يحفظ أحاديث في الرحمة، وأحاديث في الرأفة، وأحاديث في الحرية وغيرها، فلما وقفت على كلام ابن القيم قلت له: اقرأ. فهذه الحادثة ما نسيتها؛ لأنه بسببها راحت كل أموالي، فإما أن أكون قرأت لـابن القيم في أحد الكتب أو قرأت في غير كتاب لـابن القيم نقلاً عن ابن القيم ، وأنا مستعد أن أكون أنا وامرأتي وأولادي ملكاً لوالدي ولو فعلت لكان قليلاً، لكنني أردت أن أستدل لما كان من أمري.

    قال الإمام الخطابي: في هذا الحديث: أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجداً لها.

    يعني: يعمل لينفق على امرأته وأولاده فما فضل وما تبقى من النفقة الواجبة فهو للوالدين بلا خلاف بين أهل العلم. والنفقة الواجبة هي سد الرمق وستر العورة. والعلماء يقولون في باب اللباس: يلزمه ثوبين في الصيف وثوبين في الشتاء. وفي باب الطعام والشراب: ما يقوم به البدن.

    قال: واختلفوا في صفة من تجب لهم النفقة من الآباء والأمهات.

    قال الشافعي : إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن، فإن كان للأب مال أو كان صحيح البدن يمكنه التكسب غير زمن فلا نفقة له على ولده. يعني: الفقير المريض مرضاً مزمناً بحيث لا يستطيع أن يتكسب، أو يمنعه هذا المرض عن التكسب والعمل، فإن كان للأب مال أو كان صحيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه.

    وقال الجمهور: نفقة الوالدين واجبة على الولد.ولا أعلم أحداً منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترطها الشافعي.

    قال الخطابي: قوله: (إن لي والداً يجتاح مالي) معناه: يستأصله، يعني: لا يهدأ له بال ولا ينام إلا أن يجردني من مالي، ويستأصله ويأتي عليه. والعرب تقول: جاحهم الزمان واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، من الجائحة التي هي المصيبة.

    وربما يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده لماله إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه ولا يكفيه الفاضل عن حاجة عياله لكثرة النفقة، فالآباء يختلفون حسب اختلاف آدابهم وأخلاقهم.

    قال: وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه ماله والفضل منه إلا بأن يجتاح الأب كل ما لديه، مع ذلك لم يعذره النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحثه على ترك النفقة عليه بل قال له: (أنت ومالك لوالدك).

    فحق الوالد على ولده عظيم جداً يفوق المال، بل قال النبي عليه السلام: (لا يكافئ ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه). يعني: هذه النعمة الوحيدة التي يمكن أن يكافئ الولد والده بها وإلا فلو صنع له ما صنع لا يكافئه.

    (إلا أن يجده) أي: الولد يجد والده مملوكاً رقيقاً عبداً فيشتريه ثم يعتقه. يقول له: أنت حر لوجه الله. فإن الولد أدى ما عليه لوالده، وما دون هذا فمهما صنع الولد لا يفي صنع الوالد لولده من الحب وغيره، الوالد كان يصنع لك كذا ويتعب ويسهر رجاءً أو آملاً في أن تحيا، وأما أنت إذا كبر الوالد فإنما تخدمه وتنتظر موته، فهو ينتظر حياتك وأنت تنتظر موته، فلو لم يكن من فرق بين بر والدك بك وبرك بوالدك إلا هذا لكفى رفعة وفضلاً وشرفاً لحقوق الأب على الأبناء.

    (أنت ومالك لوالدك) أي: إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإن لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه. قال: فلا أعلم أحداً ذهب إليه من الفقهاء. يعني: إذا كان أبوك يريد أن يأخذ مالك ويتركك وأولادك وامرأتك بدون هذا المال فلم يقل أحد من الفقهاء بجواز ذلك.

    والشيخ الألباني عليه رحمة الله ذكر في إرواء الغليل عدة أحاديث في هذا الباب وهي تقريباً نفس الأحاديث التي ذكرناها، فمنها حديث: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك) ذكر هذا الحديث من عدة طرق، فقد جاء من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وابن مسعود وعائشة وسمرة وعبد الله بن عمر وأبي بكر الصديق وأنس بن مالك وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين. وهذا الحديث كاد أن يكون متواتراً.

