إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏التوبة
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - الحض على التوبة والفرح بها

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - الحض على التوبة والفرح بهاللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من طبيعة البشر الخطأ والوقوع في الذنب والمعصية، ومن رحمة الله عز وجل أن فتح لهم باب التوبة والرجوع إليه، وقد وردت كثير من النصوص القرآنية والنبوية في الحض على التوبة والرجوع إلى الله، وبيان أن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده من أحدنا فقد راحلته في الصحراء وعليها متاعه ثم عاد ووجدها.

    1.   

    تعريف التوبة وشروطها

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فأصل التوبة في اللغة: الرجوع، يقال: فلان تاب بالتاء المثناة من فوق، أو بالمثلثة -أي: رجع وعاد.

    وفي اصطلاح الفقهاء أو العلماء: الرجوع والانخلاع والانفلات تماماًمن الذنب.

    وقد سبق في كتاب الإيمان أن تكلم الإمام النووي عن التوبة فقال: إذا كانت التوبة بين العبد وبين الله عز وجل فلها ثلاثة أركان، وزاد ركناً رابعاً، وذلك إذا كانت بين العبد والعباد وهو: رد المظالم إلى أصحابها.

    الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب

    ومعنى كلمة (ركن): أي: أنه داخل في ماهية وأساس الشيء، بل لا يقوم هذا الشيء إلا به، بخلاف الشرط، فإنه خارج عن ماهية الشيء وليس داخلاً فيه.

    فمثلاً: الوضوء شرط في صحة الصلاة، وهو غير داخل في ماهية الصلاة، فمن توضأ لا يلزمه لزوماً أكيداً أن يصلي، فيمكن أن يتوضأ المرء ولا يصلي، لكن لا يمكن أن يصلي إلا بوضوء، فالوضوء عبادة مستقلة، والصلاة عبادة أخرى، والله تعالى قد جعل الوضوء شرطاً في صحة الصلاة.

    مثال آخر: الركوع، وهو داخل في ماهية وأساس الشيء، فهو ركن من أركان الصلاة، فلو كان المرء متوضئاً ودخل في الصلاة، ثم ترك ركناً متعمداً أو ناسياً، لزمه أن يجبر هذا الركن بالإتيان بركعة أخرى، ولا يجبر بالسجود للسهو، وكذلك إن ترك السجود.

    وهذا هو الفرق بين الشرط والركن، فالركن داخل في ماهية الشيء، والشرط خارج عن ماهية الشيء، فإذا قلنا: إن من أركان التوبة: الإقلاع عن الذنب، فإن الذي يدعي أنه قد أقلع عن الذنب، لكن لا يزال مصراً وقائماً على نفس الذنب فإنه ليس بتائب توبة حقيقية، فربما يتوب بعض الوقت، لكنه يرجع إلى المعصية مرة أخرى؛ لأنه لم يتب توبة نصوحاً، والتوبة النصوح: هي التوبة الصادقة الخالصة التي انعقد قلب المرء على الانسلاخ من الذنب انسلاخاً يؤدي إلى قلب هذا الذنب حسنات عند الله عز وجل؛ لعزمه وصدقه الأكيد.

    فلو أن رجلاً ابتلي بكبيرة السرقة، أو كبيرة الزنا، أو شرب الخمر، وهو يقول: يا رب! تبت إليك من هذا الذنب، لكن سرعان ما يعود إلى نفس الذنب مرة أخرى، فهذا إما أنه لم يكن صادقاً ومخلصاً في توبته، وإما أن شهوته غلبته فعاد إلى نفس الذنب.

    ففي الحالة الأولى: أنه لم يكن صادقاً ولا مخلصاً، فلا يكون هذا العبد تائباً على الحقيقة، وفي الحالة الثانية: أنه بالفعل قد أقبل على ربه، وامتلأت أحشاؤه وصدره حباً لله ولكتابه ولسنة نبيه، فهو صادق وعازم على ألا يرجع إلى الذنب، لكن شهوته تغلبه فيقع في الذنب مرة أخرى، فهذه الحالة بلا شك أنها خير وأفضل بكثير جداً، بل لا مقارنة بينها وبين الحالة الأولى، فإن الله تعالى يتوب على هذا العبد، وإن عاد إلى الذنب ثم تاب، حتى لو تكرر ذلك منه مرات ومرات، وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء.

    الإقلاع عن الذنب يستلزم استجماع الحواس، أي: أنه لا يجزئك أن تقول بلسانك دون تدبر ولا تفكر ولا تعقل ولا عقد القلب على الإقلاع عن الذنب: يا رب! تبت إليك، أو يا رب! أستغفرك وأتوب إليك، فإن هذا لا يخدم العبد، وإنما الذي يخدمه أن تجتمع حواسه على الإقلاع عن الذنب، ويعقد قلبه على ذلك.

    والذنب إذا تكلمنا عنه فإنما نتكلم عن أنفسنا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (كل بني آدم خطاء - أي: مذنب- وخير الخطائين التوابون) ، فالذنب لا بد من الوقوع فيه؛ لأن ما دون النبي عليه الصلاة والسلام غير معصوم من الوقوع في الكبائر، والصغائر من باب أولى.

    وقد تضافرت وتظاهرت على ذلك الأحاديث المبينة بأن العباد لا بد أن يذنبوا، ولو لم يذنبوا لأخذهم الله واستبدلهم بغيرهم، وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يذنبون فيتوبون)، فالله تعالى يحب التوبة والأوبة والرجوع والإنابة إليه، ولذلك الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم كانوا أكثر الناس استغفاراً وتوبة وإنابة وخضوعاً وذلاً، مع أنهم لم يأتوا من الأعمال ما يستوجب ذلك كله، لكنهم كانوا يعدون اللمم في حق أنفسهم أعظم من الكبائر، فكانوا يقدمون بين يدي دعائهم من التضرع والخشوع والذل ما لا يقدمه من هو دونهم في المنزلة والفضل -وإن ارتكب الكبائر- وهذا بلا شك من باب الاقتداء والأسوة بالأنبياء والمرسلين.

    الشرط الثاني: الندم على فعل المعصية

    الشرط الثاني: الندم على فعل المعصية، أي: أن يتفطر ويتصدع قلبه ندماً وحسرة على ما بدر منه، إذ لا يكفي في التوبة أن يقلع عن المعصية فقط، بل يندم على المعصية.

    وكثير من الإخوة بعد هدايته ومعرفته للطريق الصحيح يتملح ويتفكه بذكر معاصيه السابقة، فيقول: أنا كنت أفعل كذا وكذا .. ويضحك، إن هذا لا بد أن يعلم أنه بعد هدايته ومعرفته للطريق الحق، أنه قد سلك طريق التوبة من هذا الذنب، أو من هذه الذنوب كلها، فإذا ذكرها يلزمه أن يتصدع قلبه على ما كان منه، لا أن يذكرها على سبيل التفكه والتملح، بل هذا ذنب جديد يرتكبه العبد، فبعد أن عصى فرح بمعصيته، وهذا بلاء كبير جداً.

