إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - في سوق الجنةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل الجنة في نعيم دائم سرمدي لا ينقطع، نعيم لا يدانيه نعيم ولا يقاربه، ومن ذلك أن في الجنة سوقاً يأتيها أهل الجنة كل جمعة، فيرون الله تعالى، ويزدادون حسناً ونوراً وجمالاً، وأول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لكل امرئ منهم زوجتان، وللمؤمن خيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها ستون ميلاً في السماء، ولأهل الجنة فيها مجامر من الألوة، رشحهم المسك، لا يمرضون، ولا يهرمون، ولا يفنى نعيمهم، فلله ما أعظمه من نعيم!

    1.   

    باب في سوق الجنة

    الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على محمد وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس الثاني من كتاب الجنة ونعيمها من صحيح مسلم .

    قال: (باب في سوق الجنة).

    الجنة فيها سوق، وهذا السوق يعقد في كل أسبوع مرة، وإذا قلنا: في كل أسبوع فلا بد أن يوم الجمعة هو يوم ضمن سبعة أيام، وليس في الجنة ليل ولا نهار، وليس فيها أيام، وليس فيها شمس ولا قمر، إنما الجنة نعيم دائم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قرب لنا الأمر فقال: [(إن في الجنة لسوقاً)] أي: يعقد في كل أسبوع مرة، أي: فيما يعدل كل أسبوع من أسابيع الدنيا مرة، هذا اليوم يسمى يوم المزيد، ويعقد فيما يعادل في الدنيا يوم الجمعة، وفيها يطلع الله عز وجل على عباده من أهل الجنة ليروا وجهه الكريم، فإذا رأوا وجه الله تعالى ازدادوا حسناً، ونوراً، وبهاء، وجمالاً، فيرجعون إلى أزواجهم، فيلحظ أزواجهم ذلك فيهم، فيقولون: والله ما ازددتم بعدنا إلا حسناً، وجمالاً، وكمالاً، فيقول الأزواج لزوجاتهم: وأنتن والله ما ازددتن بعد أن فارقناكن إلا حسناً وجمالاً؛ لأن أهل الجنة جميعاً يرون الله عز وجل في هذا اليوم الذي يسمى بيوم المزيد، أي: يزاد في نورهم، وبهائهم، وحسنهم.

    قال: [ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة لسوقاً) ].

    وسمي سوقاً لاجتماع الناس فيه؛ لأنه لا يقال للمكان سوقاً إلا إذا اجتمع فيه الناس، لأن الناس يساقون إليه لقضاء حوائجهم.

    قال: (يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال) ].

    بفتح الشين لا بكسرها، وهي الريح التي يسميها العرب: ريح الشمأل، أو الشموأل، أو ريح دبر القبلة، أو ريح شامية تأتي من جهة الشام، وكانت العرب تحب أن تأتي الرياح من قبل الشام؛ لأنها تأتي بالخير، وتأتي بالمطر.

    قال: [ (فتحثو في وجوههم وثيابهم -أي: تحمل في طياتها الخير حتى تجعله في وجوههم وثيابهم- فيزدادون حسناً وجمالاً -أي: فيزداد أهل الجنة حسناً وجمالاً- فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم -أي النساء-: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) ].

    هذه الريح أحياناً يسميها العرب: الريح المثيرة، أي: المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم وثيابهم ما تثيره من مسك أرض الجنة، فيزدادون بذلك حسناً وجمالاً.

    1.   

    باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم

    قال: (باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم، وأزواجهم).

    قال: [ عن محمد بن سيرين ].

    وهو إمام من أئمة التابعين، وسيد من ساداتهم، إمام من أئمة البصرة، يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، لكنه هنا يروي فيقول: (إما تفاخروا وإما تذاكروا).

    يعني: الصحابة رضي الله عنهم اجتمعوا فتكلموا في أمر الجنة والنار، وتكلموا في أمر الرجال والنساء أيهما أكثر في الدنيا وفي الآخرة، وفي الجنة وفي النار؟ فقال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، يعني: اجتمع الرجال والنساء، وصارت بينهم مناظرة، هذه المناظرة إما على سبيل التذكرة، أو المفاخرة: [ الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ ].

    هذا موطن المناظرة: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟

    [ فقال أبو هريرة : أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم -أي: ممن يدخل الجنة- زوجتان اثنتان) ].

