إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر‏ [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخمر ما خامر العقل وغطاه، وقد جاء تحريم الخمر في كتاب الله عز وجل، وجاءت السنة ببيان حده، فجلد النبي صلى الله عليه وسلم فيها أربعين جلدة، وجلد بعده الصديق مثل ذلك، فلما كان في عهد عمر جلد فيها ثمانين جلدة، وكل ذلك سنة.

    1.   

    باب حد الخمر

    بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.

    والخمر هو: كل ما خامر العقل. أي: ستره وغطاه. وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.

    شرح حديث أنس بن مالك في جلد شارب الخمر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين) ].

    فالذي يجلد بجريدة أربعين جلدة يكون قد جلد أربعين، والذي يجلد بجريدتين أربعين يكون قد جلد ثمانين، والذي يجلد بثلاث جرائد يكون قد جلد مائة وعشرين .. وهكذا، كما قال الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44] والضغث: هو حزمة من شماريخ النخل، وهي متشعبة جداً. فلما أقسم أيوب عليه السلام أن يضرب امرأته مائة ضربة وشق عليه ذلك أنزل الله تعالى التخفيف فقال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا [ص:44] أي: من هذه النخلة. قال: فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44] أي: فاضرب به حتى لا تحنث في يمينك. فالذي يضرب بشيئين يكون قد ضرب ضربتين، والذي يضرب بثلاث يكون قد ضرب ثلاثاً، فهنا لما جيء برجل قد شرب الخمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضربه بجريدتين أربعين. وفي هذه الرواية: (نحو أربعين) يعني: تقريباً. وكلمة: (نحو) تدل على أن العادَّ لم يُحص العد على وجه الدقة والحساب، وإنما قدر ذلك تقديراً، فكان نحو أربعين.

    قال: [ قال: (وفعله أبو بكر) ]، والضمير يعود على هذا العقاب الذي أوقعه النبي عليه الصلاة والسلام بشارب الخمر.

    (وفعله) أي: فعل هذا الحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    قال: [ (فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن - وهو ابن عوف -: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر) ]. والحدود التي أمر الله عز وجل بها في كتابه منصوص عليها، كحد الزنا مائة جلدة لغير المحصن، وحد السارق قطع اليد، وأخف هذه الحدود حد القذف؛ فإن حد القذف المنصوص عليه في القرآن ثمانون جلدة، فلما استشار عمر أصحابه: كيف يحد شارب الخمر؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! حده بأخف الحدود المنصوص عليه في القرآن الكريم. فأخف الحدود حد القذف وهو ثمانون جلدة، فأنفذها عمر رضي الله عنه في حق شارب الخمر.

    قال: [ وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي قال: حدثنا خالد - يعني: ابن الحارث - حدثنا شعبة حدثنا قتادة قال: سمعت أنساً يقول: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل) فذكر نحو الحديث السابق.

    حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - يحدث عن أبيه عن قتادة عن أنس بن مالك : (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال) ]. يعني: يضرب الحد بالنعل كما يضربه بالجريد والعصي.

    قال: [ (ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى) ]. حيث سيلان الماء وكثرة الزرع وظهور التمر والعنب واتخاذ الخمر منهما ومن غيرهما كاتخاذه من الشعير والبر وغير ذلك؛ فإنه لما كثرت الفتوحات في زمن عمر وامتدت الرقعة الإسلامية شرقاً وغرباً وكثر الخير وكثر الزرع والثمار اتخذ الناس الخمر من سائر أنواع الزروع والثمار، فكان يجاء بهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    قال: [ (فلما دنا الناس من الريف والقرى قال عمر رضي الله عنه -لأصحابه -: ما ترون في جلد الخمر؟) ] يعني: هل نتشدد فيه أم نبقيه على أمره الأول؟ فبعضهم أقر عمر أن يجلد ثمانين، أقره علي بن أبي طالب كما أقره عبد الرحمن بن عوف . قال: اجلدهم ثمانين. مع أن النص الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جلد في الخمر نحو أربعين، وجلد على هذا النحو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    قال: [ (قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين) ] وهذا حد القذف.