    الشرط الثالث: العزم على ألا يعود للذنب

    الشرط الثالث: العزم على ألا يعود للذنب مرة أخرى، أي: أن يعزم ويعقد قلبه على ألا يرتكب مثل هذا الذنب مرة أخرى، فإن كان سارقاً عزم على ألا يسرق في المستقبل مهما بلغ به ضيق العيش؛ فإنه إن عاد للسرقة مرة أخرى فإن توبته غير صادقة.

    الشرط الرابع: رد المظالم إلى أهلها

    الشرط الرابع: رد المظالم إلى أهلها إن كانت المعصية متعلقة بحق آدمي.

    ثم إن من الذنوب التي بين العباد ما يمكن رده ومنها ما لا يمكن رده:

    فالذي يمكن رده مثل: سرقة المال، أو أي متاع أو منقولات أو غير ذلك، فهذا بلا شك أن دليل صدق التوبة: إرجاع الحق إلى صاحبه، وإلا فلا يكون صادقاً في توبته، وهذا مشروط بالإمكان، فلو أن شخصاً فقيراً لا مال له البتة، لكنه ابتلي ببلية شرب الخمر، فهو يسرق كثيراً ليشبع شهوته، وبعد أن تاب من السكر لا حاجة له إلى سرقة المال؛ لأنه كان يسرق لأجل الشرب، فلما تاب من الشرب تاب معها من السرقة، فإذا كان يسرق في اليوم -مثلاً- مائة جنيه لمدة سنوات عديدة، ثم حسبها فأصبح عليه عدة آلاف، فالغالب أنه لا يمكنه أن يؤدي هذا المال إلى صاحبه، لكن بإمكانه أن يستسمح من صاحبه، وينبغي أن يكون صاحب المال كريماً، فلا يرد هذا الطالب، أما إذا كان قادراً على رد المال فلا يجزئه طلب العفو، وإنما يلزمه لزوماً أكيداً أن يدفع الحق إلى صاحبه، إلا أن يعفو صاحبه بغير طلب منه.

    لكن لو أن إنساناً في أيام شقوته وتعاسته كان يزني، ثم تاب من هذه البلية، فكيف يرد المظالم إلى أهلها؟ هل يذهب -مثلاً- إلى من زنى بامرأته أو أخته أو أمه ويقول له: هذه أمي، أو هذه ابنتي، أو هذه أختي ازن بها!! أم هل يدفع تعويضاً، أو دية لذلك؟! إن هذا باب من أبواب المظالم التي بين العباد التي لا يمكن ردها قط، وإنما يتوقف ذلك على إقامة الحد على هذا العبد، أو أن يتوب إلى الله عز وجل بغير إقامة الحد عليه، فيتوب الله عز وجل عليه أو يعذبه؛ لأن الله سبحانه وتعالى له أن يفعل ما يشاء، وهذه الكبائر إذا تاب منها العبد تاب الله عليه، وإذا أقيم عليه الحد كان في ذلك كفارة له، وإذا مات مصراً على الذنب فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، إلا إذا استحل الذنب مع قيام الحجة عليه، فإنه يكفر بذلك.

    1.   

    الامتناع عن مقارفة الذنب لسبب من الأسباب

    قد يقلع الشخص عن الذنب لا ندماً، لكن لعلة تمنعه من مقارفة هذا الذنب، كإنسان كان يسرق، ثم أصيب بحادث فكسرت ذراعه أو رجله، فترك السرقة بسبب ما حصل له، لا أنه أقلع عن السرقة ندماً وحسرة وتوبة، وإنما منعه العذر من الذنب أو الوقوع فيه.

    كذلك: إنسان كان يزني، لكنه لما كبر سنه ورق عظمه صار عاجزاً عن وصال النساء وعن جماعهن، فترك الزنا لذلك.

    أيضاً: إنسان كان يتعاطى التدخين، وهو كبيرة من الكبائر، وبعضهم عده صغيرة، وعلى أي حال فإنه في الغالب أن من يدخن يقع في كبيرة؛ لأن أهل العلم قد أجمعوا على أن الصغيرة مع الإصرار تعد كبيرة، والإصرار: هو الإقامة على الذنب.

    كذلك لو أن إنساناً سافر إلى محبوبته ومعشوقته في مكان آخر، فهو قد هم بالذنب وفكر فيه، واتخذ له الخطوات العملية للوقوع فيه، لكن حصل أن انقلبت السيارة، فتأخر عن موعد اللقاء بمعشوقته، فانصرفت وانصرف هو راجعاً إلى بيته، فهذا كمن زنى، لكن الفرق بينه وبين الزنا الحقيقي: أنه لا يقام عليه الحد في هذه الحالة، لكنهما في الإثم سواء، مع أنه في أثناء الطريق إلى معشوقته لو فكر في عذاب الله عز وجل، فخاف ووجل وخشع، ثم رجع إلى بيته تائباً نادماً، عازماً على ألا يقرب هذه المرأة ولا غيرها، فإن ذلك لا يستوي مع من ارتكب جريمة الزنا حقيقة، وإنما قد يتوب الله عليه.

    1.   

    حكم التوبة عند أهل السنة

    اتفق أهل العلم على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وهذا الوجوب أظن أنه يتفق مع العقل فضلاً عن النقل.

    ولذلك يقول أهل العلم: إن الإقلاع عن الذنب، أو عن جميع الذنوب واجب بالشرع، يعني: أنه قد جاءت الآيات والأحاديث، وإجماع الأمة، وقياس أهل العلم -وهذه هي المصادر الشرعية الأربعة- على وجوب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي.

    ولذلك العلماء إذا أرادوا أن يعبروا عن أمر أو يلحقوا أمراً بأدلته وقالوا: أدلته الشرعية أو النقلية، أو السمعية، فاعلم أن الدليل هو: قال الله وقال الرسول.

    بخلاف ما لو قالوا: إن دليل هذه المسألة دليل عقلي، فيكون هذا الدليل محله الاجتهاد وليس محله النص، وإنما هو بذل وسع المجتهد أو الفقيه في إيجاد حل لمسألة ما، وهذه العملية تسمى: الاجتهاد، وإلحاق هذا الفرع بأصله لاتحادهما في العلة يسمى: القياس، وهي: عملية عقلية يبذلها المجتهد أو الفقيه للوصول بالفرع إلى إيجاد حل مشابه أو مساوي أو مماثل لأصله في الشرع.

