إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏بيان إثم من سنّ القتل‏

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏بيان إثم من سنّ القتل‏للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القتل من الكبائر والجرائم التي حرمتها كل الشرائع، فمن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة والدماء، وقد بين الشرع أن لولي القتيل الخيار بين أن يقتص من القاتل عمداً أو يأخذ الدية أو يعفو، والعفو خير له.

    1.   

    باب بيان إثم من سن القتل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    فمع الباب السابع من كتاب القسامة والمحاربين (باب بيان إثم من سن القتل).

    أي: باب إثم من أحدث القتل أولاً.

    شرح حديث: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)

    قال المصنف رحمه الله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ للأول -أي: لـأبي بكر- قالا: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- عن الأعمش -سليمان بن مهران الكوفي- عن عبد الله بن مرة عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل)] أي: أحدثه. أول مخلوق أحدث القتل هو قابيل ، حينما قتل أخاه هابيل ، ظلماً بغير حق.

    ومعنى (كفل من دمها). أي: حظ ونصيب؛ لأنه كان أول من سن القتل وأحدثه واخترعه.

    قال: [وحدثناه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي- وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـابن راهوية- أخبرنا جرير وعيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي- وحدثنا ابن أبي عمر -محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان]. وإذا حدث العدني عن سفيان فإنما هو ابن عيينة [كلهم عن الأعمش] يعني: جرير وعيسى بن يونس وسفيان بن عيينة كلهم يروون عن الأعمش [بهذا الإسناد]، عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود. [وفي حديث جرير وعيسى بن يونس (لأنه سن القتل) وليس فيه (أول).] أي: ولم يذكرا لفظ (أول) وإنما (لأنه سن القتل). أي: لأنه أول من سن القتل.

    1.   

    كلام النووي في حديث الباب

    قال النووي: في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه كان أول من سن القتل).

    قال: الكفل هو الجزء والنصيب. يعني: لا بد أنه يأخذ شيئاً وحظاً ونصيباً من كل أحداث القتل التي تكون إلى قيام الساعة؛ لأنه هو الذي لفت أنظار الخلق إلى هذا الجرم العظيم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها -أي اقتدى به فيها- لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء). وهذا إلى قيام الساعة. كما (أنه من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً). وكذلك هذا إلى قيام الساعة. فالذي يسن خيراً له نصيب ممن اقتدى به؛ لأنه سبب ذلك، وهو الذي سن الخير، والذي يسن شراً لا بد أن له نصيباً من هذا الشر. لأنه أول من أحدث الشر. وقال عليه الصلاة والسلام: (الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله وإن لم يفعل). لأن الدلالة على الشر قامت مقام الفعل، فلو أنك أعطيت سكيناً لرجل وقلت له: اذهب فاقتل فلاناً فأنت قاتل وإن لم تباشر القتل بنفسك؛ لأنك متواطئ على القتل.

    ولذلك قيل لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لم يقتلها فلان وفلان. قال: ألم يتواطئوا على قتلها ؟ قالوا: بلى. قال: لو تمالأ وتواطأ أهل اليمن على قتلها لقتلتهم بها.

    وهذا مذهب جماهير العلماء: أن العدد الكثير يقتل بالواحد إذا تواطئوا على قتله، فلو تواطأ جماعة على قتل رجل قتلوا به. والمعلوم أنه قتل بضربة واحد لا بضربة المجموع، ولكنهم لما تواطئوا، واتفقوا واتخذوا لذلك الوسائل لإزهاق الروح كانوا في حقيقة أمرهم قتلة، وإن لم يباشروا جميعاً القتل.

    قال النووي: (هذا الحديث من قواعد الإسلام). أي من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام. (وهو أن كل من ابتدع شيئاً من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئاً من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وللحديث الصحيح: (ومن سن سنة حسنة). (ومن سن سنة سيئة) وللحديث الصحيح (ما من داع يدعو إلى هدى). (وما من داع يدع إلى ضلالة)] إلا كان له حظ من الهدى، وكان له حظ من الضلالة، والأحاديث كلها في هذا الباب تدور في فلك واحد.

    ولا يفهم من حديث (أن من سن سنة حسنة في الإسلام له أجرها) أنه يبتدع أو أنه يجوز له أن يبتدع في دين الله الشيء الحسن؛ لأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فلا يمكن أن يؤذن أو يسمح لأحد من أهل الإسلام أن يأتي بشيء يدخل به على الإسلام وليس منه، ونعده حينئذ من باب الحسنات، أو من باب السنن الحسنة؛ لأننا لا بد أن ننظر إلى مناسبة هذا الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).

    وهو (أن قوماً من مضر أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام مجتابي النمار) أي: قتلهم الهزال، والضعف، والجوع، والحاجة، (فلما رآهم النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه). يعني: تغير وجهه وحزن وغضب لما نزل بهم من فقر وحاجة (فعرف ذلك أحد أصحابه فقام فأتى بما عنده) أي: من طعام أو شراب أو كسوة (فلما رآه أصحابه قد فعل ذلك وسر النبي عليه الصلاة والسلام بفعل هذا الصاحب، قام كل واحد منهم إلى بيته فمنهم من أتى بكسرة خبز، ومنهم من أتى بطعام، ومنهم من أتى بشراب، ومنهم من أتى بملبس، فوضعوه في نطع ثم حملوه، والنطع هو الفرش من الجلد، فحملوه حتى كادت أيديهم أن تكل - أي تعجز عن حمل هذا النطع بل قد كلت، فأتوا به إسعاداً لنبي الله عليه الصلاة والسلام ومساعدة لهؤلاء الفقراء المحتاجين - فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه ذلك أراد أن يكافئ من سن هذه السنة الحسنة أولاً فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة) فلو أننا نظرنا إلى أصل هذا الحديث لوجدنا أن هذا الصاحب الأول قد فعل شيئاً يأذن به الشرع؟ فإنه الذي ذهب إلى بيته فأتى بما عنده مع قلته، فهو ما ابتدع في الإسلام شيئاً، بل إنه قرر مبدأً عظيماً، أو مبادئ عظيمة في الإسلام وهو مبدأ مواساة الفقراء والمحتاجين، وهذا أصل أصيل في الإسلام، وخدمة الفقراء، وإعانة الملهوفين، وإغاثتهم كل هذا إنما فعله هذا الصاحب؛ لأن الإسلام قد سنه أولاً فهو ما زاد على أنه ذكَّر الأصحاب بواجبات شرعية قد أذن وأمر وحث عليها الشرع، فلم يأت بجديد.

