إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - توبة كعب بن مالك وصاحبيهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه كثير من الدروس والعبر، فهذه القصة تبين لنا أثر المعصية في قلب المؤمن وما يعود عليه منها من شعور بالذل والانكسار، كما تبين عظم صدق الحديث، فصدق الحديث منجاة، والكذب مهلكة، وأن امتثال أمر الله ورسوله فوز وفلاح، ومخالفتهما هلاك وبوار في الدنيا والآخرة.

    1.   

    باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري القاضي- قال: أخبرني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي- عن ابن شهاب -أي: الزهري محمد بن مسلم- قال: (ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام)].

    قال: [قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبيد الله بن كعب كان قائد كعب].

    وفي بعض الروايات: أنه عبيد الله بن كعب ، والصواب: أنه عبد الله لا عبيد الله ، وهي الرواية المتفق عليها عند البخاري ومسلم ، فلم يذكر البخاري غير عبد الله، وأما الإمام مسلم فذكر في رواية: أنه عبد الله، وذكر في رواية أخرى: أنه عبيد الله ، والصواب: عبد الله.

    قوله: إن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه، يعني: كان يقوده حين عمي؛ لأن كعب بن مالك عمي لما كبر.

    قال: [سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك].

    إذاً: فقصة توبة هؤلاء الصحابة كان في غزوة تبوك.

    قال كعب بن مالك [(لم أتخلف عن رسول صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط)].

    وهذا يعني: أنه غزا معه كل الغزوات إلا ما استثناه كعب .

    قال: [(إلا في غزوة تبوك)].

    أي: هذه التي حصلت فيها هذه القصة.

    قال: [(غير أني قد تخلفت في غزوة بدر)].

    يريد أن يقول: إن تخلفي عن غزوة بدر كنت معذوراً فيه، كما أن الله عز وجل، ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لم يعتبا أحداً في تخلفه عن غزوة بدر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج إلى ماء بدر لم يقصد ملاقاة عدو، أي: لم ينو قتالاً؛ ولذلك لم يدع الناس إلى هذه الغزوة.

    قال: [(ولم يعاتب أحداً تخلف عنه)].

    أي: في غزوة بدر.

    قال: [(إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش)].

    وهي القافلة من الإبل والبقر والغنم وغيرها مما يكون مع القافلة في سفرهم، وفي هذا الكلام فضيلة ظاهرة لأهل بدر، والنبي عليه الصلاة والسلام ينقل عن ربه سبحانه وتعالى فيقول: (لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم).

    كما أن فيه إباحة الغنائم لهذه الأمة، فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج يريد عير قريش وهي غنيمة، ومن المعلوم أن هذه خاصية من خواص النبي عليه الصلاة والسلام، ومن خواص الأمة من بعده إلى قيام الساعة؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (وأحلت لي الغنائم -أي: لي ولأمتي- ولم تحل لأحد من بعدي)، وربما يتمسك أحد بقوله عليه الصلاة والسلام: (وأحلت لي الغنائم) بأنها خاصة له دون الأمة، وهذا فهم ظاهري للنص، فالسنة العملية للنبي عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم إلى يومنا هذا تبين أن الغنيمة حلال لهذه الأمة إلى قيام الساعة، فقد كانت حلاً للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وشرع له أن يقسم الغنائم في أصحابه، وفي كتب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم شيئاً جعل للفرس سهمين، وللفارس سهماً، أي: أنه كان يوزع الغنائم على أصحابه، ولو كانت حلالاً له دون أصحابه ودون بقية الأمة؛ لم يفعل شيئاً من ذلك.

    قال: [(حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد)].

    وهذا في غزوة بدر.

    قال: [(ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة)].

    وليلة العقبة هذه إما أن تكون الأولى، وإما أن تكون الثانية، وأنتم تعلمون أن الأنصار الذي بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام ليلة العقبة الأولى كانوا اثني عشر رجلاً، وفي ليلة العقبة الثانية بايعه من الأنصار سبعون رجلاً وامرأتان، والعقبة: اسم مكان قريب من منى.

    قال: [(ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام)].

    يعني: حين تبايعنا على الإسلام، والتزمنا به.

    قال: [(وما أحب أن لي بها مشهد بدر)].

    يعني: أن هذه البيعة التي كانت في العقبة هي أعظم أثراً من غزوة بدر، ولكن غزوة بدر حازت شهرة بين الناس؛ لفضلها ومنزلتها في الإسلام، ولكن أعظم منها -غير أنها ليست مشهورة- البيعة التي تمت ليلة العقبة.

    قال: [(وإن كانت بدر أذكر في الناس منها)].

    يعني: يذكرها الناس؛ وهي مشهورة بينهم.

    تردد كعب بن مالك بين شهود غزوة تبوك وعدم شهودها

    قال: [(وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)].

    يعني: قصتي مع النبي عليه الصلاة والسلام: أني لم أكن مستعداً للقتال في يوم من الأيام، ولا في غزوة من الغزوات كاستعدادي في هذه الغزوة، فهو قد جمع الأسباب كلها في هذه الغزوة: فلم يكن فقيراً، ولا محتاجاً، وكان يملك الظهر، وغير ذلك، ولم يكن له عذر في التخلف، ومع هذا تخلف، فيقول: كانت بليتي أني تخلفت بغير عذر.

    قال: [(والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة)].

    يعني: لم يكن عنده فرسان قط في حياته إلا في هذه الغزوة، أي: كانت الحجة قائمة عليه؛ لأن الفرس الواحد يكفي للغزو، ومع هذا فقد كان عنده فرسان، فالحجة قائمة عليه من أوسع الأبواب.

    وفي هذا جواز القسم بغير استحلال؛ لتأكيد الأمر، وإن لم يكن قد طلب ذلك منه.

    قال: [(فغزاها الرسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد)].

