إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏الجنة وصفة نعيمها وأهلها
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - أول زمرة تدخل الجنة في صورة القمر

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - أول زمرة تدخل الجنة في صورة القمرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الأحاديث الشريفة تصف لنا الجنة وما فيها من النعيم المقيم؛ لتحثنا على الجد والعمل لطلبها، وقد جاء فيها: أن أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون، آنيتهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان يُرى مخ ساقها من وراء اللحم، قلوبهم كقلب رجل واحد، فهم في نعيم دائم لا ينقطع.

    1.   

    باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    شرح حديث: (أول زمرة تلج الجنة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها:

    وأنتم تعلمون أن هذا السياق الإسنادي إنما ينظم إلى ما تسمى بصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة.

    قال همام: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كيت وكيت وكيت مائة واثنين وأربعين حديثاً، جمعها الإمام أحمد في مسنده، في المجلد الثاني من مسند أبي هريرة ، فذكر أحاديث منها:

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تلج الجنة) ].

    وكلمة (تلج) بمعنى: تدخل. ولكن الولوج فيه معنى زائد على الدخول، كأنه الدخول بقوة، ولذلك: (أتى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فاستأذن قال: أألج يا رسول الله؟) يعني أأدخل يا رسول الله؟ (فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـأنس : اذهب فعلمه كيف يستأذن.

    فخرج إليه أنس فقال: إذا أردت الاستئذان فقل: أأدخل ولا تقل أألج؟). فكأن الله عز وجل كافأ عباده المؤمنين الذين يدخلون الجنة أنهم يدخلونها دخولاً قوياً، فالولوج يناسب الجنة ولا يناسب الدنيا، ولذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على من أراد أن يلج في بيته، وأثبت أن دخول الجنة هو دخول وزيادة، والزيادة هي الولوج. قال: [(أول زمرة)] أي: أول عصابة، ومجموعة، وفوج يدخلون الجنة [(صورهم على صورة القمر ليلة البدر)] وهذا لا يلزم المماثلة والمشابهة في الصورة من جميع الوجوه. فقولك: فلان مثل فلان، لا يلزم أنه مثله في الطول، والعرض، واللون، ولون العينين، وطول اللحية، ولون اللحية، وفي الأخلاق، والهدي، والسمت، لا يلزم أن يكون كذلك، وإنما تقول: محمد كأحمد. أي: في الأدب. محمد كإبراهيم. أي: في حسن الخلق. محمد كزيد. أي: في الطول. محمد كإبراهيم في العرض. لا يلزم أن تكون المماثلة من كل زاوية وناحية، إنما يقال: فلان كفلان في بعض الشبه، وفي بعض الصفة، ولا يلزم أن تكون المماثلة في كل الصفات، فهكذا النبي عليه الصلاة والسلام شبه أول زمرة تدخل الجنة: (أنها على صورة القمر ليلة البدر)، وتسميته للقمر ليلة البدر يعني: في شدة وضاءته وجماله وحسنه وتمامه، فهذه الزمرة التي تدخل الجنة تكون صورهم كصورة القمر لا أنهم أقمار، فلا يكون الإنسان قمراً كما لا يكون القمر إنساناً، لكنه شبه الداخل أولاً إلى الجنة بأن صورته كصورة القمر، وفي الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام: (كان إذا سر من شيء تهلل وجهه كأنه القمر ليلة البدر). وفي الحقيقة ليس هو كالقمر في ليلة البدر، وإنما هذا تشبيه في أحد الأوصاف، كان إذا ضحك، وتبسم، وتهلل وجهه يفرح الإنسان الناظر إليه أكثر من فرحه أو كفرحه إذا نظر إلى القمر ليلة البدر.

    ثم قال: [ (لا يبصقون فيها) ]. والبصق هو التفل. وهذا يدل على ذم هذه الصفة في الدنيا، إذا سرت في الطريق فرأيت رجلاً يبصق على الأرض فلابد أنك تتأذى منه.

    ثم قال: [ (ولا يمتخطون) ].

    أي: من النخامة، والنخاعة، وأنتم تعلمون: (أن النبي رأى رجلاً يتنخم في قبالة المسجد، وكان إمام قومه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يصلين لكم -أي: لا يؤمكم بعد ذلك- فلما أتى ليؤم الناس منعوه وقالوا: إن رسول الله منعك أن تصلي بنا إماماً، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أمنعتني يا رسول الله أن أصلي بالقوم؟ قال: نعم؛ لأنك آذيت الله ورسوله بالنخامة في المسجد). وفي الحديث: (وجد النبي عليه الصلاة والسلام نخامة في جدار المسجد أو في قبالته فحكها عليه الصلاة والسلام). وفي هذا دليل على تواضعه ومراقبته لحرمة بيوت الله عز وجل. وقال: (إذا وجد أحدكم النخامة فليدلكها بقدمه). أي: إذا كانت طرية. وفي قول له: (إذا وجد أحدكم النخامة في المسجد فليحكها بأظفره). وهذا إذا كانت يابسة جافة.

    قال: [ (لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها) ].

    ومع هذا النعيم الذي يأكلونه ويتلذذون ويتنعمون به في كل وقت وحين لا تنقطع لهم لذة ومع هذا فهم لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون.

    قال: [ (آنيتهم، وأمشاطهم من الذهب والفضة) ].

    أي: الأواني التي يأكلون فيها، والملاعق التي يأكلون بها من الذهب والفضة، ومن أكل في هذه الأواني في الدنيا لابد وأنه سيحرم منها في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الذي يأكل في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم) أي: من أكل بهما في الدنيا كأنه يقطع له من نار جهنم قطعاً فيأكلها، هذا لمن أكل في آنية الذهب والفضة، أو أكل بملاعق من ذهب أو فضة. وأنتم تعلمون أن فئة معينة من الناس لا تأكل إلا في أواني الذهب والفضة، ولا تأكل إلا بملاعق من ذهب وفضة، فهؤلاء المساكين لو يعلمون ما عند الله من عذاب في الآخرة ما أكلوا بها ولا فيها، ولو يعلمون ما عند الله من نعيم في الآخرة لحرموا أنفسهم منها حتى يرزقهم إياها في الآخرة.