    ولو نظرت إلى مجموع البدع التي أحدثت في الإسلام لوجدت أنها في مجموعها أمور خيرية لا بأس بها إذا لم تفعل على أنها من الدين، أما لو فعلت على أنها دين فهذا هو الابتداع؛ لأن خطر الابتداع يكمن في اتهام الله عز وجل، واتهام الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لم يكمل شرعه ولم يرضه لأمته، وأنه قصر في البلاغ، أو قصر في البيان أو في دلالة أمته على الخير، فالذي يأتي بشيء يخترعه في دين الله عز وجل يزعم أن هذا هو دين الله الذي نزل من السماء، وأن الأمة في حاجة إليه، فلا شك أن هذا أمر مبتدع لا يمكن السكوت عنه؛ لأنه أدخل في دين الله ما ليس منه على وجه القربة إلى الله تعالى. هذه هي صورة الابتداع. والابتداع يكون مذموماً إذا كان في دين الله عز وجل، أما إذا كان في الدنيا فهذا واجب على كل أحد ما لم يخالف الشرع، وليس في هذه الأحاديث دلالة على جواز الابتداع.

    1.   

    باب المجازاة بالدماء في الآخرة

    الباب الثامن: (باب المجازاة بالدماء في الآخرة).

    المجازاة: المقاصة. أي: تقتص ممن أسال دمك، وأزهق روحك، فالجزاء بمعنى المقاصة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة: صلاته فإن صحت صح ما بعدها، وإن فسدت فسد ما بعدها) .

    وهنا يبين هذا الحديث أن أول شيء يقضى فيه بين العباد يوم القيامة هو الدماء، فظاهر الأمر التعارض بين الحديثين، ولا يمكن أن يقال: (من أول ما يقضى فيه بين العباد الدماء). فلا يمكن إدخال (من) التي هي للتبعيض أو للتجزئة، ولا يستقيم المعنى، فإذا كان الحديث الأول يقول: (أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء). والحديث الثاني يقول: (أول شيء يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة). فهنا يكون التعارض. وأهل العلم يقولون: عند تعارض ظواهر النصوص لا بد من بحث مسألة أولية وهي: إثبات صحة هذه الأدلة، فإن تبين لنا أن أحد الأدلة ضعيف والآخر صحيح لم يبق حينئذ إشكال؛ لأن الضعيف يكفي في رده أنه ضعيف، ويسلم لنا دليل واحد فلا يكون حينئذ في القضية أي تعارض، لكن المشكل إذا صح الدليلان وظاهرهما التعارض فلا بد من إضافة مسألة اعتقاديه في هذا المقام وهي: أن هذان الدليلان إذا صحا فلا بد من القول بأنهما قد خرجا من مشكاة واحدة، إما أن يكون الذي قال هذا هو الله عز وجل، أو أنه رسوله عليه الصلاة والسلام، وقول الرسول وحي بلا خلاف عند أهل السنة، والله تعالى يقول: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، فإن كنا نؤمن أن كل الوحي المتلو وغير المتلو هو من عند الله عز وجل، وأن الذي يأتي من قبل الله عز وجل لا يمكن أن يكون فيه تعارض فلا بد أن نرجع على أنفسنا فوراً بالاتهام بقصور الفهم.

    نقول: هذان الدليلان وإن كان ظاهرهما التعارض إلا أن هذا التعارض فيما يبدو للناظر ليس في أصل الخبرين؛ لأنك لو قلت: إن التعارض في النص لا بد أنك ستتهم الله تعالى، أو تتهم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنتم تعلمون أن هذا كفر لا نزاع فيه، فإذا ثبت صحة الدليلين فإما أن نقول بأن أحدهما سابق والآخر لاحق، وهذه المسألة يتطرق إليها ما يسمى عند العلماء بالنسخ. أي: أن أحد الدليلين ناسخ للآخر، لكننا لا نذهب إلى النسخ إلا إذا استحال الجمع؛ لأن الأصل أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، فأن أعمل بالنصين خير من أن أرد نصاً بغير بينة ولا حجة، وأعمل بالنص الآخر، فإعمال الدليلين وذلك بمحاولة التأليف بين النصين للعمل بهما معاً أفضل، فمثلاً: حديث طلق بن علي رضي الله عنه: (لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله! أنتوضأ من مس الذكر؟ قال: لا. إنما هو بضعة منك). أي: جزء منك مثل الساق، ومثل القدم، ومثل بقية أعضائك.

    وفي حديث بسرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام : (من مس ذكره فليتوضأ).

    فلا شك أن التعارض ظاهر، والخطوة الأولى التي اتفقنا عليها، وهي أنهما صحيحان.

    الخطوة الثانية: لا يمكن مع ثبوت صحة الدليلين أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أخطأ في أحدهما، فمن اعتقد ذلك فقد كفر.

    الثالثة: إذا أمكننا الجمع بين هذين النصين وإلا صرنا إلى النسخ، ولذلك بعض العلماء ذهب إلى النسخ مباشرة وقال: إذا ثبت عندنا السابق واللاحق صرنا إلى النسخ، ولا حاجة بنا إلى تكلف الجمع. وعلامة النسخ: هو ظهور الاختلاف في النصين، وأن طلق بن علي أسبق إسلاماً من بسرة ، فيكون حديثه هو المنسوخ، وحديث بسرة هو الناسخ، وحديث طلق (إنما هو بضعة منك) جاء في أول الإسلام، وأن من مس ذكره في أول الإسلام لا وضوء عليه، لكن لما استقر الأمر وتفقه الناس قال عليه الصلاة والسلام: (من مس ذكره فليتوضأ). هكذا ذهب جماهير العلماء.

    والأحناف ومن معهم قالوا: لا نسخ في هذه القضية؛ لأن الجمع ممكن؛ لأن الأصل الأصيل: إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما. قالوا: لا نسخ في القضية. والدليل: أن حديث طلق بن علي مع حديث بسرة محمولان على أن من مس ذكره بشهوة. وهذا مقصود النبي عليه الصلاة والسلام، فمن فعل ذلك فعليه الوضوء، ومن مس ذكره بغير شهوة فلا وضوء عليه.

    نرجع إلى أصل موضوعنا: (أول ما يقضى فيه بين العباد هو الدماء)، هذا فيما يتعلق بالقضاء والفصل في المنازعات بين الخلق؛ لأنها من حقوق العباد، فأول ما يقضى فيه من حقوق العباد هو الدماء، أما الصلاة فإنها من حق الله تعالى ولذلك أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة فيما يتعلق بحق الله هو الصلاة، فلم يبق في هذين الحديثين تعارض.

    شرح حديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)

    قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن عبد الله بن نمير جميعاً عن وكيع -هو ابن الجراح- عن الأعمش، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله -إذا روى أبو وائل عن عبد الله فإنما هو عبد الله بن مسعود قولاً واحداً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)] والقيد هنا: بين الناس. أما إذا ورد القضاء مطلقاً فيكون بين العباد وبين الله عز وجل.