    يعني: أن هذه الغزوة كانت في الصيف.

    قال: [(واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً)].

    المفازة: هي الأرض القفراء الصحراء البعيدة السفر.

    قال: (واستقبل سفراً بعيداً).

    لأنه سينطلق إلى تبوك في الشام.

    قال: [(واستقبل عدواً كثيراً)].

    أي: والعدو كثير العدد، والعدة.

    قال: [(فجلا للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة غزوهم)].

    (جلا) بمعنى: كشف لهم الأمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد عود أصحابه غير ذلك، فكان إذا أراد أن يغزو مكاناً قريباً من جهة الغرب عرض قبل ذلك بيوم أو يومين أنه سيغزو جهة الشرق، أو يشير إلى عكس المكان الذي ينوي غزوه بعد يوم أو يومين؛ حتى لا يعرف الخبر، ولا ينقل الجواسيس خبرهم إلى المعنيين، وهذا مأمون في جانب السفر الطويل، وهو يحتاج إلى إعداد عدة أكثر من السفر القصير، فالمرء يستطيع أن يصبر على جوعه وعطشه يوماً أو يومين، لكنه لا يستطيع أن يصبر على جوعه وعطشه شهراً أو شهرين؛ ولذلك جلا لهم النبي عليه الصلاة والسلام الأمر، فقال: إنا سنلقى المشركين والنصارى في تبوك، ولم يعرض في هذه المرة؛ وذلك لأمن الخوف، وأمن انتقال وانتشار الأخبار عن طريق الجواسيس وغير ذلك، والعلة: (ليتأهبوا أهبة غزوهم) أي: ليستعدوا ويأخذوا الزاد والعتاد والعدة لهذا السفر الطويل.

    قال: [(فأخبرهم بوجههم الذي يريد)].

    يعني: أخبرهم صراحة وحقيقة بالمكان الذي يريد أن يذهب إليه.

    قال: [(والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ)].

    فقد نادى في المسلمين: إننا سنغزو تبوك، وسيكون انطلاق السفر من هذا المكان، أي: من المسجد النبوي، في اليوم الفلاني، ومن وجد في نفسه قوة، وعلم أن القتال تعين عليه فليلحق بنا، أو فليأتنا إلى هذا المكان، ولم يكن هناك كتاب في غزوة تبوك يكتب فيه أسماء المجاهدين.

    [قال كعب : (فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل, وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر)].

    أي: أميل. فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة في وقت طيب الثمار وقطفها، فمالت نفس كعب إلى التخلف عن الغزوة؛ لأجل جمع الثمار.

    قال: [(فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت)].

    وهذا هو عمل النفس اللوامة، فهو يتخلف لشهوة، لكن نفسه المؤمنة الطيبة تلومه على ذلك، ويقول لنفسه: وإن التمست لنفسك يا كعب ! المعاذير فإنك في حقيقة أمرك لو أردت الغزو لفعلت، فهو يقيم الحجة بنفسه على نفسه.

    قال: (إذا أردت ذلك).

    فقد كان عنده الزاد والراحلة، ولا يمنعه من ذلك شيء.

    قال: [(فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد)].

    يعني: فهو تحدثه نفسه بالغزو، فيذهب يجهز نفسه ليذهب معهم، ثم يقوم الشيطان بتثبيطه، فيذكره بالثمار فيرجع، وهذا يتكرر منه مراراً حتى جد المسلمون بالذهاب إلى تبوك.

    قال: [(فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه)].

    أي: في وقت الغداة بعد صلاة الفجر.

    قال: [(ولم أقض من جهازي شيئاً)].

    يعني: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأنا لم أجهز نفسي.

    قال: [(ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو)].

    أي: حتى أوشك المسلمون أن يدخلوا مع عدوهم في القتال.

    قال: [(فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت)].

    فصاحب المعصية لا يزال يشعر بذل المعصية في قلبه، خاصة إذا كان عنده وازع إيماني، وحظ من يقين، وأما الفاجر الجريء على الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يشعر بالندم على فعاله القبيحة، فهذا كعب رضي الله عنه يقول متأسفاً ومتحسراً على ما بدر منه في تخلفه عن الغزو مع رسول الله عليه الصلاة والسلام: (فيا ليتني فعلت)، أي: يا ليتني ارتحلت فأدركتهم.

    قال: [(ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة)].

    فقد انطلق الناس وغابوا حتى كادوا يلتحمون مع العدو، وكعب بن مالك جالس في بيته، فلما خرج إلى الناس جعل يتلفت في الناس هل له من أنيس، وهل يجد في الناس عاصياً مثله، وفي نفس ظروفه وأحواله؛ حتى يتأسى ويتسلى به، ويتصاحبا، والطيور على أشكالها تقع، فهو يتلمس واحداً متخلفاً مثله بغير عذر؛ حتى يقول لنفسه: لست أنا الذي تخلفت فقط، بل قد تخلف معي فلان وفلان.

    [قال: (يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق)].

    أي: رجل مشهور بنفاقه، وعيب على كعب بن مالك أن يتخذ هذا له أسوة؛ لأنه معروف بنفاقه، وليس كعب من المنافقين.

    قال: [(أو رجلاً ممن عذره الله من الضعفاء)].

    أي: أن الذين وقعت عليهم عين كعب إما منافق، وإما رجل معذور بعذر السماء، إذاً: فلا أسوة له في الناس.

    قال: [(ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال -وهو جالس في القوم بتبوك-: ما فعل كعب بن مالك)].

    وقد تخلف كثير بالمدينة، فلماذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب بالذات؟ والجواب: لعلمه أن كعباً تخلف بغير عذر.

    قال: [(قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبساه برداه، والنظر في عطفيه)].

