إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. حسن أبو الأشبال الزهيري
  5. سلسلة شرح صحيح مسلم
  6. كتاب الجهاد والسير
  7. شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين لنا الدين أن الأصل في الدماء الحرمة، ولكنه أجاز لنا قتال من نقض العهد، وإنزال أهل الحصن على حُكم حاكم عدل أهل للحكم، وقد نزل بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد حكمهم إلى سعد بن معاذ، الذي حكم فيهم بحكم الله عز وجل.

    1.   

    باب جواز قتال من نقض العهد

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد، فمع الباب الثاني والعشرون: (باب: جواز قتال من نقض العهد).

    وأنتم تعلمون أن من كان في عهد أو ذمة أو ميثاق يحرم قتله، قال عليه الصلاة والسلام: (من قتل ذمياً فليس مني). وفي رواية: (فليس منا). وقال عليه الصلاة والسلام: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة). فالدماء الأصل فيها المنع والحرمة، فالإنسان ذاته يحرم عليه أن يقتل نفسه، وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فهو يتردى من جبل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ولا يصح من المسلم أن يقول: أنا حر فيقتل نفسه، إنما هو عبد لله تعالى، لا يصدر إلا عن أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام.

    هذا شأن الإنسان مع نفسه، وشأنه كذلك مع أهل العهد والذمة، ثم شأنه مع عامة الدماء، الحرمة الأكيدة؛ ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من قتل مؤمن بغير حق).

    والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدّل دينه فاقتلوه) أي: من بدّل دين الإسلام وارتد عنه فحكمه القتل، أما غير ذلك فلا، تحت هذا التبويب فنقول: لا يجوز قتال أهل العهد والذمة والميثاق من غير المسلمين. لكن لو نقضوا العهد هل يجوز قتالهم؟ الجواب: نعم. يجوز قتالهم؛ لأنهم نقضوا العهد، ولا يحل للمسلم أن يبدأ هو بنقض العهد؛ لأن الأصل في المسلمين الالتزام بالمواثيق والعهود.

    قال: (وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم).

    انظر إلى الألفاظ: (على حكم حاكم عدل أهل للحكم). يعني: أن يكون من أهل الاجتهاد، فلا آتي برجل من الشارع لا علاقة له بالشرع ولا بالدين ولا يعرف شيئاً وأقول له: احكم بيننا. فإنه ما أضاع الدين إلا هذه المجالس العرفية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، فالمجلس الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله لا شك أن حكمه مقدّم على أحكام القوانين الوضعية كلها، أما إذا حكم بالهوى والرأي فحكمه وحكم المحكمة سواء؛ لأن كلاهما حكم بغير ما أنزل الله.

    أما إذا كان القاضي أو العمدة أو المُحكّم في قرية أو في مدينة أو في حي من الأحياء يحكم في هذه المجالس التي تسمى بالمجالس العرفية، فلا بأس بهذا القضاء إذا كان يستند إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في الغالب أن هذه المجالس إنما تعتمد على الاجتهادات الشخصية والآراء الفرعية التي لا علاقة لها بدين الله تعالى.

    فمن صفة الحاكم: أن يكون إنساناً عدلاً، والعدل في اصطلاح العلماء عموماً: هو من كان له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. وأنتم تعلمون أن الفسق يخرم العدالة، فالحاكم العدل يكون ملازماً للتقوى والمروءة ويتعفف عن المباح؛ لأن هذا المباح يستهجنه العرف في حق ذوي الهيئات. فأنت من الممكن أن تأكل وتشرب في الشارع، لكن حينما يكون شيخاً كبيراً أو رئيس مجلس إدارة شركة ويمسك (سندويتش) ويأكل في الشارع فإن الناس يستغربون منه إذا رأوه يأكل في الشارع، فهو يتعفف عن هذا مع أنه مباح. تصور أن شيخاً محترماً يشرب سيجارة -وهي محرمة- ويمشي في الشارع ويقابل آخر يشرب السيجارة، فالسيجارة من الملتحي أشد نكارة، والذي يُنكر عليه هو الحليق الذي يشرب الدخان فيقول له: يا شيخ! عيب عليك.

    فعامة الناس يقسّمون الناس أقساماً، ويجعلون لكل قسم هيئته وحشمته، فلا ينبغي للإنسان أن يتنازل عن ذلك. فلابد أن يكون الحاكم عدلاً أهلاً للحكم. أي: مجتهداً. أي: أنه حصّل أدوات الاجتهاد وأذن له الشرع أن يجتهد في إنزال الأحكام الشرعية منازلها الطبيعية.

    شرح حديث نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار] ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلاهما فرسا رهان في السن والعلم والتقوى والعبادة، فإذا قرأت ترجمة أحدهما فكأنما تقرأ ترجمة الاثنين إلا أنهما يختلفان في الاسم.

    قال: [وألفاظهم متقاربة. قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا غندر عن شعبة]، وغندر لقب له بمعنى : مشاغب في لغة الحجازيين، فـمحمد بن جعفر البصري كان يشغب على ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي ، فكان ابن جريج يقول له: اسكت يا غندر! فلقّب بـغندر واشتهر بهذا اللقب.