    قال: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي (ح) وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث (ح) وحدثني بشر بن خالد -وهو أبو محمد العسكري الفرائضي نزيل البصرة- حدثنا محمد بن جعفر - غندر - (ح) وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -وهما فرسي رهان- قالا: حدثنا ابن أبي عدي كلهم عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمه الكوفي - عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله غير أن بعضهم قال عن شعبة يعني: (أول ما يقضى) وبعضهم قال: (يحكم بين الناس)] والقضاء شعبة من شعب الحكم.

    1.   

    باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال

    الباب التاسع: (باب تغليظ تحريم الدماء، والأعراض، والأموال).

    والشرع إنما جاء لحفظ خمسة أشياء: حفظ الدماء، والأعراض، والأموال، والعقل، والدين. وحفظ وهدف الإسلام الدماء بتحريم القتل. إذا: الأغراض الأساسية للتشريع خمسة: حفظ الدماء بحرمة القتل، وحفظ الأعراض بحرمة الزنا، وحفظ الأموال بحرمة السرقة، وحفظ العقل بحرمة الخمر، وحفظ الدين بحرمة الردة. هذه الخمسة الأشياء ينبغي على كل طالب علم أن يحفظها؛ لأنها هي الأغراض الأساسية لدين الله عز وجل.

    أما هذا الحديث فإنه تناول أغراضاً من أغراض الشرع، وهي: حفظ الدماء، والأموال، والأعراض، حتى وإن كانت أموال الكفار، وأعراض الكفار، فلا يجوز الاعتداء على أموالهم والسطو عليها، ولا يجوز انتهاك أعراضهم بالزنا، ولا يقول بجواز ذلك إلا إنسان قد ذهب عقله، فدماؤهم محفوظة وأموالهم محفوظة، وأعراضهم محفوظة كحفظ دماء وأعراض وأموال المسلمين تماماً بتمام، ولا تستباح دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وسيأتي هذا معنا بإذن الله في كتاب الجهاد.

    شرح حديث: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ...)

    [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن حبيب الحارثي وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي- عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة كيسان السختياني البصري- عن ابن سيرين -وهو محمد- عن ابن أبي بكرة وهو عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)].

    أي: كيوم خلق الله السماوات والأرض. يعني: هذا التبديل والتغيير في أشهر الله تعالى إنما أحدثه الخلق، أما الله تعالى فقد خلق الأيام والشهور، وخلق السموات والأرض على غير ما أحدثه وابتدعه المبتدعون وبدلوا فيه وغيروا وحرفوا، فوافق دخول النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع مكة المكرمة استقامة الدنيا، واستقامة السموات والأرض على نحو ما خلقها الله منذ أول يوم، وسيأتي مناسبة ذلك.

    قال: [(السنة اثنا عشر شهراً)] وهي في كل الأحوال اثنا عشر شهراً. يعني: المبدلون والمغيرون لم يستطيعوا أن يجعلوا السنة إحدى عشر أو ثلاث عشر، لكن التبديل والتغيير إنما جعل في ترحيل شهر مكان شهر، وتبديل شهر مكان شهر.

    قال [(منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات)] يعني: ثلاثة أشهر متواليات شهر بعد شهر، وإن كانت في سنتين، وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم) مع أن الاثنين الأولين في سنة والثالث أول السنة التالية.

    ثم قال: [(ورجب مضر)] سمي بذلك لأن قبيلة مضر كانت تعظم هذا الشهر، لا تتطرق إليه بنسيئة. يعني: لا تبدله ولا تأخره ولا تغيره، بخلاف غيرها من قبائل العرب.

    وسميت بالأشهر الحرم؛ لأن الله تعالى حرم فيها القتل والحرب، وكان هذا معروفاً معلوماً في الجاهلية قبل الإسلام، وقد كان العرب لا يقاتلون فيها، وينتظرون مرور هذه الأشهر في أمان وسلام وإعداد للقتال، وبعد مرور هذه الأشهر يقع القتل والحرب والخراب بين القبائل أو العشائر، أما في هذه الأشهر فأمر محال أن يحدث، ولكنهم احتالوا على حرمة هذه الأشهر كما احتال اليهود على السبت، لما حرم الله تعالى عليهم صيد البحر في السبت ورموا الشباك يوم السبت ورفعوها في يوم الأحد.

    وهذه حيلة لا تخفى على الله؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فكذلك هؤلاء الوثنيون العرب احتالوا على حرمة الأشهر، لا بأنهم اعدوا عدتهم في هذه الأشهر فقاتلوا بعدها كما فعلت اليهود بل كانوا شراً من ذلك، لأنهم رحلوا الشهر نفسه إلى شهر آخر، فجعلوا شهر المحرم ينتقل إلى صفر، ويحل صفر مكانه، فيقاتلون بعضهم البعض في شهر محرم ويزعمون أنهم يقاتلون في شهر صفر، وفي العام المقبل ينتقل صفر إلى شهر أسبق أو ألحق، وهكذا حتى إذا كان صفر هو الشهر الثاني في السنة فربما يكون في سنة هو الأول، وربما يكون في سنة هو الثالث، أو هو الرابع، أو الخامس، وهكذا حرم الله تعالى عليهم النسيئة، وهو: التأخير. أي: تأخير أشهر الحرم حتى يتسنى لهم القتل بزعمهم في أشهر ليست حرماً، وظلوا على هذا النحو حتى كان شهر المحرم في عام هو الشهر الثاني، وفي العام الذي بعده هو الثالث، أو الرابع، أو الخامس، حتى مرت الأيام ورجع شهر المحرم إلى موطنه الذي جعله الله فيه وهو الشهر الأول في السنة، فلما كان حجة الوداع ناسب ذلك، ووافق ذلك ترتيب الشهور على النحو الذي خلقها الله عز وجل عليه في أول الأمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام حينئذ: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض).

    يعني: هذه السنة التي نحن حججنا فيها حجة الوداع قد رجعت إلى أصلها وهو الترتيب الطبيعي للأشهر الذي رتبه الله عز وجل؛ لأن هؤلاء قد أحدثوا، وابتدعوا في ترتيب الأشهر ما لم يأذن به الله عز وجل.

    قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات) وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم (ورجب الفرد).

    سمي رجب الفرد؛ لأنه انفرد، ولم يكن تابعاً ولا متوالياً مع هذه الأشهر، فهو يسمى رجب الفرد أو رجب مضر.

    قال: [(ورجب شهر مضر، الذي بين جمادى وشعبان)].

    لأن رجب هو الذي يسبق شعبان ويلحق جمادى الآخر.