    (في عطفيه) أي: في جانبيه أو كتفيه، وهذا دليل الإعجاب، ولذلك فالعرب في هذا الوقت لا يمكن أن يقاتلوا عدواً؛ لأنهم ألفوا المعاطف، والوجاهة، والرفاهية، والمال، وهذا وغيره إنما هو عدة الخاملين، فلا قبل لهم بعدوهم مهما كان ضعيفاً؛ لأن القتال له رجال يبيعون دنياهم بأبخس الأثمان، فليس في العرب الآن أحد يستطيع أن ينزل عن مستواه المعيشي والمادي، ويذهب بعد هذا النعيم والترف ليمكث في الصحراء عاماً أو عامين ليقاتل، وهذه الحقيقة يعرفها عدو الإسلام والمسلمين، فهو يعرف أن الجيوش العربية المستعدة للقتال منهكة وضعيفة إلى أقصى حد، فالعدو يعرف أنه ليس في المسلمين جيش يقاتل، فجيش مصر قد خلي من محتواه، وأما جيش العراق فأنتم تعلمون ماذا فعل العدو بالعراق، فهو لما عرف القوة في جيش العراق قام بالتخلص منه؛ لأنها قوة يمكن لها أن تتصدى لأي عدو في أي وقت من الأوقات.

    وأما جيش إيران؛ فإيران أعظم العملاء لليهود والنصارى في المنطقة العربية، بل والفارسية كذلك، والشبه عظيم جداً بين التشيع وبين اليهودية والنصرانية، فلم القتال إذاً وكل واحد منهم يضع يده في يد الآخر ويتصاحب معه؟ فهذه الجيوش الثلاث: جيش إيران، وجيش العراق، وجيش مصر هي التي تخيف العدو فقط.

    قال: (قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله! برداه، والنظر في عطفيه, فقال له معاذ بن جبل).

    أي: رد عليه معاذ بن جبل غيبته لـكعب بن مالك .

    قال: [(فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت، والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً)].

    وهذا يدل على أن كعب بن مالك كان معروفاً لدى أصحابه بالصدق والخير والإيمان، فهذا الرجل -وهو من أصحابه- غمزه ولمزه بأنه إنسان مترف، ومعجب بنفسه؛ ولذلك أراد أن يحقر من شأنه، وهذا الكلام مردود بواقع حياة كعب بن مالك ؛ لأن كعباً غزا كل الغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا غزوة بدر، ولم يعاتب في التخلف عنها أحد، وتخلف عن غزوة تبوك، وقد لام كعب نفسه قبل أن يعتب الله عز وجل، ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام عليه.

    قال: [(فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً)].

    يعني: يلبس الثياب البيض.

    قال: [(يزول به السراب)].

    أي: تحرك في سراب، وهو السراب الخادع الذي يرى في الصحراء وكأنه ماء، فالناظر في الصحراء من بعيد يرى أن شيئاً يموج موج البحر.

    قال: [(قال النبي عليه الصلاة والسلام: كن أبا خيثمة)].

    يعني: لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل قادماً من بعيد في الصحراء قال: (كن أبا خيثمة)، أي: اللهم اجعله أبا خيثمة ، أو كأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بأن القادم هو أبو خيثمة .

    قال: [(فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، وعابوه واحتقروه)].

    فقد كان رجلاً فقيراً ليس عنده إلا شيء يسير، ومع ذلك تصدق به، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (سبق دينار مائة ألف)؛ لأن صاحب الدينار تصدق به وهو فقير، وفي حاجة إليه، وأما صاحب المائة ألف فتصدق بها وهو في غنى، وعنده الملايين، فصاحب الدينار حينئذ أعظم مرتبة عند الله ممن تصدق بمائة ألف، فهذا تصدق عن فقر وعوز، وهذا تصدق عن غنى.

    قال: [(وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون)].

    يقول الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة:58].

    فقال كعب بن مالك [: (فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك -يعني: راجعاً من الغزوة- حضرني بثي)].

    يعني: ازداد همي وحزني وغمي؛ كيف أقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد فرغ من غزوته، وكتب له النصر والمغنم، ورجع هو وأصحابه الذين اتبعوه، وغداً سيقدم إلى المدينة، فماذا يكون موقفي؟ فلما فكر في هذا الموقف ازداد هماً وغماً.

    قال: [(فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟)].

    أي: أنا خائف من أن النبي صلى الله عليه وسلم سيغضب علي، فكيف أخرج من هذا الأمر؟ فهل أكذب عليه؟

    قال: [(وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي)].

    أي: قام باستشارة النساء، وأما الرجال فقد خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو، ولم يبق إلا النسوان والأطفال، فهذا واحد من كبار الأنصار يضطر إلى أن يستشير النساء، أو الأطفال، أو المنافقين الماشين في الشارع، أو أصحاب الأعذار، فهو رجل قوي وسخي، وأصبح يجلس مع الأعمى، والأعرج، والفقير الذي لم يجد ظهراً، ويسألهم جميعاً ويستشيرهم؛ لكي يكوِّن من مجموع الآراء رأياً يقول به هو، فانظر إلى ذل المعصية!

    قال: [(فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً؛ زاح عني الباطل)].

    أي: عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال كعب لنفسه: لا يمكن أن أكذب عليه، وكان من الممكن أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ألا يغضب عليه، ويخرج من هذه السخطة النبوية، لكنه قال: زاح عني الباطل بمجرد دخول النبي المدينة، فأنا لن أكذب عليه.

    قال: [(حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً, فأجمعت صدقه)].

    أي: عزمت على أن أكون صادقاً معه؛ لأن الصدق نجاة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار).

    موقف كعب بن مالك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عودته إلى المدينة

    قال: [(وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين)].