    أما الأمشاط التي يمتشطون بها ويسرحون بها ويرجلون بها شعرهم هي من الذهب والفضة. يعني: أكثر ما يمكن أن يتباهى به المرء في مشطه في الدنيا أن يكون المشط قد أتى من أوروبا أو صنع في اليابان، لكن في الآخرة أمشاطك من ذهب وفضة، وأنتم تعلمون أن إكرام الشعر من السنة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من كان له شعر فليكرمه). وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكرم شعره، ويدهنه، ويرجله، ويجعل الفارق من النصف، يطرح شعره عن اليمين وعن اليسار، لكنه كان فوق ذلك يلبس العمامة، ومن أراد أن يتمثل سنة النبي عليه الصلاة والسلام فليفعل ذلك؛ لأن العرف له اعتباره واحترامه، لو أن واحداً شعره طويل وجيد وفرقه من النصف لابد أن المجتمع سيسخر منه وينسبه إلى الأنوثة، لكنه لو وضع العمامة على رأسه استتماماً واستكمالاً لهديه عليه الصلاة والسلام الذي هو خير الهدي لكان ذلك متماً لسنته عليه الصلاة والسلام.

    قال: [ (ومجامرهم من الألوة) ]

    المجامر: هي العود الذي تكتحل به المرأة أو يكتحل به الرجل، وأنتم تعلمون أن الكحل سنة للرجال والنساء، وفي الحديث: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكتحل غباً). يعني: يوم بيوم، أو كان يكتحل في كل ثلاثة أيام مرة. وفي رواية: (أنه كان يكتحل قبل منامه بالإثمد) وهو الكحل البني، فكان عليه الصلاة والسلام يكتحل به، ويكتحل به أصحابه، والكحل للرجال في كل وقت وحين، أما للنساء فليس لهن الكحل إلا في البيت، لحديث: (وأيما امرأة اكتحلت، وتطيبت، وتعطرت، وخرجت من بيتها استشرفها الشيطان فهي كذا وكذا). قال أبو هريرة : يعني: زانية. أي: قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كذا وكذا أن ذلك من الزنا.

    (ومجامرهم من الألوة) الألوة: هو عود هندي كان يكتحل به النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عزيزاً وغالياً ثميناً، فهكذا مجامر أهل الجنة عود يشبه أعواد الهند أو الأعواد الهندية أو أنه بالفعل من الأعواد الهندية.

    قال: [ (ورشحهم المسك) ] رشحهم: أي عرقهم. تصور أن إنساناً يأكل تفاحاً ورماناً وغير ذلك في الجنة ثم يخرج هذه الفضلات مسكاً. أي قياس يمكن أن تقاس به الدنيا على الآخرة! إنسان يأكل حتى يمتلئ امتلاءً ثم سرعان ما يزول هذا الشعور بخروج هذا الطعام، وهذا الشراب مسكاً يرشح على الأبدان.

    [ (ولكل واحد منهم زوجتان) ].

    أي: لكل من دخل الجنة زوجتان من الحور العين، خلافاً للشهيد فإن للشهيد اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، وهذا من فضل الشهادة، فمن كانت له زوجة في الدنيا منغصة لحياته، ومع هذا يقول: أنا رجل متزوج، ومعي أولاد، وأنا صاحب بيت، وصاحب عيال، وكلمة، وعامل نفسه شخصية كبيرة، من أجل أن معه زوجة منغصة لحياته، وهي من الحور الطين، وليست من الحور العين، ومع هذا هو سعيد، ويأنس إلى ذلك ويسر به، فما بالك لو أنه دخل الجنة فتزوج من الحور العين زوجتين.

    قال: [(يرى مخ ساقهما من وراء اللحم)] يرى مخ الساق: أي: العظم. يعني: ترى عظم ساقها من وراء ثوبها ولحمها بسبب الحسن والجمال أي: أنها صافية كأنها زجاجة لا لون لها، حتى ترى لون العظم وترى العظم بل وما في داخل العظم من مخ الساق.

    قال: [ (لا اختلاف بينهم ولا تباغض) ].

    أي: أهل الجنة لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد، قال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]. أي: ليس هناك غل ولا حسد ولا شحناء مهما اختلف الناس في الدنيا فإن ذلك ينسى تماماً في الآخرة، لا يمكن أبداً أن تتذكر لأخيك منقصة في الآخرة، فكل ما صنعه فيك في الدنيا لابد أن تنساه قبل أن تدخل الجنة، وإذا كان لك مظلمة عند أخيك وقد قضى الله عز وجل لهذا الأخ بدخول الجنة فإنه لابد أن يقتص منه لك. ولذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم. قال: المفلس فيكم من أتى بصلاة، وصيام، وحج، ولكنه أتى وقد سب هذا وشتم هذا، وسفك دم هذا وانتهك عرض هذا، فأخذ هذا من حسناته، وذاك من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ هو من سيئاتهم فطرحت عليه حتى طرح في النار). فهذا هو المفلس حقاً.

    فإذا كان الأمر كذلك فلو أن عبداً من العباد قضى الله تعالى له بالجنة ولأخيه عنده مظلمة وليس عنده ما يقتص منه لهذه المظلمة خيره الله عز وجل على باب الجنة كما جاء في الحديث الصحيح: (أن رجلين أتيا إلى الله عز وجل، أما أحدهما فقد قتل صاحبه، فقال المقتول: يا رب هذا قتلني ولا أدري فيما قتلني، فطلب الله تعالى من المقتول أن يعفو عن القاتل، قال: لا يا رب، قال: أتعفو عنه ولك هذا القصر. قال: يا رب إذا عفوت عنه أخذت هذا القصر. قال: نعم. قال: عفوت عنه). أي: قصر فيه لبنة من ذهب ولبنة من فضة، والقتل قد انتهى ومضى أمره، ثم رجع بعد ذلك حياً بين يدي الله عز وجل، فلم يسامح ويعفو حتى يحصل على هذا القصر، وإن لم يعف لا يحصله، وبمجرد عفوه لابد أن ينزع من قلبه الغل، ولذلك لما توقف أولاً في العفو كان الغل لا يزال موجوداً قبل دخوله الجنة، ولكن إذا دخل الجنة نزع ذلك منه كله.