    [ثم قال: (أي شهر هذا؟)]، المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما وضع لهم أصل القضية الأولى وهي أن الله سبحانه وتعالى خلق السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب في منى في المنحر، ومعلوم أنه لا يخفى على الصحابة في حجة الوداع أن المكان هذا اسمه منى، أو البلد الحرام، وأن الحج في شهر ذي الحجة، ولا بد أن يبدأ من يوم التروية، وهو يوم الثامن، وينتهي إما في الثالث عشر، أو الرابع عشر، فهذه المسألة ثابتة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أتدرون في أي بلد أنتم؟ أتدرون في أي يوم أنتم؟ أتدرون في أي شهر أنتم؟ وفي كل سؤال الصحابة يقولون الله ورسوله أعلم).

    وبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لا يصح أن نقول: الله ورسوله أعلم. إنما نقول: الله أعلم. فنرد العلم إلى الله بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في حياته قد وردت جميع النصوص بأن الله ورسوله أعلم؛ لأن الله تعالى يعلم رسوله ما أراد حتى من أمور الغيب، والأمور الشرعية معلومة.

    فقال: [(أتدرون أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه)].

    فالصحابة ما أجابوا على هذا السؤال بل قالوا: الله ورسوله أعلم، ظناً منهم أنه سيسميه بغير اسمه، وقالوا ذلك تأدباً بين يدي شيخهم وأستاذهم ابتداءً، ولا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعلمون أنهم في شهر ذي الحجة، كما لا يخفى عليه أنهم ما أجابوا بهذا إلا تأدباً بين يديه، وعدم التقدم بين يديه عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يصح للإنسان أن يحج في شهر وهو لا يعلم ماذا يكون هذا الشهر؟

    ولكنه الأدب بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وينبغي علينا أن نقف عند أجزاء هذا الحديث جزءاً جزءا؛ لأن هذا الحديث منهج تربوي عظيم جداً؛ لأن الشيخ أحياناً يسأل سؤال ويلتف حوله بعض الطلاب فإذا سأل في سؤال أجاب كل من حضر بجواب يختلف عن جواب صاحبه، والذي سكت ولم يجب هو الشيخ مع أن السؤال موجه إليه، وهذا من سوء الأدب في طلب العلم أن يتكلم الطالب بين يدي شيخه حتى وإن كان عالماً بالجواب؛ لأن الأصل أنه لا يتكلم إلا إذا أذن له الشيخ، كما أن ابن عباس كان إذا سأل قال: يا سعيد بن جبير أجب. مع أن سعيد بن جبير هذا إمام من أئمة التابعين، ومجاهد بن جبر من أئمة التابعين، وعكرمة من أئمة التابعين، ومع هذا ما كان الواحد منهم لا يتفوه بكلمة بين يدي شيخه ابن عباس، إجلالاً واحتراماً للعلم، فكان لا يتكلم إلا الكبير، قال عليه الصلاة والسلام: (كبر كبر). وهذا في الكلام والرأي والمشورة، فحينئذ ينبغي لطالب العلم حتى وإن كان عالماً بالجواب ألا يتكلم إلا بإذن، وكذلك ينبغي له أن يتورع عن الكلام حتى وإن أذن له الشيخ، فقد كان ابن عباس يقول لـابن جبير : أجب. فيقول: كيف أجب بين يديك؟ يعني: كيف أتكلم؟ فهذا أمر لا يصح، حتى العرب كانت تستهجن هذا الأسلوب.

    فيقول: وما ضرك أن تجيب، فإن أصبت باركتك، وإن أخطأت قومتك.

    والهدف من ذلك: هو أن ابن عباس يدرب من كان تحت يديه للفتوى والوعظ وغير ذلك. كأنه يقول له: ليس لك أن تتكلم بين يدي إلا من باب الدربة وأخذ الخبرة في تعليم الناس والتعلم.

    [(قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه)] أي: بعدما قالوا: الله ورسوله أعلم سكت برهة من الزمان، فظنوا بهذا السكوت أنه سيسمي ذي الحجة بغير اسمه. [(قال: أليس ذا الحجة؟)] يعني: ألا تعرفون أن هذا الشهر هو شهر ذي الحجة. [(قلنا: بلى)] وفي هذا: إثبات أن جواب أليس يكون ببلى؛ لأن نفي النفي إثبات، وبلى نفي، ونفي النفي إثبات، ولا يصح أن يقولوا: نعم، وإن كان هذا قد ورد عن بعض العرب وهي لغة ضعيفة، لكن الصحيح أو الراجح من أقوال اللغويين: أن بلى إجابة للسؤال الذي يبدأ بأليس؟ [قال: (فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس البلدة)] التي هي البلدة الحرام، ومعلوم أن منى حرم، ويعني ذلك أنها تأخذ أحكام البلد الحرام كلها، فمنى تماماً في حرمتها كمكة، ومنى جزء من مكة، بخلاف الحل كالتنعيم، ولذلك من أراد أن يحرم فلا يحل له أن يحرم من منى، إنما يحرم من خارج الحرم من المكان الذي يسمى بالتنعيم؛ لأن التنعيم خارج الحرم، وهذا بشروط ليس هذا هو وقتها [(فقال: أليس البلدة؟)] ربما يكون عليه الصلاة والسلام قال لهم ذلك وهو في منى، وربما يكون قال لهم ذلك وهو في مكة، وإن كانت منى جزءاً من مكة إلا أن يوم النحر فيه أعمال كثيرة؛ ثم بعد ذلك سألهم: [(أتدرون في أي يوم أنتم أو أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس يوم النحر)]. ويوم النحر هو يوم الذبح، وهو يوم عيد الأضحى.

    [(قالوا: بلى يا رسول الله)] فيوم النحر فيه أعمال ليست على الترتيب وإنما لك أن تخالف فيها: الأول: رمي جمرة العقبة الكبرى، والتي تسمى الحج الأصغر، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف والسعي لمن لم يسع، فأول شيء رمي جمرة العقبة، وبعد ذلك تحلق قبل أن تطعم، وتسعى قبل أن تطوف، وتطوف قبل أن تحلق، فهذا إن شاء الله لا يضرك.

    لحديث: (ما سأل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج). أنا أقول هذا الكلام لأبين أن النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون قال هذا الكلام وهو في منى، أو أنه انتقل إلى مكة ليطوف ويسعى. [(فقال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فإن دماءكم، وأموالكم -وفي رواية: وأعراضكم- حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)].

    وأعظم فائدة أصولية يمكن أن نستفيدها من هذا النص هي جواز القياس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قاس ما ليس معلوماً قطعاً، أو ما خالف فيه البعض على ما لا يحل لأحد أن يخالف فيه. أي: أليس المعلوم عندكم حتى قبل الإسلام أن يوم النحر حرام، وأن هذا الشهر حرام، وأن هذا البلد حرام، وحرمة ذلك قطعية لم يخالف في ذلك أحد؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فقيسوا على حرمة هذه الأشياء حرمة الدماء، والأموال، والأعراض. فقاس ما وقع فيه النزاع على ما لم يقع فيه النزاع.