    أي: من الحور العين، فلو أن كل واحد دخل الجنة له زوجتان اثنتان، فأيهم يكون أكثر الرجال أم النساء؟ مع ملاحظة أنه ليس في الجنة عزوبة، كل من دخلها تزوج فيها، ويزيد الله تعالى ما يشاء لبعض عباده، حتى يبلغ حظ الشهيد من الحور العين اثنتين وسبعين امرأة من الحور العين، فأيهما أكثر في الجنة الرجال أم النساء؟

    النساء أكثر؛ لأن النساء على الأقل ضعف عدد الرجال الذين دخلوا الجنة؛ لأن لكل واحد منهم زوجتين، مع أن بعض من يدخل الجنة يزيد الله تعالى له من الحور العين، فلابد أن النساء أكثر أهل الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (دخلت الجنة فإذا عامة أهلها الفقراء والمساكين)، وقال: (واطلعت في النار فإذا عامة أهلها النساء، فقالت امرأة جزلة -عاقلة-: يا رسول الله ولم؟ قال: لأنهن يكفرن. قالت: يا رسول الله! أيكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير)؛ أي: عشرة الزوج، ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام ذلك فقال: (يحسن إليكن الرجل الدهر كله فإذا بدا منه شيء قلتن: والله ما رأينا منك خيراً قط) فهذا هو كفران العشير.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم منكن)، الرجل الحازم العاقل أحياناً يغضب ويثور ويفلت منه الزمام بسبب امرأة، وهو في أصله إنسان حازم، عاقل، لكنه يفقد ذلك حينما تغضبه امرأته.

    والشاهد من هذا الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (واطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء)، إذاً: أكثر أهل النار النساء، وأكثر أهل الجنة النساء، وهذا يفيدنا نسبة وتناسب أن النساء في بني آدم أكثر من الرجال، ومن أشراط الساعة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (لا تقوم الساعة حتى يقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لكل خمسين امرأة قيم واحد)؛ يعني: رجل واحد، ولا يعني هذا حل أن يتزوج رجل بخمسين، إنما نسبة وتناسب بين الرجال والنساء واحد إلى خمسين، فالرجل يقابله خمسون من النساء، ولا يعني هذا صحة نكاح الخمسين إنما هو دليل على أن الأمر قبل قيام الساعة هو كثرة النساء وقلة الرجال؛ بسبب الجهاد، والغزوات، وغيرها التي تكون في آخر الزمان.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، أول دفعة تدخل الجنة وجوهها كالقمر ليلة البدر، أي: في ليلة التمام والكمال، فهذه وجوه الناس وصفاتهم الذين يدخلون الجنة لأول وهلة، ثم يعقبهم زمرة أخرى يكونون على هيئة أضوأ كوكب في السماء بعد القمر، وأنور كوكب، وهو ما يسميه الفلكيون بالكوكب الدري، وأنتم تعلمون أن الدر هو أعظم الجواهر، ولذلك سميت الدرر درراً لأنها ثمينة، غالية مضيئة، تشبيهاً بأعظم كوكب في السماء بعد القمر في ليلة البدر والتمام، وهو الكوكب الدري، فهذه هي صورة القوم الذين يدخلون ثانياً بعد الزمرة الأولى.

    قال: (لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) أي: ما داخل السوق والقدم يراه المرء، تصور أنك ترى العظام الداخلية في قدم الحورية من الصفاء والنقاء، ينظر الرجل إلى امرأته فيرى مخ ساقها من وراء اللحم، كما ينظر في خدها فيرى صورته في خدها، وترى صورتها في خده من الصفاء والنقاء، وهذا يدل على أن أهل الجنة على أكمل هيئة وأتم صورة، وأن الناس إذا دخلوا الجنة كانوا على غير هيئتهم في الدنيا، الصغير يكبر، والشيخ الهرم يصغر حتى يكونوا جميعاً في سن واحد: عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37]، ومعنى ( أَتْرَابًا ): أي في سن واحد.

    قال: (وما في الجنة أعزب)، كل من دخلها تزوج، سواء كان متزوجاً في الدنيا أو ليس متزوجاً، لابد لكل من دخل الجنة أن يكون عنده من الأزواج الحور العين اثنتان، ويكون عنده كذلك من نساء الدنيا أحب النساء إليه من زوجاته، فلو أن واحداً تزوج امرأة، أو اثنتين، أو ثلاثاً، أو أكثر من ذلك كما في ملك اليمين، أو ممن طلقهن وتزوج غيرهن من الحرائر، فيتزوج المرء أحب نساء الدنيا إليه كانت في الدنيا.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون) ].

    أهل الجنة يقيناً يتنعمون بما فيها من ملاذ المطاعم والمشارب، ومع هذا هم لا يبولون، ولا يتغوطون، والمعلوم لدينا أن من أكل وشرب لابد أن يبول ويتغوط، وإلا استدعي له طبيب فوراً وكان هذا علامة خطر، أما في الجنة فيأكل الإنسان من نعيمها، ويمرح، ويسرح بين ثمارها وأشجارها، يأخذ ما لذ منها وطاب ثم هو لا يتغوط، ولا يتبول، إنما هذا الطعام والشراب يخرجان من بدنه كأعظم ما يكون رشح المسك على هيئة عرق، هذا العرق ريحه ريح المسك، وأنتم تعلمون أن مسك الآخرة ليس كمسك الدنيا، بل كل ما في الجنة من نعيم إنما يتفق مع نعيم الدنيا أو مع أشياء الدنيا في الأسماء فقط دون الحقائق، كما قال ابن عباس : وما في الجنة من نعيم لا يشبه ما في الدنيا من نعيم إلا في الأسماء، أما الحقائق فمختلفة تماماً، فإذا قلنا: رشح أهل الجنة في طعامهم وشرابهم إنما هو المسك فهذا يعني أن ذلك مسك من نوع خاص، كلما أكل رشح، وإذا رشح عبق المكان بالرائحة الزكية الطيبة.