    قال: [ (قلوبهم قلب واحد) ] يعني: إذا نظرت إلى قلب هذا وقلب ذاك وقلب الثاني والثالث والرابع.. وأهل الجنة تجد قلوبهم كلها صافية، لا اختلاف، لا غش، لا خداع، لا مكر، بإمكانك أن تتعامل مع أي إنسان في الجنة كأنك تتعامل مع نفسك أنت، لأن كل من دخل الجنة على الستر والسلامة، على الصفاء والنقاء.

    قال: [ (يسبحون الله بكرة وعشيا) ].

    أي: كلهم مشغولون بتسبيح الله تعالى بكرة وعشياً، والمعروف بالبكرة هي: أول النهار. والعشي: هو آخر النهار، وإذا علمنا أنه لا نهار ولا ليل في الجنة فهذا تقدير مجازي، يسبحون الله تعالى في كل وقت وحين، أو يقدر لهم بكرة وعشياً كما لو كانوا في الدنيا بغير إدراك حقيقة ذلك.

    شرح حديث: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ...)

    قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لـعثمان- قال عثمان : حدثنا، وقال إسحاق -وهو ابن إبراهيم المعروف بأنه: ابن راهوية- أخبرنا جرير عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون) ].

    إذاً: في الجنة أكل وشرب. وبعض الناس يقول: نعيم الجنة نعيم معنوي، وهذا خبل وجنون؛ لأن النعيم المعنوي لا يؤكل ولا يشرب، والنعيم المعنوي هو كما أن لو أن واحداً الآن دخل إلينا وألقى إلينا خبراً جميلاً سررنا به، هذا بلا شك يحدث عندنا لذة سماع الأخبار الطيبة والمبشرات، فلا شك أنه قد حصل اللذة بسماع الأخبار فهذه لذة معنوية وليست محسوسة مادية، ولذلك نعيم الجنة حسي ومعنوي، وهذا مذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة أن نعيم الجنة حسي ومعنوي، ورؤية الله عز وجل في الجنة في يوم المزيد الذي تسميه بعض النصوص أنه يوم الجمعة نعيم معنوي، والرؤية حقيقة لله عز وجل، لكن إذا أثبتت النصوص أننا نأكل في الجنة ونشرب فكيف نأكل معنوياً ونشرب معنوياً؟! لابد أن نأكل شيئاً محسوساً، وفي الجنة لو أن واحداً في يده رمانة أو تفاحة فأكل نصفها واشتهى قبل إتمام النصف الثاني نوعاً آخر من الفاكهة لتحول النصف الذي في يده الذي لم يؤكل بعد من التفاح رماناً؛ لأنه اشتهى الرمان، وهذا شيء عجيب، الواحد منا إذا اشتهى شيء في الدنيا أتى منه بكيلو باثنين كيلو، وإذا اشتهى شيئاً آخر لا يقربه حتى يمر على الشيء الأول يوم يومين.. أسبوع أسبوعين على حسب حالته، لكن في الجنة إذا كان في يدك مانجو مثلاً فأنت أكلت منه حتى شبعت فتمنيت لو أكلت رماناً فما تبقى في يدك من مانجو يتحول إلى رمان في يدك، فنعيم الجنة لا يمكن أن يقاس عليه نعيم الدنيا، كما قال ابن عباس : ليس من تشابه بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا إلا في الأسماء. هذا اسمه رمان وهذا رمان، ولكن شتان ما بين طعم هذا وطعم ذاك، وبين حقيقة هذا وحقيقة ذاك.

    قال: [ (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟) ].

    يعني: سؤال يحتاج إلى جواب، أنت يا رسول الله الآن تقول: هم يأكلون ويشربون، لكنهم لا يتغوطون ولا يبولون، إذاً: الطعام هذا أين يذهب؟

    قال: [ (قال: جشاء) ].

    والجشاء هو الريح الذي يخرج من الفم مع الصوت عند الشبع، فهذا اسمه الجشاء، وهذا في الدنيا عيب، وفي الآخرة ليس عيباً؛ لأن هذه الوسيلة التي يتخلص بها من دخل الجنة من بقية طعامه، أو هذه أحد الوسائل للتخلص من الطعام.

    وجاء في حديث آخر: (فتجرع أو تكرع رجلاً بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إليك عنا يا فلان فإنما الجشاء من الشبع).

    [ (قال: جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس)] -وفي رواية قال: (كرشح المسك)-.

    شرح حديث: (يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ...)

    قال: [وحدثني الحسن بن علي الحلواني].

    الحلواني وليس الحَلواني. أي: من حلوان، وهي قرية في العراق اسمها حلوان؛ لأن حلوان المشهورة عند المقرئين هي حلوان المعروفة، لكن هناك قرية أعظم منها وأشهر قبل أن يكون في مصر حلوان كانت في العراق، وكانت نهضة لأهل العلم في زمن من الأزمنة، فـالحسن بن علي الحلواني، وحجاج بن الشاعر كلاهما يرويان عن أبي عاصم النبيل.

    [قال الحلواني: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج] وهو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي كان إماماً في العلم، ولكنه مدلس، والمدلس إذا صرح بالسماع أخذنا حديثه وإلا فلا، فهذا ابن جريج يقول: أخبرني أبو الزبير.

    وأبو الزبير يقول: أخبرني، وأخبرني من صيغ السماع أو من الصيغ التي تفيد السماع. إذا قال المدلس: أخبرني، أو أنبأني، أو حدثني، أو سمعنا، أو حدثنا، أو أنبأنا، فكل هذا الألفاظ تدل على أنه قد سمع بنفسه، فإذا قال مدلس شيئاً من هذه الصيغ أمنا بذلك تدليسه، واحتملنا حديثه، وكذلك أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس هو مدلس، ولكنه قال: أنه سمع جابر بن عبد الله ، فنأمن بذلك من تدليس ابن جريج ومن تدليس أبي الزبير.

    [ عن جابر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد -أي: والتحميد- كما يلهمون أو تلهمون النفس) ].

    يقول الإمام النووي : (مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعماً دائماً لا آخر له ولا انقطاع أبداً)، وأهل الجنة إذا دخلوا الجنة لا يموتون فيها، فالجنة نعيمها دائم لا ينقطع وبين أيديهم وفي متناولهم في كل وقت وحين، وهم لا يموتون فيها أبداً. إذاً: نعيمهم دائم دواماً لا نهاية له، ولا انقطاع له.