    قال: [ حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد - وهو القطان - قال: حدثنا هشام - وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي - بهذا الإسناد مثله ]. أي: بنفس الإسناد السابق.

    قال: [ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام عن قتادة عن أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين) ]. يعني: مادة الضرب الجريد والنعال، والعدد أربعون، وهذه الرواية صريحة. أي: جلد أربعين على وجه اليقين بغير شك ولا تقدير، فهذا جزم بأنه عليه الصلاة والسلام كان يضرب في الخمر أربعين جلدة سواء بالجريد أو بالنعال.

    قال: [ ثم ذكر نحو حديثهما ولم يذكر (الريف والقرى) ].

    شرح حديث جلد عثمان بن عفان للوليد بن عقبة في شربه الخمر

    قال: [ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل ] وهو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي الضبي البصري ، أمه اسمها علية . مشهور بالنسبة إليها، يقال: إسماعيل بن علية .

    قال: [ عن ابن أبي عروبة ]. بفتح العين وهو سعيد ابن أبي عروبة لا غيره، وهذا ليس اسماً له كما قال أحد الرواة: حدثنا فلان وفلان وفلان وعدة، فقام إليه أحد الطلاب وقال: (عدة) ابن من؟ قال: عدة ابن فقدتك. يعني: عدمتك.

    قال: [ عن عبد الله الداناج ]. و(الداناج) كلمة فارسية معناها: العالم، وهو عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر المعروف بـالداناج .

    [ وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي واللفظ له أخبرنا يحيى بن حماد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج حدثنا حضين بن المنذر ] حضين وليس حصين ، وهو الوحيد في الكتب الستة اسمه حضين ، كنيته: أبو ساسان .

    قال: [ شهدت عثمان بن عفان وأتي بـالوليد ]. وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخاً لـعثمان من أمه، وكان يشرب الخمر وحد فيه مراراً، وكان يشربها حتى يهذي، فإذا هذى افترى. وأعظم ما ورد عنه من افتراء: أنه صلى الصبح بهم أربعاً وكان إمام المدينة في زمانه، فقالوا له: صليت الصبح أربعاً؟! قال: وما في ذلك، إن شئتم زدتكم. فالخمر هي أشد شيء يحط من كرامة الإنسان، بل حتى قبل الإسلام تنبه لخطورتها بعض من كانوا في الجاهلية فلم يشربوها؛ لعلمهم أنها تحط من كرامتهم، فلم يثبت قط أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يشربها، ولم يكن يجلس مجلساً يدار عليه الخمر، وكان يتعجب من عاقل يدله عقله على إباحة شرب الخمر، وكان هذا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [ (شهدت عثمان بن عفان ، وأتي بـالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان) ]. أي: أنه كان مخموراً. وفي رواية: أنه صلى الصبح أربعاً. ذكرها الإمام الذهبي في كتابه: سير أعلام النبلاء في ترجمة الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وذكر أنه كان فاسقاً. وهذا ليس طعناً في الصحبة وليس طعناً في عدالة هذا الرجل، فيكفيه إثبات للشرف أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأظن أن الإمام الذهبي تجاوز حده في إثبات الفسق لهذا الصاحب، وكان ينبغي أن يحمل ما وقع من الوليد على حسن توبته، وأنه مات تائباً من هذا الذنب، أو أن هذا الذنب يعافى من إثمه ما دام قد كان يقام عليه الحد، أو أن لهذا الصاحب من الحسنات والفضائل ما يمحو جبالاً من السيئات؛ لأن بعض الناس سألني هذا السؤال: كيف يقول الذهبي عن أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: أنه صحابي فاسق؟ الجواب: كلام الذهبي له وجه قوي، وأنتم تعلمون أن صاحب الكبيرة لا يكفر وإنما يفسق بها، وشرب الخمر كبيرة من الكبائر، والصحابة مثل غيرهم في سائر الكبائر، من وقع منهم في كبيرة كان فاسقاً بكبيرته حتى يتوب منها أو يقام عليه الحد، وكل ما هنالك: أن الإمام الذهبي أطلق الفسق عليه لثبوت شربه الخمر وعدم ثبوت التوبة، والذي يترجح لدي -إحساناً للظن بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام- أنهم ما فعلوا كبيرة إلا وقد تابوا منها، فأنتم تعلمون عموماً أن مرتكب الكبيرة والمصر على الصغيرة كلاهما فاسق وليس بكافر، فإن أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإن تاب تاب الله عز وجل عليه، وإن مات مصراً غير مستحل فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