    [وقال الآخران: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم المدني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان المدني - قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ].

    وهم يهود؛ لأن يهود المدينة كانوا ثلاث قبائل: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ)] ومعنى نزل. أي: قبلوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ ، وسعد بن معاذ سيد الأوس.

    قال: [(فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار)] وفي هذا: جواز ركوب الحمار، وهذا أمر يعرفه القاصي والداني، حتى أجهل الجهال يركبون الحمير بغير حرج ولا نكير، وكان للنبي عليه الصلاة والسلام حمار يسمى (يعفور) فكان يركبه ويردف خلفه بعض أصحابه، كما أردف معاذ بن جبل وأردف أسامة بن زيد وأردف الحسن والحسين. والإرداف: أن يأخذ المرء آخر خلفه لا أمامه، فالإرداف دائماً يكون في الخلف.

    والحمار لا يؤكل لحمه. لكن هب أن هذا الحمار عرق، فأصاب ثوبك بعرقه، فهل يتنجّس الثوب؟ الجواب: لا يتنجّس مع أنه غير مأكول اللحم، فعرقه لا يضر. وذهب بعض أهل العلم إلى أن عرق ما لا يؤكل لحمه ينجّس. ومذهب جماهير العلماء: أن عرق غير مأكول اللحم لا ينجّس. وهو الصواب.

    والنبي عليه الصلاة والسلام ركب الحمار من عرفات وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال أسامة بن زيد : (يا رسول الله! الصلاة. قال: الصلاة أمامك) أي: في مزدلفة، ونزل من على حماره فصلى المغرب والعشاء.

    قال: [(فلما دنا قريباً من المسجد)] أي: سعد بن معاذ لما اقترب من المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في بني قريظة، وبنو قريظة كانوا في عوالي المدينة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان فيهم حين طلب سعد بن معاذ ليحكم فيهم، فقوله: (فلما دنا سعد من المسجد) المسجد عند الإطلاق يعني: المسجد النبوي، ولكن بعض أهل العلم حكوا أن لفظ: (من المسجد) وهم من الراوي، فذكره تصحيفاً أو باجتهاد منه، أو روى ذلك رواية بالمعنى؛ لأن سعداً كان في المسجد حينما أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم من عوالي المدينة وهو في بني قريظة.

    والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص مكاناً في بني قريظة ليصلي فيه، فأسماه الراوي مسجداً؛ لأن المسجد في اللغة: هو كل أرض يُسجد عليها، والنبي صلى الله عليه وسلم اختص مسجداً طيلة مدة بقائه في بني قريظة حتى يصلي فيه، وأعلم أصحابه أنه إذا حان وقت الصلاة اجتمعوا في هذا المكان، فسماه الراوي: مسجداً.

    قال: [(فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم، أو قال: قوموا إلى خيركم).

    وفي هذا استحباب القيام لأهل الفضل ومن يشار إليهم بالبنان، ولا حرج في ذلك، وكثير من الناس يتحرّج من ذلك ويفهم القضية على غير وجهها، خاصة بعض طلاب العلم المبتدئين الذين علموا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل على أصحابه فقاموا إليه فقال: (لا تفعلوا كما تفعل الأعاجم بملوكها) أي: لا تقوموا لي كما كانت الأعاجم تقوم لملوكها، فحملوا هذا النهي على عمومه المطلق، وقالوا: لا يجوز القيام لأحد قط مهما بلغ قدره وعلت منزلته. وهذا فهم خاطئ؛ لأنه إذا أردت أن تخرج بحكم واحد من قضية اختلفت فيها ظواهر الروايات؛ فينبغي أن تجمع الروايات كلها في الباب الواحد، ثم تؤلّف بينها لتخرج بحكم موافق للصواب، وإلا فلا يحل لك أن تنظر في دليل واحد ثم تخرج بحكم، وتعتقد به مدة من الزمان وتعمل به، ثم تفاجأ بنص آخر يهدم هذا المعتقد، ويهدم هذا العمل الذي عملته منذ كذا وكذا، ولذلك عمل بعض السلف بروايات ولم يطّلعوا على ما يناقض هذه الروايات، فلما علموا هذه الروايات المناقضة تأثروا أيما تأثر بذلك، وبدا عليهم الهم، فقال أحد الطلبة: يا شيخ! لا تبتئس ولا تحزن فكله خير. قال: والله ما فيه خير قط، ربما وقع بصرك على نص منسوخ فعملت بالمنسوخ بقية حياتك، فما قيمة العمل بالمنسوخ حينئذ إلا الجهد والشقاء والتعاسة، ومخالفة الوحي المأمور بالعمل به بقية عمرك؟ ما قيمته حينئذ؟

    وحينما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر وقدم جعفر قام إليه وقبّله بين عينيه، وقال: (لا أدري بأيهما أُسر: بقدوم جعفر أم بفتح خيبر) فهذا نص في جواز القيام لمن أتى من سفر أو لمن يدخل أو أصحاب الوجاهة، بل وتقبيلهم في جبائنهم: وهي جمع جبين.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقوموا كما كانت تقوم الأعاجم لملوكها) وهذا نهي عن القيام؛ لأن الأعاجم كانت تقوم عند ملوكها وملوكها جلوس لا يقومون، وهؤلاء الذين يقومون لا يجلسون حتى ينصرف الملوك، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا القيام؛ لأن فيه الذل والصغار والهوان، فهذا هو القيام المنهي عنه، أما القيام لرجل من أهل العلم ولأهل الفضل وللمجاهدين، وللجوّادين المنفقين في سبيل الله وأصحاب المكانات السامية والأقدام الراسخة في العلم والعمل والزهد والعبادة، فلا بأس بذلك، وهو من دين الله عز وجل، وهو من حسن الأدب مع الكبار.