    وهذا يدل على استحباب أن يصلي القادم من سفر طويل ركعتين في المسجد القريب من بيته، ويرسل إلى أهله أنه قد قدم ودخل المسجد؛ حتى تمشط الشعثة، وتستحد المغيبة، أي: تنظف نفسها، وتتهيأ للقاء زوجها.

    قال: [(ثم جلس للناس)].

    أي: بعد أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين في المسجد؛ جلس للناس، وهذه سنة سلفية عمل بها سلف هذه الأمة، فالشخص إذا كان من أصحاب الوجاهة والمنزلة، وممن يشار إليه بالبنان في مصالح الناس، أو تعليمهم أو غير ذلك؛ فإنه يستحب له أن يتخذ مكاناً هيناً سهلاً يمكن الوصول إليه بغير مشقة ولا عنت، ويظهر للناس حتى يقضي للناس حاجاتهم.

    قال: [(ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون -أي: الذين تخلفوا عن القتال- فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له -ولم يطلب منهم قسماً- وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً, فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم)].

    لأن أحكام الشريعة مناطها ما كان أمراً ظاهراً، وأما الباطن فإنه الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل؛ ولذلك لما حلفوا قبل منهم النبي عليه الصلاة والسلام، بل وبايعهم، واستغفر لهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن منهم منافقين، وأن منهم أصحاب أعذار حقاً، ولكنه استغفر للجميع، وقبل منهم للحلف الذي حلفوه، والمعذرة التي قدموها بين يديه عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر مسنون أن يقبل الإمام قول الحالف وإن كاذباً، لكن ما عند الله من العقوبة أشد وأبقى مما عند هذا القاضي، أو الأمير، أو السلطان.

    قال: [(ووكل سرائرهم إلى الله تعالى)].

    أي: لما استغفر لهم قال لهم: إذا كنتم على غير ما حلفتم فإن الله تعالى يتولى أمركم، وهذا تهديد رهيب جداً، فالتخلص من ذلك في الدنيا أحسن.

    قال: [(حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب)].

    فهنا كان مغضباً، مع أن الرواية لم تذكر أنه غضب ممن حلفوا له، فأحياناً يغضب الإنسان غضباً شديداً على أقرب الناس إليه، وأحب الناس إلى قلبه؛ وذلك لأن هذا التصرف الخاطئ لا ينتظر منه، وإنما ينتظر من غيره، فكون النقيصة والعيب يأتيان من الآخرين هذا أمر مقبول، وأما منك وأنت أقرب الناس إلي، وأفهم الناس لي ولأخلاقي؛ فحين تقول: كذا وكذا، أو تفعل كذا وكذا، فوالله إن غضبي منك أعظم بكثير من غضبي على الآخرين، مع أن الآخرين قد قالوا شيئاً هو أعظم من قولك، وأنكر، وأقبح، لكن غضبي عليك أعظم؛ لأنك المظنون بك أن تكون في موطن الدفاع لا في موطن التهمة؛ ولذلك فالإنسان يتعامل مع الآخرين معاملة فيها رفق ولين، ويتعامل مع زوجته، وأبنائه، وأقرب المقربين إليه بهذه الطريقة؛ لأنهم أحب إليه من غيرهم، وفعل غيرهم لا يضره ولا يهمه، بخلاف أفعال المقربين فإنها تهمة، فلو أن امرأة أخطأت خطأً ما فربما يمر الإنسان عليها بغير أن ينكر عليها، لكن لو أن امرأته أخطأت لعاقبها ولو بالضرب؛ لأنه يثيره أن يأتي هذا الانحراف من امرأته.

    قال: [(تبسم تبسم المغضب, ثم قال: تعال)].

    تعال: كلمة فيها رفق ولين.

    قال: [(وجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟)].

    لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه مباشرة، بل سأله عن سبب تخلفه، ولم يقل له: والله أنت منافق، وأنا أعلم أن عندك فرسين، وهذا يعلمك أن تكون مع المخطئ حتى تتيقن أنه قد أخطأ بغير عذر.

    قال: [فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك)].

    أي: ما الذي حملك على أن تتخلف عن الغزوة؟ ألم تكن يا كعب ! قد ابتعت -أي: اشتريت- ظهرك، هذا إن لم يكن عندك فرس تركب عليه.

    قال: [(فقلت: يا رسول الله! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر)].

    هذا الأمر متعلق بالوحي، فغيرك لا يوحى إليه، وأما أنت فيوحى إليك، ولو أن هذا المجلس بين يدي غيرك لكذبت عليه وخرجت منها، وضمنت النجاة.

    قال: [(ولقد أعطيت جدلاً)].

    يعني: رجل صاحب لسان يحسن أن يتكلم وليس عيياً، بل يفصح عما في نفسه بأحسن عبارة وأقواها، وأكثرها بياناً وفصاحة.

    قال: [(ولكني والله لقد علمت -أي: أنا أعلم يقيناً- لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي)].

    أي: لو كذبت عليك فسينزل الوحي بكشف كذبي عليك، فيغضب الله ورسوله علي.

    قال: [(ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه -يعني: تغضب مني الآن- إني لأرجو عقبى الله)].

    يعني: لن أقول إلا الصدق، وإن كان الصدق سيغضبك علي، فإنني بصدقي أرجو العاقبة الحسنة من الله عز وجل، وهذا من حسن الاعتذار والتوبة المهذبة.

    قال: [(والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك)].

    أي: أنا تخلفت عنك بغير عذر، وإني لأرجو أن يعفو الله عز وجل عني.

    قال: [(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق)].

    وفي هذا غمز وإشارة إلى كذب الأولين، فالذين قبله حلفوا أنهم ما خلفهم إلا العذر، وقبل منهم الظاهر، ووكل أمرهم السري إلى الله عز وجل، ولكن هذا تكلم بما في سره؛ ولذلك استشعر النبي صلى الله عليه وسلم صدقه.

