إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - فيمن أحب لقاء الله وفضل مجالس الذكر

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - فيمن أحب لقاء الله وفضل مجالس الذكرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مصيبة الموت لا تعدلها مصيبة، وكل بني آدم لا محالة ميتون، لكن العبد المؤمن إذا اقترب أجله وحانت منيته أقبل على ربه وتمنى لقاءه، وفرح بالانتقال إلى جواره، أما العاصي فإنه يكره لقاء ربه، ويتمنى أن لو امتد به العمر حتى لا يواجه ما أسلف، ولا يعاين ما قدم بين يدي موته من العمل.

    1.   

    تابع باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    فقد جاء في الصحيح أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه دخل السوق بدمشق، فرآهم يبيعون الذهب بالذهب مفاضلة يعني: يبيعون جراماً بجرامين، أو ثلاثة جرامات بستة جرامات، وهذا ربا، فلابد أن يكون الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن زاد أو استزاد فقد أربى). يعني: من أعطى زائداً، أو طلب زائداً فقد قارف الربا.

    فلما رآهم على ذلك عبادة أنكر عليهم، ومر معاوية بالسوق، فوجد عبادة ينكر على أهل السوق بيعهم وشراءهم على هذا النحو، فقال: إنا لا نحسب إلا هذا، وكأن معاوية يقول: لم نسمع هذا من النبي عليه السلام. فقال عبادة: أنا أقول لك قال رسول الله، وتقول: ما سمعناه؟! والله لا أساكنك في أرض أنت بها. ثم أخذ عبادة سوطه وانطلق إلى المدينة، فقال عمر : ما جاء بك؟ قال: لقد حدث كيت وكيت، هذا الذي جاء بي. فقال: ارجع قبح الله أرضاً لست بها.

    فانظر إلى قول عمر: قبح الله أرضاً لست بها. لم يقل له: أنت متزمت ومتشدد. وكتب رسالة مع عبادة إلى معاوية : يا معاوية! لا إمرة لك على عبادة. وعبادة بن الصامت هو راوي حديث: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، حيث قال عبادة: [إن نبي الله صلى الله وعليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

    وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر - وهو المعروف: بـغندر - حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن عبادة بن الصامت عن النبي عليه الصلاة والسلام. مثله].

    قال: [حدثنا محمد بن عبد الله الرزي -وهو من الأرز، فالنسبة رزي أو أرزي، وفي كتاب الأنساب: الرزي نسبة إلى بيع الرز. وقيل: أرزي لأن الرز أصله: أرز- حدثنا خالد بن الحارث الهجيمي حدثنا سعيد - ابن أبي عروبة البصري - عن قتادة] إذا روى سعيد عن قتادة فإنه سعيد بن أبي عروبة البصري لا أحد غيره.

    [حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت)].

    والمعنى: أن المرء إذا لقي الله لابد أن يموت فكلنا نكره الموت، إذاً: هو يكره لقاء الله، والفوز بالجنة متعلق بالموت؛ فكلنا يكره الموت، [فقال: (ليس كذلك)] ليس هذا معنى الحديث. [قال: (ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله)] وهذا يكون في ساعة الاحتضار والغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، تأتيك الملائكة فيقولون لك: انظر إلى مكانك في النار فتنظر إليه قبل أن تخرج الروح فيقولون: (هذا مكانك في النار غير أن الله تعالى أبدلك به مكانك في الجنة فانظر إلى مكانك في الجنة) فتنظر إلى مكانك في الجنة، فحينئذ تفرح بلقاء الله عز وجل. أما العبد الفاجر الكافر فتأتيه الملائكة فيقولون: انظر إلى مكانك في الجنة، فينظر فيفرح بذلك، فيقولون: غير أن الله تعالى أبدلك به مكانك في النار، فينظر إلى مكانه في النار فيكره الموت، وهذه الكراهة هي كراهة لقاء الله عز وجل.

    قال: [(ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه).

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن بكر - وهو المعروف بـالجرجاني أبو عثمان البصري - حدثنا سعيد عن قتادة بهذا الإسناد].

    والإسناد السابق يعني: قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة .

    [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر -وهو القرشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ الكبير- عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل- عن شريح بن هانئ ] وهو أبو المقدام الكوفي ثقة مخضرم. ومعنى مخضرم: أسلم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يره. يعني كان بينه وبين الصحبة رؤية أو لقاء، ولكنه أسلم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام غير أنه لم يره ولم يلقه، فسموه العلماء: مخضرماً.

    [عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله)].

    والمراد: أن موطن الحب والكراهية موطن ما قبل الموت مباشرة.