    ولذلك قال النووي: (لم يصح في النهي عنه شيء صريح -أي: في النهي عن القيام لأهل الفضل- وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيه عما توهم النهي عنه) أي: جمعت كراساً فيه بعض الأدلة وشروح أقوال أهل العمل في هذا الباب.

    فالشاهد هنا أنه قال: (قوموا إلى سيدكم) أي: إلى سعد بن معاذ حين قدم من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام إلى بني قريظة، والنبي صلى الله عليه وسلم معه المهاجرون ومعه الأنصار، فقال: (قوموا إلى سيدكم) أي: فاستقبلوه، ففي هذا استحباب القيام للداخل من ذوي الفضل والوجاهة، لكن هل هذا الأمر: (قوموا) موجه للأنصار والمهاجرين أم أنه موجه للأنصار فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قوموا إلى سيدكم)؟ المعلوم أن السيد هو الشريف، وهو من أشراف الأوس وسيد من ساداتهم، فقول النبي صلى الله عليه وسلم موجه للأنصار، وقد يكون موجهاً إلى المهاجرين كذلك على خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: يشمل المهاجرين، ومنهم من قال: النص صريح في أنه موجّه إلى الأنصار فحسب. [(ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام -أي: لـسعد بن معاذ - إن هؤلاء نزلوا على حكمك)] أي: رضوا بحكمك يا سعد ! [(قال سعد : تقتل مقاتلتهم)] أي: من اشترك في القتال قُتل سواء كان رجلاً كبيراً أو شيخاً هرماً، أو شاباً محارباً، أو حتى امرأة ما دامت أنها اشتركت في القتال تُقتل، وأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء وقتل الصبيان والأطفال والغلمان، ونهى عن قتل الخدم والرعاة الذين ساقهم العدو لرعاية الخيل والإبل وغير ذلك، فتُحقن دماؤهم عن القتل إذا لم يُقاتلوا، فإن قاتلوا قُتلوا، وإنما رفع الإسلام عنهم القتل؛ لأن الأصل فيهم أنهم لا يُقاتلون، فإذا اشتركوا في القتال ولو بالرأي قتلوا. أي: لو ساق جيش العدو شيخاً كبيراً صاحب رأي وحصافة وخطط عسكرية؛ ليدل جيش العدو على كيفية القتال مع المسلمين، فهذا الشيخ يُبدأ به في القتال.

    قال: [(تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم)] أي: تؤسر ويكون من السبي: النساء والصبيان؛ لأن الذرية تُطلق على النساء والصبيان.

    قال: [(فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله)] أي: قضاؤك يا سعد ! وافق حكم الله عز وجل: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ [الأنفال:67].

    قال: (وربما قال: قضيت بحكم الملك) والملِك بكسر اللام، وقيل بالفتح أي: (قضيت بحكم الملَك) فالرواية التي تقول: (قضيت بحكم الملِك) لا إشكال فيها، لأن الملِك هو الله عز وجل، وقد ظهر هذا جلياً صريحاً في قوله في الرواية الأولى: (قضيت فيهم بحكم الله) فالله تعالى هو الملك. أما الرواية التي تقول: (قضيت بحكم الملَك) إن صحت فإنما تعني: قضيت بحكم جبريل عليه السلام الذي نزل به من عند الله.

    [ولم يذكر ابن المثنى : (وربما قال:قضيت بحكم الملِك).

    وحدثنا زهير بن حرب -أبو خيثمة النسائي البغدادي، وهو من (نسا) قرية بين العراق وإيران، نزل بغداد واستقر بها- قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي -الإمام الكبير البغدادي- عن شعبة -وهو ابن الحجاج العتكي البصري إمام الجرح والتعديل في زمانه في البصرة- بهذا الإسناد، وقال في حديثه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله)، وقال مرة: (لقد حكمت بحكم الملِك)].

    شرح حديث مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب وأمره بقتال بني قريظة

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمداني كلاهما عن ابن نمير] وابن نمير هو عبد الله وليس محمد بن عبد الله؛ لأن ابن نمير يُطلق على الوالد وعلى الولد، فالوالد عبد الله بن نمير والولد هو محمد بن عبد الله بن نمير وكلاهما يقال له: ابن نمير، فإذا كان في طبقة شيوخ مسلم فهو الولد محمد ، وإذا كان في طبقة شيوخ شيوخ مسلم فهو الوالد عبد الله .