    فقال: [(أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)].

    أي: قد علمنا صدقك، ولكن اذهب الآن حتى ينزل فيك قرآن: إما بقبول توبتك، وإما بإنزال العقوبة والوعيد عليك.

    موقف بني سلمة من صدق كعب بن مالك في سبب تخلفه عن غزوة تبوك

    قال: [(فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    أي: أنت دائماً رجل صالح، وموقفك طيب، فلو أنك اعتذرت مثل الذين اعتذروا، وتصبح حياتك كلها بغير ذنب، لكنك أكدت الذنب على نفسك.

    قال: [(قالوا: لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر به إليه المتخلفون, فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك)].

    يعني: لو كنت اعتذرت وحلفت له أنه ما خلفك إلا العذر؛ حتى وإن كنت كاذباً في هذا اليمين، فإن الله عز وجل يغفره لك باستغفار النبي لكم جميعاً، وأنت منهم.

    قال: [(فوالله ما زالوا يؤنبوني)].

    يعني: يلومونني.

    قال: [(حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي)].

    فانظر إلى أثر الصحبة، مع أن الصحابة كلهم عدول؛ لكنهم تقع منهم الهفوات، وهذه هفوة، فهذا رجل أتى والتزم الصدق فلامه بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولذلك هم أن يرجع فينسحب من كلامه الأول، ويقدم المعذرة التي قدمها المخلفون.

    قال: [(ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟)].

    يعني: هل سبقني أحد إلى الصدق مع النبي عليه الصلاة والسلام في تخلفه؟

    قال: [(قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت, فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري -أو العمري -، وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة)].

    فهذان الرجلان يشار إليهما بالبنان في الصلاح والعلم والعمل والتقوى، وغير ذلك.. لكن كعباً لم يكن على علم بتخلفهما، وما علم أنهما تخلفا إلا بعد رجوع النبي عليه الصلاة والسلام.

    مقاطعة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لكعب وصاحبيه

    قال: [(فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلف عنه)].

    هؤلاء الثلاثة فقط: هلال بن أمية ، ومرارة العامري ، وكعب بن مالك ، وكلهم من الأنصار، نهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يتحدثوا معهم في شيء.

    قال: [(فاجتنبنا الناس)].

    وفي هذا وجوب طاعة الأمير في السر والعلن.

    قال: [(تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض)].

    أي: تنكروا، فكلما وقع وجه كعب على وجه واحد من الناس أظهر له غضبه واشمئزازه، وينصرف بوجهه عنه، وهذا زيادة في الخصومة والقطيعة والهجر، وفي هذا جواز بل وجوب مقاطعة أهل البدع والمعاصي.

    وأصل الهجر في الشرع: ثلاثة أيام، ولا يزيد عليها المسلم إذا زالت علة الهجر، وأما إذا كان الهجر بسبب الدين وليس الدنيا فإنه يبقى لو بقيت العلة ولو لخمسين سنة، فالتوبة نزلت على هؤلاء بعد مرور خمسين ليلة، فهب أن التوبة نزلت بعد عام فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع عن مقاطعة هؤلاء، وكان سيستمر.

    إذاً: إذا بقيت علة الهجر والخصومة أكثر من خمسين ليلة، أو أكثر من ثلاثة أيام استمر الهجر والمقاطعة حتى تزول العلة، والأصل: أن الهجر لا يزيد عن ثلاثة أيام؛ لأن هذه الثلاثة الأيام كفيلة بتطييب الخاطر، وهدوء البال، وراحة النفس، وغير ذلك، فالله عز وجل هو الذي خلق النفس، وعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن النفس تهدأ بعد ثلاثة أيام، فيبدأ الإنسان يفكر فيها بهدوء ولطف؛ لأن الإنسان لو اضطر إلى خصومة فإنه لا يفكر بهدوء، وقد (نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقضي القاضي وهو غضبان)؛ لأن مظنة الانحراف عن الحق والعدل قائمة، وكذلك: (نهى القاضي أن يقضي وهو جوعان)، فالأحكام التي تصدر عن القاضي وهو جائع قد يكون فيها انحراف عن الحق.

    قال: [(فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا -أي: خضعا- وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم -أي: أنه كان شاباً، وكان صاحباه شيخين كبيرين- فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد -يعني: لو جلس في بيته لكان ذلك أفضل له- وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟)].

    أي: أنه يريد أن ينتزع الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام انتزاعاً، فهو يذهب ويصلي معه، وبعد الصلاة يقوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقول له: السلام عليكم يا رسول الله! فلا يسمع شيئاً، فانظر إلى مدى الحيرة التي يقع فيها صاحب المعصية، فهو يتمنى أن يكلمه كلمة واحدة طيبة.

    قال: [(فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر)].

    يعني: أنا حريص على أن أكون قريباً منه في الصلاة، ثم يختلس بنظره إلى النبي عليه الصلاة والسلام فينظر هل سينظر إليه أم لا؟ وفي هذا جواز أن يجول الإنسان بعينيه في الصلاة، ولا يجوز الالتفات في الصلاة، وقد سألت الشيخ الألباني رحمه الله في عام (1982) فقلت: يا شيخ! هل يجوز للمسلم أن يلتفت في الصلاة، أو ينظر لمن حوله؟ قال: أما هكذا فجائز، وأما هكذا فغير جائز، فجال بعينيه فيمن هم بجوارنا؛ للدلالة على أن اختلاف النظر يمنة ويسرة لا يضر بالصلاة، بخلاف الالتفات في الصلاة، وهذا أمر محل اتفاق.

    قال: [(ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني)].

    يعني: أن النبي كان ينظر إليه، وهذا شيء يطمئن على أية حال، فهي بشرى.

    قال: [(حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي).