    ومن طريق جابر بن عبد الله : (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله! إن أبي أخذ مالي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: اذهب فأتني بأبيك. فنزل جبريل عليه السلام على النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه -يعني: ما دار فيه من حديث النفس- فلما جاء الشيخ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: يا رسول الله! سله هل أنفقه إلا على عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي عليه السلام: دعنا من هذا، أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال الشيخ: والله يا رسول الله! ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً). يعني: ما حدثت به نفسي، إنما حاك في صدري فقط. (لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قل وأنا أسمع. قال: قلت:

    غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل

    إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت -يعني: إذا ألمت بك ملمة ونزل بك المرض في ليلة.

    لسقمك إلا ساهراً أتململ

    كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهمل

    تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل

    فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

    جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل

    فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل

    تراه معداً للخلاف كأنه برد على أهل الصواب موكل

    قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: أنت ومالك لأبيك). فهذا الحديث يستدعي البكاء.

    وفي رواية أخرى: (أن أعرابياً أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يريد أن يجتاح مالي. قال: فذكر الحديث وزاد: إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم) وغير ذلك من الأحاديث التي كلها تدور في فلك هذا الحديث وفي معناه.

    قصة الرجل الذي عف عن الزنا مع القدرة عليه

    قال: [ وقال الآخر: (اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء) ] يعني: أحببتها حباً شديداً لم أره عند رجل أحب امرأة. [ (وطلبت إليها نفسها) ] أي: طلب أن يواقعها في الحرام.

    [ (فأبت حتى آتيها بمائة دينار) ] كأنها طلبت ذلك لتعجزه عن الحصول على هذه المائة دينار وإلا فهي امرأة عفيفة حرة تأبى أن تقع في الحرام، لكن لما طلبها وتمكن منها أرادت أن تهرب من الرذيلة بهذا الشرط. قالت: ائتني بمائة دينار. فذهب الرجل وتمكن من المائة دينار وزيادة، لأنه أعطاها مائة دينار وعشرين ديناراً من الذهب. [ (قال: فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها) ] أي: لما كنت منها كما يكون الرجل من المرأة [ (قالت: يا عبد الله! اتق الله) ] تذكره بالله عز وجل [ (ولا تفض الخاتم إلا بحقه) ] أي: بنكاح صحيح. وهذا للدلالة على أن هذه المرأة كانت بكراً. وقد ورد في بعض الروايات أنها كانت ثيباً أيماً. أي: مات عنها زوجها.

    والمعنى: لا يحل لك إيلاج الفرج إلا بحقه، فالخاتم هنا هو الفرج، والمراد فض بكارة البكر.

    قال: [ (فقمت عنها) ] أي: مخافة الله عز وجل. ولذلك العلماء يقولون: هذا الرجل أفضل الثلاثة، لأن الذي دفعه إلى ذلك هو خوف الله عز وجل، والله تعالى يقول: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]. وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    فهذا الرجل أفضلهم لخشية الله عز وجل، كما أنه ترك الذهب لهذه المرأة، فنفعه تعدى إلى الغير، وكذلك هذه المرأة كانت ابنة عمه، وفيه صلة الرحم كذلك، وأن هذه المرأة ذهبت إليه -في أحد الروايات- تطلب منه طعاماً في سنة جدب وقحط وحاجة، فهذا الرجل ترك الذهب وترك الزنا مخافة الله عز وجل، وحافظ على عرض ابنة عمه من باب صلة الرحم كذلك، كما أنه ترك كل ذلك في سنة جدب وقحط، ولو كان إنساناً نذلاً كان من الممكن أن يستغل هذا الظرف، والأنذال كثير وأنتم تعلمون ذلك، لكن هذا الرجل مع الجدب والقحط الذي تمر به البلد كلها وما نزل بابنة عمه خاصة كان بإمكانه أن يشرط أن هذا مقابل ذاك، ولكنه إنما انتهى عن كل ذلك وترك كل ذلك لله عز وجل من باب خشية الله لما قالت له فقط: اتق الله.

    قال: [ (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة، ففرج الله تعالى لهم منها فرجة غير أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا) ].

    قصة الرجل مع الأجير

    قال: [ (وقال الآخر - هو الثالث - : اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز) ] الفرق هو الإناء الذي يسع ثلاثة آصع، والصاع أربعة أمداد، فهذا الرجل استأجر أجيراً بثلاثة آصع من الأرز.