    قال: [ (فشهد على الوليد رجلان أحدهما حمران - وهو مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه - أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ) ] فالشهادة على إقامة حد الخمر تكون بشاهدين، فلا بد أن يشهد عند القاضي أو الوالي والسلطان اثنان: أن فلاناً شرب الخمر. أما حمران فقد رآه يشرب الخمر، وأما الآخر فلم يره يشرب الخمر وإنما رآه يتقيأ. فهذه ليست شهادة على شرب الخمر وإنما هي قرينة تدل على شرب الخمر، والحدود إنما تقام بإثبات شهادة الشهود أو الإقرار، ولا تقام بهذه القرائن التي احتفت بإثبات القضية؛ ولذلك اجتهد عثمان بن عفان رضي الله عنه لما يعلمه من حال الوليد من قبل، فـحمران مولاه شهد عنده أنه قد رأى الوليد يشرب الخمر، والثاني قال: وأنا رأيته يتقيأ، فـعثمان رضي الله عنه علم أنه لا يتقيأ إلا إذا شربها، فالقيء علامة على أنه قد شرب، لكن هذه العلامة ليست مطردة، فكل متقيئ لا يلزم أنه قد شرب الخمر، لكن عثمان رضي الله عنه اعتبر أن القيء علامة على الشرب لما يعلمه سالفاً من حال الوليد، ولا يلزم أن كل من شرب الخمر يتقيأ، فهناك من يشرب الخمر ولا يسكر، ويقول: أليست العلة في تحريم الخمر السكر؟ فأنا أشربها ولا أسكر، فالخمر في حقي أنا حلال. فنقول لمثل هذا: إذا كنا سنعتبر علة الحكم فعلة الحكم على سبيل العموم لا على سبيل كل شخص على حدة، فالأصل في الخمر أنها مسكرة. إذاً: تحرم في حق من سكر، وفي حق من لم يسكر.

    قال: [ (فقال عثمان : يا علي ! قم فاجلده) ]. وكان عثمان أولى بجلد الوليد من علي ؛ لأنه أخوه، لكنه أمر علياً وأنتم تعلمون أن علياً أحد رعايا المسلمين تحت إمرة عثمان .

    قال: [ (فقال عثمان : قم يا علي ! فاجلده. فقال علي : قم يا حسن !) ] وهو ابن علي بن أبي طالب ، فـعلي يأمر ولده أن يقيم الحد على الوليد . [ (فقال الحسن : ول حارها من تولى قارها) ]، فـالحسن رد رداً قوياً، فالحار: الشيء الذي له سخونة. والقار: هو البرد والشيء الذي له رطوبة وليونة. وكأن الحسن يقول: بما أن عثمان ولاهم الإمارات فهم يتنعمون فيها، فلا بد أن يتولى إقامة الحد عليهم إذا ارتكبوا ذنباً يوجب الحد، وهذا كلام قاس جداً من الحسن بن علي، وما كان ينبغي أن يصدر منه، لكنه قالها، وثبتت في الصحيحين وغيرهما. (قال: ول حارها) يعني: أوكل هذا الحد إلى عثمان. (من تولى قارها) أي: من تنعم بنعيمها.

    قال: [ (فكأنه وجد عليه) ] والوجد بمعنى: الغضب والحزن. يعني: غضب عثمان رضي الله عنه من هذا القول.

    قال: [ (فقال: يا عبد الله بن جعفر ! قم فاجلده، فجلده وعلي يعد) ] أي: أن عبد الله بن جعفر يجلد الوليد الحد، وعلي بن أبي طالب هو الذي يتولى عد هذه الجلدات.

    قال: [ (و علي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك) ] إذاً: جلد عثمان بن عفان حد الخمر أربعين، وعلي رضي الله عنه يعد الجلد ولم يأمر بالزيادة، فلما بلغ عبد الله بن جعفر أربعين جلدة: قال: أمسك. يعني: يكفي أو حسبك.