    قال: (وإن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا) يعني: هم يتنعمون في الجنة كما كانوا يتنعمون في الدنيا. يعني: هو يريد أن يمعن إمعاناً في إحقاق مذهب أهل الحق من أهل السنة أنهم يأكلون أكلاً حقيقاً ويشربون شرباً حقيقاً كما كانوا يأكلون ويشربون في الدنيا إلا ما بين الدنيا والآخرة من التفاضل في اللذة والنفاسة. (النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة كسوف القمر لما صلى بأصحابه فتأخر صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يصل إلى الصف الأول ثم تقدم عليه الصلاة والسلام ومد يده ثم وضعها على صدره واستمر في القراءة، قالوا: يا رسول الله! ما بالك فعلت شيئاً لم نكن نعهده عليك؟ قال: رأيت الجنة والنار رأي العين، وإن إبليس أتى بشهاب من نار وأراد أن يشوش علي صلاتي فتأخرت، فلما ذهب تجلت لي الجنة فتقدمت حتى كدت أقطف منها عنقوداً -ولما مد يده كاد يقطف منها عنقوداً -: ولو أني فعلت ما شبعتم منه إلى يوم القيامة) يعني: من هذا العنقود فقط فإن البشر يستمرون يأكلون منه إلى يوم القيامة لا يشبعون من جماله وحلاوته.

    أنت في هذا الوقت لو وضع أمامك قليل من العنب لابد أن بركة يوسف والي ستحل في هذا الطبق من كيماويات وغير ذلك، فلا شك أنك تأكل شيئاً يسيراً ثم ترفع يدك وتقول: كفاية سم، مع أنه في الأصل عنب وهو في الظاهر لذة، لكنه سم في العنب، وقس على العنب كل أنواع الثمار، والفواكه، والخضروات، حتى القمح إذا كنا إلى يومنا هذا نزرع القمح، والذي ذلنا هو أننا لا نزرع القمح.

    قال: (وإن تنعم الجنة بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة). يعني: هذا تفاح وهذا تفاح، لكن شتان بينهما، وهذا عنب وهذا عنب، لكن شتان بينهما، وشتان ما بين الطعم والمذاق واللذة وإن اتفقا في الهيئة والشكل والاسم، فليس بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا من شبه ومماثلة إلا في الاسم والهيئة، أما في الجوهر فيختلف تماماً.

    وأهل الجنة لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبداً، لن يكون أحد في الجنة بخيلاً، لا توجد هذه الأشياء التي هي في الدنيا، ودناءة الأنفس أيضاً لن يكون لها أصل في الجنة، وعلى آية حال ما من شيء يطلبه العبد من ربه إلا وهو بين يديه بإذن الله تعالى.

    1.   

    باب في دوام نعيم أهل الجنة

    (الباب الثامن: في دوام نعيم أهل الجنة).

    يعني: استمرار النعيم وعدم انقطاعه. (وقول الله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]).

    الباء هنا في قوله (بِمَا): باء السببية. أي: بسبب ما كنتم تعملون دخلتم الجنة؛ ومعلوم أن دخول الجنة بفضل الله عز وجل ورحمته، ولو أراد الله تعالى أن يعذب الطائع لعذبه وهو غير ظالم له، ولو أراد أن ينجي الظالم من النار وأن يدخله الجنة لفعل لذلك بحكمته وعدله سبحانه وتعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]. فهذا باب عظيم من أبواب القدر، فإذا كان يوم القيامة فإن نعيم الآخرة لا ينقطع، بل هو دائم ديمومة لا انقطاع لها ولا انتهاء لها، وينادى على الناس يوم القيامة أن هذه الجنة التي أورثتموها ودخلتموها إنما هي بسبب أعمالكم.

    إذاً: الأعمال سبب وليست هي التي يركن إليها، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل الجنة يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل أحد الجنة بعمله). أي: لا يدخل أحدكم الجنة ابتداءً بعمله وإنما برحمة الله. (قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).

    إذاً: دخول الجنة برحمة الله، ودخول النار بعدل الله، لا يظلم الله تعالى الناس شيئاً: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44].

    شرح حديث: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس ...)

    قال: [ حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت بن أسلم البناني البصري ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس) ]

    (ينعم): أي: يتلذذ، وتحصل له اللذة والنعيم. (لا يبأس) أي: من البؤس، والهم، والغم. أنتم تعلمون أن الدنيا دار هم وبلاء، هذا الهم والبلاء يصيب المؤمن والكافر، ويصيب العاصي والطائع، ويصيب الجميع، فليس من أحد في الدنيا إلا ويصيبه الهم والغم عظمت ثروته أو قلت، كثر أولاده أو لا ولد له، كثرت زوجاته أو لا زوجة له، صغيراً كان أو كبيراً، أنثى أم ذكراً، عبداً أم حراً، الكل قد أصابه الهم والغم في حياته الدنيا، وإن تظاهر بالسعادة فعنده ما عنده، والبيوت ما أغلقت إلا على براكين من نار، هذا الأبواب التي جعلت على مداخل البيوت والشقق أغلقت على براكين كادت أن تنفجر، وهذا شأن الدنيا، فمهما نزل بعبد الضر والبلاء فلابد له من فرج؛ لأنه لا يملك الفرج إلا الله، لكن ينبغي على هذا العبد الذي نزل به الضر والهم أن يلجأ، وأن يتضرع إلى الله عز وجل، وأن ينتهز الأوقات التي تجاب فيها الدعوات وتصعد إلى رب الأرض والسماوات، والله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا من عليائه سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله، فيقول لعباده في الثلث الأخير من الليل: ألا هل من داع فأجيبه؟ الله تعالى هو الذي يجيب الدعوات، فلم تضن على نفسك بأن تقوم لله تعالى في وقت أنت على يقين أنه يقبل منك الدعاء، ثم تذهب لتشكو إلى فلان أو علان، وأولى بك أن تشكو لربك الذي يملك تفريج الهم، وكشف الضر، المهم أن تقوم له في الوقت المحدد من آخر الليل فتصلي ركعتين، أو أربع ركعات، أو ست، أو ثمان أو إحدى عشرة ركعة ثم تجلس بعد ذلك تسبح: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    قال الإمام الحسن البصري : كانوا يصلون من منتصف الليل إلى وقت السحر فإذا كان السحر جلسوا ورفعوا أكف الضراعة إلى الله عز وجل يسألونه حاجاتهم، هذا الوقت الذي يجدر بنا جميعاً أن ننتصب لله تعالى فيه بالليل، وأن يطلب الواحد منا ولو دعوة واحدة من ربه في كل ليلة. ولو تعددت حاجاتك عند الله وكانت كثيرة، فالله تعالى بيده مفاتيح الأرض والسماوات، يملك كل شيء، فهو يملك العباد وما يملكون، وهو الذي يملك قلوب العباد، وكثير من الناس بينه وبين إخوانه منازعات، وهو يتصور أو يعتقد أن هذه المنازعات لا حل لها البتة، ولا يمكن أن تنكشف، وهذا سوء ظن بالله تعالى، فلو أنه دعا الله عز وجل في ليلة أن يفرج كربه لكان لزاماً أن تفرج الكروب، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما بال أحدكم يستعجل الإجابة حتى يدع الدعاء). يستعجل الإجابة يقول: يا رب! دعوت ولم تستجب لي.