    ثم إن كل واجب لا يؤتى به فصاحبه آثم إلا من عذر، وأقول: واجب، لا مستحب ولا مندوب ولا مباح، فهذه كلها دون الوجوب، فإذا قلت لولدك مثلاً: يا بني! اذهب إلى فلان، أو لا تذهب. فقد جعلته في دائرة المباح، إن شاء ذهب وإن شاء لم يذهب، بخلاف ما إذا قلت له: افعل كذا وكذا، وإن لم تفعل فسأعاقبك، فهذا الأمر يفيد الوجوب.

    وكذلك الانخلاع من الذنوب أمر واجب بالشرع، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه بالتوبة، وأمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته بالتوبة دون استثناء، بل أمراً أكيداً، وعزماً شديداً على الإقلاع عن الذنب، وهذه النواهي التي نهتنا عن الذنوب، فأفاد الأمر الوجوب، وأفاد النهي حرمة الوقوع في الذنب، فالذي يترك هذا الواجب لا بد أنه آثم، وإثمه يختلف باختلاف الذنب، فإن كان الذنب كبيراً كان إثمه كبيراً، وله حكمه في الشرع، وإن كان الذنب صغيراً كان إثمه صغيراً، فمعرفة قدر الإثم تتوقف على معرفة قدر الذنب.

    كما أن التوبة واجبة على الفور، فلا يجوز تأخيرها قط، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، فإذا أذنب العبد لزمه أن يحدث له توبة، ولا يقول: سوف أتوب غداً، أو الأسبوع الذي سوف يأتي، أو سوف أبدأ أصلي من يوم السبت، أو من أول الشهر، أو من أول السنة الجديدة، أو السنة الميلادية، أو السنة الهجرية، فما الذي يضمن لك ذلك؟! يمكن أن يأتيك الموت الآن، فلو أنك أذنبت ذنباً فأحدثت له توبة فورية، ثم مت بعد التوبة، فهذا من حسن الخاتمة، ولو أن الله تعالى قبضك قبل التوبة من المعصية، فهذا من سوء الخاتمة.

    والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، وقواعد الإسلام هي: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والتوحيد، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، وعذاب القبر، فهذه كلها تسمى مهمات الإسلام، يعني: أنها أهم شيء في الدين، فينبغي أن يفتش المرء في نفسه عن هذه المهمات، فيقول: ما موقفي من الصلاة؟ ما موقفي من الصيام؟ ما موقفي من الحج؟ ما موقفي من التوبة؟ ما موقفي من الزكاة؟

    إن كثير من الناس معه المال الكثير، لكن لا يخطر على باله قط أن يخرج الزكاة، إما لكونه كان فقيراً لم يتعود منذ صغره على إخراج الزكاة، فلما اغتنى بعد ذلك بقيت معه فكرته، وإما لعدم التفكير في إخراج الزكاة، من غير أن يقصد الامتناع.

    فهذا لا بد أن يراجع نفسه، ويحسب ماله إن كان ذهباً أو فضة، فإن بلغ النصاب، وحال عليه الحول، أو حالت عليه أحوال، فيحسب هذه الأحوال ويخرج الزكاة عنها، إلا أن تأكل الأحوال المال، فقد اجتهد أهل العلم في ذلك اجتهادات مختلفة:

    فمنهم من قال: يخرج عن عام واحد، وهو العام الذي هو بصدده.

    ومنهم من قال: بل يخرج عن ثلاثة أو خمسة أو ما تطيب به نفسه وخاطره، أو ما يحقق له المصلحة من بقاء بعض المال وإخراج بعضه، إظهاراً للتوبة والندم، وغير ذلك من الاجتهادات، وأظن أن هذا أمر يرجع إلى علاقة كل إنسان بربه.

    1.   

    حكم التوبة عند المعتزلة

    وجوب التوبة عند المعتزلة فبالعقل؛ لأن العقل أصل عند المعتزلة، وهذا أمر قد تكلمنا فيه كثيراً، ولا داعي لذكر بعضه، ولذا فأقول: إن أدلة التوبة عند المعتزلة عقليه، أما أدلة التوبة عند أهل السنة فهي سمعية أو نقليه، أي: قال الله، قال رسوله.

    فلو قلت لشخص ما: يا أخي! إن الزنا حرام. فرد عليه قائلاً: إنه ليس بحرام، حتى يقول: ما دام أنه برضا المرأة فالرجل في مقام زوجها! ثم تقول له: قال الله كذا، وقال الرسول كذا، وقال ابن تيمية كذا، وقال أحمد بن حنبل كذا، وقال ابن القيم كذا، وتأتي له بأدلة من الكتاب أو السنة أو إجماع أهل العلم أو القياس على حرمة الزنا، ومع ذلك فهو باق على معصيته، ثم إذا أصيب بالزهري أو السيلان، هذان المرضان اللذان يفتكان بالعبد، ولا يصاب بهما إلا من قبل الزنا، وسبحان ربي! فالمرء يجامع امرأته فلا يصاب بهذا، ويجامع غيرها فيصاب، إنه أمر خطير جداً ينبغي التوقف عنده، ومع أن العملية أو الوصال أو الإتيان واحدة، لكن هنا يبارك له فيه، وهناك لا يبارك له فيه، أمر عجيب جداً! وقدرة إلهية عجيبة!

    ثم إذا ذهب إلى الدكتور، وقال له الدكتور: خطر الزنا من الناحية الطبية على الأعضاء، أو على البدن، أو على النفس كذا وكذا، وأخذ يعدِّد له النتائج الوخيمة للزنا، حتى يقنع ببشاعة وحرمة الزنا، وحتى يقول: إن هذا الكلام معقول جداً، وبالتالي أنا سوف أمتنع عن الزنا، فهو قد امتنع عنه عقلاً لا نقلاً، لكن قبل ذلك قلنا له: قال الله، قال رسوله، فلم يقبل، فهذا يكون قد امتنع عن الذنب على مذهب المعتزلة، وبالتالي فتوبته فيها نظر.

    أيضاً: لو أن شخصاً مولعاً بالتدخين، ثم قلت له: قال الله، قال رسوله، ولم يمتنع عن التدخين، حتى جاء إليه شخص آخر بأسلوب علمي، فذكر له أن التدخين سبب في أمراض خطيرة جداً، كالقلب والرئتين وغيرهما، فامتنع عن التدخين، فإن كان امتنع عن التدخين لأدلة الكتاب والسنة فتوبته مقبولة، وإن لم يرجع عن ذنبه إلا لهذا دون النظر إلى تحريم الله عز وجل، وتحريم الرسول، فلا شك أنها ليست توبة، وهو على خطر عظيم، ولا يجب على الله قبولها؛ لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وإذا أوجب الله تبارك وتعالى على نفسه شيئاً فإنما هذا فضل من الله عز وجل أوجبه على نفسه، كما في حديث معاذ بن جبل : (أتدري ما حق العباد على الله؟ -أي: حق العباد على الله إذا أتوا بالتوحيد-قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن يغفر لهم). يعني: إذا كانوا موحدين فالجزاء: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ -وأعظم الإحسان هو توحيد الله تبارك وتعالى - إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، والإحسان هو التوبة والمعفرة.