    [قال ابن العلاء -أي: محمد بن العلاء الهمداني : حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه، وهو هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه -أي: عن عروة بن الزبير - عن عائشةعروة بن الزبير عائشة بالنسبة له خالته.

    قال: [عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أصيب سعد يوم الخندق -أي: سعد بن معاذ الأوسي يوم الخندق- رماه رجل من قريش يقال له: ابن العرقة) .

    حِبّان بكسر الحاء رجل من قريش ابن امرأة يقال لها: العرقة. والعرقة: هي المرأة الطيبة الرائحة، فكانت هذه المرأة تُكثر من الطيب، ولذلك لُقّبت بالعرقة. وفي هذا: جواز أن يُنسب الرجل إلى أمه، وقد استقر في أذهان العامة أن الناس يُنادون بأسماء أمهاتهم يوم القيامة، وهو ليس كذلك. والصواب: أن الرجل ينادى باسمه واسم أبيه.

    أما جواز أن يُنسب الرجل إلى أمه، أو أن يُنادى ويُعرف بأمه، فهذا أمر يعرفه القاصي والداني، فـابن علية من المحدثين الكبار، وممن روى له البخاري ومسلم ، وعليّة أمه، ولم ير المحدثون حرجاً في أن ينادوه ويسمونها فيقولون: حدثنا ابن عُليّة وأخبرنا ابن عُليّة ؛ وذلك لأن نسبته إلى أمه صارت علماً عليه، فهم يقولون: حدثنا ابن عُليّة من باب التمييز له عن غيره ممن تسمى باسمه في نفس الطبقة؛ لأنهم لو قالوا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم فهناك في نفس الطبقة إسماعيل بن إبراهيم، فيقولون: ابن عُليّة تمييزاً، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الضبي .

    وكان إسماعيل هذا يقول: من قال عني: ابن عُليّة لا أُجيزه على الصراط. أي: أنه كان يكره ذلك، لكن كان العلماء يقولون: ابن عُليّة مع هذا التحذير الشديد، وليس من باب التعيير ولا التنابز بالألقاب، ولكن من باب التمييز له عن غيره، ومن باب النصيحة في الدين، فكانوا يفعلون ذلك.

    أما الشافعي فكان يهرب من هذا وذاك ويقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال عنه: ابن عُليّة ، أي: أنه لا يلقبه هو وإنما كان يسمع الناس يقولون عنه ذلك.

    [قالت عائشة : (أُصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له: ابن العرقة، رماه في الأكحل -أي: أصابه في أكحل اليد، وهو العرق المتشعّب في اليد- فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب)] أي: أنه حينما أُصيب سعد في غزوة الخندق. أقام النبي صلى الله عليه وسلم خيمة له في مسجده حتى يتسنى للنبي صلى الله عليه وسلم زيارته بين الحين والحين، ويكون قريباً منه، وأنتم تعلمون أن بيوت النبي كانت في مسجده عليه الصلاة والسلام، فكان يسهل عليه أن يزور الجرحى، وعلى رأس الجرحى سعد بن معاذ. وفي هذا رسالة جديدة للمسجد وهو تطبيب المرضى ومداواة الجرحى، وغير ذلك مما هو أساس في رسالة المسجد في مجتمع الإسلام، فالمسجد ليس للصلاة فحسب، بل الصلاة هي أعظم نُسك يؤدى في المسجد ولأجلها بنيت المساجد، لكن كان الحبشة يلعبون في المسجد، والنبي ينظر إليهم عليه الصلاة والسلام، وعائشة تنظر إليهم وإلى لعبهم بغير نكير من الصحابة، ولا يحل لأحد أن يُنكر مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    ورسالات المسجد قد صُنّفت فيها رسائل كثيرة، وأعظمها رسالة الشيخ جمال الدين القاسمي في مجلد كبير ذكر فيه رسالة المسجد في الإسلام، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع.

    قال: [(فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح)]؛ وذلك لأن الحرب وضعت أوزارها وانتهت، فكل إنسان معه سلاح وهو راجع من الغزو من الطبيعي جداً أن يضع السلاح ويخلع لأمته ويغتسل، ويلبس ملابس أخرى.

    قال: [(فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح فاغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟) والتقدير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم.

    قال جبريل: [(والله ما وضعناه)] أي: أننا نحن الملائكة لم نضع السلاح، فكيف تضع أنت يا محمد! السلاح؟

    وفي هذا دليل ظاهر على أن الله تعالى كان يؤيد النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه بالملائكة، وأعظم وأشرف ملك هو جبريل عليه السلام صاحب الوحي.

    فقال: أنت يا محمد! وضعت السلاح؟ والله نحن في السماء ما وضعناه، ولا تزال الحرب قائمة ودائرة.

    قال: [(فقال له: اخرج إليهم)] هكذا لفظ عام؛ ولذلك سأل النبي عليه الصلاة والسلام جبريل: [(فأين؟)] أي: من هم هؤلاء الذين أخرج إليهم؟ قال: [(فأشار إلى بني قريظة)] أي: على مشارف المدينة اخرج إليهم.