    قال: [ (أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة) ].

    الألوة: هو عود هندي، والمجامر: هي البخور، والمجمرة: هي المبخرة، وإلى الآن في بلاد العرب يعرفون المجمرة، أو إذا أتى ضيف قدموا إليه المجمرة فيها الجمر مع الطيب والبخور والدخان؛ ليتطيب في ثوبه، وفي بدنه، فكذلك لأهل الجنة مجامر تشبه هذه المجامر الهندية.

    قال: [ (وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد) ].

    أخلاقهم: جمع خَلق، أو جمع خُلق، على خلاف بين أهل العلم، أخلاقهم: أي: صفاتهم جميعاً صفات رجل واحد، وصورتهم جميعاً صورة رجل واحد وهو آدم عليه السلام، أو أنهم جميعاً على أخلاق حسنة جميلة لا يتباغضون، ولا يتحاسدون ولا يهجر بعضهم بعضاً كما كانوا يفعلون في الدنيا: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ[الأعراف:43]، فليس في الجنة غل ولا حسد ولا شيء من ذلك.

    قال: [ (على صورة أبيهم آدم -كل الناس يدخلون على صورة أبيهم آدم عليه السلام- ستون ذراعاً في السماء) ].

    لأن هذه هي الصورة التي خلق الله عز وجل عليها آدم، لم يمر بأطوار كما مرت ذريته، فنحن قد مررنا بأطوار كثيرة، طور الأجنة، ثم الرضاعة، ثم الطفولة، ثم تدرجنا بعد ذلك حتى صرنا شيوخاً وعجائز وغير ذلك، حتى قضى علينا الله تعالى بالموت، أما آدم لما خلقه الله تعالى خلقه وطوله في السماء ستون ذراعاً فما زاد ولا نقص، وما تغيرت صورته في الجنة عما طرد منها، كانت صورته واحدة في كل شيء، وفي كل مكان، سواء في الجنة أم بعد أن خرج من الجنة، طوله في السماء ستون ذراعاً، لكن الخلق لا يزالون في نقصان إلى قيام الساعة، ثم يدخلون الجنة على صورة أبيهم الأولى صورة آدم وطوله في السماء ستون ذراعاً، وقد وردت بعض النصوص: أن الناس كلهم يدخلون الجنة في أسنان واحدة وهي ثلاث وثلاثون سنة، وهي سن عيسى بن مريم عليه السلام حينما رفع إلى السماء.

    1.   

    باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً

    قال: (باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً).

    قال عليه الصلاة والسلام: (أنهم يلهمون التسبيح، والتحميد، والتكبير، كما يلهمون النفس) وسيأتي معنا، لكنهم على أية حال يلهمون ذلك بكرة وعشياً، وقد اتفقنا أنه ليس في الجنة بكرة وعشي، وإنما مقدار البكور والعشي.

    قال: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة) ].

    مع أن آنية الذهب والفضة حرام علينا في الدنيا، ولكن الله تعالى أباحه لنا في الآخرة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن الذي يأكل في صفائح الذهب والفضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهذا لمن أكل بهما في الدنيا، أما في الآخرة فإن الله تعالى أحل لنا ما كان حراماً علينا، فلباسنا الحرير والديباج، وهذا كان محرماً على الرجال، وأباحه الله تعالى، والله تعالى حرم علينا الخمر وأباحه لنا في الآخرة، ولكن خمر الآخرة ليس كخمر الدنيا من الإسكار وذهاب العقل وغير ذلك، بل هو شراب لذيذ سماه الله تعالى خمراً، ليكافئ عباده الذين امتنعوا عن شرب الخمر في الدنيا بخمر في الآخرة، لكن هيهات هيهات بين خمر الدنيا وخمر الآخرة.

    قال: [ (ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشياً) ].

    في الدرس الماضي لما ذكرنا أن الجنة درجات عديدة، لعل ذلك اختلط على بعض السامعين بأبواب الجنة وقال: بل درجات الجنة ثمان، والصواب أن أبواب الجنة ثمانية، أما درجات الجنة فكثيرة متعددة لا يعلمها إلا الله.

    كما أنه لا يصح أن يقال: إن درجات الجنة على عدد آيات القرآن الكريم، كما أن أهل العلم اختلفوا في عدد آيات القرآن الكريم، فأحياناً تجد الآية عند قارئ آية، وتجدها عند قارئ آخر آيتين.

    قال: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض) أي: لا حسد، ولا تباغض، ولا اختلاف، ولا مناحرة، ولا مناظرة، كل هذا في الدنيا أما في الآخرة فلا.

    ثم إنه كذلك قد اختلط على الأخ قول الأنصاري لما بكى عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله! تذكرت الموت، وعلمت أن الموت يفرق بيني وبينك؛ لأنك في الجنة في منزلة هي أعلى من منزلتي، فأنا لا أراك في الجنة، فنزل قول الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأنصاري: أبشر)، يعني ستراني لأنك تحبني فأنت معي.