    قال: [ (ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة. وهذا أحب إلي) ] أي: هذا العدد الذي جلدته الآن للوليد أحب إلي. وفي هذا يقرر علي بن أبي طالب أن أصل الجلد أربعون جلدة في حد الخمر، ولا بأس إذا رأى الإمام الزيادة من باب التعزير لا من باب الحد؛ لأن الجمع بين الحد والتعزير محل اتفاق ولا خلاف بين العلماء في الجمع بين الحد والتعزير، وذلك لا يكون إلا للإمام لا لغيره.

    وجماهير أهل العلم حملوا جلد عمر رضي الله تعالى عنه أكثر من أربعين على أن الزائد عن الأربعين من باب التعزير؛ وذلك لأنه رأى الناس تتابعوا وتساهلوا في اتخاذ الخمر وشربها، ومثل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوقع الطلقات الثلاث واحدة، فلو أن شخصاً قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثاً في مجلس واحد فهي واحدة وكان أبو بكر يوقعها طلقة واحدة، فلما كانت خلافة عمر رأى عمر الناس يتساهلون في ذلك، وكثرت لديه قضايا الطلاق. قال: لا بأس، الذي يطلق ثلاثاً نعاقبه بإيقاع الثلاث. وهذا من باب التعزير وليس حكماً شرعياً، وذلك لأن الناس إذا تساهلوا في شيء أخذوا بالشدائد والعزائم، وإذا تمسك الناس بدينهم يبشرون حين وقوع الخطأ منهم بالخير وبرحمة الله لا بالتقنيط والتيئيس؛ لأن السنة جرت على هذا، أن أهل الصلاح والتقى إذا وقعوا في ذنب نذكرهم برحمة الله ونلزمهم التوبة، أما أهل المعاصي والتفريط والذين لا يعبئون ولا يعتبرون بشيء من شرع الله عز وجل فلا شك أنه تجرى عليهم أقسى وأشد الأحكام حتى يرجعوا ويتوبوا إلى الله عز وجل.

    قال: [ (فقال: جلد النبي أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين) ] فـعمر جلد أربعين، فلما انتشرت الفتوحات وأتى الناس أفواجاً وجماعات إلى المدينة برسائل من الأمراء والولاة بأن هذا شرب الخمر، وهذا شرب الخمر، وهذا شرب الخمر، وكان أهل المدينة يتخذون الخمر من العنب، ثم اتخذوها من التمر، ثم اتخذه الناس في البلدان التي فتحت في زمن عمر من معظم أنواع الثمار فانتشرت مادة الخمر في الناس، فهذا يشرب خمراً من الشعير، وهذا من البر، وهذا من التمر ولا يزال الناس يتفننون في الشر، فلما كان ذلك جلد عمر ثمانين.

    فقول علي رضي الله عنه: (وهذا أحب) أي: ما كان عليه النبي وأبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    قال: [ زاد علي بن حجر في روايته: قال إسماعيل - يعني: ابن علية -: وقد سمعت حديث الداناج منه فلم أحفظه ].

    شرح حديث علي بن أبي طالب في ديته لشارب الخمر إذا جلد فمات

    قال: [ حدثني محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع البصري حدثنا سفيان الثوري عن أبي حصين ] عن أبي حَصِين مكبراً، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي .

    قال: [ عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه قال: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر؛ لأنه إن مات وديته) ]. أي: إن مات في أثناء الحد غرمت ديته. يعني: ألزمت نفسي بدفع الدية.