    قال: [(فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم)] فلما دار القتال بين جيش الإيمان وجيش اليهود طلب أن يحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد)] وذلك حينما قالوا له: نحن نرضى بأن تحكم فينا، وانظر إلى اليهود! يرضون بحكم رسول الله عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الذين يقولون: لو طُبّقت الشريعة لكان أول الهلكى هم النصارى، فالإسلام يحفظ حق اليهود، وحق النصارى أكثر من حفظ اليهود لحقوقهم، وذلك إذا التزموا بعهودهم ومواثيقهم، أما إذا نقضوا العهد فللنبي صلى الله عليه وسلم ولولي الأمر من بعده إلى قيام الساعة أن يقاتلهم وأن يقتلهم، وأن يسبي نساءهم وذراريهم.

    ولذلك فهم حينما عقدوا النية وبيّتوها ألا يلتزموا بعهد ولا ميثاق خافوا على أنفسهم من حكم الإسلام ومن تحكيم الشريعة الغراء فيهم وفي دمائهم ونسائهم، فكل يقف جبهة صد أمام المطالبة بتحكيم شرع الله عز وجل؛ لأن الكل إما حرامي يسرق وهو يعلم أن الإسلام سيقطع يده، وإما زان يريد أن ينطلق في شهواته، وإما شارب خمر وإما وإما وإما، فأصحاب المعاصي ليس من مصلحتهم تطبيق الشريعة؛ لأنها أول ما تُطبّق تُطبّق عليهم؛ ولذلك هم يمقتونها ويبغضونها، ولا يريدون لها أن ترى النور يوماً ما، أما أهل الإيمان كالصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من سلف الأمة إلى يومنا هذا فإنهم يتمنون أن تُطبّق الشريعة ولو يوماً واحداً ثم يموتون، المهم أنهم يعيشون تحت حكم الإسلام ولو ليوم واحد، وهي إن شاء الله تعالى مطبّقة وقادمة رغم أنوف الحاقدين.

    أقول: لما نزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم هو حتى لا يُقال: هذا حكم خصم. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ سيد الأوس، وكانت الأوس حليفة لبني قريظة، وكان بنو قريظة حلفاء للأوس.

    قال: [(فقال: فإني أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة -الذين يُقاتلون يُقتلون- وأن تسبى الذرية والنساء، وتقسم أموالهم)] أي: تقسّم أموالهم غنائم على المجاهدين.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل).

    أي: أن هذا هو الحكم الذي كان سينطق به النبي عليه الصلاة والسلام، ولو أنه حكم أولاً لقالوا: خصم وحكم؟! كيف يحكم خصم في قضية؟ هذا لا يجوز، وإذا حكم لا يُقبل حكمه، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وهو أحد الحلفاء، كما أن الخزرج كانوا حلفاء لبني قينقاع، فكذلك الأوس كانوا حلفاء لبني قريظة، فحكم فيهم سعد بحكم الله.

    استجابة الله لدعاء سعد واستشهاده بسبب الجرح الذي أصابه

    قال: [حدثنا أبو كريب -محمد بن العلاء الهمداني- حدثنا ابن نمير عن هشام أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها: أن سعداً قال وتحجّر كلمه للبرء ] تحجّر. أي: يبس وتماثل جرحه للشفاء.

    والكلم: هو الجرح. رجل مكلوم. أي: مجروح أو مصاب، كالإنسان الذي عضّه الكلب، فأثر العض يسمى كلِب، ولذلك فالعيادات التي خُصصت لمعالجة عضات الكلاب والحيوانات تسمى عيادات (الكلِب) .

    والكلم: هو الجُرح. ومن الأخطاء اللغوية أن تقول: جرح؛ لأن الجرح ضد التعديل. فلما أقول: فلان هذا فاسق، فلان ضعيف، فلان ثقة أو لا بأس به، أو فلان كذّاب، فهذا يسمى جَرحاً، فأنا أجرح فلاناً، أي: أذكر فيه قولاً شديداً سيئاً؛ لأنه يناسب حالته ويناسب عدالته. ولما أقول: حافظ، إمام، ثقة، أمير المؤمنين، فهذا يسمى تعديلاً. أي: أني أقول فيه قولاً عدلاً.

    قال: [وتحجّر كلمه للبرء]، والبرء هو: الشفاء، أي: تماثل جرح سعد بن معاذ للشفاء.

    قال: [(فقال -أي: سعد بن معاذ - اللهم إنك تعلم أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه)].

    أي: أنه يقول: يا رب! إنك لتعلم مني ومن سريرتي أنه ليس هناك عمل أحب إليّ من أن أُقاتل قوماً كذّبوا نبيك وأخرجوه من بلده.

    ثم قال: [(اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها)] أي: فأيقظها مرة أخرى وأحيها ليكون شيهداً.

    قال: [(فانفجرت من لبّته)].

    اللبّة هي: النحر. وفي رواية: (فانفجرت من ليلته).

    قال القاضي عياض : وهو الصواب.

    أي: بمجرد أن دعا سعد بن معاذ انفجرت.