    الحائط: هو البستان، ومعنى تسورت الحائط: أي: علوت الجدار، ونزلت في بستانه، وكان بيت أبي قتادة بجوار بيت كعب بن مالك ، وما بين بيت كعب وبيت أبي قتادة إلا سور الحديقة، فتسلق كعب السور ونزل في بستان أبي قتادة ، وهذا جائز لمن علم طيب خاطره بذلك؛ لأن هذا دخول في ملك الغير بغير إذن، وذلك لا يشرع إلا مع العلم السابق بأن صاحب الحق يرضى بذلك، وأما إذا علم عدم رضاه عن ذلك فلا يحل لأحد أن يتسور داره.

    قال: [(مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام! فقلت له: يا أبا قتادة ! أنشدك بالله)].

    يعني: أحلف عليك بالله.

    قال: [(هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟)].

    يقول كعب : نحن وحدنا هنا، فأنا أسألك سؤالاً: أستحلفك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله أم لا؟

    قال: [(فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم)].

    مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن الكلام، لكن المخرج هنا لـأبي قتادة قوله هذا هو الإفصاح عن عقيدته، لا رداً على سؤال كعب، ولا يصح لأحد أن يقول بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم: (الله ورسوله أعلم)، ولكن يقول: الله أعلم، فيفصح عن عقيدته بثبوت العلم لله عز وجل، وأبو قتادة قال: (الله ورسوله أعلم) فهل نوى بها رداً على كعب، أم نوى بها الإفصاح عن عقيدته بثبوت العلم لله ورسوله؟ الراجح من أقوال شراح الحديث: أنه أراد الإفصاح عن عقيدته، وربما يكون في هذا رد على قسم كعب، حتى لا يتأثم كعب من هذا اليمين ثلاثاً، وأراد بعد ذلك الاعتذار وإخبار النبي بما كان، وأنه ما ألجأه إلى هذا القول اليسير البسيط إلا القسم المغلظ ثلاثاً، فتقبل معذرته عند النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(الله ورسوله أعلم، قال كعب : ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار)].

    أي: رجع من حيث أتى، وبنفس الطريقة التي أتى بها.

    ابتلاء الله لكعب برسالة ملك غسان

    قال: [(فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام)].

    والأنباط والنبيط: هم فلاحو العجم، فهذا ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، فمن العجب أن واحداً من أهل الشام أتى ليبيع طعامه في سوق المدينة.

    قال: [(يقول: من يدل على كعب بن مالك ؟)].

    يعني: من يدلني على كعب فأنا لا أعرفه، وقد سار الخبر إلى الروم في الشام بما حصل من الهجر.

    قال: [(فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً)].

    يعني: أنه يعرف القراءة والكتابة.

    قال: [(فقرأته فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك)].

    أي: النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(قد جفاك)].

    أي: قامت بينك وبينه جفوة.

    قال: [(ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك)].

    فهذه فتنة أخرى، وهي أعظم من الفتنة الأولى، فهذا كتاب جاء من ملك غسان يقول فيه: لقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، فتعال إلينا فإنك لست في أرض هوان ولا ضياع، يعني: أنت عندنا معزز ومكرم ولن تضيع، ودليل ذلك أنك لو أتيتنا لجعلنا لك حظاً عند الملك، ووعود الملوك دائماً لا تخلف؛ لأن خلف الوعود في حق الملوك منقصة.

    قال: [(فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتياممت بها التنور فسجرتها بها)].

    ولو أرسل لواحد منا، وكانت هذه الرسالة من ملك؛ لارتد عن دينه مباشرة، وهذا يدل على عظم قدر الصحابي، فهو يزن الأمة بأجمعها، فهؤلاء قوم قد اصطفاهم الله لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، فأنت لن تكون من أصحابه؛ لأنك أضعف من أن تكون صاحباً للرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو علم الله فيك خيراً يؤهلك لأن تكون صاحباً لخلقك في ذلك الزمان، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120].

    فجاءته الرسالة من ملك غسان فأحرقها، ولو وصلت إلى واحد منا لقام ببروزتها، ونشرها في الصحف والمجلات والجرائد؛ من أجل أن يفاخر بها فهناك فرق كبير بيننا وبين الصحابة.

    قال: [ (أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة)].

    قوله: (ولم يجعلك الله) يدل على أن هذه الرسالة فيها ذكر الله، وفيها لفظ الجلالة، لكن كعباً قال: فتياممت بها التنور فسجرتها، يعني: أحرقتها وفيها لفظ الجلالة، وفي هذا جواز حرق الأوراق الممتهنة أو القابلة للامتهان، حتى ولو كان فيها ذكر الله ورسوله، وأنتم تعلمون أن المصاحف التي دونت في زمن عثمان رضي الله عنه أجمع الصحابة رضي الله عنهم على حرقها، ولم يخالف في ذلك واحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا إجماع على مشروعية حرق المصاحف الناقصة، أو المعيبة، أو التي فيها أخطاء مطبعية أو غير ذلك، فإذا كان عندك مصحف من هذا القبيل فحرقه أولى من بقائه، والحرق قربة إلى الله عز وجل، أو تقسمه أجزاءً أجزاءً، أو سوراً سوراً.

    أمر النبي صلى الله عليه وسلم لكعب وصاحبيه أن يعتزلوا أزواجهم

    قال: [(حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي)].

    يعني: تأخر نزول الوحي أربعين ليلة.

    قال: [(إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك)].

    فزاد غماً إلى غمه، يعني: بعد القطيعة، وهجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه له، فإنه أيضاً يعتزل امرأته.

    قال: [(فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟)].

    انظر إلى الطاعة والانقياد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يعتزل امرأته، فيقول: في أي صورة هذا الاعتزال: عدم إتيانها، أم الطلاق؟ فهو مستعد حتى وإن أفضى إلى الطلاق، وهذا في منتهى الطاعة والامتثال.

