إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الرؤياللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرؤيا والحلم مخلوقان لله عز وجل، والرؤيا خلقها الله عز وجل في العقل الباطن للرائي، وهي في غالبها خير، وبقدر ما يكون الرائي لها من أهل الصلاح والصدق في يقظته تكون الرؤيا صادقة، أما الحلم فإنه مما يسر به الشيطان ويفرح به، وقد يأتي فيه ما يكرهه العبد ويتكدر له، فإذا رأى ذلك شرع له التحول عن موضعه الذي نام فيه، والاستعاذة بالله من شره، وكتمانه عن الناس فلا يخبر به أحداً.

    1.   

    أحاديث في الرؤيا والحلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه، وبعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد: فمع كتاب جديد وهو كتاب الرؤيا.

    والكتاب في اللغة بمعنى: الجمع والضم، ولذلك يقال: كتيبة، وهي التي تجمع عدداً من الجند والمعدات المتماثلة وغير ذلك فيقال: هذه كتيبة مدرعات. وهذه كتيبة مشاة. وهذه كتيبة طبية؛ لأنها جمعت المتماثلات.. فسميت كتيبة لأنها جمعت في أحشائها جنوداً متشابهين، وكذلك يقال للكتابة كتابة لأنها عبارة عن مجموعة من الحروف.

    ومعنى الكتاب في الاصطلاح: هو الجزء الذي ضم في أحشائه مجموعة من المسائل المتشابهة. فمعنى كتاب الرؤيا، أنه تضمن المسائل التي تتكلم عن الرؤيا، وقد يشمل الكتاب مئات الفصول والأبواب، وكل باب أو فصل له تعلق وثيق بمسألة الكتاب ككتاب الإيمان أو الطهارة أو الصلاة وغير ذلك، ولذلك لا يمكن أبداً أن تجد في كتاب الوضوء مثلاً مسألة لها تعلق بالحدود نهائياً؛ لأن هذا كتاب وذاك كتاب آخر.

    شرح حديث: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـابن راهويه- وابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني المكي أي: نزيل مكة- جميعاً عن ابن عيينة -وهو سفيان بن عيينة أبو محمد المكي- وهذا اللفظ لـابن أبي عمر]. هذا الحديث رواه أكثر من واحد، والإمام مسلم رواه من عدة شيوخ منهم: عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم المروزي وابن أبي عمر إلا أن هذا السياق لواحد دون الثلاثة، وأما ألفاظ الباقين فهي على النحو من هذا السياق، وليست مثله تماماً بتمام.

    قال: [ حدثنا سفيان وهو ابن عيينة عن الزهري -وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام الكبير المعروف- عن أبي سلمة -وهو ابن عبد الرحمن بن عوف صحابي كبير- قال: كنت أرى الرؤيا أُعرى منها].

    يقال: رجل عري. أي: رجل أصابته حُمى. والمعنى: أنه أُصيب بسخونة أو بحمى غير أنه قادر على المشي [ قال: غير أني لا أُزمل ] أي: لا أُغطى في الفراش، من قوله عليه الصلاة والسلام: (زملوني.. زملوني)، وقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1].

    قال: [حتى لقيت أبا قتادة الأنصاري فذكرت ذلك له فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره)].

    أي: لا تضره لو التزم هذه التعليمات، لكن لا بد أن تحفظ معي ما الذي يجب على من رأى حلماً يكرهه؛ ولم يأت ذلك في حديث واحد، وإنما في أحاديث شتى.

    قال: [(الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)] مع أن الرؤيا والحلم كلاهما مخلوقان لله عز وجل؛ لأن الخير والشر من الله عز وجل، والحلم هو الشر، وإذا كانت الرؤيا من الله عز وجل؛ فهي دليل الخير، فالرؤيا خلقها الله عز وجل في تصوّر الرائي أو في عقل الرائي الباطن أو في منامه وكذلك الحلم.

    فالحلم مخلوق لله عز وجل، والله تعالى أراده إرادة كونية، لكن الشيطان يحضره ويُسر به ويفرح، والشيطان ليس خالقاً، والخالق الواحد هو الله عز وجل، فلا خالق غيره، فهو الذي خلق الخير وأمر به وأحبه ورضيه، ورتّب عليه الثواب، وخلق الشر ولم يرضه. ومعنى خلقه: أنه أذن في وجوده كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر وغير ذلك، فلا يكون شيء في الكون إلا بأمر الله عز وجل وإذنه، لأنه ليس لأحد أن يتحرك حركة أو يسكن سكنة إلا بإذن الله عز وجل، فإن الذي يأتي المعصية يلزمه فيها عدة جهود لإتمامها، وهي: المشي على الأقدام، والبطش باليد، وغير ذلك. والقتل، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر.. كل هذا لا يمكن أن يتم إلا بإذن الله عز وجل، ومعنى أن الله أذن فيه مع أنه لم يحبه، بل كرهه وحرّمه، وأرسل الرسل بالنذارة والوعيد الشديد، وأنزل الكتب تحذيراً من الوقوع في هذه المعاصي، وخلق الجنة والنار، وبيّن الطريق، وأقام الحجة على العباد؛ حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بيّنة.

    وكذلك الحلم.. فإن الله تبارك وتعالى أذن في إيجاده، وكذلك الرؤيا الطيبة أذن الله تبارك وتعالى في إيجادها، ومعنى (أذن). أي: أنه أمر بخلقها في تصور الرائي أو في النائم، أما الرؤيا فلا يحضرها شيطان؛ لأنها خير، ومواطن الخير يفر منها الشيطان، أما الحلم فإنه شر ولذلك يحضره الشيطان، ويفرح به ويُسر، وإنما يغتاظ أشد الغيظ أن يرى الرجل رؤيا صالحة، فلا طاقة له بها، ولذلك يهرب من ميدانها، ويحضر في موطن يحلم فيه المرء حلماً سيئاً.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) حتى لا يتصور أحدكم أن الشيطان يبتدئ الخلق في تصور الرائي أو في ذهنه أو في عقله؛ لأن الشيطان أقل من ذلك، وأنه لا يقدر أن يخلق شيئاً.