    قال: [(فانفجرت من لبّته فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم)] أي: دم سعد بن معاذ يسيل إليهم في الخيمة التي ضُربت في المسجد، فكان الدم يسيل منه وينهمر انهماراً ربما أفزع كل من رأى الدم من لبّته، هذا هو الأصل الذي ذكره الحافظ في الفتح.

    فانفجر الدم أي: سال الدم.

    قوله: (من لبّته) أي: من صفحة عنقه، كأنه أُصيب في عنقه رضي الله عنه وكانت له خيمة في المسجد.

    قال: [(فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قِبلِكم؟ فإذا سعد جرحه يغذ دماً)] يغذّ يعني: يسيل سيلاناً عظيماً، فمات منها رضي الله عنه.

    وفي هذا أن الله تعالى استجاب له وجعل حتفه فيها؛ لأنه قال: فافجرها واجعل موتي فيها.

    فإن قيل: ألا يتعارض دعاء سعد مع: (لا يتمنين أحدكم الموت)؟

    الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)، فيدعو الإنسان على نفسه فيقول: يا رب! أهلكني، يا رب! خذني، يا رب! أمتني.. ونحن نسمع الجُهّال يقولون هذا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت لمجرد نزول الضر والبأس بالعبد، لكن سعد بن معاذ تمنى الموت شهيداً، وأنتم تعلمون ما للشهيد من مناقب وفضائل، فهو تمنى الموت بعد بذل الجهد في الجهاد؛ ليموت ويلقى الله تعالى شهيداً.

    وأنت نفسك الآن تتمنى لو أن الحرب تقوم في بلد من البلدان فتشارك فيها فتُقتل فتكون شهيداً، فهذا تمنٍ للموت، لكنه تمنٍ للموت في ساحة الوغى، في ساحة الجهاد والقتال، ولا بأس بتمني الموت هاهنا، أما تمني الموت المنهي عنه هو أن يتمنى المرء الموت لضر نزل به ولألم أو هم، فيقول: يا رب! لم يبق إلا الموت فأنا أريد أن أموت الآن.

    وقوله: (فافجرها) فيه رأيان، والرأي الذي رجّحه الحافظ في الفتح: أي: فافجر الحرب بيننا وبينهم مرة أخرى حتى أشارك فيها وأموت. أما النووي فقد رجّح أنه طلب أن يفجّر الله الجرح مرة أخرى بعد أن كان جفّ، فسال الدم من هذا الجرح -إما من الأكحل وإما من اللبة: صفحة العنق- حتى مات منها.

    شرح حديث عائشة في موت سعد بن معاذ

    [وحدثنا علي بن الحسين بن سليمان الكوفي قال: حدثنا عبدة -وهو عبدة بن سليمان - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة غير أنه قال: (فانفجر من ليلته -أي: فانفجر الجرح من ليلته- فما زال يسيل حتى مات). وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر:

    ألا يا سعد سعد بني معاذ فما فعلت قريظة والنضير

    وفي رواية: لما فعلت قريظة والنضير.

    قال:

    لعمرك إن سعد بني معاذ غداة تحملوا لهو الصبور]

    أي: أنه كان صبوراً جداً في القتال.

    قال:

    [تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور]

    وهذا موطن الشاهد، فهذا الشاعر يلوم ويعاتب سعد بن معاذ، فأنت يا سعد من حلفائنا تحكم فينا بقتل المقاتلة وسبي الذراري والنساء؟ أي: أنك لم تفعل ما فعله عبد الله بن أُبي ابن سلول مع بني قينقاع، الذي ذهب ليشفع لهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قبِل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة عبد الله بن أُبي ابن سلول في بني قينقاع وعفا عنهم، وكان حليفاً لهم، أما أنت يا سعد ! فلم تفعل معنا ونحن حلفاؤك كما فعل ابن سلول مع حلفائه من بني قينقاع، فقدرهم يغلي أي: بيوتهم عامرة بهم أحياء يمارسون حرياتهم، أما أنت فقد حكمت علينا بالقتل والسبي، وتركت قدورنا فارغة، فعبّر عن الخيام عن البيوت وأحياء بني قريظة بالقدور.

    قال:

    [تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور

    وقد قال الكريم أبو حباب أقيموا قينقاع ولا تسيروا]

    و أبو حباب هي كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، وكأنه يقول: التزموا أماكنكم ولا تسيروا.

    قال:

    [وقد كانوا ببلدتهم ثقالاً كما ثقلت بميطان الصخور]

    قال الإمام النووي: (وإنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفاءه، ويلومه على حكمه فيهم، ويذكّره بفعل عبد الله بن أُبي ، ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع).

    1.   

    باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين

    الباب الثالث والعشرون: (باب المبادرة بالغزو -المبادرة: المسارعة- وتقديم أهم الأمرين المتعارضين).

    أي: لو كان عندي أمران متعارضان أُقدّم أهم الأمرين، ولذلك يقول العلماء: ليس بفقيه من فرّق بين الخير والشر، إنما الفقيه من عرف شر الشرين وخير الخيرين.