    وكم من امرأة كانت تحت رجل فكانت سر تعاسته، فلما طلقها وتزوجت رجلاً آخر كانت قمة السعادة بينهما، والعكس بالعكس، فينبغي أن يسلم المرء أمره كله لله تعالى يفعل فيه ما يشاء، فالله تبارك وتعالى يعلم الخير والشر سبحانه وتعالى، وهو الذي يعلم ذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر). يعني: إذا دخل في نفس أحدكم شيء يريد أن يصنعه. والصحابة رضي الله عنهم كانوا يستخيرون الله تعالى في شراك نعالهم، وهذا من التسليم لقدر الله تعالى وقضائه، قال للصحابة: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب اللهم إن كان هذا الأمر -ويسميه- خيراً لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري آجله وعاجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر -ويسميه- شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني). أي: فاصرفه عني يا رب بعلمك. إذا كنت تعلم في الأزل أن هذا تعس وبؤس اصرفه عني. (واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان).

    ومعنى: (اللهم إنه كنت تعلم) أي: أنك تعلم، مثل قول ربنا: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، و(قد) هنا تفيد التحقيق، مع أن (قد) قد تأتي للشك. وعلماء اللغة يسمون هذا: الحرف الزائد أو الكلام الزائد، ومعناه أن الجملة تستقيم بغيره لا أن في كلام الله حرفاً زائداً لا قيمة له حاشا لله. (فاللهم إن كنت تعلم): أي اللهم إن كان سبق في علمك الأزلي الذي علمته وكتبته في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الخلق بخمسين ألف سنة أن كذا وكذا تكون فيه سعادتي فيسره لي، وهذا ليس على سبيل الشك وإنما على سبيل التحقيق.

    قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس) ينعم أبداً ولا يصيبه البؤس ولا البأساء والضراء.

    قال: [ (لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) ].

    قوله: (لا تبلى ثيابه) يعني: يصبح ثوبه جميلاً، لا يحتاج أن يغسل كل يوم جمعة، الجنة ليس فيها تراب، ولا فيها هم، ولا رصيف، ولا إسفلت، ولا فيها عيال تبول في الطريق، ليس فيها شيء من تعب الدنيا ولا من نصبها، تلبس الثوب أول ما تدخل الجنة يبقى عليك ثوبك أبد الآبدين، وفي كل يوم يزداد بهاءً وجمالاً، وحسناً ونضارة.

    وقوله: (ولا يفنى شبابه)، أي: يظل طول عمره شباباً كما جاء في الأثر أنه يدخل الجنة شاباً في سن عيسى بن مريم في ثلاث وثلاثين سنة يظل عند الحد هذا، لا يشيب، ولا يهرم، ولا يصير كهلاً، ولا يبيض شعره، ولا تطرأ عليه هذه المتغيرات التي تطرأ علينا، الواحد منا جنين، ثم طفل رضيع، ثم صبي صغير، ثم غلام، ثم شاب، ثم شيخ كهل ثم عجوز وغير ذلك.. ثم يضعف ونظره يضعف، ولما يكبر يقول: يا ابني ارفع صوتك أنا لا أسمعك، لأنه قد تغيرت أوصافه من أجمل وأحسن هيئة يمكن أن يكون عليها الإنسان.

    شرح حديث أبي سعيد وأبي هريرة في نعيم الجنة: (... إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً...)

    [وقال أبو إسحاق : أن الأغر حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) ]. أي: فلا يصيبك سقِم أو سقَم. الذي يدخل الجنة يكون صحيحاً، فتياً، قوياً، لا يمرض أبداً، فليس في الجنة مرض؛ لأن المرض ضعف وهزال في البدن، وهذا يتنافى مع النعيم واللذة في الجنة، فلا مرض في الجنة أبداً بل الصحة والعافية الدائمة السرمدية الأبدية التي لا نهاية لها.

    قال: [(وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً)].

    أي: حياة لا نهاية لها: (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت).

    قال: [ (وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا) ]. أي: ستظلوا طول عمركم شباب، لا يصيبكم كبر السن.

    قال: [ (وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]) ].

    1.   

    باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمن فيها من الأهلين

    (الباب التاسع: في صفة خيام الجنة وما للمؤمن فيها من الأهلين).

    الجنة فيها خيام، لكن ليست كخيام العرب، فنعيم الجنة لا يشابه نعيم الدنيا إلا في الاسم، هذه اسمها خيمة وهذه خيمة. ولا وجه للمقارنة.

    والمؤمن له زوجة، وأولاد، وأصدقاء، والله لئن دخلنا الجنة واشتهى أحد منكم أن يلقى أخاه الذي يعرفه في مسجد الرحمة والله ليقابلنه، وهذا كان يصلي معي، ويصوم معي، ويعينني على الطاعة، وأعينه على الطاعة، فيا رب أريد أن أراه، اشتقت إليه، يكون فوراً من غير قيام حتى لو كان هذا في آخر الجنة وأنا في أولها أو العكس، بمجرد أن أشتهي لقاءه أكون أمامه.

    شرح حديث: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ...)

    قال: [حدثنا سعيد بن منصور، عن أبي قدامة الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه]. الذي هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس .

    [عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة) ].