    وفي رواية: (من الذرة. فلما قضى عمله قال: أعطني حقي. قال: فعرضت عليه فرقه فرغب عنه). جاء من حديث النعمان بن بشير أن سبب إعراض الرجل عن قبول أجرته وأخذها أن صاحب العمل استأجر أجراء على فرق من الأرز. وفي رواية: من الذرة. وأتاه آخر ضحىً وقال: تستأجرني؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: إن شئت أعطيتك مثلما سأعطي هؤلاء. قال: كم أعطيتهم؟ قال: فرقاً من أرز، بأن يعملوا من أول النهار إلى آخره. قال: كم تعطيني؟ قال: أعطيك مثل ما أعطيهم.

    فعمل الرجل بجد فحصل من العمل ما لم يحصله من استأجرهم من أول النهار إلى آخره، فأعطاه الفرق فنظر إلى رجل ممن عمل من أول النهار إلى من عمل ضحىً، قال: (أتعطي هذا مثلما تعطيني وقد عملت من أول النهار؟ قال: يا عبد الله! إنما هو مالي أصنع فيه ما أشاء، فغضب الرجل غضباً شديداً وترك حقه أو فرقه وانصرف) . ولو أنه أعطى الفرق لرجل في الشارع لم يعمل قط، فلا لوم عليه؛ لأن هذا ماله وهو حاكم فيه، ولم يظلمك، وإنما أعطاك ما كان متفقاً عليه بينك وبينه.

    وهذا الرجل كذلك -أي: صاحب العمل- إنما غضب لموقف هذا العامل غضباً شديداً فنهره. فقيل: إن الرجل إنما ترك ماله وانصرف غضباً للمساواة بينه وبين من عمل ضحىً.

    وقيل: إنه تركه لأن صاحب العمل نهره. أي: غضب في وجهه وصاح فيه. لا يهم أن يكون هذا أو ذاك، فمحصلة الأمرين: أن هذا الرجل ترك ماله وانصرف، وأتاه بعد مدة من الزمان.

    قال: [ (فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاء) ] فالرجل المؤجر زرع هذا الفرق من أرز أو ذرة في الأرض، ومن الزرع اشترى بقراً وغنماً ورعاءً. أي: عبيداً ليرعوا هذه الأغنام وهذه الأبقار.

    قال: [ (فجاءني) ] أي: هذا المستأجر. [ (فقال: اتق الله! ولا تظلمني حقي. قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها. فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه فذهب به. قال: فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، ففرج الله لهم ما بقي فخرجوا جميعاً يمشون) ].

    استدل الشافعية بهذا الحديث على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله ويتوسل إلى الله تعالى به، لأن هؤلاء سألوه فاستجيب لهم، وذكره النبي عليه الصلاة والسلام في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم.

    1.   

    فوائد من حديث قصة أصحاب الغار

    قال: ( وفي هذا الحديث: فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم. وفيه: فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها، ويفعل ذلك خالصاً لله عز وجل. وفيه: جواز الإجارة، وفضل حسن العهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.

    وفيه: إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السنة ).

    شرح رواية ابن عمر لحديث أصحاب الغار الثلاثة

    ورواية عبد الله بن عمر الأخيرة: [ (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم) ]. وهذا يدل على أن ذلك كان في الأمم السابقة [ (حتى آواهم المبيت إلى غار) ]. أي: اضطروا أن يبيتوا في غار، لأجل المطر [ (وقال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً) ] والمال هنا بمعنى الرقيق، أي: لا أسقي أولادي ولا امرأتي ولا عبيدي شيئاً قبلهما. [ (وقال الآخر: فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين) ] أي: ضائقة وجائحة. [ (فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار.

    وقال الثالث: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فارتعجت) ] أي: اضطربت القطيع من الأغنام والبقر من كثرتها.

    قال: احتج بهذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجاز المالك بعد ذلك، وهذا ما يسمى ببيع الفضولي، وموضع الدلالة قوله: (فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاءً).

    وفي رواية البخاري : (فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق) .