    وقوله: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]، وهم أهل الطاعة لله وطاعة الرسول مع: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، قال النبي صلى الله عليه وسلم له: (أبشر) يعني: أنت معي في الجنة، وحديث: الذي سأل عن الساعة فقال له: (وما أعددت لها؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت)، فالله تعالى يجعل لأهل المراتب الدنيا في الجنة نظرة إلى من فوقهم كما يجعل لمن فوقهم نظرة إليهم، وهذا أمر مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة: أن من فوق يرى من تحت وأن من تحت يرى من فوق.

    وفي الجنة لا اختلاط كما هو مشاهد في الدنيا، فالله عز وجل ينزع من نفس المؤمن شهوة التطلع إلى عورات الآخرين، كما أن الشهوة تنزع من الخلق في أرض المحشر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (يحشر الناس حفاة، عراة، غرلاً)، أي: في أرض المحشر، أي: على هيئتهم قبل الختان والخفض، أي: قطع القطعة الزائدة من فرج المرأة وذكر الرجل، فإن كل شيء يرد إلى صاحبه حتى الأظافر، والشعر، كل شيء أخذ منك يرد إليك، حتى هذه القطعة من اللحم الصغيرة التي أخذت من عضوك إذا كنت ذكراً أو أنثى ترد إليك وتحشر عرياناً حافياً على هذا النحو، (فقالت عائشة : يا رسول الله! ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر حينذاك أشد من هذا)، يعني: لا يخطر ببال أحد قط أن ينظر إلى عورة أحد.

    وهذا مشاهد، فلو نزل بك غم أو وصلك خبر مفزع أو أصابك هم، انصرفت شهوتك تماماً، والمتزوجون يعلمون ذلك، ولو أنك في قمة شهوتك ثم طرق الباب انصرفت شهوتك، والمتزوج يعلم ذلك، وكلنا يعلم ذلك من نفسه ومن حاله، فإذا كان هذا مجرد طارق أتى ليطرق بشر يخبرك أو بنبأ عظيم بوفاة عزيز، أو بنكبة نزلت، أو يدعوك لملاقاة الزبانية أو غير ذلك، لابد أن تنصرف شهوتك تماماً، فإذا كان هذا أمر يسير يمكن تداركه ومع هذا تنصرف شهوتك تماماً، فما بالك بالمحشر الذي يحشر الناس فيه على قدر أعمالهم، ويبلغ عرقهم منهم قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ حقويه أو حقوه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، كل على حسب عمله، فمن ذا الذي يفيق أو ينتظر أن ينظر إلى عورة صاحبه؟!

    قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة رضي الله عنها وصلى الله على نبينا محمد: (الأمر أشد من ذلك) أي: لا يلتفت أحد إلى ذلك.

    قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر : [ (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام) ].

    يعني: أين يذهب يا رسول الله؟

    قال: [ (جشاء ورشح كرشح المسك) ].

    والجشاء هو هذا الهواء الذي يخرج من الصدر أو البطن، والذي نعرفه جميعاً بالتقريع، فالطعام يتخلص من البدن بطريقين: بطريق الجشاء، وطريق الرشح.

    قال: [ (يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس) ].

    إذاً: عندنا الآن في هذا الباب خمسة أحاديث: حديث أنس ، وحديث أبي هريرة ، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري ، وحديث جابر مكرر بعدة روايات.

    1.   

    باب في دوام نعيم أهل الجنة

    قال: (باب في دوام نعيم أهل الجنة).

    كما هو دوام عذاب أهل النار، وهذا دليل لمعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن لا تفنيان ولا تبيدان، (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت).

    [ قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس -أي: لا يرى بؤساً قط إنما يتمرغ ويتقلب في نعيم الله عز وجل- لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه)، وفي رواية: (ولا يفنى سنه) ].

    فليس في الجنة حساب كحساب الدنيا؛ لأن أهل الجنة على سن واحدة سيظلون كذلك فلن يصغروا ولن يكبروا، سيبقى سنك هذا باستمرار وشكلك وصورتك على نسق واحد بغير زيادة ولا نقصان، لو طال مكثك في الجنة ولابد أن يطول فلا يطرأ عليه أدنى تغير أبداً، وفي هذا الوقت لو أن الواحد منا طال عمره كل يوم وهو بصورة وشكل، وهيئة وشكل، وأخلاق وشكل، وغير ذلك.

    أما أهل الجنة فليسوا كذلك، يدخلون الجنة على سن واحدة وأخلاق واحدة ثم لا يتبدلون ولا يتغيرون، يمكثون هكذا باستمرار، قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) أي: لا يكبر يظل في سن واحدة، كما أن ثيابه التي يلبسها لا تبلى ولا تفنى.

    قال: [ وعن أبي سعيد، وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) ].

    أي: أن تعيشوا أصحاء بغير مرض، إذاً: الذي يدخل الجنة لا يمرض قط، بل يدخل صحيحاً، قوياً، فتياً، لا يصيبه الهرم، ولا كبر السن.