    ثم قال: [(وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم)].

    وأنتم تعلمون أن لقاء الله تعالى أمر لازم، وأن الله تعالى سيكلم كل عباده وكل خلقه، ليس بينه وبينهم ترجمان، وأن الله تعالى إذا تكلم فهم العبد كلام الله عز وجل، ومعلوم أن العبد إذا تكلم مهما اختلفت لغته ولونه ولسانه فإن الله تعالى هو الذي علمه ذلك فكيف لا يفهمه؟

    وفي هذا: إثبات البعث، والجزاء، والحساب، والجنة، والنار. [قال: (فلا ترجعوا بعدي كفاراً أو ضلالاً، يضرب بعضكم رقاب بعض)].

    سمى النبي عليه الصلاة والسلام ضرب الرقاب هنا كفراً أو ضلالاً؛ لأن الضلال ضد الهدى، والهدى حفظ الأعراض، والدماء، والأموال، والضلال مخالفة ذلك إلى ضده، فإذا كان الأمر كذلك فإن من قتل بغير حق فإنما يكون وقع في الضلال أو في الكفر؛ فتبين من هذا: أن ضرب الرقاب بغير حق كفر عملي. أي: لا يخرج به صاحبه من الملة، خاصة إذا كان معتقداً حرمة ذلك، أما إذا اعتقد حل ذلك بعد قيام الحجة الرسالية عليه فإنه يخرج من الإسلام إلى الكفر البواح؛ لأنه حينئذ لا يكفر لمجرد القتل وإنما يكفر لحل ما حرم الله من غير عذر ولا شبهة؛ مع قيام الحجة الرسالية عليه، فحينئذ يكفر ويخرج من الملة؛ لأنه لا عذر له في القتل كما أنه لا شبهة عنده بقيام الحجة عليه.

    معنى قوله: (ألا ليبلغ الشاهد الغائب)

    قال: [(قال: ألا ليبلغ الشاهد الغائب)] وفي هذا: إثبات أن الدعوة إلى الله عز وجل فرض كفائي إذا فعله البعض سقط عن الباقين.

    يقول جمهور العلماء: وهذا فيما يتعلق بمسائل الاجتهاد. أي: المسائل التي تحتاج إلى علم وبصيرة وأدلة. أما المسائل العامة التي لا تحتاج إلى دليل فإن تبليغها واجب على كل إنسان، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم الفواحش، وحل الطيبات، فهذا كل الناس يعلمونه، حتى الكافر يعلم ذلك، فإنه إذا رأى إنساناً يمد يد العون والصدقة، أو يغيث الملهوف أو غير ذلك لإنسان آخر فإنه لا يخفى عليه أن هذا عمل صالح.

    ولو أن كافراً رأى مسلماً يزني، أو يسرق، أو يشرب الخمر، فقال له: اتق الله هذا مما حرمه الله؛ لأن الله تعالى حرم ذلك حتى على اليهود والنصارى، فهل يقول له المسلم: أنا لا أقبل منك؛ لأنك كافر. لا يحل له ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لـأبي هريرة عن الشيطان: (صدقك وهو كذوب).

    فقد صدقه في هذا الموطن؛ لأنه لا حاجة له تدعوه إلى الكذب، فأحياناً الصدق والحق والخير يأتي من الكافر، والعدل قامت عليه السماوات والأرض، والحكمة هي ضالة المسلم فإنه يلتمسها حتى وإن كانت على يد كافر.

    والنبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ومنهم جعفر بن أبي طالب بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن ملكها النجاشي رحمه الله لا يظلم عنده إنسان. هذه هي العلة. ولذلك لما ذهب عمرو بن العاص قبل إسلامه وكان داهية من دواهي العرب إلى الحبشة، قال للنجاشي: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً. فلم يرد على قول عمرو ابتداءً، ويقل له: أنت كذاب، وأنت مفتر، بل أمر بأن يحضر جعفر ومن معه فقال له: ماذا تقولون في عيسى؟ وماذا قال نبيكم وقرآنكم في عيسى؟ فقرأ عليه آيات من سورة مريم. فقال النجاشي حينئذ: والله لا يعدو قول عيسى هذا العرجون، وتناول عصاً من الأرض، والعصا تسمى في لغة الحبشة العرجون. قال: والله ما فارق أمر عيسى هذا العرجون. يعني: القرآن الذي جاء الله به على لسان نبيكم وحي السماء، ليس أكثر ولا أقل منه في شأن عيسى، ولذلك نخر البطارقة الذين حضروا هذا المشهد نخراً عظيماً، وعلت أصواتهم كأنهم ينكرون على النجاشي أمره. قال: والله لا يعدو أمر عيسى هذا العرجون مهما نخرتم وارتفعت أصواتكم. لأنه رجل عدل، فإذا جاءتنا النصيحة ولو من مشرك كافر وثني قبلناها، وإذا جاءنا الشر من أعبد الخلق رددناه عليه. الواحد منا إذا أتاه خبر من محب قبله، وإن كان شراً ستره ولم يفضحه؛ وهذا شيء طيب، لكن الذي يحتاج إلى تقويم هو أننا نرد الشر على من جاء به وإن كان محباً، ونقبل الخير ممن جاء به، ولو كان كافراً، ودائماً نقول: الحق يقبل من كل من جاء به، والشر يرد على كل من جاء به.

    نحن قد وصلنا في وقت من الأوقات أننا لا نقبل أي شيء نهائياً من الأزهر، ومبرر ذلك أن علماء الأزهر هؤلاء علماء سلطة، علماء مال، نعم هم كذلك لكن ليس كلهم، فإن فيهم أناساً أفاضل. وبعض الناس يقول: لو أن الأزهري قرأ القرآن سوف أتهمه. وهذا بصراحة بغض مفرط جداً بصراحة، وغلو شديد جداً، وأنا شخصياً من سألني في مسألة الطلاق أقول له: اذهب إلى الأزهر، فإن هذه المسألة من مسائل الطلاق بعيدة عن الأموال والسياسة، ليس لهم فيها مصلحة، فإنهم يفتون بشرع الله، ففي هذه المسائل هم علماء فيها، وأساتذة كبار، حتى أنني مرة من المرات ذهبت مع شخص طلق زوجته فذهبت به إلى شيخ أزهري، فسأله الشيخ أسئلة كانت لا يمكن أن تخطر ببالي، تصور أنني قد عقدت في نفسي حكماً معيناً لهذه القضية المطروحة، ولما ذهبت وجلست بين يدي هذا الشيخ غيرت رأيي في القضية بناءً على إجابة هذا الإنسان السائل لأسئلة هذا الشيخ.

    قال: [(ألا فليبلغ الشاهد الغائب)].

    هذا فيه: حجة لجماعة التبليغ، فهم يحتجون بآيات القرآن الكريم التي تتكلم عن الجهاد أنه جهاد الدعوة، الدعوة نوع من أنواع الجهاد لكنها واجبة على أهل العلم، هم لا يقولون أنهم أهل علم، وفي حقيقة الأمر هم لا يسمحون لأحد قط أن يلقي درساً بين أيديهم، إنما الذي يلقي الدرس والذي يلقي البيان والذي يعمل كل شيء، والذي يقوم في الناس ويكلمهم يكون منهم.

    تصور أن شخصاً منهم كان يشرب الخمر، ويقطع الصلاة ثم يهتدي ويدخل المسجد ثم يلقي البيان، ويحتج بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية).

    والمراد بـ(بلغوا عني ولو آية) يعني بلغوا العلم، ليس المقصود عين الآية، أو المقصود عين المسألة العلمية، إذا سألتني فيها وأنا على علم بها وجب علي البلاغ والإخبار.

    إذاً: هذا الكلام كله الذي يستشهد به جماعة التبليغ من الكتاب والسنة على صحة منهجهم ليس استشهاداً صحيحاً في محله، إنما هو في غير محله، ومراد الله تعالى، ومراد الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الآيات وهذه الأحاديث ليس هو منهج جماعة التبليغ، وأشهد لله تعالى أن هذه الجماعة ليست على هدى، ولا كتاب منير، لا على مراد الله، ولا على مراد الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إنه -يا إخواني!- أليست عندنا نصوص عن سلفنا رضي الله عنهم أن ما كان يومئذ ديناً فهو اليوم دين، فكل منهج لم يكن له أصل أصيل عند سلفنا رضي الله عنهم الذين قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).

    فلا يمكن أبداً أن يكون منهجاً سليماً ولا سديداً، لا بد أن يدخله الخلل كثر هذا الخلل أو قل، فإن قول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب) ليس فيه حجة لجماعة التبليغ.

    والعلة من هذا البلاغ [(أنه لعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه، قال عليه الصلاة والسلام: [(فرب مبلغ أوعى من سامع)]. والمبلغ اسم مفعول. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: بلغوا ما سمعتم وحفظتم وضبطتم للناس الآخرين. والمقصود هو ضبط العلم وحفظه وفهمه.

    ولذا فإن بعض المحدثين ليس لهم حظ من العلم إلا مجرد الحفظ فقط إنما مدلول ومفهوم هذا المحفوظ ليس عنده، لكن الله أكرمه بذاكرة كمبيوتر، يسمع الشيء فيحفظه في العقل، ويكون هذا دوره أنه يأخذ من هنا وينقل إلى هنا، لكن ليس له الصدارة؛ لأن الصدارة تحتاج إلى ذكاء، وعقل، وفطنة، وفهم، وغير ذلك.

    ولعلي من قبل قلت: حدث في الشام في المسجد الأموي أن امرأة أتت وسألت عن مسألة طلاق على باب المسجد، فسألت الطلاب، وهذا كان في القرن الثالث الهجري، فقال التلاميذ: لا علم لنا بهذه المسألة، ادخلي إلى الشيخ واسأليه، فلما خرج إليها الشيخ سألته عن مسألتها فقال: الطلاق واقع بدليل قوله عليه الصلاة والسلام كيت وكيت وكيت، فقال الطلاب الحاضرون: نعم هذا الحديث سمعناه من فلان قال حدثنا فلان عن فلان قال: أخبرنا فلان، وطريق آخر قال: حدثنا فلان عن فلان وذكروا لهذا الحديث طرقاً شتى، والمرأة تنظر إليهم. فقالت: ألم أسألكم عن هذه المسألة قبل أن أسأل الشيخ؟ قالوا: لا علم لنا إلا بالدليل، أما فقه الدليل فيعلمه أهل العلم الكبار. وهكذا في مسائل كثيرة.

    فقال عليه الصلاة والسلام: [(فرب مبلغ أوعى -يعني: أفهم- من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)].

    أما مجرد النقل للأخبار والروايات، ونقل مسائل العلم، فإنه يحتاج إلى تمكن من الحفظ والإتقان فقط، ولكن التصدر إلى مسائل العلم إفتاءً ودعوة وتفهيماً وتعليماً يحتاج إلى فهم وعلم.

    ثم قال: [(ألا هل بلغت)].

    والجواب كما في رواية أخرى (قالوا: نعم. فرفع النبي عليه الصلاة والسلام إصبعه السبابة إلى السماء ينكتها إلى الناس) يعني: يرفعها إلى السماء. وهذا فيه: إثبات علو الله عز وجل على خلقه وأنه مستو على عرشه، فالنبي يثبت لله العلو ويقيم الحجة عليهم، ويري الله تعالى من نفسه أنه قد بلغ هؤلاء، وأن هؤلاء أمروا وكلفوا بالبلاغ إلى من بعدهم، وهكذا إلى قيام الساعة، على خلاف عادة الأنبياء والرسل من قبله عليه الصلاة والسلام، فكل رسول هو الذي كلف بالبلاغ فحسب، أما هذه الأمة فإنها كلفت بالبلاغ إلى آخر جيل منها قبل قيام الساعة، وهذا الواجب لم يكن في النبوات والرسالات السابقة.

    [قال ابن حبيب أي: يحيى بن حبيب الحارثي في روايته: (ورجب مضر)، لم يقل: ورجب شهر مضر. وفي رواية أبي بكر : (فلا ترجعوا بعدي).

    حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا يزيد بن زريع البصري ، حدثنا عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم صعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه]. وفي هذا استحباب أن يكون الحج ماشياً أو راكباً، وحج النبي عليه الصلاة والسلام حجته الوحيدة بعد النبوة راكباً، حتى طاف حول الكعبة راكباً، لكن هذا الوقت لا أحد يطوف حول الكعبة حتى وهو يلبس الشبشب، وإلا يضرب به.

    والضمير (بخطامه) يعود على البعير. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: [(أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: فأي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال: أليس البلدة؟)] أي: البلد الحرام، والألف واللام هنا للعهد. [(قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فإن دماءكم وأموالكم، وأعرضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب، قال: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين -يعني: خروفين سمينين- فذبحهما)] وهذا هو الهدي الذي يكون في يوم النحر.

    المهدي له أن يذبح كبشاً واحداً، فإن ذبح أ كثر من ذلك فلا حرج عليه، لكن الواجب عليه أن يذبح دماً واحداً، أو يشارك في دم كبير. يعني: سبعة يشتركون في بعير أو في بقرة، أما إذا كان وحده فيذبح شاة واحدة، وإن ذبح أكثر من ذلك حتى لو ذبح بقرة أو جملاً لوحده فلا حرج عليه، وهذا بلا شك أفضل.