    فإذا كان الأمر كذلك فإنه ليس لأحد أن يوجب على الله شيئاً، وإنما يوجب الله تبارك وتعالى على نفسه ما يشاء، كما أن الله تبارك وتعالى حرم علينا أن نقسم بغير ذاته وأسمائه وصفاته، حرم علينا القسم بغير هذا، وأقسم هو بالمخلوقات سبحانه وتعالى، فأقسم بالشمس، والضحى، والقمر، والليل، والعصر، وهذه كلها مخلوقات، فله أن يفعل ما يشاء، فله أن يقسم بالعظيم من مخلوقاته، مع أنه لا يحل لنا قط أن نقسم بالشمس، ولا بالقمر، ولا بالنجم، ولا بالأنبياء، ولا بالمرسلين، ولا بالملائكة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من أقسم بغير الله فليقل: لا إله إلا الله)، أي: كفارة من أقسم بغير الله عز وجل أن يقول: لا إله إلا الله.

    1.   

    مسائل متفرقة في باب التوبة

    حكم من تاب من الذنب ثم ذكره

    إذا تاب العبد من الذنب ثم ذكره بعد ذلك، فهل يجب عليه أن يجدد الندم والتوبة أم لا؟

    قال بعض أهل العلم: يجب. وقال البعض: لا يجب؛ لأن الذنب إنما يكفي منه إحداث توبة واحدة، ثم إن العبد إذا أذنب ذنباً فلا يكاد يفارقه حتى يلقى ربه، وبالتالي ربما يؤدي هذا بالعبد إلى اليأس من رحمة الله عز وجل، فهو دائماً في حسرة وندم وغم وهم، فيعطله ذلك عن القيام بمهام الإسلام الأخرى، أي: أنه يصبح عنده من الهم والندم ما يعجزه عن الإتيان بالواجبات والمهمات العظام، لذا كان يكفيه أن يتوب من الذنب مرة واحدة.

    صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر

    وتصح التوبة من ذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر؛ لأن كل ذنب له توبة تخصه كما قال العلماء، فلو أن إنساناً يسرق ويزني، ثم تاب من السرقة، لكنه لم يتب من الزنا، فإن استمراره على الزنا لا يؤثر على توبته من السرقة، وتوبته من الذنب الأول مقبولة، ويبقى عليه أن يتوب من الذنب الثاني.

    وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود ذلك الذنب، كتب عليه ذلك الذنب الثاني، ولم تبطل توبته الأولى، وهذا مذهب أهل السنة في المسألتين، وخالفت في ذلك المعتزلة فقالوا: الأصل أن يتوب توبة عامة من جميع الذنوب، وإلا فلا تقبل توبة جزئية، وهذا -حتى من جهة العقل- الذي يتشدق به المعتزلة كلام غير مقبول.

    ولذلك إذا أتى شخص يقول: أنا أسرق وأزني، وقد تبت من الزنا، ولا زلت قائماً على السرقة، فهل تقبل توبتي أم لا؟

    فإن قلنا له: لا بد أن تتوب من الاثنين، وإلا فتوبتك غير مقبولة، سيقول: إذن ما دام أن توبتي لم تقبل، فسأعمل الذنب الثاني والثالث والعاشر والمائة. فيقع في جميع الكبائر والصغائر، فكان من جهة العقل أن ينخلع من ذنبه المتبقي، أما أن نوصد الباب أمامه تماماً فلا شك أن ذلك يؤيسه ويقنطه من رحمة الله، وإذا بلغ إلى هذا الحد فإن ذلك يوقعه في جميع الكبائر باستهتار، وربما باستحلال فيقع في دائرة الكفر.

    قبول توبة الكافر من كفره

    إن توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها، وهذا بإجماع أهل العلم، فلا يفرق بين توبة الكافر من الكفر، وتوبة المسلم العاصي من معصيته.

    والأصل في هذا: ما جاء في صحيح مسلم ، أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (لم يكن أحد أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى شرح الله تعالى صدري للإسلام، فأتيته فقلت: يا رسول الله! مد إلي يدك لأبايعك! أي: على الإسلام، فلما مد يده قبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو ؟ -أي: لم قبضت يدك؟- فقلت: يا رسول الله! أبايعك على أن يغفر لي).

    ومعلوم أن بغض الرسول من أعظم الكفر، فهو أراد أن يطمئن على نفسه إذا أسلم هل يغفر له في ما قد مضى أم لا؟ (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عمرو ! أما علمت أن التوبة تجب ما كان قبلها -أي: تغفر ما كان قبلها- أما علمت أن الحج يجب ما كان قبله، أما علمت أن الهجرة تجب ما كان قبلها) .

    فهذه ثلاثة أعمال تغفر جميع الذنوب: الكبائر والصغائر، وإن كان الحج فيه خلاف: هل يكفر الذنوب الكبائر والصغائر، أم الصغائر فقط؟ الراجح من أقوال أهل العلم استظهاراً للأدلة: أن الحج يكفر حتى الكبائر.

    ثم إن توبة الكافر من كفره تكون بالانخلاع من الكفر، والدخول في الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الإسلام يجب ما كان قبله)، أي: يمحو ما كان قبله، والذي قبل الإسلام إنما هو الكفر، فلو أن كافراً قال الآن: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، غفر الله تبارك وتعالى له جميع كفره وأعماله التي كان قد عملها حال كفره، أما أعماله الصالحة التي كان يعملها في جاهليته وفسقه فإنه يثاب عليها بإسلامه، وليس معنى ذلك أن جميع أعمال الكفار أعمال كفرية، بل منها ما هو صالح، ومنها ما صلاحه متعد إلى الغير، ومن المعلوم أن الكذب كان مذموماً في الجاهلية، وحديث أبي سفيان مشهور في ذلك.

    وكذلك أهل الجاهلية كانوا أهل كرم ونجدة، وهذه كلها خصال حميدة، فإذا أتى بها الكفار ثم أسلموا، كافأهم الله تبارك وتعالى عليها قبل الإسلام وبعد الإسلام، وإذا ماتوا على كفرهم، فإن الله تعالى يكافئهم عليها في دنياهم؛ لأن الله تعالى يعلم أن هذا العبد سيموت على الكفر، أو يعلم أن هذا العبد سيموت على الإيمان، فإذا سبق في علم الله أن هذا العبد يموت على الكفر، لكنه كان يعمل صالحاً في حياته، فإنه يكافئه الله تعالى عليه.

    ولهذا عندما يذهب المسلم إلى بلاد أوروبا أو أمريكا، فيرى هناك البلاد الجميلة، ويرى النعيم الذي هم فيه، فيحدث نفسه فيقول: في الجنة أكثر من هذا النعيم، وربما قال: هؤلاء الكفار أكرمهم الله بهذا النعيم، وذلك مكافأة منه سبحانه على أعمالهم الحسنة، فإذا ماتوا يكون الحساب وافياً كاملاً، فالله زاد لهم في الدنيا، وفتح عليهم في الدنيا، حتى إذا قدموا على الله عز وجل كانت لهم النار خالدين مخلدين فيها أبداً، ولذلك كثير من الناس من يذهب إلى هناك فيفتن بسبب ذلك.

    عدم القطع بتوبة المسلم العاصي

    هل توبة المسلم العاصي مقطوع بها أو مظنونة؟

    خلاف بين أهل السنة، والظن أنه يمكن أن يرجع إلى المعصية مرة أخرى، ورجوعه ومعاودته للذنب بل والوقوع في ذنوب أخرى جعل توبته غير مقطوع بها.

    وأقول أيضاً: إن الكافر إذا أسلم صار حكمه حكم المسلم من جهة المعصية لا من جهة الكفر.

    1.   

    باب الحض على التوبة والفرح بها

    الحض بمعنى الحث، يعني: أدلة يظهر منها حث الله تعالى ورسوله الكريم العباد على التوبة.

    شرح حديث فرحة الله بتوبة العبد من رواية أبي هريرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني سويد بن سعيد ، حدثنا حفص بن ميسرة ، وهو العقيلي أبو عمر الصنعاني نزيل عسقلان، حدثني زيد بن أسلم المدني ، عن أبي صالح السمان ذكوان المدني ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل -إذن الحديث قدسي، وليس بلازم إذا سمعت: قال الله عز وجل أن ذلك قرآن، وإنما يمكن أن يكون حديثاً قدسياً- أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني)].

    وفي رواية عند أبي داود (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء، إن ظن بي ظناً حسناً سيجدني عند ظنه، وإن ظن بي ظن سوء سيجدني عند ظنه).

    يعني: لو أن إنساناً تاب إلى الله عز وجل توبة صالحة خالصة، لكنه قال: لا يغفر لي. فهذا إساءة ظن بالله عز وجل، فالمرء يتوب وتحمله توبته على الإكثار من العمل الصالح، حتى يعضد توبته السابقة، ثم يحمله وجله وخوفه على الإكثار من العبادة والنوافل والقرب إلى الله عز وجل، ثم يحسن الظن بربه أنه لن يخيب رجاءه فيه؛ لأنه لو أساء الظن بربه لأساء المعتقد، ومن قدم على ربه سيئ العقيدة فيه فلا شك أنه يجازى على ذلك.

    والمعية في الحديث: معية سمع وعلم وإحاطة لا معية ذات؛ لأن ذات الله العلية فوق السماوات على العرش، فهو تبارك وتعالى مع عباده بسمعه وعلمه، وهذا لا يتنافى مع علوه فوق سماواته.

    وهنا انتهى الحديث القدسي، ثم يبدأ الحديث النبوي بالقسم، والقسم لإفادة صدق المقسم، والنبي عليه الصلاة والسلام صادق بغير قسم، فلو أخبر بخبر لكان صادقاً فيه بغير قسم، وإنما أقسم للتأكيد على أهمية الأمر. قال عليه الصلاة والسلام: (والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة) .

    والفلاة: الصحراء التي لا زرع فيها ولا ماء، وتصور لو أن شخصاً أخذ دابته ومشى بها في صحراء مقفرة قاحلة، وعليها طعامه وشرابه، ثم أجهده السير فنزل بجوار شجرة وأخلد إلى الراحة، فلما استيقظ لم يجد راحلته، فصار يضرب في شرق الصحراء وغربها ليجد راحلته وضالته، فلم يفلح في ذلك، حتى يئس من رجوعها، فرجع وقال: أنام عند الشجرة حتى الموت -لا سيبل له إلا هذا- لأنه لو أراد أن يرجع إلى مكانه الأول لمات في الطريق، فلأن يموت في الظل خير له من أن يموت في الحر، فرجع فنام، فلما استيقظ وجد دابته وعليها الزاد والمتاع، عند ذلك سيفرح فرحاً شديداً، -ولله المثل الأعلى- فالله أفرح بتوبة العبد إن عاد ورجع إليه من هذا براحلته، فهو لو ارتكب جميع الذنوب والمعاصي فإنه لا يضر الله شيئاً، ولو أتى بجميع الطاعات فلن ينفع الله شيئاً؛ لأن الله تعالى هو النافع والضار، والله تعالى ينفع ابتداءً ولا يضر إلا من اختار المضرة لنفسه أو للغير، فحينئذ يوقع الله به الضرر، كما في قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54] فالله تعالى لا يوصف بالمكر ابتداءً، وإنما يوصف بالمكر جزاءً لمكر سابق، وهذا من عظيم قدرته تبارك وتعالى، وأنه عليم بما تخفي الصدور، وأن مكر الماكرين، وكيد الكائدين لا يخفى عليه عز وجل، فإذا مكر الماكرون فالله تبارك وتعالى يمكر بهم أشد من مكرهم؛ لأنه خير الماكرين سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالمكر ابتداءً؛ لأنها صفة نقص، كما في قوله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]، فلا يجوز لأحد أن يقول: إن الله هو المنتقم، لكن الانتقام صفة لله عز وجل في مقابل إجرام المجرمين، فإذا قال العبد: ربنا سوف ينتقم من فلان. فأنت تذمه ولا تمدحه؛ لأن هذا أسلوب ذم، والله تبارك وتعالى لا يذم، بل يمدح بكل كمال وجلال، وإذا وصف بصفة فيها ذم فاعلم أنها في جهة الكمال، وذلك إذا كانت متعلقة بالذات الإلهية؛ لأنه لا يوصف بهذا إلا في مقابلة فعل استوجب ذلك: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]، ولم يقل: إنا من المؤمنين منتقمون، أو من الموحدين، أو من المسلمين، أو من الطائعين، وإنما قال: من المجرمين. والله لا يظلم العبد الموحد، فإذا ظلمه أحد ولم يستطع أن يأخذ حقه، فسأل الله أن يأخذ بحقه من ظالمه، فقال: يا رب! خذ حقي من فلان. فأخذ الله له حقه من فلان، عند ذلك سيقول: سبحان الله! إن الله قادر على كل شيء. فما معنى أنه عرف الآن أن الكمال لله؟! مع أن هذا انتقام للإجرام الذي سبق منه، والله تعالى لا يوصف بالانتقام ابتداءً إلا في مقابلة إجرام وظلم.

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( والله! لله أفرح بتوبة... )، يقال: فلان فرح، يعني: فلان منتشي، وفلان سعيد، وفلان حصل عنده مناسبة سعيدة ففرح لها وطرب، وفلان لم تسعه الدنيا، وتعبيرات كثيرة جداً تدل على أن هذا العبد في حالة حسنة، وإذا كان هذا العبد في حالة حسنة فيمكن أن يكون في حالة مضادة، فيقال: فلان حزين، فأمس كان سعيداً واليوم صار حزيناً، فتغير عنده الحال، إذ أن نفسيته متعلقة بالعوامل البيئية المتعلقة بحياته، فهل هذه الصورة تتناسب مع الله عز وجل؟

    الجواب: لا، فالفرح والغضب والرضا والسخط بالنسبة للعباد هي عوامل نفسيه، والعوامل النفسية هذه يستحيل نسبتها إلى الله عز وجل، ولذلك نحن نقول كما قال السلف: نؤمن بأن الله تبارك وتعالى يفرح ويرضى ويغضب ويسخط، كما أخبر في كتابه، وكما أخبر رسوله في سنته، غضباً وفرحاً ورضاً وسخطاً يليق بجلاله، ليس كفرحنا وحزننا وغضبنا ورضانا وسخطنا، ففرق بين هذا وذاك، وكما أن الفرق قائم بين ذواتنا وذات الله تبارك وتعالى، فكذلك لا بد أن يكون قائماً في الصفات.

    أقوال أهل العلم في المراد بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لله أفرح بتوبة العبد من أحدكم يجد ضالته بالفلا)] اختلف أهل السنة في ذلك، وهذا الخلاف بين أهل السنة إنما هو في فروع الاعتقاد، وهو خلاف معتبر، إذ أن أهل السنة قد أجمعوا على أصول السنة وأصول الدين، ولم يختلفوا فيها، فلو أن واحداً قال بجميع ما قال به أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأصول الاعتقاد، لكنه قال: إن الله لا يرى بالأبصار في الآخرة، فهذا يكون معتزلياً؛ لأن رؤية المولى عز وجل في الآخرة أصل من أصول الإيمان، دون أهل الكفر والجحود والكفران، فإنهم لا يرونه عقوبة لهم على ذلك.

    والذراع من الرسغ إلى المرفق، وقالوا: الباع من الرسغ إلى المنكب، أي: الكتف، قال: بعض أهل السنة: هذا التقدير في طريق التوبة يدل على أن الله تعالى يقبل على عبده أكثر من إقبال العبد عليه، مع استغنائه عن حاجاتهم، فهذا فضل وكرم من الله عز وجل, وقال بعضهم: لا، بل هذا نص نجريه على ظاهره.

    أيضاً: من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة، وهو خلاف معتبر: رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه في ليلة الإسراء والمعراج، فقد اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، فقال بعضهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، وقال بعضهم: لم ير ربه، إذن هل سنخرج أحد الفريقين من دائرة السنة وندخله في البدعة؟ لا؛ لأن المسألة من فروع الاعتقاد، وما دام وقع الخلاف فيها بين السلف فلا يزال الخلاف قائماً إلى قيام الساعة بغير نكير على جميع الأطراف، فإذا جاء أحدهم وأخذ بمذهب عائشة ، وهو قول أهل السنة، من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه، فهل الذي يذهب مذهب ابن مسعود وابن عباس وغيرهم يقول: لا, بل قد رأى ربه؟ ثم يشنع على الآخر ويقول له: أنت ضال، أنت مبتدع، إن هذا الكلام لا يجوز؛ هل ينفع هذا الكلام؟ لا، لماذا؟

    لأن وجود الخلاف بين الصحابة مع عدم تضليل بعضهم لبعض يدل على أن الخلاف في هذه القضية سائغ ومعتبر، بينما الخلاف في الأصول يكون غير معتبر، فقد يخرج المرء من دائرة السنة إلى دائرة البدعة.

    إذاً: بعضهم التزم ظاهر النص، والبعض الآخر قال: المقصود من الحديث: سرعة إقبال الله عز وجل على العبد أكثر من إقبال العبد عليه، وقال بعضهم: تقرب العبد إلى الله كناية عن التوبة، لكن هذه الكناية إطلاق اللفظ وإرادة لازمة، مثل قول: الخنساء تصف أخاها:

    طويل النجاد رفيع العماد كثير الرماد إذا ما شتى

    قولها: (طويل النجاد) أي: أنه إنسان طويل، والطول ممدوح عند العرب، حتى يقولون: الطول هيبة وإن كان خيبة، حتى لو كان صاحبه غير صالح.

    وقولها: (رفيع العماد)، العماد هو ما يعتمد عليه، مثل: القائم في الأرض، كالخشب أو الحديد، أو العكاز، فهي لم ترد أن تصفه أنه يمشي متكئاً على عمود، وإنما أرادت أن تكني عن شرفه وحكمته ومكانته العظيمة عند قومه.

    وقولها: (كثير الرماد) كناية عن الكرم؛ لأن كثير الرماد فيه دلالة على إشعال الحطب وشوي اللحم للضيوف، لكن قلة الفئران في البيت إشارة إلى الفقر، يذكر أن امرأة ذهبت للولي وقالت له: إني أشكو قلة الفئران في بيتي. كناية منها عن فقرها؛ لأن الفئران ماذا تعمل في بيت ليس فيه إلا البلاط؟ ماذا تعمل الفئران في بيت ليس فيه إلا الرياح؟ لا بد أن ترحل الفئران.

    والأولى عندي أن تجرى هذه النصوص على ظاهرها، فنؤمن بها ولا نأخذ في كيفيتها، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.

    شرح حديث فرحة الله بتوبة العبد من طرق أخرى

    قال: [حدثنا عبد الله بن قعنب القعنبي ، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ، عن أبي الزناد ، وهو عبد الله بن ذكوان ، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها) .

    وحدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف ابن راهويه -واللفظ لـعثمان- أي: هذا السياق من طريق أو من لفظ عثمان بن أبي شيبة لا من طريق ابن راهويه - حدثنا جرير ، وهو ابن عبد الحميد الضبي، عن الأعمش سليمان بن مهران الكوفي ، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي ، عن الحارث بن سويد التيمي الكوفي أبو عائشة ، قال: دخلت على عبد الله أعوده ].

    إذا ذكر في طبقة الصحابة عبد الله فالمراد به: عبد الله بن مسعود، وهناك قرينة أخرى: أن يكون الإسناد كوفياً؛ لأن عبد الله بن مسعود رحل إلى الكوفة وتولى فيها القضاء، وتخرج على يديه جيل التابعين بأكمله، ولذلك إذا كان الإسناد كوفياً، ثم قال التابعي: وحدثني عبد الله، فعلم أنه عبد الله بن مسعود من غير خلاف.