    [ (وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا -أي: حياة أبدية سرمدية، ليس بعدها موت- وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً -أي: تكونون شباباً فلا يصيبكم الهرم- وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبداً -أي: لا يصيبكم البؤس- فذلك قول الله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]) ].

    هذه هي الجنة، وهذه هي صفات الجنة.

    1.   

    باب في صفة خيام الجنة

    قال: (في صفة خيام الجنة).

    الجنة فيها خيام؛ لكن الخيام من لؤلؤ، وكل خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، وعرضها ستون ميلاً في الأرض، والميل يساوي كيلو واحد وسبعة من عشرة، أو واحد وأقل من سبعة من عشرة.

    ولو قلنا أن هذا هو الميل الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام هو ما يقدر بميل الدنيا فنقول: إن طول الخيمة الواحدة ستة وتسعون كيلو أو حوالي مائة كيلو، وعرضها مائة كيلو.

    فتصور أن تكون أنت في خيمة طولها في السماء مائة كيلو وعرضها في الأرض مائة كيلو، والله تعالى يجعل لك أهلاً في كل زاوية من زوايا هذه الخيمة، يجعل لك واحدة من الحور العين هنا، والثانية هناك في آخر الخيمة من الناحية الثانية، وواحدة في الشمال، وواحدة في الجنوب، إذا ذهبت إلى هذه فلا تراها الأخرى، وإذا ذهبت إلى الأخرى فلا تراها الأولى، مع أنهم لو رأوا بعضهم بعضاً فلن يكون بينهم ما يكون بين الضرائر في الدنيا، ومع هذا فإن الواحد يتنقل بين أهله لا يراه الآخرون.

    تصور خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة يبلغ طولها ستون ميلاً وعرضها ستون ميلاً، ولا يمكن لأحد قط أن يتخيل ذلك ولا أن يتصوره، فالمرء يحتاج في الجنة إلى مركب ليسير في خيمته في داخلها إلا أن يحمله الله عز وجل على ما شاء مما خلق.

    قال: [ قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة -يعني: مفرغة من الداخل- طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون -جمع أهل- يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً) ].

    يعني: هؤلاء لا يرون هؤلاء.

    وقال: [ (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً) ].

    في الرواية الأولى: طولها ستون ميلاً، وهنا: عرضها ستون ميلاً، ولا منافاة بين الحديثين؛ للدلالة أن الطول كالعرض، الطول في السماء، والعرض في الأرض.

    قال: [ (في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن) ].

    وهذا حظ المؤمن وزيادة، أما ما في الجنة من أنهار فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة).

    أما الفرات فليس هو الفرات المعروف بأرض العراق، وإنما هو نهر يفصل بين الشام وبين جزيرة العرب، وأما سيحان وجيحان فهما نهران في أرض الأرمن بقرب الشام، وليس هما سيحون وجيون اللذان بأرض خراسان، هذه الأنهار الأربعة: سيحان، وجيحان بأرض الأرمن قرب الشام، والفرات الذي هو بين الشام وجزيرة العرب، والنيل الذي هو بأرض مصر، هي من أنهار الجنة.

    واختلف العلماء في معنى أن هذه الأنهار من أنهار الجنة، فقيل: كون هذه الأنهار من أنهار الجنة أي أن ماء الجنة يصب فيها، وهذا أظهر الوجهين، وأن أصل هذه الأنهار ينزل فيه الماء من الجنة، ولذلك قال الإمام النووي: وأنها من أنهار الجنة على ظاهره، يعني ينبغي أن نعتقد أن هذه الأنهار هي من أنهار الجنة، لكن كيف أنها من أنهار الجنة؟ قال: باعتقاد أن مادة هذه الأنهار من الجنة، والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة والجماعة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل من الجنة، يعني: أصل خروج النيل والفرات من الجنة، وقد أورد البخاري في صحيحه حديثاً: (إن النيل والفرات أصلهما عند سدرة المنتهى فوق السماء السابعة)، فينبغي أن نؤمن بذلك ونسلم ولا نقول: كيف؟ ولماذا؟

    والتأويل الثاني: أن الإيمان عم أهل هذه البلاد، فقد عم أهل الشام ومصر والجزيرة العربية، أي: أن الإيمان عم أهل هذه الأنهار وبلادها أو الأجسام المتغذية بها، فهي صائرة إلى الجنة، أو مآلها إلى الجنة، ولكن هذا تأويل بعيد، فأهل مصر الآن يهود، ونصارى، ومسلمون، وهم يتغذون بماء النيل، وماء النيل من ماء الجنة، أو النيل من أنهار الجنة، وليس المعنى أن من شرب من النيل دخل الجنة، أو من تغذى بدنه من ماء النيل دخل الجنة، بل كثير ممن يتنعم بنعيم الله عز وجل من النيل وغيره إنما هو على الإلحاد، والعلمنة، والزندقة، والفسق، والفجور وغير ذلك.. فلا يلزم منه أن كل من شرب من نهر النيل دخل الجنة، كما هو معروف عند الناس أن الذي يشرب من النيل يرجع له، فنقول: إذا كان من أهل الإيمان مرحباً به، أو غير ذلك فلا مرحباً به.