    قال: [حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي - وهو ابن سهل بن إسحاق أبو عثمان- عن عبثر عن مطرف - وهو ابن طريف الكوفي - عن عامر - وهو الشعبي - عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قال: فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين! سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يذكر عن رسول الله حديثاً إن كان كذلك فقد هلكنا)] يعني: أبو هريرة لم يهم فيه؛ لأنه أتقنه وحفظه جيداً، فقد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

    ومن منا لا يكره الموت. كان أبو هريرة يعلم أن ذلك اللقاء لا يكون إلا بعد الموت، وكلنا يكره الموت، فإذا كرهنا الموت فكأنما كرهنا لقاء الله، فلو صح ما يقوله أبو هريرة هلكنا كلنا؛ لأننا كلنا نكره الموت [فقالت: (وما ذاك) فقص عليها، ثم قال: (وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت. فقالت: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر)] يعني: ارتفع البصر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا خرجت الروح تبعها البصر).

    قالت: [(ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع فعند ذلك: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو عامر الأشعري -وهو عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريأبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني الكوفي -قالوا: حدثنا أبو أسامة - وهو حماد بن أسامة - عن بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)].

    فالحديث من طريق أبي هريرة ، وعائشة ، وعبادة بن الصامت ، وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أصحابه كثيراً بهذا، وقال هذا الحديث في أكثر من مناسبة.

    1.   

    كلام النووي في شرح أحاديث باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

    قال: (ومعناه: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند نزع الروح في حالة لا تقبل فيها توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو سائر إليه وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله؛ لينتقلوا إلى ما أعد الله لهم، ويحب الله لقاءهم، فيجزل الله لهم العطاء والكرامة.

    وهو تفسير لمحبة الله. أي: يجزل لهم العطاء والكرامة). إذاً: فسر النووي المحبة بالعطاء والكرامة. قال: (وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم). أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته. فمعناه: أنه فسر كراهة الله عز وجل للكافرين بالحرمان من الثواب، والطرد من الرحمة والكرامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا تأويل فاسد؛ لأن الله تبارك وتعالى يحب ويكره، والمحبة ثابتة له، والكراهة ثابتة له، لكنها محبة تليق بجلاله وكماله، وكراهة تليق بجلاله وكماله، لكنهم أولوا ذلك لأن الواحد لما يكره يحصل له انفعالات نفسية وتغير في الدورة الدموية وشعور بالهم والحزن، فهم يتصورون أن الكراهة في حق الله تستلزم هذا، فلما كان هذا محال في حقه تبارك وتعالى يلزم تأويل الكراهة على غير الكراهة المعروفة لدينا، وهذا ليس بلازم، وإنما الذي يلزم من ذلك: إثبات الكراهة لله، والفضل لله، لكن على القدر اللائق بالله عز وجل.

    وأنتم تعلمون أن صفة الحب والكراهية والبغض ثابتة لله عز وجل، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها). وحصل تأويل لهذا الحديث من الإمام النووي ، ونقل كلام العلماء تأويلاً.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية يحذر تحذيراً أكيداً فيما يتعلق بالحب والبغض والكراهة وغير ذلك فيقول: إن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

    وقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54].

    وقوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:24].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4].

    وقوله: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    وقوله: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].

    وقوله: يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

    قال ابن تيمية: (وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الخلفاء عليه السلام). يعني: هذا أصل دين إبراهيم وأصل الحنفية السمحاء. فنثبت لله تعالى المحبة والكراهة والبغض كما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تأويل، ونفوض كيفية ذلك إلى الله عز وجل.

    1.   

    باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا

    يعني: أن يقول: يا رب! إذا كان مقدر لي عقوبة في الآخرة فعجلها لي في الدنيا.

    قال: [حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد -وهو ابن أبي حميد الطويل- عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ).

    خفت يعني: ضعف وهزل، لم يبق إلا قليل من الجلد على العظم من فرط ما نزل به من ضر ومرض حتى صار كالفرخ. [فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه -وهذا علم من أعلام النبوة- قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا)]. هذا بيت القصيد وموطن الفرج. [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (سبحان الله! سبحان الله! لا تطيقه). فهذا اعتداء في الدعاء، وقال: (لا تطيقه) يعني: لو كان ربنا تقبل منك دعاءك والله لا تطيقه في الدنيا.

    وفي رواية: (لا تستطيعه) ثم أخذ يعلمه كيف يدعو. [قال: (أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)]. فدعا الرجل بها فشفاه الله.

    أي: فدعا الرجل المريض بهذا الدعاء: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، فشفاه الله عز وجل.

    [حدثنا عاصم بن نضر التيمي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حميد بهذا الإسناد إلى قوله: (وقنا عذاب النار). ولم يذكر الزيادة.

    وحدثني زهير بن حرب حدثنا عفان بن مسلم الصفار حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من أصحابه يعوده وقد صار كالفرخ. بمعنى حديث حميد غير أنه قال: (لا طاقة لك بعذاب الله). ولم يذكر.

    فدعا الله له فشفاه].

    وفي هذا الحديث: النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، بل يطلب من الله العفو والعافية.

    وفيه: فضل الدعاء بهذا الدعاء الثابت: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

    وفيه: جواز التعجب بقول: (سبحان الله). وفيه: استحباب عيادة المريض والدعاء له. وفيه: كراهة تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه، وربما شكا الله عز وجل لخلقه: وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية.