    أما معرفة الخير من الشر فهو أمر معلوم لكل إنسان، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الحلال بيّن والحرام بيّن) أي بيّن لكل الناس، من مِن الناس لا يعرف أن الزنا حرام، وأن القتل حرام، وشرب الخمر حرام، والسرقة حرام؟ كل الناس يعرفون ذلك، وكل الناس يعرفون أن الله أوجب الصلاة والصيام والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه بيّن قال: (وبينهما -أي: بين الحلال والحرام- أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس) ومفهوم المخالفة أنه: يعلمهن قليل من الناس، وهم الذين قال الله عنهم: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] أي: أهل العلم.

    شرح حديث ابن عمر في خروج المسلمين إلى بني قريظة

    قال: [وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي قال: حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: (نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: صاح فينا بصوت عال، وفي هذا جواز رفع الصوت بالعلم- يوم انصرف عن الأحزاب -أي: منصرفه من غزوة الأحزاب- أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة)].

    وفي حديث آخر: (فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الأحزاب وضع سلاحه واغتسل فقال جبريل: يا محمد! أوضعت السلاح؟ قال: نعم. قال: أما والله ما وضعنا السلاح اذهب إلى بني قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم منادياً في قومه: أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) وفي رواية: (لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة).

    قال: [(فتخوّف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة)] أي: صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصلوا إلا في بني قريظة.

    قال: [(وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)] أي: حتى لو خرج الوقت ودخل علينا المغرب لا نصلي العصر إلا في بني قريظة كما أمرنا عليه الصلاة والسلام. [(وإن فاتنا الوقت قال -أي عبد الله بن عمر - فما عنّف واحداً من الفريقين)] أي: فلما أُخبر عليه الصلاة والسلام أن قوماً من أصحابه صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة، وأن قوماً لم يصلوا العصر حتى دخل وقت المغرب ما عنّف واحداً من الفريقين؛ وذلك لأن كليهما مجتهد.

    اختلاف العلماء في كون الخلاف داخلاً تحت تعدد الحق

    اختلف العلماء في الخلاف: هل الخلاف حق وباطل، أم أن الحق متعدد؟

    والمسألة محل نزاع مبحوث في كتب أدب العلم، وقد استوعبه بحثاً الحافظ الكبير ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله)، وذكر هذين الرأيين وأتى بأدلة لكل رأي، ورجّح أن الخلاف إذا كان مبناه على الدليل فهو راجح ومرجوح، وإذا كان مبناه على غير الدليل فهو خطأ وصواب، أو حق وباطل.

    أي أننا حينما نختلف في مسألة شرعية، فأنت تأتي عليها بأدلة من الكتاب والسنة، وأنا لا آتي عليها إلا بالرأي والهوى والمزاج والعقل، فالحق مع الكتاب والسنة، وما دام الحق معك فالباطل معي.

    لكن هذا الخلاف الذي وقع بين الصحابة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فيه رأيان: الرأي الأول: من قال: النبي عليه الصلاة والسلام أراد بهذا الأمر البشارة، فاجتهدوا وأولوا. قالوا: فنحن مستقرٌ عندنا أنه لا يحل لواحد من المسلمين أن يترك صلاة حتى يخرج وقتها، فمعنى كلام النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) التبشير بأن النصر سيكون قبل دخول المغرب، وأنكم يا معشر الصحابة! ستصلون في بني قريظة، فهو لم يرد ظاهر الأمر.

    إذاً هؤلاء اجتهدوا اجتهاداً يسمح به النص، وعندهم فيه حق.

    الرأي الثاني: الذين اجتهدوا كذلك في النص، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ولا يأمر عن هوى، إنما يأمر بوحي السماء، وقد أمرنا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة، ولا نصليه إلا في بني قريظة حتى لو خرج الوقت، فالذي يتحمل هذه المسئولية هو النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو الذي أمر بذلك: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] منه سبحانه وتعالى. فحينئذ أخذ بعض أصحابه بظاهر النص والتزموا ترك الصلاة حتى فتحت على أيديهم ديار بني قريظة.

    فلما اجتهدوا في هذا وذاك علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ما فعلوا ذلك عن هوى ولا عن رأي غير معتبر، وإنما فعلوا ذلك عن اجتهاد، فأقر كل واحد على اجتهاده، وما عنّف واحداً من الفريقين، فلم يقل للذي صلى: لم صليت وقد أمرتك ألا تصلي إلا في بني قريظة؟ ولم يقل للذي أخر: لم أخّرت وأنت تعلم أن تأخير الصلاة عن وقتها حرام وإثم عظيم، ربما يؤدي إلى كفر صاحبه، والخروج به من الملة. ولكنه لم يعنّف هذا ولا ذاك؛ لأنه علم أن هذه الأفعال ما صدرت إلا عن اجتهاد؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إذا اجتهد الحاكم -أي: المجتهد- فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد).

    وفي هذا: جواز الاجتهاد لكن لمن ملك أداة الاجتهاد، ويخرج من ذلك الذي لا يملك أداة الاجتهاد. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (لكل مجتهد) ؟ وأهل الاجتهاد هم أهل الحل والعقد في الأمة، والأثبات من أهل العلم، وأما اجتهاد من هم دون هؤلاء فغير معتبر.