    وأجاب الشافعية على الأحناف وغيرهم ممن لا يجيزون التصرف المذكور: بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا. فالكلام هذا في شرع من قبلنا ولعله جائز في شرعهم وغير جائز في شرعنا، وفي كونه شرعاً لنا خلاف مشهور عند الأصوليين. فإن قلنا: ليس بشرع لنا فلا حجة فيه، وإلا فهو محمول على أنه استأجره بأرز في الذمة ولم يسلم إليه، بل عرضه عليه فلم يقبله لرداءته فلم يتعين من غير قبض صحيح فبقي على ملك المستأجر؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فصح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أم للأجير ثم تبرع بما اجتمع منه من الإبل والبقر والغنم والرقيق على الأجير بتراضيهما.

    ومن الفوائد أيضاً: أن هذا الرجل عمل في مقابل الثلاثة الآصع من رز أو قمح أو ذرة أو المال الرسمي، فلم يتعين حقه في الثلاثة الآصع بعينها، لو أنه أخذها عنده يصبح حقه تعين له، ولا يحل أخذه منه حتى لو أرسله، إذ لا بد من استئذانه ورضاه، وإذا لم أعطه له يصير في ذمتي ولو تمر عليه مائة سنة فإنها ثلاثة آصع فقط.

    لكن هذا المؤجر طابت نفسه أن يعين من ماله الثلاثة آصع وأن يزرعها بنية النماء لهذا الرجل، فهذا فضل من عنده. فهو هنا قد تصرف في مال الغير بغير إذنه؛ لأن الرجل عين هذا المال للغير، فكأنه دخل في ملكه وهو في حقيقة الأمر ليس ملكاً له على التعيين، وإنما هو له في ذمة المؤجر ثلاثة آصع، لكن ليست هذه بعينها.

    هذه الترجمة معقودة لما يسمى عند الفقهاء ببيع الفضولي، وقد مال البخاري فيها إلى الجواز؛ لأن بعض الشافعية أنكروها.

    وأورد في حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين انحطت عليهم الصخرة في الغار، قول أحدهم: (إني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة فأعطيته فأبى، فعمدت إلى الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقراً وراعيها). قال: فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه، ولكن لما ثمره له ونماه وأعطاه أخذه ورضيه. وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، والخلاف فيه مشهور، لكن يتقرر بأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقه مساق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه النبي عليه الصلاة والسلام، فكونه سكت عنه دل على أن ما كان شرعاً لغيرنا هو شرع لنا إذا وافق النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك واستحبه، فبهذا الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا.

    ويقول: وقد أجيب عن حديث الباب بأنه يحتمل أنه استأجره بفرق في الذمة، ولما عرض عليه الفرق فلم يقبضه استمر في ذمة المستأجر؛ لأن الذي في الذمة لا يتعين إلا بالقبض، أما قبل القبض فلا يتعين، إنما يجزئه أن يأخذ قدر ماله في الذمة بغير تعيين، فلما تصرف فيه المالك صح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره، ثم إنه تبرع بما اجتمع منه على الأجير. يعني: تبرع من باب التفضل، فقد تبرع به على الأجير برضاً منه، والله تعالى أعلم.

    قال ابن بطال : وفيه دليل على صحة قول ابن القاسم : إذا أودع رجل رجلاً طعاماً فباعه المودع بثمن فرضي المودع فله الخيار، إن شاء أخذ الثمن الذي باعه به، وإن شاء أخذ مثل طعامه. واستدل به كذلك أبو ثور على أن من غصب قمحاً فزرعه فكلما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب القمح.

    أما قول الثلاثة: (اللهم إن كنت تعلم) فيه إشكال؛ لأن المؤمن يعلم قطعاً أن الله يعلم، فلم قالوا: اللهم إن كنت تعلم مع أنه يعلم؟

    أجيب: بأن هؤلاء ترددوا في عملهم، هل له اعتبار عند الله أم لا؟ ربما يكون له اعتبار عنده، لكن وقع حابطاً عند الله عز وجل، فكأنهم يقولون: اللهم إن كان قد سبق في علمك أن هذا عمل صالح فافرج عنا بسببه كيت وكيت وكيت، أما نحن فالذي في علمنا أنه عمل صالح، ولذلك ذكرناه من باب أنه عمل صالح، لكننا لا نقطع بصلاحه عند الله، وهذا الكلام قاله ابن حجر .

    قال: وكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً فأجب دعائي، وبهذا التقرير يظهر أن قوله: اللهم على بابها من النداء، يعني: يا رب! إن كنت تعلم أن هذا العمل صالح.

    وقد تأتي بمعنى: تحقيق الجواب كمن يسأل عن شيء كأن يقول: رأيت زيداً فيقول: اللهم نعم، مع أنه قد رآه على التحقيق.