    خيمة الجنة من لؤلؤة. أي: درة ياقوتة واحدة. مجوفة. يعني: فارغة من الداخل. وفي رواية: (مجوبة). ولا أدري هو تصحيف أو نص آخر وإذا كان نصاً فالمعنى واحد. ومعنى مجوبة: أي: مثقوبة يعني: لها باب، حتى يدخل إليها من أراد أن يدخل من الأهل والأصحاب، فكونها مجوبة أو مجوفة المعنى واحد، ولكنها من لؤلؤة.

    قال: [ (طولها ستون ميلاً) ]. أي: طولها في السماء ستون ميلاً، وهذا لا يمكن أن تجد خيمة في الدنيا بالشكل هذا، والميل حوالي اثنين كيلو إلا ربع تقريباً، فتصور أن لؤلؤة الجنة طولها في السماء حوالي مائة كيلو في السماء، وهذا من فضل الله عز وجل، لو اشتهى أن يطير فيها طار.

    قال: [ (للمؤمن فيها أهلون) ]. أهلون: جمع أهل، والأهل هم الزوجة. وأهلون يدل على التعدد بغير تنغيص، ولا وضع السم في الطعام، ولا تكييف، لا يوجد هذا الكلام تماماً. ألم يقل الله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]، لن يكون هناك غل، لا هذه ستغضب من هذه ولا هذه ستغضب من هذه، سيكون منتهى الود والألفة، والله هو الذي جعل أصل خلقهم على الحب والود والوفاء، لا توجد امرأة ستغير من الأخرى، وإذا دخل على إحدى زوجاته لا تراه زوجاته الأخريات ولا يسمعن منه خبراً من سعة الخيمة.

    قال: [(يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً)]. يعني: يذهب إلى هذه، وإذا ترك هذه لا تراه الأخرى.

    وهذا فيه سلوى للذي يريد أن يتزوج الثانية ولا يستطيع أن يتزوج لأنه خائف، وهذا توحيد الخائفين، قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3].

    شرح حديث: (في الجنة خيمة من لؤلؤة ...)

    قال: [وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا أبو عبد الصمد حدثنا أبو عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً) ].

    الرواية الأولى: طولها (60) ميلاً. والرواية الثانية: عرضها (60) ميلاً. والجمع بين الروايتين: أن طول الخيمة (60) ميلاً في السماء وعرضها على الأرض (60) ميلاً أيضاً. إذاً: الخيمة مربعة فهي (60×60).

    قال: [ (في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن) ].

    يعني: لا يوجد واحدة ترى الأخرى، ولو رأتها لا توجد مشكلة.

    قال: [ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا همام، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي بكر بن أبي موسى بن قيس الأشعري ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيمة درة -والدرة بمعنى اللؤلؤة- طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون) ].

    1.   

    باب ما في الدنيا من أنهار الجنة

    (الباب العاشر: ما في الدنيا من أنهار الجنة). باب إثبات أن بعض أنهار الدنيا هي أنهار الجنة، أو أن أصل مائها من الجنة.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، وعبد الله بن نمير ، وعلي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا عبيد الله بن عمر العمري، عن خبيب -أي: ابن عبد الرحمن- عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة) ].

    أي: كل نهر من هؤلاء من أنهار الجنة، وسيحان، وجيحان ليسا سيحون وجيحون، والنيل في مصر، والفرات في العراق يفصل بين أرض الشام وأرض الحجاز.

    أولاً: نتعرف على هذه الأنهار وطبيعتها، ثم نتطرق بعد ذلك كيف أن هذه الأنهار من أنهار الجنة.

    قال النووي: (أعلم أن سيحان وجيحان -وهما النهران الأولان- غير سيحون وجيحون، فأما سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة هما في بلاد الأرمن). وبلاد الأرمن قرب الشام، وليست بلاد الأرمن بلاد الشام وإنما هي قريبة من الشام.

    قال: (فجيحان هو المعروف الآن بنهر المصيصة، وسيحان نهر إذنة، وهما نهران عظيمان جداً أكبرهما جيحان).

    قال: (أما قول الجوهري في صحاحه: جيحان نهر بالشام. فغلط). يعني: أخطأ في ذلك؛ لأنه قال أن جيحان نهر بالشام. قال: (أو أنه أراد المجاز) يعني: أنه ببلاد الأرمن وهي قريبة من بلاد الشام فسماها الشام مجازاً فإذا كان يقصد ذلك وإلا فلا.

    قال: (قال الحازمي : سيحان نهر عند المصيصة، قال: وهو غير سيحون). يعني: سيحون شيء وسيحان شيء آخر.

    قال: (وقال صاحب نهاية الغريب: سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس، واتفقوا كلهم على أن جيحون وراء خراسان عند بلخ، واتفقوا على أنه غير جيحان، وكذلك سيحون غير سيحان. وأما قول القاضي عياض : هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام، فالنيل بمصر، والفرات بالعراق، وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد خراسان ففي كلامه إنكار).

    الإمام النووي يقول أن القاضي أخطأ في ذلك؛ لأنه جعل سيحان وجيحان هما سيحون وجيحون، وهذا خطأ كما قلنا من قبل، وأنه قال: الفرات بالعراق وليس بالعراق فنقم عليه ذلك، كما أنه قال: أنهما -أي: سيحان وجيحان- في بلاد خرسان. قال: (وأما سيحان وجيحان فهما ببلاد الأرمن بقرب الشام). فهذه أخطاء ردها النووي على القاضي عياض .

    قال: (وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنها من ماء الجنة). أي: هذه الأنهار من ماء الجنة). أي: معنى أن هذه الأنهار من ماء الجنة. (ففيه تأويلان ذكرهما القاضي عياض .

    أحدهما: أن الإيمان عم بلادها). والإيمان سبب لدخول الجنة، وهذا تأويل بعيد أن الإيمان عم بلادها. قال: (أو أن الأجسام المضتغذية بمائها صائرة إلى الجنة). فهذه البلاد يعيش فيها اليهود، ويعيش فيها النصارى ويشربون ويتغذون من مائها فكيف يدخلون الجنة؟ وإنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، واليهود والنصارى لا حظ لهم في الجنة، ولا حظ في الجنة إلا لمن آمن ووحد. فحينئذ يكون هذا تأويل مردود؛ لأنه بعيد جداً.