    الجمع بين حديثي: (لا تصلوا الظهر ...) و (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)

    في رواية: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة)، ولكن أشهر الروايات (لا تصلوا العصر...) وهي رواية الجمهور. قال الإمام النووي : لنعتبر أن كلا الروايتين صحيحة، رواية: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة). ورواية: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) ؛ لأنه يمكن الجمع بين الروايتين، والجمع بينهما أولى من رد أحدهما، فإن قلت: إن إحدى الروايتين صحيحة والأخرى باطلة -فأنا في هذه الحالة سأرد هذه الرواية، ولا أعمل بها مطلقاً- فلا شك أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وهذه قاعدة أصولية.

    قال الإمام النووي: (فيُحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة) أن هذا الأمر وجّه إلى مقدمة الجيش الذي سبق في أول الأمر، وحينما اجتمعت مؤخرة الجيش في وقت متأخر -أي: قرب صلاة العصر- قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة). فهم قد صلوا الظهر في المدينة، أما الذي خرج قبل صلاة الظهر -أي: في مقدمة الجيش- فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة) ).

    ويقول: (وأما اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها، فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم). صلوا أو لا تصلوا. ووجه التعارض أنه قال: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) والذي يعارضه هو الذي استقر عندهم قولاً وعملاً أنهم يصلون الصلاة لوقتها، وأن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، فالسنة العملية بيّنت ذلك، فهذا تعارض عندهم فيما استقر عندهم وعملوا به عشر سنوات أو قريباً من ذلك، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) فلما تعارضت الأدلة عندهم اجتهدوا، بأن الصلاة مأمور بها في الوقت مع أن المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد الظهر -أو العصر- إلا في بني قريظة)، المبادرة بالذهاب إليهم.

    أي: كما تقول أنت لابنك: لا يزال هناك وقت إلى أن يؤذن المغرب تقريباً نصف ساعة، فلابد أن تصل إلى الشيخ الذي تحفظ عنده القرآن وتصلي عنده المغرب، فانتبه أن تتأخر، وحينما تصل هناك اتصل بي أو أنا أتصل بك، وسأكلم الشيخ بنفسي، أو اجعل الشيخ يتصل بي ويكلمني.

    فأنا في هذه الحالة ما أردت أن ابني لو أدركه المغرب في الطريق لا يصلي إلى أن يدخل وقت العشاء، وإنما أردت المبادرة والمسارعة إلى الذهاب للشيخ.

    قال: (أراد بذلك المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يُشتغل عنه بشيء). أي: لا يُشتغل عن مجاهدة ومقاتلة بني قريظة بشيء، إلا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير. (فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ).

    وفي هذا الحديث دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، وهذا مذهب جماهير العلماء خلافاً للظاهرية الذين يأخذون بظاهر النص.

    وفي هذا الحديث أنه لا يُعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل وسعه في الاجتهاد. يعني: إذا أدى ما عليه حتى وإن أخطأ فلا يلام، المهم أنه بذل الوسع واستفرغ الجهد، وكان أهلاً لهذا الاجتهاد، فحينئذ لو أخطأ لا يلام؛ لأنه قد أدى ما عليه، وإذا كان الله تعالى يؤجره على اجتهاده فكيف تعنّفه أنت على النتيجة التي وصل إليها؟

    وقد يستدل بهذا الحديث طائفة على أن كل مجتهد مصيب، وطائفة أخرى تقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين. يعني: ليس هناك تصريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء: أنتم عندكم حق. وقال لهؤلاء: عندكم حق. وإنما سكت ولم يعنّف.

    والأئمة يقولون في قضية الإجماع السكوتي الذي هو محل نزاع بين أهل العلم الأصوليين: هل يُنسب لساكت قول أم لا؟ الشافعي يقول: لا يُنسب لساكت قول. أما النبي عليه الصلاة والسلام فيختلف عن بقية الأمة؛ لأن سكوتي أنا عن الباطل يبقيه باطلاً كما هو، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت على باطل قط، بل لا يحل له أن يسكت على باطل قط؛ ولذلك قال العلماء في تعريف السنة: هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته. فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذا فهذا سنة. وإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً كان سنة. إذا رأى شيئاً أو سمع بشيء ولم يُنكره كان كما لو كان هو الذي فعل، أو هو الذي قال؛ لأنه لو كان باطلاً لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم وجوباً شرعياً أن ينكره على الفور والتو. فلو فعل صحابي شيئاً بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يُنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم نُسب هذا الفعل إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأن الحجة ليست في فعل الصاحب، وإنما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفعل صاحبه، والنبي عليه الصلاة والسلام عصمه ربه في تلقي الوحي عن الله، وفي تبليغ الوحي إلى الناس، والسنة التقريرية من الوحي المبلّغ.

    وكذلك من سنته: أوصافه عليه الصلاة والسلام إما الخلقية أو الخلُقية، فالخُلُقية: كما قالت عائشة : (كان خلقه القرآن).

    والخلقية في وصف طوله وعرضه وشعره وعينه وخده وغضبه ورضاه وغير ذلك، هذه كلها من الأوصاف الخلقية للنبي صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987064491

    عدد مرات الحفظ

    716279794