    قال: [(ثم انصرف إلى جزيعة -أي: قطيع صغير من الغنم- فقسمه بيننا)] أي: فجعل لكل واحد واحداً حتى يذبحه عن نفسه هدياً.

    وهذا الحديث سبق معنا في كتاب الحج، وقد شرحناه شرحاً مطولاً، وأظن أن ذلك كان على المنبر هنا في العام الماضي، والشاهد من سرد هذا الحديث في كتاب الحدود والديات والقصاص: هو حرمة الدماء. والنكتة الظريفة: أن الإمام النووي بعد أن أورد هذا الحديث في كتاب الحج أورده في هذا الكتاب لإثبات حرمة الدماء.

    1.   

    باب صحة الإقرار بالقتل

    الباب العاشر (باب صحة الإقرار بالقتل). يعني: لو أتى شخص وقال: أنا قتلت. صح إقراره، ويثبت عليه الحكم؛ لأن الإقرار سيد الأدلة، فهذا الإقرار وإن كان كلاماً ليس منصوصاً عليه في الشرع لكنه على أية حال كلام شرعي. والإقرار له شروط: أن يكون المقر بالغاً، عاقلاً، سليماً من الآفات. فلا يصح إقرار المجنون على نفسه أنه قاتل؛ لأن المجنون يقول كلاماً يضره وهو لا يدري أنه يضره، فالإقرار إما ابتداءً أو ادعاءً. ابتداءً يعني: هو لما قتل أتى إلى القاضي وقال: أنا قتلت. مثل المرأة الغامدية لما زنت، أتت من طور إراداتها، وقالت: يا رسول الله! فجرت فلا تفعل معي كما فعلت بـماعز بالأمس. يعني: لا تقررني مثلما قررت ماعزاً بالأمس، أنا أتيت أقول لك: أنا فجرت فطهرني، وأعرف ما معنى أني فجرت، وأيضاً أنا حبلى من الزنا.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لم يفعل معها كما فعل مع ماعز. قال لها: اذهبي حتى تضعي الحمل. لم يقل: ما هذه الفضيحة؟ وزوجها سوف يطلقها، وبيتها سوف يخرب، والعائلة سوف تتشرد، أو لا بد أن تذهب إلى دكتور يجهضها. لا. إنما حافظ النبي على حرمة الجنين حتى وإن كان ماؤه هدراً -لأنه من زنا- فأمر ووصى أولياء المرأة بالمحافظة على المرأة وعدم المساس بها أو التعرض لها بأذى حتى تضع الحمل. فرجعت مرة ثانية، وهذا من إصرارها على التوبة، فأتت بولدها بعد عامين وفي يده كسرة خبز، وقالت: أقم علي الحد، حينئذ أقام النبي عليه الصلاة والسلام عليها الحد، وأثبت المغفرة لها، وأنها من أهل الجنة فقال: (لقد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لقبل منهم). ومعلوم أن الله تعالى يقبل توبة من تاب، فحينئذ لو أقر الإنسان ابتداءً بين يدي الحاكم أو القاضي أو السلطان، أو من أنيط به إقامة الحد وفصل المنازعات ووضع القضاء، وقال له: أنا فعلت كيت وكيت. فالواجب على الحاكم فقط أنه يتأكد أن عقله سليم أم لا، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ماعز : (أبه جنون؟ قالوا: والله ما به جنون. قال: لعله سكر -أي: الرجل ممكن أنه كان سكران- ثم أدناه النبي منه حتى استنكهه). يعني: شم ريحة فمه بنفسه عليه الصلاة والسلام من أجل أن يتأكد أنه خالٍ من العوارض كلها، فإن خلا من العوارض قامت عليه بعد ذلك الحجة، ولزمه إقراره.

    والإقرار ابتداءً، هو من غير أي دعوى، كأن يذهب إلى الحاكم ويقول له: أنا حصل مني كيت وكيت، ويطلب منه أن يقيم عليه الحد، وهذا إقرار ابتدائي. أما الإقرار الدعوي فهو لم يقر إلا بعد أن أقيمت عليه الدعوى، ففي هذه الحالة الإقرار معتبر في كل الأحوال.

    وفي سحب الإقرار نزاع بين أهل العلم، كأن يقر شخص أنه قتل وحكم عليه بالإعدام، لكن عند التنفيذ العملي لما رأى حبل المشنقة، قال: لست قاتلاً، إنما القاتل فلان، وسأورد لكم الأدلة. في هذه الحالة الإقرار غير معتبر، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، إذا رجع المقر عن إقراره وأقام البينة على ذلك لم يكن هناك اعتبار لإقراره الأول، لكن بشرط البينة والأدلة، وهذا الكلام سوف نأتي إليه بإذن الله.

    فقوله هنا: (وتمكين ولي القتيل من القصاص). أي: إنما يقتله السلطان، ولا بأس أن يقتل ولي القتيل القاتل، لكن ذلك لا يكون إلا بأمر السلطان؛ لأن القتل له مؤهلاته، وله أسبابه وفقهه، وله أحكامه، فقد يكون القاتل مجنوناً فمن قتله ثأراً فإنما هو قتل غير شرعي، والذي يعمل في الصعيد نوع من هذا، وهو من الهمجية، وإن كانت الهمجية القديمة أحسن مما نحن فيه، فالهمجية التي تكون بحكم القبائل فيها شيء من الشرع، بخلاف الذي نحن عليه ليس فيه رائحة الشرع، فالناس لا يلتزمون بالشرع في الغالب، إنما يلتزمون بظواهر الشرع، أما بواطن الشرع وحقيقة الشرع في المعاملات، والأخلاق والسلوك والآداب وغيرها فلا، فحقيقة الأمر: نحن بعيدون كل البعد عن الشرع، ولا نتمسك إلا بظواهر الشرع، وهذا أمر يحتاج منا إلى وقفة مع الذات ووقفة مع النفس.

    قال: (واستحباب طلب العفو منه). أي: من القصاص إلى الدية، ومن الدية إلى العفو.

    شرح حديث: (إن قتله فهو مثله)

    [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل] وهو وائل بن حجر الحضرمي الكوفي. وقيل: أن علقمة لم يسمع من أبيه. والصواب أنه سمع بدليل أنه قال: إن أباه حدثه. فحدثه هنا تصريح بالسماع.

    [قال وائل بن حجر : (إني لقاعد مع النبي عليه الصلاة والسلام إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة)]. وهو الحبل المفتول من جلد. وفي هذا: جواز إذلال صاحب المعصية بما يرده عن معصيته ويردعه.

    [فقال يا رسول الله: (هذا قتل أخي. فقال رسول الله: أقتلته؟ قال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة)].