    قال: [ دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين: حديثاً عن نفسه وحديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، يعني: أنه حدثهم بحديث مرفوع وحديث موقوف، فذكر هنا المرفوع ولم يذكر الموقوف، وذكر البخاري في صحيحه الحديثين جميعاً، وليس الأمر كما قال أحدهم: حدثني فلان بحديثين، أما هو فقد نسي أحدهما وأنا نسيت الآخر، يعني: أنه لا يوجد شيء.

    قال: [حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية -أي: الأرض القفر والفلاة الخالية- مهلكة) ].

    في حقيقة الأمر الأرض لا تهلك، لكن لما كانت محلاً للهلاك نسب الهلاك إليها استعارة؛ لأن الهلاك يقع فيها، ولذلك يسمونها: استعارة محلية، فيطلقون المحل ويريدون الحال، بخلاف الاستعارة الحالية، إذ هي إطلاق الحال وإرادة المحل.

    قال رحمه الله: [ (معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت -ليس له إلا هذا- فوضع رأسه على ساعده ليموت) ].

    أي: لم يكن واضعاً رأسه على ساعده خصيصاً لأجل الموت، وإنما فعل ذلك لأجل النوم فيدركه الموت وهو نائم، كذلك لا يلزم للموت أن يضع الرجل رأسه على ذراعه أو على ساعده، فهذه ليست هيئة الميت وإنما هيئة النائم.

    قال المصنف رحمه الله: [ (فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً من توبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)، وفي الرواية الثانية: (من رجل بداوية من الأرض) ].

    داوية أو دوية بالألف أو بغيرها، وكلاهما واحد.

    وفي الرواية الأخرى: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن) .

    خوف المؤمن من ذنوبه داعٍ له إلى التوبة منها

    وقد ذكر البخاري في صحيحه والترمذي وغيرهما أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، أما الفاجر فإنه لا يرى ذنوبه إلا كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا).

    فهذا يدل على أن المؤمن دائماً قلبه حي، فإذا وقع في الذنب الصغير تجده يتصور أن هذا الذنب جبل يخاف أن يسقط عليه فيدكه دكاً، أما الفاجر فيرى ذنبه كأنه لم يكن، أو كأنه لا شيء، وشبهه بذبابة وقعت على أنفه فقال بيده هكذا، يعني: أشار إليها بكفه فطارت، ولذلك المؤمن إذا وقع في الذنب أحدث له فوراً توبة وندماً، وتفطر قلبه وتصدع وعاش في هم وغم وكدر، أما الفاجر فيقول: إن رحمة الله وسعت كل شيء، ويذهب يحتج بكل آيات وأحاديث الرجاء، بينما العبد المؤمن الصالح الطائع يضع نصب عينيه آيات وأحاديث الخوف، وآيات وأحاديث الرجاء، فإذا نظر إلى آيات وأحاديث الخوف حمله ذلك على مزيد الطاعة، وإذا نظر إلى أحاديث الرجاء حمله ذلك على الإكثار من النوافل لرجاء المغفرة، ولذلك هناك فرق كبير جداً بين الرجاء وبين التوكل، فالرجاء لا يكون إلا بعد العمل، فيعمل أولاً ثم يرجو الله تعالى، لكن أن يكون قائماً على المعصية ويقول: إني لأرجو رحمة الله تعالى! فهذا حمق وليس ديناً، ولذلك عندما تلت عائشة رضي الله عنه قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني، والسارق يسرق، ويخافون ألا يتقبل منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق ! إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة وجهاد، وفي رواية: وحج، ويخافون ألا يتقبل منهم).

    يعني: أنهم قد حققوا العمل أولاً، ثم دفعهم الخوف ألا يقبل ذلك منهم، وهذا هو الخوف المعتدل الذي يحملك على زيادة الطاعة، أما إذا حملك الطمع في رحمة الله عز وجل على الوقوع في معصيته فليس هذا من باب الرجاء الممدوح.

    شرح رواية النعمان بن بشير لحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده ...) وحل ألفاظها

    قال: [ وفي رواية النعمان بن بشير قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير) ].

    والمزادة: اسم جنس للمزادة، وهي القربة العظيمة، سميت بذلك لأنه يزاد فيها من جلد آخر، وكانت العرب تحمل فيها المتاع، كالطعام والشراب وغير ذلك.

    قال: [ (ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة - أي: وقت القيلولة- فنزل فقال تحت شجرة)، يعني: أنه نام تحت شجرة وقت القيلولة، والقيلولة اسم النوم وقت الظهيرة.

    قال: (فغلبته عينه وانسل بعيره)، أي: نام فذهب بعيره في خفية.

    [(فاستيقظ فسعى شرفاً فلم ير شيئاً، ثم سعى شرفاً فلم ير شيئاً)]، الشرف: المكان العالي، وقد يكون المراد به: الرجل العظيم في قومه، ذو المكانة السامية المرموقة، والمراد به هنا الأول، أي: أن الرجل انطلق إلى مكان عال لينظر بعيره، فلم يجد شيئاً، ثم نزل وانطلق إلى مكان آخر عال، فلم يجد شيئاً، حتى أيس من إيجاد هذا البعير أو الراحلة.

    قال: [(ثم سعى شرفاً ثالثاً فلم ير شيئاً، فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه، فبينما هو قاعد جاءه بعيره يمشي، حتى وضع خطامه في يده)، يعني: أن البعير جاء من نفسه حتى وضع الخطام في يد صاحبه، والرجل كان قاعداً، بينما في الحادثة الأولى: (فاستيقظ فوجد البعير بين يديه أو ضالته)، فهل الكلام هذا فيه خلاف أم لا؟

    لا يمكن أن نقول: إن فيه خلافاً، وإنما الخلاف هذا بتعدد الحوادث؛ لأن هذه الحادثة لم تقع فعلاً، يعني: أن الراوي الذي روى لنا هذا لا يروي لنا حادثة وقعت بالفعل، فينقلها ويصورها لنا كما هي، وإنما هذا تمثيل وتقريب ضربه النبي عليه الصلاة والسلام لبيان المعنى على الحالين، ففي هذا الوقت كان الشخص نائماً، ثم بعد ذلك يستيقظ فينظر فيرى ضالته أمام عينيه، بخلاف رجل آخر مستيقظ وينتظر، ومن شدة همه وحزنه ينظر في الصحراء شرقاً وغرباً، وبعد ذلك ينظر فإذا سواد آتٍ من بعيد، فيقول: يا ترى هل هذه ضالتي أم أنا لم أستطيع أن أرى جيداً؟ ويظل في هذه الشكوك، لكن على كل حال هناك بصيص أمل يمكن أن تكون ضالته، حتى تقترب منه فيعرف أنها ضالته، فلا شك أن فرحته هذه أتت تدريجية، بينما الآخر أتت فرحته فجأة، فهذا تمثيل لفرحة العبد بضالته على الحالين:

    حال الشك حتى أتاه اليقين، وحال اليقين الذي يراه فجأة.