    1.   

    باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير

    قال: (باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير).

    الفؤاد: هو لب القلب، وقيل: هو القلب نفسه، وقيل: هو غشاء القلب، وقيل غير ذلك، ولكن على أية حال المعنى المتبادر إلى الذهن أنه القلب.

    والمعلوم أن أهل الجنة هم أهل الخوف من الله عز وجل، وهم أهل الرجاء، وأهل التوكل على الله عز وجل، قلوبهم رقيقة، والقلب يرق وقد يقسو حتى يكون أقسى من الحجارة، مع أنه قطعة لحم، ولما دخل وفد اليمن على النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أتاكم أهل اليمن أرق الناس أفئدة، وألينهم قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية) إلى آخر الحديث في أوصاف أهل اليمن، والشاهد منه: (هم أرق الناس أفئدة وألينهم قلوباً)، إذاً: القلب يلين ويرق.

    والله تعالى يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فكلما ازداد العبد علماً ازداد لله خشية، وتوكلاً، ورجاء، ومهابة، وإجلالاً، فكذلك هؤلاء الفئة يدخلون الجنة قلوبهم أرق من قلوب وأفئدة الطير، والمعلوم إذا كان المعنى الخوف من الله فإن الطير معروفة بأنها أشد المخلوقات خوفاً، فإذا ذهب طفل إلى جمهرة عظيمة من الطير طارت كلها؛ خوفاً من هذا الطفل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) أي: في رقتها وخفتها وتوكلها على الله عز وجل.

    [ وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خلق الله عز وجل آدم على صورته) ].

    أي: على هيئته التي خلقه الله عز وجل عليها بغير تغيير ولا تطوير، أي: من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة، لما خلق الله تعالى آدم من قبضة قبضها من تراب الأرض جعل طوله في أول الخلق ستين ذراعاً، ومات آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يمر بهذه الأطوار التي يمر بها ذريته.

    قال: [ (طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة -إذاً: الملائكة أسبق في الخلق من آدم وذريته- وهم جلوس فاستمع ما يجيبونك -أي: اسمع يا آدم الإجابة على كلامك- فإنها تحيتك، وتحية ذريتك من بعدك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم) ].

    فآدم لما سلم قال: السلام عليكم، ولك أن تقول: سلام عليكم كما قال إبراهيم عليه السلام، فكلها تحية أهل الإسلام، أما صباح الخير، ومساء الخير، وغير ذلك من الأوصاف فإنها من تحيات غير المسلمين، وقد أهدر النبي عليه الصلاة والسلام كل ما يمكن أن يتشبه به المسلم بغيره، من الأخلاق، والملبس، والمطعم، والمركب وغير ذلك؛ حتى تكون للمسلم شخصية متميزة عن شخصية غيره من بقية الخلق حتى في السلام.

    ومن المسخ في بلاد الكفار، وإن شئت فقل: في بلادنا كذلك، لكنها ظاهرة بادية في بلاد الكفار: أن الإخوة الملتحين في أمريكا وأوربا لا يسلمون على بعضهم البعض بتحية الإسلام، وإنما يسلمون بتحية أهل بلادهم، وهذه التحية لا ثواب فيها، والنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل عليه داخل فقال: (السلام عليكم، قال: عشراً -أي: عشر حسنات-، فلما زاد رجل آخر: ورحمة الله، قال: عشرون، فلما زاد آخر: وبركاته قال: ثلاثون، قالوا: يا رسول الله ما هذا؟) فبين أن كل واحد له من الثواب على قدر ما زاد في السلام، فأكمل التحية هي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد صحح الشيخ الألباني عليه رحمة الله: أن الراد لهذه التحية لو أراد أن يزيد فيها حسناً فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته؛ حتى يكون قد أتى برد هو أحسن مما سمع.

    الشاهد هنا: أن الله عز وجل أمر آدم أن يذهب فيسلم على الملائكة، ففهم آدم عليه السلام أو أن الله علمه ذلك أن يقول: السلام عليكم، فهذا يدل على أن هذه تحية أهل الإسلام منذ أن خلق الله آدم.

    قال: [ (فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) ].

    فالخلق لا يزالون في نقصان إلى قيام الساعة.

    ثم بدأ الإمام مسلم بعد كتاب الجنة في سرد الروايات عن النار وما فيها من عذاب أعاذنا الله وإياكم من عذابها، ثم يعقد مقارنة بين الجنة والنار في بعض الأحاديث، يحسن بنا أن نذكر الروايات، أو أن نتلو الروايات التي أوردها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتاب ذكر الجنة.

    قال رحمه الله تعالى: الحمد لله المشكور على ما أعطى، والمجاب إلى ما دعا، والمرغوب فيما رغب فيه ومنى، أعطانا التوحيد بتعرفه إلينا، وهدانا إلى طاعته بتوفيقه لنا، ورغبنا في كرامته وجنته بعد أن حلاها لنا ورغبنا فيها، فهو السلام، وداره دار السلام -وهي الجنة-، لمن سارع إلى طاعته، وسابق إلى مرضاته، ليحظى بدخول داره التي يأمن فيها من الآفات، ويسلم فيها من العاهات، التي من دخلها أمن من البوار، وسلم من الدمار، وحظي بجوار المنعم الجبار، قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133].