    ووقع في حديث النعمان بن بشير بيان السبب في ترك الرجل أجرته، ولفظه: (كان لي أجراء يعملون فجاءني عمال فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاء رجل في نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في نصف نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام -أي: في ذمتي- ألا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله -أي: لما بذل من جهد في عمله- فقال رجل منهم: تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟ فقلت: يا عبد الله! لم أبخسك شيئاً من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت. قال: فغضب وذهب وترك أجره).

    وأن ما وقع في حديث أنس: (فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته -أي زجرته- فانطلق وترك أجره) فلا ينافي ما ذكرناه من حديث النعمان. وطريق الجمع: أن الأجير لما حسد الذي عمل نصف النهار وعاتب المستأجر غضب منه وقال له: لم أبخسك شيئاً.. إلى آخره، فغضب الأجير وذهب وترك أجره.

    ومن الفوائد أيضاً: فضل الإخلاص في العمل. والفرق بيننا وبين الصالحين من قبلنا، لو أننا وقعنا في ما وقع فيه هؤلاء الثلاثة، وقال أحدنا: فليتحر أحدكم عملاً صالحاً خالصاً يدعو الله تعالى به حتى يفرج عنا ما نحن فيه، هل يذكر أحدنا عملاً صالحاً لنفسه؟ أما أنا فو الله لا أذكر عملاً صالحاً خالصاً أتوسل به إلى الله عز وجل، فتصور أن أمة يضيع فيها الصلاح والتقوى حتى لا تذكر عملاً تتقرب به إلى الله عز وجل، حتى الصالحين منهم أو الذين يشترط أنهم صالحون أو يجب عليهم الصلاح والتقوى إذا وقعوا في ضائقة أو جائحة لا يذكرون لأنفسهم عملاً صالحاً يتقربون به إلى الله عز وجل.

    أما من أجابني لما سألته هذا السؤال وقال: أما أنا فلا أذكر عملاً صالحاً بعينه لأن عملي الصالح كثير. فهذا تزكية للعمل، ولو أن واحداً من السلف قال ذلك لأحبط عمله كله.

    وفي هذا الحديث: فضل بر الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل وتحمل المشقة لأجلهما. وقد استشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته على تسكين جوعهم، فقيل: كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على نفقة الفرع.

    وقيل: يحتمل أن بكاؤهم ليس عن الجوع. وقيل: لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سد الرمق، وهذا أولى.

    وفيه: فضل العفة والإمساك عن الحرام مع القدرة، وأن ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها، وأن التوبة تجب ما كان قبلها.

    وفيه: جواز الإجارة بالطعام المعلوم بين المتآجرين، وفضل أداء الأمانة وإثبات الكرامة للصالحين.

    واستدل به بعض أهل العلم على جواز بيع الفضولي. وفيه أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة كان الربح لصاحب الوديعة. أي: لصاحبها الأصلي.

    لو أن ثلاثين شخصاً عملوا جمعية، كل واحد يدفع مائة جنيه كل شهر، فإن ثلاثة آلاف جنيه كل شهر يقبضها أحدهم، فليس لصاحب الجمعية أن يستغل هذه الأموال في التجارة، لأنه أمير، ولأن هذا ليس عقد إجارة ولا عقد وديعة وإنما هو عقد أمانة، والأمانة لا يتصرف فيها، ومن تصرف فيها فإنه ضامن.

    ولو قال الواقف: خذ هذه المائة ألف جنيه وأنفقها على الأيتام أو على الفقراء أو على الأرامل أو على طلاب العلم، فلا يجوز لك أن تتاجر بهذه الأموال وتستثمرها على أن يكون الربح لطلاب العلم أو للأيتام أو للفقراء والأرامل أو للمسجد أو لغير ذلك، لما أجمع عليه أهل العلم أن الوقف على شرط الواقف، فما كان لأهل العلم لا يجوز إنفاقه للأيتام والفقراء والمساكين، وما كان للفقراء لا يجوز صرفه للأيتام إلا من باب أنهم فقراء، ولا يجوز صرفه لأهل العلم إلا إذا كانوا فقراء.

    وفيه: الإخبار عما جرى للأمم الماضية ليعتبر السامعون بأعمالهم، فيعملوا بأحسنها ويتركوا قبيحها، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.