    وتفسير: (وفي الآخرة حسنة) الجنة والمغفرة، هذا أصح الأقوال فيها، وإلا ففيها أقوال كثيرة جداً منها: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي: الزوجة الصالحة، (وفي الآخرة حسنة) يعني: الجنة والمغفرة.

    والمختلف فيه هو الحسنة في الدنيا. قيل: هي الزوجة الصالحة. وقيل: هي التقوى. وقيل: هي العلم. وقيل: هي العافية. وقيل: هي الطاعة، ولا يمنع أن تحتمل الآية جميع هذا.

    1.   

    باب فضل الدعاء بـ (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)

    1.   

    باب فضل مجالس الذكر

    قال: [حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا بهز - وهو ابن أسد العمي - حدثنا وهيب - وهو ابن خالد - حدثنا سهيل بن أبي الصالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة)] يعني: سياحاً يسيرون في الأرض ويسيحون فيها.

    قال: [(إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلاً)] ومعنى فضلاً أي: غير مكلفين بمهمة معينة، فلا هم من ملائكة الحساب، ولا كُتَّاب الأعمال، ولا من المكلفين بالجبال ولا المطر ولا غير ذلك، فهم فضلة الملائكة، أخذوا على أنفسهم أن يسيحوا في الأرض فإذا وجدوا مجلس علم اجتمعوا فيه. قال: [(فضلاً يتبعون مجالس الذكر)].

    وفي رواية: (يبتغون) أي: يطلبون مجالس الذكر ويبحثون عنها. قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم)]. ليس كذكر الصوفية والدروشة والتمائم والتبختر، بل هو ذكر الله تعالى. أي: بالعلم النافع والعمل الصالح.

    قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا)].

    أي: أن هذا الحف رأسي. أي: يقعدون بعضهم فوق بعض حتى يكون أعلاهم عند أول سماء الدنيا، كل هذا من أجل مجلس علم، حتى تعرفوا منزلة العلم، فهو أشرف مطلوب يمكن أن يطلبه الإنسان، فطلب العلم له مناقب وشمائل لا يمكن أن تجتمع في أي شيء آخر.

    قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم؛ حتى يملئوا ما بينه وبين السماء الدنيا)]. قرأها بعض الرواة: (وحض) أي: وحض بعض الملائكة بعضاً. والحض: الحث على الحضور، وفي رواية: (وحط) يعني: حط بعضهم على بعض حتى بلغوا السماء الدنيا، كل هذا لفضل العلم وأهله.

    قال: [(فإذا تفرقوا)] أي: فإذا تفرق الناس عن مجلس العلم [(عرجوا وصعدوا إلى السماء -أي: الملائكة- فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم)] بعد أن يلتقوا بمجلس العلم وطلابه يلتقون بالله عز وجل. قال: [(فيسألهم -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك -اللهم إنا نسألك الجنة- قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا. أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك)] يعني: يستعيذون بك، ويطلبون منك الأمان. قال: (ممَّ يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري)] اللهم إنا نعوذ بك من النار. [(قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم)] اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا [(فيقول: قد غفرت لهم. فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. قال: فيقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء)].

    هؤلاء كلهم صالحون فيهم واحد شقي، خطاء [(إنما مر فجلس معهم)] أي: كان يمشي فجلس معهم. قال: [(فيقول الله: وله غفرت. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)].

    يقول الإمام: (في هذا الحديث فوائد:

    منها: فضيلة الذكر. وفضيلة مجالس الذكر، والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم في الذكر، وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم). وقوله: (وبركتهم) هذا مذهب مرجوح إن لم يكن فاسداً.

    قال: (قال القاضي عياض : وذكر الله تعالى ضربان -يعني: نوعان- إما ذكر بالقلب، وإما ذكر باللسان، وذكر القلب إما أن يكون سراً أو جهراً أحدهما -وهو أرفع الأذكار وأجلها-: الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه). ثم يقول: (ويشهد لذلك حديث: (خير الذكر الخفي) ). لكنه حديث ضعيف.

    قال: أحسن أنواع الذكر هو: ذكر بالقلب على جهة التدبر والتأمل في ملكوت الله عز وجل، في سماواته وأرضه ونجومه وقمره وشمسه: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] ومن يتدبر في آيات الله عز وجل وفي خلقه وفي كونه يوقن أن لهذا الكون إلهاً مدبراً؛ لأنه لا يمكن أن يأتي هكذا بالصدفة كما يقول الدهريون، فالخالق هو الله عز وجل، وهذا الخلق كله بصنع الله عز وجل وخلقه وتدبيره، فالذي يتدبر في الكون يجد العجائب.

    أذكر أنه كان لديَّ سلحفاة، وكنت أكره وجودها في البيت، لكن الأولاد يحبونها، وكنت مشفقاً عليها من الجوع والعطش، فبينما أنا كذلك أخذت أقرأ في كتاب عن حياة السلحفاة فوجدت أن السلاحف تستطيع أن تمتنع عن الطعام والشراب من أربعة أشهر إلى ستة أشهر!