    قال: [ (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه) ]. وهذا كلام يحتاج إلى وقفة وبيان، فالنبي جلد أربعين -لفظاً صريحاً- بالجريد والنعال، وجلد نحو أربعين، وجلد بجريدتين أربعين. فكأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب الشارب من باب التعزير لا من باب الحد، وذلك لأن قوله: (نحو أربعين) لا يدل على أنه حد، فلو كان حداً لا نقول فيه: نحو ثمانين ولا نحو أربعين ولا نحو عشرة؛ لأنه لا بد أن يكون الحد محدداً بيناً واضحاً، والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب بالجريد أو بالنعال أربعين، وعمر رضي الله عنه ضرب ثمانين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وعمر منهم رضي الله عنه؛ ولذلك قال علي رضي الله عنه: (جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة). لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولم يعترض على عمر أحد من الصحابة، فـعمر لم ينكر عليه علي، بل أقره على ذلك، وكل ما هنالك أن أحب الجلد إليه الجلد الأول؛ ولذلك يقول العلماء في هذه المسألة الخلافية: الخلاف فيها معتبر ومحترم، فلا يقول العلماء: هذا خطأ وهذا صواب، وإنما يقولون: راجح ومرجوح، وإلى يومنا هذا يترجح لدى بعض أهل العلم أن الثلاث طلقات تقع ثلاثاً، عملاً بسنة عمر رضي الله عنه، والجماهير على أن الثلاث تقع واحدة؛ عملاً بالأصل الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر ، وعليه عمر في صدر خلافته. فـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي - يعني: أجد في نفسي حرجاً من هذا الموت - إلا صاحب الخمر. قال: لأنه إن مات وديته). يعني: دفعت إليه الدية. وعلل ذلك بأن عقوبة شارب الخمر قد لا تكون من باب الحد ولعلها وقعت في الشرع من باب التعزير. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ذلك؛ لأنه شك أن تكون العقوبة وقعت في الصدر الأول من الإسلام على شارب الخمر من باب التعزير والتأديب لا من باب الحد.

    ولو اعتبرنا أن أقل الأقوال هو أن الضرب كان من باب التعزير لا من باب الحد، فلو مات المعزر بسبب حد التعزير أو بسبب أسواط التعزير وجبت ديته، بخلاف المحدود، فلو مات المحدود في الحد فلا تجب له الدية، ولا دية له أصلاً، لكن المعزر إذا مات في أثناء التعزير أو بسبب التعزير فإنه يودى، والذي يوديه السلطان من بيت المال. وهذا أرجح الأقوال. وقيل: بل من مال الأمير نفسه. وقيل: لا يودى. وقيل: ديته على عاقلة المعزر. أي: الجلاد. وللجلاد عند جلده شروط، منها: ألا ترتفع يده عن كتفه، حتى إن بعض أهل العلم غلا في ذلك وقال: ألا يغادر عضده إبطه.

    قال: (لأن رسول الله لم يسنه) يعني: لم يترك لنا فيه سنة واضحة بينة. وعلى أية حال: هذا اجتهاد من سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي لم يسن حداً مقدراً معيناً لشرب الخمر. وهذا الذي قاله علي بن أبي طالب خالفه فيه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل حد الشارب للخمر أربعين.

    وفي هذا الحديث: أن فعل الصحابي سنة يعمل بها، وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) في حديث العرباض بن سارية عند الترمذي وغيره.

    1.   

    كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر

    بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.

    والخمر هو: كل ما خامر العقل. أي: ستره وغطاه. وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.

    نقل الإجماع على تحريم شرب الخمر ووجوب حد شاربه

    قال النووي: (وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلاً أو كثيراً). أي: سواء سكر أو لم يسكر، فالعبرة بمجرد الشرب لا بحجم المشروب ولا بأثر المشروب، فحجم المشروب قليلاً كان أو كثيراً سواء، فهو شارب للخمر، وسواء سكر من هذا الشراب أو لم يسكر.

    حكم قتل شارب الخمر

    قال: (وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها). إجماع أهل العلم على أن شارب الخمر لا يقتل بشربها لكنه يحد، كما قال تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] فالثيب الزاني يرجم حتى الموت، والتارك لدينه المفارق للجماعة يرجم حتى الموت، أما شارب الخمر فإنه يحد أربعين. وهذا الراجح وهو الأحوط. وما زاد على ذلك فهو راجع إلى اجتهاد الإمام، إن شاء زاد من باب التعزير لا من باب الحد، وإن شاء توقف عند الحد الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أربعون جلدة.