    قال: [(فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا حين وجد بعيره على حاله).

    قال سماك : فزعم الشعبي -وهو عامر بن شراحيل- أن النعمان رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أنا فلم أسمعه].

    يعني: أن هذا الحديث من رواية سماك بن حرب عن الشعبي عن النعمان بن بشير من قوله، ولذلك لا تجد في الحديث أن النعمان قال: حدثني النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده...)، ثم بعد ذلك في نهاية الحديث تأتي المسألة التي هي محل خلاف، إذ إن سماكاً يقول: أنا الذي رويت الحديث عن الشعبي عن النعمان ، لكن أنا أشك أن النعمان رفع هذا الحديث، يعني: أنه ليس من قول النبي وإنما هو من قول النعمان ، والشعبي إنما يزعم أنه سمع النعمان يرفع هذا الحديث، وهذا من دقة المحدثين ودقة الرواة، وهذا ما كان يكفي سماك كما يكفينا، أي: ما دام أن الشعبي قد رفع الحديث فنأخذه، والعهدة عليه، لكن دقة المحدثين جعلت سماكاً يروي الحديث كما سمعه موقوفاً على النعمان .

    1.   

    قاعدة: ليس كل من تلبس بالكفر أو البدعة صار كافراً أو مبتدعاً

    وفي حديث البراء بن عازب قال النبي عليه الصلاة والسلام: [(كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته -أي: انطلقت وانسلت- تجر زمامها بأرض قفر ليس فيها طعام ولا شراب -يعني: أن حبلها مجرور وراءها- وعليها له طعامه وشرابه، فطلبها حتى شق عليه -يعني: أجهده البحث- ثم مرت بجذع شجرة فتعلق زمامها -يعني: أن هذه الناقة أو البعير أو الحمار في أثناء سيره في الصحراء مر بشجرة فتعلق الحبل بأصلها- فوجدها متعلقة به -النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما رأيكم في فرحة رجل كهذا؟- قالوا: شديداً يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما والله! لله أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته)].

    وفي حديث أنس قال النبي عليه الصلاة والسلام: [(لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)].

    لكن: لو أن واحداً قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. فإنه يكفر؛ لأنه نسب نفسه إلى الربوبية والإلهية، ونسب الرب والإله إلى الخلق، لكن إن صدر من العبد بغير قصد، أو سبق لسان على سبيل السهو والخطأ فلا شيء عليه، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء: بأنه ليس بلازم لمن نطق بالكفر أن يتلبس بالكفر أو يلبسه الكفر.

    ومن نطق بالبدعة ليس بلازم أن تلبسه البدعة أو أن يتلبس بالبدعة.

    وهذا كلام خطير جداً، فلو أن رجلاً مشهود له بالصلاح والعلم قال بقول المعتزلة في مسألة اعتقادية، أو قال بقول المرجئة، أو الشيعة، فهل يلزم من قوله بقول هؤلاء أن يكون شيعياً، أو قدرياً، أو مرجئاً؟

    لا يلزم، وإنما يرد عليه ما قد أخطأ فيه وجانبه الصواب فيه، ويبقى على أصله واستقامته، ولا نخرجه من دائرة السنة لقول وافق فيه المبتدعة، فقد وافق الحافظ ابن حجر الأشعرية في تأويل بعض الصفات، لكن لا ينسب ابن حجر إلى البدعة أو إلى الأشعرية، فقد شن هجوماً شديداً جداً في المجلد الأول والثاني والثالث عشر في فتح الباري على الأشعرية، وأثبت أنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة، فرجل كهذا يوافقهم في بعض المسائل إنما نقول: خالف فيها أهل السنة والجماعة مخالفة غير متعمدة، إما أن يكون سبق لسان إذا كان كلاماً، أو سبق قلم إذا كان كتابة، أو يكون عن جهل وعدم دراسة.

    وكذلك ليس كل من تلبس بالكفر كافراً، أو وقع في البدعة مبتدعاً، إلا إذا خالف في أصل من أصول أهل السنة والجماعة، وأقيمت عليه الأدلة والحجج والبراهين على أن هذا مذهب الاعتزال، أو مذهب القدرية، أو مذهب الأشاعرة، أو مذهب الشيعة، واختار أن يسلك هذا الطريق، ثم لو كان من أهل اللسان أو القلم صنف في الرد على ما كان عليه أولاً.

    ولذلك يقول ميمون بن مهران : إن أبلى البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف. أي: أن من أعظم البلاء أن تنكر في المستقبل ما تعرفه قبل ذلك، أو تعرف في المستقبل ما كنت تنكره الآن، فهذا بلاء عظيم جداً، أن يتحول المرء من طريق السنة إلى طريق البدعة، ولا يقف عند هذا الحد، بل يرد على أهل السنة وينسبهم إلى البدعة، والانتقال من السنة إلى البدعة كلام مجمل، فإذا قلت: بدعة. فمعناه: أن كل ما عليه بدعة، وليس هناك شيء اسمه دليل، يعني: أن ترك السنة والانتقال إلى البدعة معناه: الانتقال إلى غير دليل؛ لأن البدعة لا دليل عليها، والدليل إنما يؤيد السنة.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك من باب أنه لم يقع، لكنه تمثيل، فيقول العبد من شدة الفرح: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، وهذا على سبيل الخطأ، ولذلك قال: (أخطأ من شدة الفرح).

    ولذا فإن الإنسان قد يبلغ درجة الإغلاق من الغضب أو من الفرح، وليس بلازم أن يكون غضباً فقط، ونحن قد قلنا قبل ذلك: إن الغضب والرضا والسخط والفرح والسرور وغير ذلك كلها انفعالات نفسيه، فإن كانت منضبطة فهذا حد الاعتدال، وإن زادت فربما لا يترتب عليها أثر، فلو أن إنساناً غضب غضباً شديداً بلغ معه درجة إغلاق العقل، بحيث إنه لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فقد يرمي بابنه من أعلى البيت إلى الشارع وهو لا يدري ما يفعل، وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق، فلا يقع طلاقه، ولو قال لله: أنت عبد وأنا ربك، فلا يكفر.

    أيضاً: لو أن إنساناً فرح فرحاً زائداً جداً، إلى حد أنه يضحك بهستيرية من شدة الفرح، فلا يترتب عليه عند الخطأ وعدم القصد والتعمد أثره.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.