    قال: (والثاني وهو الأصح: أنها على ظاهرها). أي: أن هذا الحديث على ظاهره لا يحتاج إلى تأويل. (ولها مادة من الجنة) أي: لهذه الأنهار مدد من السماء، لا يعلمه إلا الله، خاصة وقد جاء في روايات سبقت وشرحناها تفصيلاً وأثبتنا أن لهذه الأنهار مدد من الجنة، وأنتم تعلمون أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل الجنة فرأى فيها كيت وكيت وكيت، وذكرنا هذه المرئيات، واطلع على النار فوجد أكثر أهلها النساء، فالجنة والنار مخلوقتان الآن قائمتان الآن لا يدري أحد مكانهما، وهذا يفوض علمه إلى الله عز وجل، فحينئذ يجب أن نعتقد أن هذه الأنهار إنما أصلها وأصل منبتها من الجنة، وأنها تستمد ماءها من الجنة، فإذا أرادوا أن يضحكوا علينا بعد ذلك ويقولون: إن هذا النيل يستمد ماءه من بحيرة ناصر سنقول: إن النيل وبحيرة ناصر يستمدان الماء من الجنة، وإذا كان هذا الماء الذي بين أيدينا هو ماء أصله من الجنة، فعيب علينا أن نلوثه بالقاذورات والفضلات وآثار التغوط وأكثر من ذلك، وعيب علينا أن نسمح لغير بلاد المسلمين أن يلوث هذه المياه بالكيماويات والسموم وغير ذلك حتى صرنا أفقر بلاد العالم في الماء، مع كثرته ووفرته لكن ماء النيل بين أيدينا ونخشى أن نستعمله ونقول: لابد من تكريره أولاً، وهناك منظر يؤذي قلوب الموحدين: أن ترى على كل مكان من النهر من تغسل ثيابها، وأوانيها، والخيول، والسيارات وغير ذلك بل وتلقى الحيوانات الميتة كالحمير، والجاموس والبقر وغير ذلك، كل هذا يلقى في مياه النيل حتى صار أمراً مألوفاً ومعهوداً لدى الأطباء وغير الأطباء أن فلان إذا أصيب بمرض بلهارسيا مثلاً أو أي مرض يقول له: أنت كنت تغتسل في النيل، هذا هو السبب، مع أن أصل الماء أنه أطهر وأنقى من ذلك بكثير، والذي لوثه هم العباد، ولكنه أصلاً أبيض وجميل ويصلح للشرب وتغذية الأبدان. وهو كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الحجر الأسود من أحجار الجنة كان أبيض من اللبن فسودته خطايا بني آدم). الحجر الأسود كان أبيض من اللبن ولكنك تره الآن أسود، فقد سودته خطايا بني آدم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مس الحجر يحط الخطايا حطاً). فلاشك أن الواحد منا إذا ذهب إلى الحجر ومسحه كأنه يمسح معاصيه وذنوبه؛ لأن مسح الحجر يحط الخطايا وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على مسح الحجر، والإشارة لمن لم يتمكن، والحجر إما أن تمسحه، أو تستلمه بعصا، أو تشير إليه.

    1.   

    باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير

    (الباب الحادي عشر: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير).

    إما أن يكون المراد بذلك: الرقة والخفة، وإما أن يكون المراد بذلك: الخوف والفزع. ويؤيد المعنى الأول قول النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى أهل اليمن: (أتاكم أهل اليمن هم أرق الناس أفئدة وألين الناس قلوباً). ومعلوم أن قلب المؤمن مثل قلب الكافر في نفس اللون، ونفس القوام، لكن المراد معنوي فقد تعظ الناس بالجنة والنار وتذكر لهم الوعيد الشديد فربما انفطر وانصدع قلب المؤمن لأول وهلة، وربما لا ينصدع قلب الكافر حتى آخر لحظة، والقلوب منها القلب القاسي، والقلب اللين، والقلب الرطب بذكر الله، والقلب القاسي ببعده عن الله عز وجل وبعده عن ذكر الله، فالقلوب أنواع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القلوب أربعة).

    قال عليه الصلاة والسلام: [ (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم) ].

    والفؤاد هو لب القلب [ (مثل أفئدة الطير) ]. فإما أن يكون المقصود بذلك الرقة واللين كما قال صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم أرق الناس أفئدة وألين الناس قلوباً، الفقه يمان، والإيمان يمان والحكمة يمانية). فالنبي عليه الصلاة والسلام يثني على أهل اليمن، وهم أهل لهذا الثناء، وأحق بهذا الثناء، وقد عرفهم النبي عليه الصلاة والسلام حق المعرفة، ولا تزال هذه الصفات يتمتع بها الشعب اليمني إلى يومنا هذا، تجدهم أقرب الناس إليك، وأحن الناس عليك، وألطف الناس محادثة، وأطوع الناس عند النقاش، وأأدب الناس عند الخلاف، هذه حقيقة صفات الشعب اليمني إلى يومنا هذا، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام مدح الأنصار، وبلاد الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، وهذا المدح تجده فيهم إلى الآن، وأهل مكة تجد فيهم القسوة، والغلظة، والجفاء، والعنجهية، والكبر، والغطرسة، وقلة الأدب، إلا من رحم الله عز وجل!

    وإما أن يكون المعنى المراد مثل أفئدة الطير في الخوف والهيبة؛ لأن الطير أفزع الخلق، تجد الحمامة في عز النوم وأول ما تسمع صوتاً غريباً ولو من بعيد تصير في أعالي السماء، قد فزعت وخافت. وكأنه أراد أن يقول: لا يدخل الجنة إلا من حقق كمال الخوف والرجاء لله عز وجل. وأنتم تعلمون أن الخوف والرجاء جناحا المؤمن في السير إلى ربه، فلا يغلب الخوف على الرجاء ولا يغلب الرجاء على الخوف وإنما هما جناحان يسيران في مسار واحد في الحياة الدنيا.

    وأما في حال الصحة فقد قال بعض أهل العلم بجواز تغليب باب الخوف حتى يزيد الخائف من العمل؛ ولذلك: (لما قرأت عائشة رضي الله عنها: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني الذي يزني، والقاتل الذي يقتل، والسارق الذي يسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة يخافون ألا يتقبل منهم). أي: فيحملهم خوفهم هذا على المزيد من العمل، فالخوف المشروع هو الخوف الذي يجعل الخائف يزداد من الطاعات، أما الخوف الذي يؤدي إلى الإياس والقنوط من رحمة الله فليس هذا هو الخوف المشروع، إنما هذا خوف على غير مذهب أهل الحق وعلى غير مذهب أهل السنة والجماعة.