    قال: [(فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه)] سواء ذكر يكرهه أو لم يذكر، فالمعلوم أن الذي يرى حلماً أنه يكره ذلك، فإذا كان يحبه فليعلم أنه رؤيا صالحة، وليس أحد من الخلق يحب الحلم؛ لأن الحلم إزعاج وكوابيس ونكد وغم وهم، بل صراع وحرب بين الرائي وبين ما يراه طوال نومه، أو في جزء كبير من نومه، فيتصور -مثلاً- أن بعيراً أو أسداً أو ثعباناً يتبعه ويلاحقه، أو غير ذلك، من الذي يحب ذلك في يقظته فضلاً أن يحب ذلك في منامه؟

    إن الواحد منا لو رأى حلماً على النحو من هذا أن بعيراً يجري خلفه، ثم يستيقظ فجأة فإنه يقول: الحمد لله أن هذا كان حلماً ولم يكن حقيقة، لأنه كره ذلك من قلبه.

    فعلاج من رأى حلماً يكرهه هو ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: [(فلينفث عن يساره ثلاثاً)] والنفث هو النفخ. وإن شئت فقل: هو كالتفل، والتفل بين النفث الذي هو عبارة عن هواء، وبين البصاق الذي هو عبارة عن ريق الإنسان.

    ولكن معظم الأحاديث ذكرت النفث، والنفث إنما يكون بنفخ الهواء ولا بأس أن يخالطه شيء من الريق، فإذا لم يخالطه فلا حرج على النافث، كأن يتفل ولا يؤذي أحداً ولم يخرج من فمه شيء يتضرر به الآخرون، كما أنه يفعل ذلك بغير حرج إذا كان في حضرة الناس.

    ولا بد أن تعلم أن النفث إنما يكون عن اليسار، وهذا ذكرناه آنفاً في آداب البصاق، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أراد أحدكم أن يبصق فليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، ولا يبصق عن يمينه فإن ملائكة الرحمة تلازم يمناه، ولا يبصق من تلقاء وجهه فإن الله من تلقاء وجهه).

    إذاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا رأى أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً).

    فأول علاج هو: النفث. وشروطه: أن يكون ثلاثاً، وأن يكون عن يسار الرائي لا عن يمينه.

    أما إذا كان عن يساره أحد يتضرر به ويتأذى فيستحب له أن يبصق تحت قدمه اليسرى؛ لأن إحدى الروايات في دفع هذا الحلم السيئ أو المكروه إنما ذكرت البصاق، فإذا اختار الرائي أن يبصق وكان عن يساره أحد فليبصق تحت قدمه إذا قام من فراشه، وهذا كذلك من آداب البصاق في الطريق.

    وكذلك من آداب وضع النعال في الصلاة ما قاله عليه الصلاة والسلام: (لا يضعن أحدكم نعله أمامه في الصلاة، ولا عن يساره إذا كان عن يساره أخاه) أي: أنك إذا أردت أن تخلع نعليك فإما أن تضعهما عن يسارك إذا لم يكن عن يسارك أحد، وإذا كان عن يسارك أحد فضعهما بين قدميك، والعجيب أن أناساً لا يعلمون هذه الآداب التي تعلمها صبيان السلف، ثم هم يعتنون بمسائل هم أقل من أن يخوضوا فيها، ويزعمون أنهم حماة الدين ورفعوا راية الإيمان، والتوحيد، والجهاد، وأن ذب الأعداء لا يكون إلا من جهتهم، وإذا ناقشتهم فيما يعتقدونه ويدعون إليه فهم لا يعلمون عنه نقيراً ولا قطميراً؛ لأنهم لم يتعلموا دقائق هذه المسائل الأدبية، فهذه المسائل ليست بالأمر الهيّن، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بها عناية فائقة، حتى في ساعة الوغى وساحة الحرب كان ينبّه أصحابه إلى سنية السواك، وكان يغضب من أدنى مخالفة لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالدين كله لا يتجزأ، ولا يقال فيه قشر ولب، إنما الدين كله جزء واحد وكل لا يتجزأ ولكن بعضه أهم من بعض، والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن مراتب الإيمان فقال: (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء من الإيمان) فبيّن أن أعلى مراتب الإيمان التوحيد، وأدنى مراتبه إماطة الأذى عن الطريق وسماها شعبة من شعب الإيمان، لكن لا يمكن أبداً أن تستوي شعبة إماطة الأذى عن الطريق مع شعبة توحيد الله عز وجل، فهذه الشعبة تفوق بل هي الفائقة على الإطلاق، وإماطة الأذى إنما هي ثمرة من ثمرات الإيمان، وقد يفعلها غير المؤمن، فإذا فعلها غير المؤمن أُثيب عليها في دنياه؛ لأن الكافر لا ثواب له في الآخرة بل هو مخلّد في نار جهنم.

    العلاج الثاني: (أن يتعوذ بالله من شرها) أي يقول: أعوذ بالله من شرها.

    قال: (فإنها لن تضره) أي: أنه إذا فعل الشرط تحقق المشروط، وهذا كلام الأصوليين، والمشروط هو عدم الضرر، والشرط هو: أن ينفث عن يساره ثلاثاً، وأن يستعيذ بالله من شر هذا الحلم.

    قال: [ وحدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وعبد ربه ويحيى ابني سعيد ]. أي: عبد ربه بن سعيد ويحيى بن سعيد الأنصاري [ ومحمد بن عمرو بن علقمة الجميع عن أبي سلمة عن أبي قتادة : عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، ولم يذكر في حديثهم قول أبي سلمة : كنت أرى الرؤيا أُعرى منها غير أني لا أزمل].

    شرح حديث أبي قتادة في الرؤيا: (فليبصق على يساره حين يهب من النوم ثلاث مرات)

    قال: [وحدثني حرملة بن يحيى ] وهو المعروف بـالتجيبي .. حرملة بن يحيى التجيبي ، وتجيب: قرية من أعمال دمياط، وهو مصري.

    قال: [أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب القاضي المصري- أخبرني يونس ] إذا حدث ابن وهب عن يونس فإنما هو يونس بن يزيد الأيلي .

    وحرف الحاء الموجود في الإسناد معناه: تحويل الإسناد، فهو اختصار لكلمة تحويل.

    قال: [ (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري ].

    قوله: (كلاهما) لا بد من ربط الإسناد الثاني بالإسناد الأول، فالإسناد الأول انتهى عند يونس بن يزيد الأيلي ، والإسناد الثاني انتهى عند معمر. إذاً: يونس بن يزيد ومعمراً يرويان عن الزهري بهذا الإسناد. أي بالإسناد السابق.

    قال: [وليس في حديثهما أُعرى منها. وزاد في حديث يونس : (فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات)].

    ومعنى يهب أي: يقوم ويفزع ويترك الفراش؛ لأن المرء قد يأتيه حلم ثم يزول وهو لا يزال في نومه؛ لأنه ليس بلازم أن يزول الحلم بزوال النوم، بل ممكن أن يزول قبل زوال النوم، فمعنى يهب من نومه هو الاستيقاظ في حال استمرار الحلم، فإذا هب من فراشه فليبصق عن يساره ثلاث مرات، وأنتم تعلمون أن لفظ العدد ثلاثة وسبعة محل اعتبار الشرع، فقد ورد فيهما الأحاديث الكثيرة جداً، وكذا بعض آيات القرآن الكريم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدمهما كثيراً في أدعية الاستشفاء وغيرها.

    شرح حديث: (فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات...)

    قال: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب -وهو المعروف بـالقعنبي نسبة إلى جده- قال: حدثنا سليمان -وهو ابن بلال المدني- عن يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري- قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره)]. فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها].

    أي: أنه كان يحلم أحلاماً فظيعة ومفزعة ومقلقة فكانت على قلبه أثقل من الجبل، ولم يكن لديه علاج لهذه الكوابيس أو الأحلام حتى سمع بهذا الحديث؛ لأنه أصيب بالداء فحصل الدواء، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (تداووا عباد الله! فما أنزل الله تعالى داء إلا وأنزل له دواء).

    ولذلك شرع النبي عليه الصلاة والسلام أذكار النوم، فإنها بإذن الله تحفظ النائم من هذه الأحلام، والذي اعتاد أن يتلو هذه الأذكار ويستحضر الخشوع والخضوع والإنابة والتوبة إلى الله عز وجل مع تلاوة شيء من كتاب الله عز وجل حتى يكون من الأوابين أو من التوابين أو من المخبتين -كما جاء في بعض الروايات- فإنه بإذن الله تعالى يكون عليه من الله تعالى حافظ حتى يستيقظ، وهذا الحافظ من الملائكة يحرس المرء حتى يستيقظ.

    أما الذي يذهب إلى فراشه على غير وضوء ولا ينام على جنبه الأيمن، ولا يضع يده تحت خده، ولا يتلو شيئاً من كتاب الله عز وجل، ولا يقرأ الأذكار، بل ربما ينام على السباب والشتائم والفحش والغضب وغير ذلك، فأنى لهذا أن يهنأ بنومه؟! فكما أنه عاش في نهاره تعيساً شقياً فإنه كذلك يشقى في نومه. فيكون في شقاء دائم سواء في حال يقظته أم في حال نومه، ولكن انظر إلى عبد من عباد الله عز وجل، يحيا نهاره بطاعة الله عز وجل، وما من باب يقرب إلى الله عز وجل إلا ويلجه هذا العبد، ثم يلتزم شرع الله تعالى في نومه كما التزمه في يقظته، فيرى من الله تعالى خيراً في نومه، يرى وكأنه في صحبة أهل العلم، أو يحضر مجالس العلم، أو يرى أنه مع النبي عليه الصلاة والسلام، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، أو مع العشرة المبشرين بالجنة، أو يرى مشهداً يُنصر فيه دين الله عز وجل، أو يرى أنه يسبح في أنهار الجنة.

    وقد رأيت رؤيا في سنة (1984م) لا زلت أُسر بها سروراً عظيماً جداً إلى يومي هذا، وكنت في تلك الآونة قد فرغت من قراءة ترجمة الإمام أحمد بن حنبل للإمام ابن الجوزي في مجلد عظيم جداً اسمه سيرة الإمام أحمد بن حنبل ، حوالي (700) ورقة، فلما فرغت من قراءة ترجمة الإمام أحمد بن حنبل إذا بأحد أصدقائي في الرؤيا يوقظني ويقول: الحق! الإمام أحمد بن حنبل في الدور الثاني وهو يحاضر، فقمت مسرعاً لأرى الإمام أحمد فلم أر أحداً إنما رأيت رجلاً وضيئاً وبديناً وحوله بعض الناس. فقلت: ليس هذا هو الإمام أحمد ، فقد قرأت ترجمته، الإمام أحمد نحيف البدن، فيه سمرة، غائر العينين، عظم وجهه باد من فرط نحافته، وليس بطويل. فقال يمازحني: كم تدفع وأريك الإمام أحمد؟ قلت: أدفع كل ما معي، وأنا في ذلك الوقت لم يكن معي شيء، فقال: الإمام أحمد في الدور الذي فوق، قلت: إذاً من هذا؟ قال: هذا ابن حزم ، قلت: والله هذه فعلاً الصفات التي جاءت في ترجمة ابن حزم ، فصعدت إلى الدور الثاني بصعوبة شديدة جداً، والبيت الذي كنت أسكن فيه كان كبيراً جداً، فكلما نهضت تزحلقت على السلم من كثرة الأحذية، أي: أنها كانت كالجبال في مدخل هذه الشقة وفي مدخل هذا الدور، فعانيت حتى دخلت ورأيت الإمام أحمد وجلست بجواره، والكل يقول: اجلس في مكانك لا تتخطى. قلت: إنما التخطي في صلاة الجمعة واسألوا الإمام، فجلست بجوار الإمام، فتذكرت بعض إخواني الذي كان يسكن معي أنه يريد أن يرى الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن حزم ، فنزلت لإيقاظه فقال لي: أنا تعبان ومشغول. فقلت له: أنت حر. وتركته. وحينما صعدت السلّم وإذا بالناس قد انصرفوا، فقصصت هذه الرؤيا على الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، فقال باللفظ الواحد: هذه بشرى خير، وأنت على الطريق، وإن كنت ستجد صعوبة في أوله، وهذه الصعوبة هي التي أدركتها على السلّم حينما تعثّرت مراراً ثم رأيت الإمام، ولكن الشاهد أن الشيخ الألباني اعتبر أن هذه بشرى خير، وظل يبكي منها ساعات طوال، وقال: يا ليتنا نرى الإمام. قلت: يا شيخ أنت رأيت من هو خير من الإمام، وهو النبي صلى الله عليه وسلم فقد رأيته مراراً. قال: لعل الله يرزقنا رؤية نبيه عليه الصلاة والسلام.

    فهذه البشرى مع فرط التعب وشدة إعياء العمل بالنهار، لو رآها أحدنا في نومه سيكون في بقية عمره في سعادة.

    أما قوله: [ (إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليّ من جبل، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها) ]، يعني: لا أخاف منها.

    شرح حديث: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)

    قال: [وحدثناه قتيبة -وهو ابن سعيد الثقفي- ومحمد بن رمح عن الليث بن سعد محمد بن رمح والليث كلاهما مصريان، ثم يتحول الإسناد قال: [ (ح) وحدثنا محمد بن المثنى -وهو المعروف بـالعنزي أبو موسى الزمن- قال: حدثنا عبد الوهاب] يعني: ابن عبد المجيد الثقفي.

    ثم يتحول الإسناد ليبدأ إسناداً ثالثاً: [ (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ].

    وجميع هذه الأسانيد الثلاثة كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري بهذا الإسناد.

    وفي حديث الثقفي وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد قال أبو سلمة : فإن كنت لأرى الرؤيا، وليس في حديث الليث وابن نمير قول أبي سلمة إلى آخر الحديث.

    وزاد ابن رمح في رواية لهذا الحديث: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) ].

    وهذا العلاج الثالث. فقد أخذنا العلاجين الأولين وهما: أن يتفل عن يساره ثلاثاً، وأن يتعوذ من شرها ثلاثاً، فقد ورد في رواية عدم ذكر العدد، وفي الرواية الأخرى ذكر فيها العدد، فلابد من جمع الروايات والنصوص في القضية الواحدة، فربما تأخذ بنص منسوخ فتأخذ منه حكماً قد نسخ وبطل العمل به منذ زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

    لا بد في كل قضية من جمع أدلتها والنظر في أقوال أهل العلم من سلف الأمة فيها حتى تخرج بنتيجة واحدة، أو بعدة نتائج، وهذه النتائج بمجموعها قد قالها السلف، كأن تكون النصوص حمّالة، فيكون خلاف أهل العلم حينئذ معتبراً لا إنكار فيه.

    جواز اختلاف الفقهاء على آراء يحتملها الدليل

    إذا اختلف السلف في قضية على رأيين أو ثلاثة أو أربعة وكانت هذه الآراء يحتملها الدليل فلا إنكار فيها، إنما الإنكار يكون في المنكر المجمع على أنه منكر.

    أما قضية اختلف فيها السلف على مذهبين كقضية الحجاب والنقاب، أو الكشف والتغطية.. فقد اختلفوا فيها، فلا إنكار في هذا، والأمر كله مداره على تقوى الله عز وجل، وإذا كنت من أهل العلم وطلابه فعليك أن تدرس المسألة دراسة مستوعبة، فالذي يغلب على ظنك وعقلك وقلبك فإنما هو دين الله تعالى في حقك، وغيرك يدرس القضية وينتهي إلى رأي يخالف ما أنت عليه، أيضاً بتقوى الله بعيداً عن الهوى؛ لأن صاحب الهوى آثم، فإذا ذهب أحد طلاب العلم إلى جواز الكشف، بناء على الأدلة التي استعرضها، وذهب الآخر إلى وجوب التغطية، فليس لأحدهما أن يُنكر على الآخر.

    وكذا وضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع. وهذا أمر ثابت بالدليل الصحيح الصريح الذي لا يحتاج إلى تأويل، وليس بلازم، فقد ورد في حديث وائل بن حجر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في صلاته من الركوع حتى يستقر كل عضو في مكانه. فمنهم من قال: يستقر كل عضو في مكانه على أصل خلقته قياماً، فالذي يمشي في الشارع لا يضع يده على صدره، وإنما يمشي ويديه إلى جانبيه.

    ومما يساعد على ذلك: أن هذه المسألة من المسائل العملية التي ترد عشرات المرات في اليوم الواحد، فالواحد يصلي 17 ركعة فرضاً، ومثلها مرتين أو ثلاثاً أو يقل أو يزيد من النوافل، والنوافل والفرائض في الهيئة سواء، ومع ذلك لم يرد إلينا فيها دليل صحيح صريح، وهذه من المسائل التي لو كانت مستقرة عند السلف كان النقل فيها تواتر أو استفاض، وهذا رأي فريق من الناس.

    وكذا الإسبال ليس فيه سنة ثابتة، لكن من فعله فلا حرج عليه، غير أن شيخنا الألباني رحمه الله قال: من فعلها فهو مبتدع. وهذا الحكم فيه مبالغة لا نقره عليها رحمه الله.

    وعلماء الحجاز قالوا: وضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع سنة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل حديث وائل بن حجر. فبالنظر إلى كل هيئة من هيئات الصلاة نجد أن المصلي على حال معين، فهو في حال قيامه قبل الركوع يضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، وفي حال الركوع قابض على الركبتين، وفي حال السجود واضع كفيه على فخذيه مشيراً بسبابة أصابع اليد اليمنى باتجاه القبلة.

    إذاً: كل ركن من أركان الصلاة له كيفية معينة وهيئة معينة، فإذا كنا نريد أن نلحق القيام بعد الركوع بالقيام قبل الركوع، لأنهما قيام واحد، فنستدل بحديث: (حتى يستقر كل عضو في مكانه) أي: داخل الصلاة. لأن الحديث فيه: (إذا قام من ركوعه) أو (إذا اعتدل من ركوعه)، فإنه يرجع على هيئته قبل الركوع، وكانت هيئته قبل الركوع أنه يضع اليمين على الشمال. إذاً: هذا الكلام وجيه، وحكمنا على الرأي الأول الذي يقول: ليس فيه سنة ثابتة بأنه كلام وجيه أيضاً، وهو عبارة عن استنباط واجتهاد، وليس فيه دليل صحيح صريح يحسم القضية، وحينما يعرض كلا الاجتهادين على النص فإنه يحتمل، فإذا كان الدليل يحتمل جميع هذه التأويلات فلا إنكار على من تبنى تأويلاً من هذه التأويلات، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله: إذا شاء وضع اليمين على اليسار بعد الرفع من الركوع، وإذا شاء أسدل. أي أن القضية عنده ليس فيها نص صريح، إنما هو اجتهاد والاجتهاد يحتمل النص.

    إذاً: هذه المسألة ليس فيها سنة ثابتة بحيث أنني لو تركتها أكون قد تركت هيئة كان عليه السلف، أو أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، ولو أني فعلتها لست آثماً.

    والشاهد الذي أريد أن أقوله: أن نربي أنفسنا دائماً على حسن التعامل مع مسائل الخلاف، فالغضب الشديد لا وجه له في الإسلام، ولا وجه له في الشرع، فأنت حينما تقرأ في أدلة الحجاب والنقاب ستجد من يذهب إلى وجوب النقاب وفي المقابل ستجد من ترجح لديه أن الكشف جائز، فلا إنكار عليه، لكنك حين تدخل على القضية وأنت عاقد العزم -قبل أن تقرأ وقبل أن تسمع شيئاً- أن النقاب واجب، وأن تاركة النقاب آثمة، فربما تقول: هي سافرة، وداعرة وغيرها من هذه الألفاظ التي نسمعها ممن لا عقل له، وممن لا يحتمل الخلاف لضيق أفقه بكلام أهل العلم. وقل أن تجد في دين الله عز وجل مسألة مجمع عليها؛ ولذلك فإن كتب الإجماع قليلة جداً، وحجم كل منها صغير؛ وانظر إلى الإجماع لـابن المنذر لا يتعدى المائة ورقة، والإجماع لـابن حزم لا يتعدى المائة ورقة وهكذا؛ بل إن أهل العلم ينكرون على ابن حزم أنه عد مسائل من الإجماع وفيها الخلاف، وكذلك ابن المنذر فقد ادعى الإجماع في مسائل فيها خلاف، وتجد كتب الفقه ضخمة جداً، لوجود الخلاف. إذاً: أنت في هذا الوقت تريد تحملني في كل قضية من القضايا على رأيك أو على مذهب إمامك، وهذا الكلام لا علاقة له بالعلم قط، إنما كل إمام من الأئمة بذل أقصى جهده وبذل وسعه ثم استقر لديه أن دين الله عز وجل في هذه المسألة كذا، لكن يحتمل أن يكون غير هذا، ولذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله يقول: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.

    فمن البلاء العظيم جداً في التربية: أن تعتبر أن ما أنت عليه هو الحق، وأن غيرك على الباطل، ثم إذا كبرت قليلاً وبدأت تقرأ إذا بك تعتقد الرأي الثاني، والذي يتبنى رأيك الأول على الباطل. فمثلاً: أنت تذهب إلى عدم كفر تارك الصلاة، أو أنه كافر كفراً عملياً غير مخرج من الملة، ثم تقول: إن الذي يكفره إنسان مخبول ومجنون وتظل تشتم وتسب في الرأي الآخر، مع أن جمهور أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على التكفير وخروجه من الملة، ثم إذا ذهبت واطلعت في المسألة قلت: جمهور الصحابة على حق، ثم تتبنى المذهب الثاني وهو القول بكفره وإخراجه من الملة، وإذا بالسباب الذي كنت توجهه لما أنت عليه الآن يتوجه لما كنت عليه آنفاً، وهذا باب من أبواب التربية ينبغي أن نتحصن به، ولذلك فنحن دائماً نقول: الحق يؤخذ من كل من أتى به ولو كان كافراً، والباطل يرد على كل من جاء به ولو كان إماماً من أئمة الدين. وهذا الكلام نظري جميل، ولكنه حين يطبق عملياً يكون أجمل وأجمل، لكن في الحقيقة الحب يُعمي ويصم.

    إذاً: السنة أن ينام النائم على جنبه الأيمن، فهو عندما يتحول سينام على جنبه الأيسر؛ مع أن النوم على اليسار مخالف للهدي، صحيح أنه لا إثم عليك إذا نمت على جنبك الأيسر، لكنك فوت على نفسك الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، والاستنان بسنته، وربما فاتك ثواب عظيم.

    قوله: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) أي: ليتحول من مكانه الذي كان يضع فيه جنبه آنفاً.

    أي: أنك إذا كنت نائماً في طرف السرير وزوجتك في الطرف الآخر، اجعلها تنام مكانك وأنت مكانها، فهذا معنى أن تنتقل من مكانك الذي كنت تنام فيه.

    شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان...)

    قال: [(الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره)]. وفي هذه الرواية لم يقل ثلاثاً بخلاف الرواية الأخرى.

    قال: [(وليتعوذ بالله من الشيطان)]. وفي رواية: (فليتعوذ بالله من شرها).

    إذاً: عندنا أربع روايات: (فلينفث عن يساره ثلاثاً)، (وليتحول عن جنبه)، (وليتعوذ بالله من شرها)، (وليتعوذ بالله من الشيطان).

    فالمسلم يتعوذ بالله من شرها، ومن الشيطان، لأنها حلم أو رؤيا سوء، والرؤيا السوء من الشيطان، فينبغي التعوذ منه.

    قال: [(وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره)] أي: إنه إن فعل ذلك فإنها ليست واقعة به، ولا تصيبه بحزن ولا هم ولا غم إذا فعل ذلك.

    الشرط الخامس: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [(فإن رأى رؤيا حسنة فليبشّر ولا يخبر إلا من يحب)]، وفي رواية: (فلينشر) وهذه الرواية فيها تصحيف، وكذلك رواية أخرى: (فليستر)، لكن الصواب في الروايات: (فإن رأى رؤيا حسنة فليبشّر) أي: فليبشر بها الناس، لكن ليس كل الناس وإنما ممن يغلب على ظنك أو توقن أنه يحبك ويحب الخير لك ولا يحسدك، ولا يحصل في قلبه ضغينة ولا كراهية؛ لأن بعض الناس إذا رآك على خير كره ذلك وحسدك.

    إذاً: الرؤيا الحسنة من الله عز وجل، وإذا رأى أحدكم رؤيا حسنة فليبشّر، ولا يبشّر إلا من يحب، فهذان الشرطان في الرؤيا الحسنة.

    شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب...)

    [حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي وأحمد بن عبد الله بن الحكم قالا: حدثنا محمد بن جعفر] وهو المعروف بـغندر ربيب شعبة أي: أنه حينما مات جعفر تزوج شعبة بن الحجاج العتكي البصري أم محمد ، فـمحمد بن جعفر كان من أئمة الحديث بالبصرة، ويكفي أنه ربيب شعبة ، فقد رضع العلم وهو في حجره، ولذلك كان من المكثرين عن شعبة ، وكانت فيه شدة على المحدثين؛ لأنه رضع كراهية التدليس والإرسال من شيخه شعبة الذي كان يقول: لئن أزني أحب إلي من أن أُدلِّس.

    وفي رواية قال: لئن أشرب من بول حمار أحب إلي من أن أدلّس.

    وليس معنى هذا الكلام أن شعبة يدعو إلى الزنا أو إلى شرب أبوال الحمير، ولكن هذا الكلام خرج مخرج الوعيد الشديد والكراهية المتناهية للتدليس.

    عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج] وهو المعروف بـابن جريج الأموي كان مدلساً كبيراً، قلّ أن يخلو مجلس من مجالسه إلا وفيه تدليس، فقدم محمد بن جعفر إلى مكة فجلس في مجلس ابن جريج. والمدلّس لا يقول: حدثنا ولا أخبرنا، وإنما يقول: عن فلان، وقال فلان، كما تقول: قال الشيخ الفلاني: كذا وكذا وكذا.. فأقول لك: هل سمعت منه؟ تقول: لا. ولكن أخبرني به فلان، لكن قولك: قال فلان ليس كذباً صريحاً، وإنما هو تمويه بأنك سمعت، فالمدلس يستخدم مصطلحات توهم السماع ولا يزعم فيها السماع، فإذا قال المدلس قال فلان وعن فلان استوقفناه، فإن لم يصرح بالسماع احتملنا حديثه؛ لأنه ليس كذّاباً، وإنما هو مدلّس فقط، ولذلك حديث المدلّس ضعيف، أما حديث الكذاب فهو موضوع ومكذوب ومفترى، ولا يمكن أن يرقى إلى القبول من أي طريق ولو من مائة طريق، إنما لو أتى الإسناد من مدلس من وجه آخر احتملناه، ولو صرّح المدلّس بالسماع في أحد الوجوه ولم يصرّح بالوجه الآخر احتملناه.

    فكان ابن جريج يقول: قال فلان، وعن فلان، فيقول له محمد بن جعفر : أسمعت منه؟ فيقول: لا. إنما هو من فلان، حتى قال مرة: عن فلان، فقال ابن جعفر بيده: أي: أنه أشار بيده. فقال ابن جريج لـمحمد بن جعفر : يا غندر! وغندر في لغة أهل مكة هو المشاغب، فغلب هذا اللقب على محمد بن جعفر .

    [قال محمد بن جعفر : حدثنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً)].

    إذاً: عندنا ثلاث روايات، وهي: يتفل، ويبصق، وينفث [(وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها)] أي: وليتعوذ بالله مرة من شر الشيطان ومرة من شر هذه الرؤيا حتى لا تتحقق فيه [(ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره)].

    الشاهد عندنا: أن كثيراً من أصاحب النبي صلى الله عليه وسلم رأوا أحلاماً أو رؤيا سوء، فأخبروا بها النبي عليه الصلاة والسلام فعوذّهم وأولها لهم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا أزعجته كما في الحديث الطويل حديث الرؤيا بعد صلاة الغداة، حينما قال: (من رأى منكم البارحة رؤيا؟) ثم قال: (فإنه قد أتاني ملكان فقالا لي: انطلق يا محمد، فانطلقت معهما حتى أتينا على تنور، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، فانطلقت حتى رأيت رجلاً يسبح في نهر من الدماء، ورجل آخر على الشط يلقمه حجراً كلما أراد أن يقترب من الشط) إلى آخره. في التحذير من الربا والزنا.

    فهذه رؤيا مزعجة لكن فيها مصلحة عامة، وتحذير للأمة من الوقوع في مثل هذه المعاصي، أما من كان يرى من أصحابه رؤيا سوء فيخبره بها عليه الصلاة والسلام، فهذا قد أخبر عالماً بها، وأما النهي فهو أن لا يخبر بها أحداً إذا كان لا يعبر الرؤيا، ولا بأس عليه أن يخبر بها من يفسّرها.

    شرح حديث جابر: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها...)

    [ قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث، (ح) وحدثنا ابن رمح -وهو محمد- قال: أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ] أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.

    قال: [ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)].

    إذاً: الاستعاذة من شرها ثلاثاً، ومن الشيطان ثلاثاً، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه، ثم لا يخبر بها أحداً، وأما قبل أن تنام فإنما عليك بأذكار النوم وقراءة القرآن.

    شرح حديث: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب)

    [قال: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا عبد الوهاب -أي: ابن عبد المجيد الثقفي عن أيوب وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري وأبو تميمة اسمه كيسان السختياني البصري لكن غلبت عليه الكنية- عن محمد بن سيرين البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) يعني: تتحقق كفلق الصبح. أما قوله: إذا اقترب الزمان فهو محل خلاف.

    فمنهم من قال: معنى اقتراب الزمان. أي: اقتراب الساعة.

    ومنهم من قال: هو أن يعتدل ليله ونهاره. فمثلاً: في أيام الشتاء الليل أطول من النهار، وفي أيام الصيف يكون النهار أطول من الليل، وهناك أيام يعتدل فيها النهار والليل. بمعنى: أن يكون الليل ثنتي عشرة ساعة، والنهار أيضاً ثنتي ساعة.

    وفي الحقيقة الكلام هذا بعيد، وربما يكون هناك تأويل آخر.

    ومعنى آخر وهو: إذا كاد الفجر أن ينفلق، وانصرم الليل وكاد النهار أن يقبل.

    والرؤى في هذا التوقيت أي قُبيل الفجر أو بعد صلاة الفجر إنما فيها المبشرات كما ذكره أهل العلم في كتبهم.

    فهذا هو التأويل الثالث، والذي يترجّح مما سبق هو: إذا اقتربت الساعة.

    قال: (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) أي: أن أحسنكم رؤيا أحسنكم حديثاً، ولذلك فإن اهتماماتك في اليقظة تظهر عليك في الرؤيا. أي: حينما ننظر في الإمام البخاري فقد كان العلم يجري في دمه حتى ما يترك عرقاً ولا مفصلاً إلا ويجري فيه، ولذلك كان يقول: كنت أستيقظ من النوم في الليلة عشرين مرة، فكان حين ينام يغفو غفوات، ومن قبله كان يفعل ذلك عمر رضي الله عنه، حتى أشفق الصحابة على عمر فقال: إذا نمت بالليل ضيّعت حظي. أي: مع الله عز وجل، وإذا نمت بالنهار ضيّعت الرعية، فكان يغفو غفوات تارة في النهار بالقيلولة، وتارة في شيء يسير جداً في الليل.

    فالإمام البخاري يقول: كنت أستيقظ في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة، فيوقد السراج ويسجل الخاطرة. والخاطرة بمعنى فائدة أو نكتة حديثية أو فقهية أو شيء من هذا، وهذا يدل على أنه لم يكن يهنأ بالنوم.

    فاهتماماتك تظهر عليك بالليل، فالذي يهتم بشرب الخمر -عياذاً بالله- يرى في نومه أنه يشرب الخمر، والذي يهتم بقراءة القرآن وطلب العلم وغير ذلك يرى أنه جالس في مجالس العلم، لأن هذا اهتمامه، ولأن حياته قامت على هذا، والذي يهتم أيضاً بجمع الدنيا يرى أنه يلهث يميناً ويساراً خلف صفقة أو غير ذلك، والذي يهتم بمنظره وجماله فوق ما أمر الشرع يرى ذلك، ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الإرفاء كما في حديث أبي الدرداء وسلمان الفارسي : (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإرفاء). وهو: أن يرجّل الرجل شعره دائماً. طبعاً نحن لا ننهى عن التجمّل، فالله جميل يحب الجمال، وطيب يحب الطيب، لكن لا تكن حياتك كلها أمام المرآة؛ لئلا تصاب بالوساوس.

    وبعض المصلين يصاب بالوسواس في داخل الصلاة، فيتحرك حركة مستمرة، ولذلك الأئمة يقولون: الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، واختلفوا في الكثرة، ومرجعها إلى العُرف، والأصل في المصلي أن يقف بإخبات وذل وخضوع لله! وبعض المصلين في السعودية يكثرون من الحركة في الصلاة ويقولون: هذه حركة قليلة؛ لأن الشعب كله هكذا، فهذا مما عمت به البلوى.

    أما في غير السعودية فإننا نتجرأ على الحكم بإبطال صلاته وأمره بالإعادة، لكن هناك لا نتجرأ؛ لأن العلماء هناك للأسف الشديد يتأسفون لهذا، ولذلك فإن أهل العلم وطلاب العلم لا يفعلون ذلك هناك إلا الجاهل من طلاب العلم بحكم المسألة، إنما أهل العلم ينهون عن ذلك هناك ويتأسفون جداً لما يحدث. ومما يحدث أيضاً ويزيد الطين بلة: هو الالتفات.

    كنت مرة أصلي الجمعة في الحرم والازدحام شديد جداً، وضغطوني حتى انحرفت لكني بقيت أصلي مؤدياً للركوع والسجود، ثم انفلت من الصف، فالذي على شمالي دفعني دفعاً حتى انحرفت يميناً لكني على أي حال ما زلت محاظفاً على التوجه للقبلة، ثم إنني اندفعت رغماً عني فقال لي أحد المصلين: كبّر مرة أخرى يا شيخ، وكنا في الركعة الثانية فاستمريت في صلاتي حتى سلمت مع الإمام، فقال لي ذلك الشخص: أنت الآن يلزمك أن تصلي الظهر مرة أخرى. قلت: يا شيخ أنا اندفعت رغماً عني ولو أن واحداً أخذني بعنقي ولف بي هذا المسجد وأنا كاره لذلك حريص ألا يكون مني ذلك فإن صلاتي صحيحة ولا يلزمني شيء. قال: لا. بل اذهب إلى أهل العلم. قلت: أنت الآن تصدّق أهل العلم؟ قال: طبعاً أهل العلم كيف ننكر عليهم؟ قلت له: تعال! وذهبت إلى الشيخ علي الهندي رحمه الله، فقال لي الشيخ: لا شيء عليك وصلاتك صحيحة. قال: كيف يا شيخ أنت تفتي هذا بذلك؟ قلت: هل تريد أن نذهب إلى شيخ آخر؟ قال: نعم. قلت: أريد أن أختار الخطيب، وهو الشيخ صالح بن حميد فذهبنا إليه وقال: لا شيء عليك. فقال: يا شيخ أنت ابن شيخ الحرم وأنت عالم، فكيف تقول هذا، بل لازم عليه أن يعيد الصلاة. قال: أنت أتيت تفرض عليّ أم تتعلم؟ والله إن صلاته صحيحة، والسلام عليكم ومشى.

    نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإرفاء كما في الحديث السابق، وهذا نهي تنزيه. أي: أنك لو خالفت ذلك فلا حرج عليك، لكن المنهي عنه هو أن تعتني بمظهرك وتترك قلبك يخرب ويفسد وأنت مهتم بشكلك ومنظرك، فلا بد أن يكون الظاهر والباطن سواء بسواء، والنبي صلى الله عليه وسلم كما اهتم بهذا اهتم بذلك، وربى أصحابه على أن يهتموا بالأمرين معاً.

    حدثني رجل كان معنا في الشام من قبل أنه يريد أن يذهب إلى أفغانستان وهو سوري فقلت له: مثلك لا يصلح أن يذهب إلى أفغانستان ولا حتى الأردن؛ لأن حياته كلها أمام المرآة، فالإخوة الذين كانوا معه هناك حينما رجعوا إلى مكة والتقينا بهم في سنة (1983م) أو (1985م) قالوا: هذا الإنسان لا يصلح نهائياً، الذي يريد أن يذهب إلى ساحة القتال لا بد وأن يكون خالياً من أي شغل نهائياً.

    معنى قوله: (ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة...) وذكر أنواع الرؤيا

    قال: [(ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)]. وفي رواية: (رؤيا المؤمن جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة).

    وليس معنى هذا أنك حينما ترى خمساً وأربعين رؤيا أنك نبي! وإنما هي مبشرات، فالنبوة انقطعت بنبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما يبقى لنا المبشرات في الرؤيا الصالحة.

    قال: [(والرؤيا ثلاثة)] أي: ثلاثة أنواع [(فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان)] يعني: الحلم السيئ أو الرؤية السيئة من الشيطان تصيبك بالحزن والهم والغم، [(ورؤيا مما يحدث المرء نفسه)] أي: أنها ليست من المبشرات ولا هي رؤيا سوء من الشيطان، إنما يرى المرء في منامه أنه يلوم نفسه، أو يحدث نفسه بحديث، أو يأمر نفسه بأمر، أو ينهاها عن نهي، أو يوبّخ نفسه أو غير ذلك.

    قال: [(فإن رأى أحدكم ما يكره)] وهو من الشيطان [(فليقم فليصل)] أي: فليصل ركعتين. وهذا الشرط السادس.

    ولا بد من الوضوء فهو عبادة مستقلة عن الصلاة، ومع استقلال الوضوء عن الصلاة إلا أنه شرط في صحة الصلاة، ولا تعلق له بالصلاة، ولذلك فإن الشرع رتّب على الوضوء ثواباً معيناً ورتب على الصلاة ثواباً آخر، فهذا يدل على أن الوضوء عبادة مستقلة.

    ولا تلزمك الصلاة إلا إذا حضر الوقت، لكنك إن صليت العشاء وتوضأت بعدها فلا تلزمك صلاة، ولو كان الوضوء مع الصلاة عبادة واحدة فلا يصح منك الوضوء إلا إذا صليت، لكن هذا لا يلزمك ولست مكلفاً به.

    قال: [(فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس)] أي: بالرؤيا، أو الصلاة، ففي اللغة العربية أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وأقرب مذكور في النص هو الصلاة، والمعنى: ولا يحدث بهذه الصلاة الناس. أي: أنه يصلي صلاة سرية، فيقوم يصلي ركعتين لله عز وجل بإخلاص وتوجه لله، وهذا الكلام مقبول، وهذا النص يحتمله.

    والقول الثاني: الرؤيا أي: ولا يحدث بهذه الرؤيا السوء الناس، حتى لا تضره.

    وحمل الإطلاق هنا على ما جاء مقيداً في الروايات السابقة، وهذا الكلام وجيه.

    والرأي الأول وهو: ولا يحدث بالصلاة الناس. هذا الرأي لم أقرأه لأحد وإنما هذا أخرجته من عند نفسي، فإن شئت أن تأخذه لنفسك فلك ذلك وإلا فأنا أقول النص يحتمله وإن لم أطّلع عليه لأحد من الناس، والذي يترجّح لدي هو مذهب العلماء، وهو أن الضمير يعود على الرؤيا.

    معنى قوله: (وأحب القيد وأكره الغل)

    قال: [(وأحب القيد وأكره الغُل، والقيد ثبات في الدين)].

    إما أن يكون هذا الكلام مرفوعاً وإما أن يكون موقوفاً. أي: أن هذه الرواية مدرجة، وقد يكون هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. والمسألة محل نزاع، والراجح أنه كلامه عليه الصلاة والسلام.

    والقيد دائماً يكون في القدم، والغُل يكون إما في اليد وإما في العُنق، وفي الغالب يكون بربط اليد في العنق، قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:29] يعني: مربوطة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يحب القيد، يحب أن يرى رؤيا أنه مُقيد من قدمه؛ لأن القيد ثبات في الدين.

    أي أنك إذا كنت في مجلس علم وأردت لتقوم تجد نفسك مربوطاً، تريد أن تنصرف من مجلس العلم لكن الله تعالى أراد بك أن تثبت في طريق الطلب، ورأيت في نومك أنك مقيد من قدمك في مكان مجلس العلم، أو مجلس الذكر، أو مجلس يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، بخلاف الغُل، فإنه يدل على البخل والشح وغير ذلك، ولذلك اليهود عليهم لعنة الله سبوا الله تبارك وتعالى فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64].

    [قال: فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين].

    شرح حديث: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)

    [وحدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب بهذا الإسناد، وقال في الحديث: قال أبو هريرة: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)].

    ورد أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وورد أنها جزء من خمسة وأربعين، وورد أنها جزء من سبعين من رواية عبد الله بن عمر، وغير ذلك.

    قال القاضي عياض: (أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءاً من ستة وأربعين جزءاً، والفاسق جزءاً من سبعين جزءاً على اختلاف درجة إيمان الرائي).

    1.   

    باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام

    (باب: لا يخبر بتلعّب الشيطان به في المنام).

    أي: إذا رأى أحدنا شيئاً يكرهه فإنما هو من الشيطان، فلا يخبر أحداً به؛ لأن هذا من إخبار الغير بتلعّب الشيطان.

    [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث وحدثنا ابن رمح أخبرنا ليث عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأعرابي جاءه فقال: (إني حلمت أن رأسي قُطع فأنا أتّبعه)] أي أنني رأيت في الرؤيا أن رأسي قُطع وأنا أجري خلفه أتبعه. [(فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام)] أي: أن هذا من الشيطان فلا تخبرن به أحداً.

    وفي رواية أبي سفيان عن جابر قال: [(جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضُرب فتدحرج، فاشتددت على أثره)] أي: وأنا أعدو خلفه أطلبه. [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعّب الشيطان بك في منامك)].

    لكن لا بأس أن يحدث العالم كما حدث النبي صلى الله عليه وسلم. [وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بعد يخطب فقال: (لا يحدثن أحدكم بتلعّب الشيطان به في منامه).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا: حدثنا وكيع -أي ابن الجراح العتكي الكوفي- عن الأعمش وهو سليمان بن مهران الكوفي عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قُطع. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس). وفي رواية أبي بكر: (إذا لُعب بأحدكم ولم يذكر الشيطان)]، قوله: (إذا لُعب) مبني للمجهول، وفاعله مسمى في الحديث الآخر وهو الشيطان. يعني: إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدث به الناس.

    يقول الإمام النووي: (قال المازري: يُحتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام علم أن منامه هذا من أضغاث الأحلام -وهي التخاريف- بوحي أو بدلالة من المنام دلّته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحزين الشيطان. وأما العابرون الذين يعبرون ويفسّرون الرؤى والأحلام فيتكلمون في كتبهم على قطع الرأس ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم). ففي تفسير الأحلام مثلاً لـابن سيرين يفسر قطع الرأس بمعنى أنه يزول عنك النعيم الذي أنت فيه.