    قال: [(قال: لا. بل اعتزلها فلا تقربنها)].

    فرسول رسول الله يقول له هذا.

    قال: [(فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك)].

    أي: قال النبي عليه الصلاة والسلام لصاحبيه نفس الذي قال له.

    قال: [(فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك)].

    كلمة: (الحقي بأهلك) العلماء يسمونها من ألفاظ الطلاق الضمني، فهو لفظ يحتمل وقوع الطلاق، ويحتمل عدم وقوعه، والضابط: النية، فلو أن رجلاً قال لامرأته: (الحقي بأهلك) وأراد بهذا اللفظ وقوع الطلاق وقع، ولو قال لامرأته: (الحقي بأهلك) ولم ينو طلاقاً لا يقع طلاقاً.

    إذاً: فالألفاظ الضمنية لابد فيها من نية الحالف، أو نية المطلق، أو نية المتكلم، بخلاف الألفاظ الصريحة، فلو قال لها: أنت طالق فلا يصح أن يقول: أنا لم أكن قاصداً الطلاق؛ لأن هذا تلاعب بألفاظ الشرع، فاللفظ الصريح يقع ولا يحتاج إلى نية، بخلاف الضمني فإنه يحتاج إلى نية.

    قال: [(الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر)].

    وهذا تأكيد أيضاً، فهو يقول: اذهبي إلى أهلك حتى يسهل ربنا سبحانه وتعالى الأمر.

    قال: [(فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وهلال بن أمية رجل كبير، عمره أكثر من سبعين سنة.

    قال: (فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟).

    أي: أنه رجل كبير لا يستطيع أن يخدم نفسه.

    وانظر إلى أدب امرأته حيث قالت: [(فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا. ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء)].

    أي: هو لا يستطيع أن يقربها حتى وإن نزلت التوبة.

    قالت: [(ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا)].

    وهذا فيه دليل على أن البكاء علامة من علامات صدق التائب.

    قال: [(فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك)].

    أي: مثل هلال بن أمية ، لكن هناك فارق كبير بين كعب بن مالك وهلال ، فـهلال رجل لا حراك فيه، وسيضيع بالفعل إذا تركته امرأته، وأما كعب بن مالك فكان رجلاً شاباً جلداً.

    وكان المجاهدون مع النبي عليه الصلاة والسلام فيهم الشيخ الكبير، والشاب الصغير الذي هو فوق الخامسة عشر من عمره.

    قال: [(فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول عليه الصلاة والسلام في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب)].

    أي: وهذا هو الفارق بيني وبين هلال بن أمية .

    قال: [(فلبثت بذلك عشر ليال)].

    أي: بلا زوجة، ولا كلام.

    بشرى توبة الله عز وجل على كعب وصاحبيه وما يشرع فيه من شكر النعمة

    قال: [(فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا: قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت)].

    يعني: رغم اتساع الأرض إلا أنها في نظري ضيقة جداً.

    قال: [(سمعت صوت صارخ أوفى على سلع).

    سلع: اسم جبل في المدينة، وقد كان هذا الجبل بين المسجد النبوي، وبين بيوت الأنصار الذين كان منهم كعب بن مالك، فكان كعب جالساً على السطح بعد أن صلى الفجر؛ يقرأ الأذكار، وكان بيته بعيداً عن المسجد، وفي هذا جواز التخلف عن صلاة الجماعة لمن كان بيته بعيداً يشق عليه أن يلحق الجماعة، أو أنه لا يسمع الأذان.

    قال: [(سمعت صوت صارخ أوفى)].

    أي: ظهر على جبل سلع.

    قال: [(يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج)].

    وفي هذا استحباب أن يسجد المرء سجود الشكر إذا نزلت به نعمة، أو كشفت عنه بلية، وسجود الشكر لا يلزم له وضوء، ولا استقبال قبلة، ولا تسليم فيه، ولا تكبير، وهو كسجود التلاوة في صفته.

    قال: [(فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا)].

    أي: لما نزل الوحي بثبوت توبتنا؛ أعلم صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذه التوبة.

    قال: [(حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً)].

    يعني: مسرعاً وهو راكب فرسه، وفرحة الصحابة هذه تدل على الحب في الله، والبغض في الله، فلم يكن هذا الأمر فرصة للذي كان غاضباً من كعب أن يصر على خصومته لـكعب .

    قال: [(فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً، وسعى ساعٍ من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس)].

    فهذا الرجل من فرط فرحته وسعادته بتوبة الله عز وجل على صاحبه؛ صاح وهو راكب الفرس حتى سبق الصوت الفرس، فسمع كعب البشارة ولم ير المبشر.

    وهذا يدل على أن المرء يقاس بحسناته وسيئاته، ولذلك فالأعمال يوم القيامة توزن بميزان حقيقي لا مثيل له، فيوزن المرء بعمله، أو يجسد الله عز وجل الأعمال أجساماً فيزنها، أو يزن الأعمال باعتبارها من المعاني لا من المحسوسات، والله عز وجل على كل شيء قدير.

    قال: [(فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني؛ فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته)].

    أي: مكافأة، هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، فهذا الرجل بشره، فخلع ثوبيه وألبسهما هذا الذي جاء يبشره، وفي هذا استحباب رد الجميل، فمن حسن الخلق أن يهدي المرء من أهداه، ويكافئ من أحسن إليه.

    قال: [(فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    يعني: أقصد النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك)].

    يعني: هنيئاً لك يا كعب! توبة الله عز وجل عليك.

    قال: [(حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني)].

    يهرول من فرط فرحته.

    قال: [(والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـطلحة)].