    جنة عرضها السماوات السبع والأرض، أي: والأراضون السبع؛ لأن الله خلق من السماوات سبعاً، وخلق من الأرض سبعاً، قال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133] وربما يسأل سائل فيقول: إذا كان عرض الجنة عرض السماوات السبع والأراضين السبع فأين طولها؟

    الجواب: أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق أكثر من ذلك أضعافاً مضاعفة، فالذي خلق سبع سماوات أليس بقادر على أن يخلق مائة سماء؟ والذي خلق سبع أراضين أليس بقادر على أن يخلق ملايين الأراضين؟ ويجعل ذلك كله طولاً للجنة؟ فينبغي الإيمان والتسليم.

    قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

    إذاً: لا يدخل الجنة إلا تقي، نقي، صفي، مسلم، مؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة)، وفي رواية: (إلا نفس مؤمنة).

    والمعنى: لا يمكن لأحد قط أن يدخل الجنة إلا صاحب نفس مسلمة أو مؤمنة، نعم، يدخل من اليهود الجنة من كانوا في طاعة موسى عليه السلام، قبل أن يبعث الله تعالى محمداً، ويدخل من النصارى من كان عاملاً بشريعة عيسى عليه السلام قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام، أما ببعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام فكل الناس كفار إلا من أطاع النبي عليه الصلاة والسلام، ودخل في دين محمد عليه الصلاة والسلام، أما قبل ذلك فأتباع كل نبي من الأنبياء، أو رسول من الرسل مسلمون، لكننا سندخل الجنة قبلهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، أي: نحن وإن كنا آخر الأمم إلا أننا أسبق الأمم دخولاً الجنة، ومحاسبة، ومجازاة، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو أول من يقرع باب الجنة، ولا يدخل أحد الجنة إلا من بعده ومن ورائه.

    قال الله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد:21]. (أتي نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة) يعني: أتاه ملكان ذات ليلة، وهذا في النوم رؤيا صالحة، (فقال له: لتنم عيناك ولتسمع أذناك، وليعقل قلبك) وقال عليه الصلاة والسلام: (تنام عيني ولا ينام قلبي)، يعقل عليه الصلاة والسلام بقلبه وإن كانت عيناه نائمتين.

    قال: (فنامت عيناي، وسمعت أذناي، وعقل قلبي، فقيل: إن سيداً بنى داراً وصنع مأدبة -والمأدبة الطعام- وأرسل داعياً -أي: منادياً- فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد -لأنه أجاب الدعوة- ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، ولم يرض عنه السيد)، أي: بل سخط عليه السيد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فالله هو السيد، والمأدبة الجنة، والداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    إذاً: من أجاب محمداً عليه الصلاة والسلام دخل الجنة وهي المأدبة وأكل منها ورضي عنه الله عز وجل، وهذا من فضل الطاعة، من أجاب الداعي الذي نادى عليك: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وغير ذلك من أوامر التوحيد في الكتاب والسنة، من أجاب الداعي دخل الجنة، وأكل من المأدبة، ورضي عنه رب الجنة سبحانه وتعالى، ومن لم يجب الداعي، أو عصاه، أو كفر بالله وجحد الإلهية، والربوبية، والرسالة، والنبوة، لم يدخل الجنة، ولم يأكل من المأدبة، وسخط الله تعالى عليه ومن سخط عليه عذبه.

    1.   

    نعت الجنة

    1.   

    الجهاد ثمن الجنة

    قال عليه الصلاة والسلام: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)، فلا بد أن تدفع لها مهراً وثمناً، وثمنها ومهرها أن تجاهد في سبيل الله عز وجل، ولما شوقهم إلى ذلك قالوا: (نحن المشمرون يا رسول الله فأمرنا، قال: الجهاد)، وما أحوج الأمة الآن إلى الجهاد، ومن تصور أن العز يكمن في غير الجهاد فقد أخطأ، العز مع الأعداء لا يكون إلا بالسيف والسنان، والعز مع أهل البدع لا يكون إلا بالقرآن والبيان وبالحجة، أما أهل الكفر والجحود فلا سلام معهم قط، والله العظيم لا يوجد شيء مع اليهود اسمه سلام، إذا كنا في معادلة بين تكذيب الساسة، وتكذيب الله عز وجل، فنكذب الساسة، لا يوجد شيء اسمه سلام نهائياً، اليهود لا يقرعهم إلا عصا من نار ومن حديد، أما سلام فلا، وإلا فنحن نسمع عن السلام منذ نعومة أظفارنا وما رأينا في يوم قط سلاماً، بل كله دعاوى وأكاذيب باطلة.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما شوق أصحابه إلى الجنة قالوا: نحن مستعدون ونحن مشمرون، قال: (عليكم بالجهاد).