    يعني: ولي القتيل لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام وهو يسأل القاتل قال له: لو لم يعترف لأقمت عليه البينة. وهذا الأصل الأصيل، قال عليه الصلاة والسلام: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر). لكن لا بأس أن المدعى عليه يقر فإذا أقر ارتفع النزاع، فإذا لم يقر وجب على المدعي أن يقيم البينة ولا يقبل منه يمين؛ لأن يمينه لا يحل محل البينة من المدعى عليه، ولا ينتقل حق المدعى عليه إلى المدعي، والبينة على المدعي، وهذا الكلام من أعلام النبوة، وكلام من جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام، فقال: (البينة على المدعي).

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يسأل المدعى عليه يقول له: هل أنت قتلته. قال له: يا رسول الله هذا لو لم يعترف وأقر أنا أقيم عليه البينة. [(فقال: نعم قتلته)]. وهذا بالإقرار. [قال: (كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط)] الخبط عند العرب لم يكن من أجل الثمر نفسه بل ربما يكون للورق يتخذونه أعلافاً لدوابهم، كانوا يخبطون الأشجار، فتنزل الأوراق فيطعمون بها الدواب. [(قال: يا رسول الله كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته)].

    والقرن هو ناحية الرأس وليس وسط الرأس، فضربه به فقتله [(فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك)].

    لأن هذا قتل عمد، فإنه قصد قتله بما يقتل غالباً وهو الفأس.

    قال: [(قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي)] يعني: هو ليس له مال غير الكساء الذي هو يلبسه والفأس فقط.

    قال [(قال: فترى قومك يشترونك)] أي: الأصل في قتل العمد القصاص، لكن لو أنا شفعت لك ونزلوا من القصاص إلى الدية فهل أهلك ممكن أن يدفعوا الدية عنك؟

    قال: [(فقال: أنا أهون على قومي من ذاك)] أي: لا يوجد أي شخص يحترمه، هم يريدون أن يتخلصوا منه وربما نازعوا في مسألة الدية، وطالبوا بالقصاص، من أجل أن يتخلصوا منه بالكامل.

    قال: [(فرمى إليه بنسعته)] يعني: رمى الحبل من يده وسلمه لولي المقتول، وبعد ذلك ولي القتيل حس أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يشفع له من القصاص إلى الدية، والقاتل ليس عنده شيء، ولا أهله مستعدون أن يساعدوه، بل يريدون أن يتخلصوا منه [(فرمى إليه بنسعته وقال: دونك صاحبك، فانطلق به الرجل فلما ولى -أي: لما ذهب- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتله فهو مثله. قال: فرجع إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله، وأخذته بأمرك)] أي: أنت الذي أعطيتني الحبل وقلت لي: خذه وتصرف فيه، وأنت حر فيه. [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تريد أن يبوء بإثمك وأثم صاحبك)] أي: أما تريد أنت يا صاحب الحق أن يتحمل عنك هذا القاتل ذنوبك الكثيرة، كما يتحمل ذنوب أخيك الذي قتله؟! بلا شك أن الواحد يتمنى ذلك. وهذه شفاعة لكنها في صورة دلال وحب زائد، فالنبي يقول له: أنا أنصحك مع ثبوت الحق لك -أي: الحق ثابت لك في القصاص- فإن شئت أن تنزل إلى الدية فهو أفضل، لكن الأفضل من ذلك أن تعفو لأنك لو قتلته ستكون مثله، وإن لم تقتل سيتحمل ذنوبك، وذنوب أخيك الذي قتله. وهذه درجة عظيمة جداً وثمرة طيبة للعفو.

    قال: [(قال: يا نبي الله بلى)]. أي: أنا أريد شخصاً يحمل عني [(قال: فإن ذاك كذاك)] يعني: لو أنك عفوت عنه باء بإثمك وإثم القتيل. قال: [(فرمى بنسعته وخلى سبيله)]. قال له: بما أن وعد النبي صلى الله عليه وسلم لي أنك سوف تحمل عني وعن أخي عفوت عنك.

    كلام النووي في حديث (... إن قتله فهو مثله)

    أما قوله عليه الصلاة والسلام: (إن قتله فهو مثله) فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر؛ لأنه ليس هناك فضل؛ لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفا عنه، فحينئذ يكون له العفو والمنة واليد عليه طول حياته. وقيل وهو الرأي الثاني: هو مثله في أنه قاتل، وإن اختلف في الحكم، والحل، والحرمة، هذا قاتل وهذا قاتل، لكن الأول قتل ظلماً، والثاني قتل حقاً. فحينئذ هو مثله وإن اختلف الحكم، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، فالأول حمله الغضب من السب والشتم على القتل، والثاني حمله الغضب من القتل الذي وقع على أخيه أنه تشفى بالقصاص، فهما سواء في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى، لاسيما وقد طلب النبي عليه الصلاة والسلام منه العفو.

    وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ الذي هو صادق فيه لإيهام مقصود صحيح وهو أن الولي ربما خاف فعفا، والعفو فيه مصلحة للولي والمقتول، كما أن فيه مصلحة للقاتل أنه بقيت حياته، ومصلحة لولي القتيل لذهاب الإثم والحرج عنه، وتحمل الآخرين عنه ذنوبه، وهذا معنى قوله : (يبوء بإثمك وإثم صاحبك) أي: وإثم أخيك.

    قال: (وقد قال الضمري: يستحب للمفتي إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضاً يحصل به المقصود، مع أنه صادق) لأن المعاريض يلزم فيها الصدق؛ والمعاريض كلمة تحتمل وجهين المراد الوجه البعيد، والمقصود هو الوجه القريب.

    فلو جاء إليك شخص وقال لك: أنا سوف أقتل فلاناً فهل لي من توبة؟ فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا توبة للقاتل. وهو رأي باطل مردود. وقيل: إنه رجع عنه. والصواب هو مذهب الجماهير الذين قالوا: إن القتل ذنب، وكبيرة من الكبائر، فيأخذ حكم بقية الكبائر، فحينئذ لو أنك عرضت لمثل هذا بقول ابن عباس ردعاً له عن اقتراف الذنب أكنت محقاً في ذلك أم مبطلاً.

    لو أتى ألي هذا الوقت شخص وقال: يا شيخ السكينة في يدي وشخص من الإخوة الذين يحضرون معك قد أخذ مالي فإن لم يعطني مالي الآن أنا سوف أقتله هذا الوقت، فهل لي من توبة لو قتلته؟

    أقول له: ليس لك توبة؛ لأن ابن عباس قال: لا توبة لقاتل. مع أنني لا أعتقد صحة هذا القول، لكنني صادق في نقل كلام ثبت عن ابن عباس ، فحينئذ يجوز المعاريض لدفع البلاء، يجوز لشخص أن يعرض بقول هو صادق فيه لدفع بلاء أعظم من هذا التعريض.

    وفي الأثر: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.