    والإجماع المنعقد على أن شارب الخمر لا يقتل بها يرد على الحديث الذي عند أحمد وغيره: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد - في الرابعة - فاقتلوه). وإجماع المحدثين على أن هذا الحديث صحيح، ولكن الإجماع منعقد على أن هذا الحديث منسوخ.

    وذهب الشيخ أحمد شاكر رحمه الله إلى عدم ثبوت النسخ في حق هذا الحديث، وأن الحديث محكم غير منسوخ، وأن من شرب الخمر ثم حد، ثم رجع فحد، ثم عاد فحد، ثم شرب الخمر الرابعة فليقتل حينئذ، والمسألة محل نزاع.

    قال: (وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر منه). هكذا حكى الإجماع فيه الإمام الترمذي وخلائق. وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات). يعني: إذا جلد في الخمر أربع مرات يقتل في الخامسة.

    قال: (للحديث الوارد في ذلك). وهذا القول باطل مخالف لإجماع الصحابة ومن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات. فـالوليد بن عقبة كان يشرب الخمر كل يوم حتى ضجر الناس منه، وذهبوا إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقولون: يا أبا عبد الرحمن ! ألا تنصح صاحبك في أخيه؟ يعني: لماذا لا تكلم عثمان بن عفان في موضوع أخيه هذا، يخلصنا منه ويريحنا منه. قال: ما لنا فيه بد، ما رأينا شيئاً وإنما الناس بظواهرهم، فإذا بدا لنا منه شيء أخذناه به، وقد نهانا الله عن التجسس. فأبى رضي الله عنه.

    ولما حملوا أبا عبد الرحمن على نصيحة عثمان في أخيه قال: أتظنون أنا لا ننصحه سراً؟ والله ما كنا لننصح الأمير علناً قط، وقد بذلنا له النصيحة غير مرة سراً. فنصح الأمراء والوجهاء وذوي الهيئات لا يتم علناً، وإنما يتم سراً؛ حفاظاً على وجاهتهم ومكانتهم خلافاً لسائر الناس.

    قال: (وهذا الحديث منسوخ. قال جماعة: دل الإجماع على نسخه). يعني: هذا منسوخ بدلالة الإجماع لا بنص ناسخ له. يعني: أجمعت الأمة كلها، فإننا لم نسمع في زمن من الأزمنة من لدن النبي عليه الصلاة والسلام حتى يومنا هذا أن واحداً شرب الخمر أربع مرات فقتلوه في الخامسة، وهذا يشعر بإجماع الأمة على أن شارب الخمر لا يقتل بشربه إنما يحد فقط.

    قال: (وقال بعضهم: نسخه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ).

    اختلاف العلماء في مقدار حد الخمر

    قال: (واختلف العلماء في قدر حد الخمر. فقال الشافعي وأبو ثور وداود - الظاهري - وأهل الظاهر: حده أربعون. قال الشافعي رحمه الله: وللإمام أن يبلغ به ثمانين). أي: وللإمام أن يبلغ بحد الشرب ثمانين.

    قال: (وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل، وأنواع الإيذاء وترك الصلاة وغير ذلك). هذا مذهب الشافعي وأهل الظاهر: أن الحد أربعون، والزيادة موكول أمرها للإمام على حسب حال هذا المحدود.

    قال: (ونقل القاضي عياض عن الجمهور -جماهير أهل العلم- من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: حده ثمانون). هذا مذهب الجمهور، أن حد الشارب ثمانون؛ خلافاً للشافعي وأهل الظاهر.

    قال: (واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة). أتوا بهذا الإجماع من فعل عمر وعدم ظهور المخالف له، فحد شارب الخمر ثمانون؛ لأن هذا الذي حده عمر ؛ واستقر عليه العمل بدليل أن أحداً لم ينكر على عمر رضي الله تعالى عنه.

    قال: (واحتجوا كذلك أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن للتحديد). فالنبي لما جلد الشارب أربعين لم يقصد تحديداً، ولذلك جاء في رواية: أنه جلد نحو أربعين، وأنه جلد بجريدتين.

    قال: (وحجة الشافعي وموافقيه - من أهل الظاهر - أن النبي إنما جلد أربعين كما صرح به في الرواية الثانية. وأما زيادة عمر تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام، إن شاء أنفذه وإن شاء تركه بحسب المصلحة في فعله وتركه، فرآه عمر ففعله، ولم يره النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا علي فتركوه.

    أما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بد منه. والفرق بين الحد والتعزير: أن الإمام ليس حراً في تنفيذ الحد لا سلباً ولا إيجاباً، كما أنه ليس حراً في تخفيضه، لكنه حر في تخفيض التعزير من عشرة إلى خمسة إلى ثلاثة، وقد يترك الضرب مطلقاً ويكتفي بالتوبيخ واللوم والمعاتبة وغير ذلك على حسب حال المعزر، أما الحد فإذا بلغ السلطان فلا بد من إقامته كما جاء به الكتاب والسنة.

    قال: (ولو كانت الزيادة حداً لم يتركها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يتركها وأبو بكر رضي الله عنه ولم يتركها كذلك علي رضي الله عنه بعد فعل عمر ؛ ولهذا قال علي رضي الله عنه: وكل سنة. معناه: الاقتصار على الأربعين وبلوغ الثمانين. فهذا الذي قاله الشافعي رضي الله عنه، وهو الظاهر الذي تقتضيه هذه الأحاديث ولا يشكل شيء منها. ثم هذا الذي ذكرناه هو حد الحر، أما العبد فدائماً حد العبد على النصف من حد الحر كما في الزنا والقذف). كما أن حد الأمة على النصف من حد الحرة أيضاً.

    قال: (وأجمعت الأمة على أن الشارب يحد سواءً سكر أم لا). فالعبرة بالشرب.

    اختلاف العلماء في حكم شرب النبيذ

    قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ). والنبيذ: هو كل ما ينتبذ من سوى العنب. لأن الذي يتخذ من العنب لا خلاف في أنه الخمر، فالعرب لم تكن تطلق مصطلح الخمر إلا على ما يتخذ من عصير العنب، وما يتخذ من غير العنب لا يقولون عنه: خمر، إنما يقولون عنه: نبيذ. والنبيذ: هو النقع؛ ولذلك: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ينبذ التمر مع البسر، وأن ينبذ البسر مع الجنيب، وأن ينبذ الجنيب مع الرطب في إناء واحد)، (وكانت عائشة رضي الله عنها تنبذ التمر للنبي عليه الصلاة والسلام فيأكله في اليوم الأول، ويأكله في اليوم الثاني، ويطرحه في الثالث). أي: لا يشرب منه في اليوم الثالث.

    وفي حديث أنس من طريق المختار بن فلفل عند النسائي في سننه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين) أي: من الثمر.

    وفي رواية: (نهى أن ينبذ شيئان في إناء واحد). يعني: لما تأتي بالتمر مع الزبيب وتنبذهما جميعاً هذا خمر، وذهب أهل العلم إلى حرمة ذلك أو كراهته، على خلاف بين أهل العلم هل هذا مكروه أو محرم؟ حتى قال الإمام النووي في المجموع وكذلك الإمام الشوكاني في كتاب نيل الأوطار في باب الأشربة والأطعمة في آخر مجلد: واختلف أهل العلم: هل هذا الحديث على ظاهره وإن لم يسكر، أو يجوز أن ينبذ كل صنف لوحده، فإذا أراد الشارب أن يشرب خلطهما فشربهما؟

    يعني: لو أني في رمضان أتيت بالزبيب ونقعته في آنية على حدة، ثم جئت بالتمر ونقعته كذلك في آنية مستقلة، ولما أُذِّن للمغرب خلطت منقوع التمر مع منقوع الزبيب وشربته، هل هذا العمل مشروع؟

    الجواب: غير مشروع، فإما أن يكون تمراً لوحده كما يفعل عامة الناس، وإما أن يكون أي نوع من أنواع الثمار.

    وبعض الناس لديهم أكلة يسمونها سلطة الفواكه: يأتون بالموز والعنب والتمر والتفاح والخوخ وغيرها من الفواكه ثم يقطعونها ليصنعوا منها سلطة فواكه بشكل جميل، وهي بغير ماء، فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يقال للنبيذ نبيذاً إلا بالنقع، والنقع لا يكون إلا في الماء، فإذا وضعت هذه الثمار مجتمعة في ماء فهو نبيذ يحرم عليك أكله أو يكره على خلاف بين أهل العلم، وإذا قطعت وخلطت هذه الثمار بغير نقع -أي: لم توضع في ماء- ولم تخرج هي ماءها فتنتبذ فيه فلا حرج في ذلك.