    والناس الآن ينظرون إلى الجهاد على أنه سفك للدماء، وخراب للديار، وتضييع للأموال، وهدم وتكسير في البنيان، ولا ينظرون إليه أنه سبب في النعيم السرمدي الأبدي في جنة الخلد، وهذا في المآل، وأما في الدنيا فهو العز والسؤدد، واليهود لا تفزعهم هذه المليارات من أعداد المسلمين أبداً، إنما يفزعهم لحية واحدة يلقونها على ساحل البحر المتوسط، تفزعهم وتقض مضجعهم؛ حتى لو كانت هذه اللحية لحية أضعف إنسان من المسلمين، فما بالك إذا كانت هذه اللحية قوية كلحية عمر بن الخطاب أو أبي بكر الصديق أو صلاح الدين الأيوبي؟! هم يعلمون جيداً أن العدو الأوحد إنما يكمن فيما أسموه هم بالأصوليين، أو بالرجعيين، أو بالوهابيين، أو بالإرهابيين، أو غير ذلك، وما هذه الحرب الضروس إلا منبتها أوامر يهودية، ولذلك مهما بلغ عدد المسلمين فإن هذا أمر لا يفزعهم، كما قال ذاك الكلب الهالك مناحيم بيغن لما دخل مدرسة من مدارس المسلمين فأبى المدرس أن يسلم عليه، وقال له المدرس: موعدنا معكم غداً في حرب ينتصر فيها الإسلام، ويهزم فيها الكفر، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيقول الحجر والشجر: يا مسلم تعال! خلفي يهودي فاقتله)، قال مناحيم بيغن : لا يكون ذلك إلا في يوم يكون فيكم من يتمسك بدينه ويكون فينا من يفرط في دينه، يعني: مناحم بيغن فاهم الرسالة جيداً، لكن للأسف الشديد المسلمون لا يفهمون شيئاً من ذلك.

    1.   

    الحث على طلب الجنة والهروب من النار

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت مثل الجنة، نام طالبها، ولا رأيت مثل النار نام هاربها)، قوله: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها) يعني: قصر في طلبها، (وما رأيت مثل النار نام هاربها) يعني: الذي يهرب من النار ينبغي أن يعمل لذلك، والذي يطلب الجنة ينبغي أن يعمل لها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجباً لمن يطلب الجنة ولا يأتي لها بمهرها، ويهرب من النار بزعمه وهو يقع فيما يؤدي إليها)، وقال في رواية أخرى: (يا قوم! اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها).

    وقال: (إنما يدخل الجنة من يرجوها، وينجو من النار من يخافها).

    وقال عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك : (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً في الدنيا) أي: أبأس واحد في الدنيا من أهل الإيمان يؤتى به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وربما يكون العبد طائعاً لله عز وجل ويبتلى، وهذا البلاء أو الابتلاء على مرتبتين:

    إما أن تكون صاحب معصية فينزل عليك البلاء حتى يمحو الله عز وجل هذه الخطايا والسيئات، والإنسان عبد مذنب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بني آدم خطاء)، وهذا لفظ عموم (وخير الخطائين التوابون) إذاً: افرض أنك عبد أخطأت ولم تدركك التوبة أولم تتب، فينزل عليك البلاء فيكون هذا البلاء كفارة لذنوبك.

    ولذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام كما في رواية الترمذي من حديث أنس : (وإن الله تعالى يصب البلاء على عبده صباً حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)، فالبلاء له قيمة عظيمة جداً، البلاء من الأدواء، والأسقام، والعلل، والأمراض، والهموم، والغموم، وغير ذلك مما يصيب العبد، فإن ذلك يصيبه لمصلحته، وإن العبد يجزع، ويفزع، ويغضب إذا نزل به بلاء، وربما تسخط القدر وسأل الله تعالى: لماذا يا رب تعمل بي ذلك؟ وهذا كفر واعتراض على الله تعالى في أقداره، وأقدار الله تعالى كلها رحمة وخير وبركة، فينبغي إذا نزل بالعبد الضر أن يؤمن بذلك، وأن يرضى به، كما يقول العلماء: الصبر على البلاء قضية كل مسلم، والرضى بالبلاء لا يكون إلا من العباد، تصور بلاءً ينزل عليك وتصبر عليه هذا هو الواجب عليك، وهذا عمل الكبار من أهل الطاعة من الأئمة والعلماء وغيرهم.

    قال: (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً -أي: يوم القيامة- فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل رأيت ضراً قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأنعم أهل الدنيا -أي: من أهل الكفر- ويغمس في النار غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا يا رب).

    إذاً: هذا الحديث عند الإمام مسلم أمر مطمئن جداً للقلب، فمهما نزل بك من ضر فاعلم أن ما عند الله خير لك وأبقى، فتصور لما ينزل بك من الضر ما نزل ثم يؤتى بك يوم القيامة فتغمس في الجنة غمسة، تنسى كل بلاء، تنساه تماماً حتى يكون السائل لك هو الله عز وجل فيقول لك: (عبدي هل رأيت بؤساً قط) أي: في حياتك، فتقول: لا والله.