    أي: لما دخل المسجد قام إليه واحد فقط من بين الناس، وهرول وأسرع إليه وهو يجر إزاره يهنئه، ويبشره بتوبة الله عز وجل عليه، فكان كعب بن مالك يحفظ هذا الجميل لـطلحة بن عبيد الله ، فالنفوس والقلوب أسيرة لمن أحسن إليها.

    قال: [ (فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)].

    أي: يقول له: إن اليوم هذا هو بالنسبة لك يا كعب أحسن يوم في حياتك، وفي حقيقة الأمر أن أحسن يوم هو يوم أن أسلم كعب، ولكن لبداهة ذلك لم يذكره النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [(فقلت: أمن عندك يا رسول الله! أم من عند الله؟)].

    يعني: هذه التوبة من أين أتت من عندك أنت يا رسول الله! أم من عند الله؟

    قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه عليه الصلاة والسلام)].

    يعني: بدا على وجهه النور.

    قال: [(كأن وجهه قطعة قمر صلى الله عليه وسلم، قال: وكنا نعرف ذلك)].

    يعني: كنا إذا فرح عرفنا أنه مسرور، وإذا غضب فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان.

    قال: [(فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي؛ صدقة إلى الله وإلى رسوله)].

    وهذا شكر لله عز وجل، فهو يقابل هذه النعمة بالشكر العملي وهو الصدقة، وفي هذا استحباب أنه إذا نزلت بك نعمة؛ أن تتصدق ولو بالقليل، وهذا دليل واضح وصريح.

    قال: [(قال النبي عليه الصلاة والسلام: أمسك بعض مالك فهو خير لك)].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لـسعد : (لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

    وبين هذا الحديث وحديث صدقة أبي بكر بجميع ماله تعارض في الظاهر، فقد تصدق أبو بكر بجميع ماله، وهنا لما أراد كعب أن يتصدق بجميع ماله أحجمه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: بعض مالك يكفي.

    والجواب: أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز أبا بكر ؛ لأنه يعلم أن أبا بكر يصبر على الفقر ولا يفتن فيه، بخلاف غيره، فإنه ربما يفتن بالفقر، فمن الناس من يفتن بالفقر، ومن الناس من يفتن بالغنى، والفتنة بالفقر قليلة، وبالغنى كثيرة؛ ولذلك معظم أصحاب المال مفتونون في دينهم، بخلاف الفقراء والمحتاجين؛ فإنهم أوثق الناس بالشرع، وأقرب الناس إلى الله عز وجل؛ ولذلك كان أتباع الأنبياء من الفقراء، وهذا عادة الله تبارك وتعالى في خلقه، وبعض الناس يتصور أن الغنى علامة رضا الله عز وجل على العبد، وأن الفقر علامة السخط، ولكن إذا علم الله عز وجل أن الغنى صلاح لك أصلحك به، وإذا علم أن الفقر صلاح لك أصلحك به، والله عز وجل أعلم بما يصلح عباده وخلقه.

    قال: [(أمسك بعض مالك فهو خير لك. قال: فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر)].

    لما أتى المبشر يبشر كعب بن مالك خلع كعب ثوبيه فألبسهما المبشر، وقال: والله مالي غيرهما يومئذ، ومع هذا كان عنده في ذلك الوقت سهم خيبر، فهذا يرجع إلى نية الحالف، فإنه حلف أنه ما عنده من الأثواب إلا ثوبين، وأما العقار والأرض وغير ذلك فلا يدخل في القسم.

    قال: [(وقلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت)].

    فجعل علامة صدقه الصدقة، وأن يلزم الصدق ولا يكذب أبداً بقية حياته.

    قال: [(فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به)].

    سمى البلاء هنا: بلاءً حسناً فقال: (أحسن مما أبلاني الله به)، فتصور أن رجلاً يقع في البلاء ويتلذذ به! لأن البلاء ما نزل به إلا ليكون من الصادقين، ولذلك على العبد أن يكون صادقاً مع الله عز وجل، وإن ابتلي يصبر، والصبر خير له.

    قال: [(ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث)].

    أي: بسبب صدق حديثه.

    قال: [(منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجل: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ [التوبة:117-118] إلى آخر الآيات.. حتى بلغ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119])].

    وقوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118] كثير من الإخوة يتصور أن معنى (خُلِّفُوا) أي: تخلفوا عن الغزوة، وهذا فهم خطأ، فمعنى (خُلِّفُوا) أي: أرجأهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى ينزل فيهم قرآن، فقد قبل من كل المنافقين وأصحاب الأعذار، وبايعهم واستغفر لهم إلا هؤلاء الثلاثة خلفهم وأرجأهم وأمهلهم حتى ينزل فيهم قرآن، فهؤلاء المخلفون هم الذين تخلفوا عن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم، وبيعته، وقبوله منهم، حتى ينزل فيهم قرآن.

    [قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ [التوبة:95]]، يعني: يا رسول الله إذا رجعت إلى المدينة سوف يجتمع إليك هؤلاء الذين تخلفوا عنك، وسيحلفون لك لتعرض عنهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ [التوبة:95]، فالذي كذبهم من فوق سبع سماوات هو الله عز وجل.

    قال: إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:95-96]، فالكذب الآن هلكة، وأما هؤلاء الثلاثة فقد نجو بسبب صدقهم.

    [قال كعب: كنا خلفنا يا أيها الثلاثة! عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه].

    وهذا معنى قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118] أي: أرجئوا وتأخروا عن قبول توبتهم عند النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وليس الذي ذكر الله إنا خلفنا؛ تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، وقبل منه.

    وبقية طرق الحديث إنما مردها إلى ما ذكرنا، وهناك فوائد غير ما ذكرت عدها الإمام النووي، وهي نحو من سبع وثلاثين فائدة، وهناك فوائد في فتح الباري أكثر من هذه الفوائد، فمن أرادها فعليه الرجوع إليه.