    وكذلك العصائر من عدد من ثمار الفواكه وما نسميه نحن بالكوكتيل، فهو عصير، والعصير هذا هو أصل مادة النقع وليس منقوعاً ولا منتبذاً. ومن أراد أن يراجع المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار في كتاب باب: ما جاء النهي عن الخليطين. وقبله بأبواب وبعده بأبواب، فالمسألة مبحوثة على أعلى مستوى عند الفقهاء.

    قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر).

    كل العلماء قالوا: النبيذ مثل الخمر بالضبط. ومعلوم أن الخمر: ما اتخذ من العنب؛ ولذلك الأحناف يقولون: الخمر لا يكون إلا من العنب. والجمهور على خلاف ذلك، وردوا على الأحناف في ذلك: أن معنى كلمة خمر: التغطية والستر، ومن هنا سمي الخمر خمراً؛ لأنه يستر العقل ويغطيه، فيستوي أن يكون هذا من العنب أو من التمر أو من البر أو الشعير، فالعلة واحدة. والأحناف لم يوافقوا الجمهور على ذلك. وأدنى ما قيل من متأخري الحنفية أنهم قالوا: الخمر حرام أصلاً، وأنها من العنب، وغيرها من الخمر يقاس عليها. ويفهم من قولهم: أن بقية أنواع الخمور ليست حراماً لذاتها وإنما هي حرام بالقياس. يعني: ليست حراماً بالنبذ وإنما هي حرام بالقياس على الأصل الأصولي وهو: أن ما كان حراماً بالنص تقدم حرمته على ما كان حراماً بالقياس. فنحن نقول: السجائر حرام. ونقول: الخمر حرام. فحرمة الخمر ثابتة بالنص، أما السجائر فثبتت حرمتها بالقياس.

    وقد جاء في الأثر: أن أم يعقوب الأسدية أتت عبد الله بن مسعود تقول له: بلغني أنك تلعن كيت وكيت -يعني: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله- قال: وما لي لا ألعن من لعنه الله ورسوله. قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين -أي: القرآن كله- فما وجدت فيه. قال: لو كنتِ قرأتيه لا بد أن تجدي ذلك فيه. قالت: أين أجده؟ قال: أما قرأتِ قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ؟ قالت: بلى. قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) الواصلة: هي التي تصل الشعر. والمستوصلة: هي الطالبة لذلك.

    قال: (والواشمة والمستوشمة) وهي التي تضع الكحل الأخضر تحت جلدها من أجل أن يظهر في وسط بياضها الشاهق لون مخالف أخضر، وهو لون جميل، مع أنه والله عند المؤمنين منظر مؤذ جداً؛ لأنه كذا مثل الصليب، فالنصراني عندما يسلم يتقزز جداً من صورة الصليب على يده.

    قال: (والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) والمتفلجات للحسن: اللاتي ينشرن الأسنان حتى يصير هناك فارق بين الأسنان.

    قال: (وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد شاربه). فقول أبي حنيفة بالذات في أن كل خمر اتخذت من غير العنب ليست حراماً ومن شربها وسكر لا يقام عليه الحد قول شاذ؛ لأنه قال بأن الخمر لا يكون إلا من العنب فقط. وهذا قول غير معتبر، وهذا يدل على أن كل إنسان غير النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ ويصيب، وأن من أخطأ لا يقر على خطئه ولا يتابع عليه ولا يكون قدوة ولا أسوة فيما أخطأ فيه، فلا عذر لأحد علم أن الحق خلاف هذا القول وتابعه فيه.

    قال: (وقال أبو ثور : هو حرام. يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته). وهذا رأي ثالث، ورأي الجمهور هو الصحيح: أن الخمر تقال لكل ما اتخذ خمراً، سواء كان ذلك من عنب أو من تمر أو بر أو شعير أو غير ذلك.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.