    والرجاء كذلك يكون بعد العمل، فالمؤمن يصلي ويرجو الله تعالى أن يتقبل منه ذلك، ويصوم ويرجو الله تعالى أن يتقبل منه ذلك، ويفعل الطاعات وينتهي عن المعاصي ويرجو الله تعالى أن يثبته على الإيمان بعد العمل بعد بذل الوسع وإفراغ الجهد في مرضات الله تعالى، فهو يرجو ربه أن يتقبل منه ذلك، وأن يعفو عن السيئات والهفوات. لكن رجاء لا عمل معه لا ينفع، والذي لا يصلي ويزعم أنه متكل على رحمة الله ليس بصادق مع نفسه إذ كيف سيرحمه الله عز وجل وهو الذي أعرض عن شرعه ودينه؟ وقد سمع الوعيد والتهديد في القرآن والسنة ولم يحرك فيه ساكناً، فكيف يعفو عنه الله عز وجل؟ ولو شاء الله أن يعفو عنه لعفا، لكن هناك أحكام شرعية ينبغي أن تتمسك بها حتى تكون أهلاً لرحمة الله عز وجل، فبعض الناس يتصور أن الرجاء أن يدع العمل، ويعتقد أن رجاءه ينفعه. كلا وألف كلا، لا ينفعه ذلك، وليس هذا باب الكلام عن الخوف والرجاء.

    ويمكن أن يحمل قوله: (مثل أفئدة الطير): أي في التوكل على الله عز وجل، خاصة في الرزق والأجل، ولذلك ضمن الله لعباده الأرزاق والآجال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن روح القدس) أي: جبريل (نفث في روعي) أي: حدثني سراً. (أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها). أي: يا محمد اعلم في نفسك، وأخبر أمتك أن أحداً لن يموت حتى يأخذ رزقه كاملاً بغير نقصان، والمطلوب هو (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، واعلموا أن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته). أي: ما عليك إلا أن تطيع الله، ولا أقل من أن تكون كالعصفور، والحمام، والغراب، والحشرات، والدواب، والهوام التي تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، والنبي عليه الصلاة والسلام كأنه يقرع أصحابه فيقول: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير). أي: لو أنكم يا معشر المسلمين توكلتم على الله حق توكله -يعني: توكلاً عظيماً، وتوكلاً مشروعاً- (لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً) أي: في الصباح تبكر للطعام وطلب المعاش والرزق، لأنها جائعة. يعني: اللحم على العظم. (وتروح بطاناً). أي: ترجع في آخر النهار ممتلئة البطون، لأنها ما خرجت في الصباح إلا متوكلة على الذي يملك الأرزاق، ما خرجت إلا وهي على يقين بأنها سترزق، وأنه سيأتيها من فضل الله عز وجل ما لا يقع في حسبانها، فترى قمحاً أو شعيراً أو غير ذلك من سائر أصناف الطعام التي لا تخطر على بالها، فلو أنكم توكلتم على الله كما تتوكل هذه الطير في السماء لرزقكم كما يرزقها.

    إذاً: الأمر يحتاج إلى توكل على الله عز وجل، والسعي لطلب الرزق والعلم، ولذلك لما قرن الله تعالى بين تحصيل الآخرة وتحصيل الدنيا قال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]. أي: البحث عن الأرزاق مجرد مشي وسعي. وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]. ولكنه لما تكلم عن الآخرة قال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]. وقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133]. وغير ذلك من الآيات التي تدل على المسارعة والمنافسة في ميدان الآخرة، بخلاف ميدان الدنيا الذي هو مجرد مشي.

    قال: [حدثنا حجاج بن الشاعر قال: حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي ، حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) ]. أي: مثل أفئدة الطير في الصفات، وفي التوكل، وفي شدة الخوف والفزع، وفي الرجاء في الله عز وجل، وغير ذلك، ولا يتصور أن تدخل الجنة وقلبك على هيئة قلب العصفور مثلاً أو قلب النملة.

    شرح حديث: (خلق الله تعالى آدم على صورته...)

    قال: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خلق الله عز وجل تعالى آدم على صورته...)].

    الضمير في قوله: (صورته) يعود على آدم، وهو أقرب اسم مذكور مفرد للضمير فيعود عليه الضمير. خلق الله آدم على صورته. أي: على صورة آدم. وبعض أهل العلم أنكر هذا التأويل فقال: وليس في هذا بلاغة ولا فصاحة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أبلغ الخلق وأفصح الخلق، فلا يتصور أن يكون التقدير هكذا خلق الله آدم على صورة آدم، وحملوا الضمير على الرحمن الذي قد جاء في حديث آخر: (خلق الله آدم على صورة الرحمن). وهذا أرجح القولين عندي، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون صورة الله تعالى هي نفس صورة الرجل من خلقه، فيكون المعنى: كما أن الله تعالى له ذات وصورة لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى، فكذلك آدم لما خلق كان له صورة. فيكون التقدير: خلق الله آدم على صورة كما أن الله تعالى على صورة، ولا يلزم من المماثلة بين الاسمين أو الوصفين المماثلة من كل وجه، بل يحكم هذا وذاك قول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. أي: ليس كمثله شيء لا في الذات ولا في الصفات، وكما أن نعيم الجنة لا يتفق مع نعيم الدنيا إلا في الاسم فقط، ولا يلزم منه المماثلة والمشابهة كما قلنا من قبل، فكذلك لله تعالى صورة، ولا بد؛ لأنه ذات علية سبحانه وتعالى، وكل ذات لها أوصاف؛ ولذلك وصف نفسه بأوصاف، ووصفه رسوله عليه الصلاة والسلام بأوصاف، وسمى الله تعالى نفسه بأسماء، وسماه رسوله بأسماء، فنتوقف عند حد ثبوت الأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة لله عز وجل من غير خوض في الكيفية. وهذا مذهب أهل الحق لا نفوض في المعنى، ولا نفوض في العلم وإنما نفوض الكيفية، فالله تعالى له صورة؛ لأنه أخبر أن له صورة، ونمسك عن ماهية هذه الصورة وكيفيتها، وآدم له صورة ولا يلزم المماثلة والمشابهة من إثبات الصورة لله وإثبات الصورة لآدم.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً..