إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏حكم المحاربين والمرتدين‏

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏حكم المحاربين والمرتدين‏للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في كتابه أن جزاء المحاربين لله ورسوله والذين يقطعون طريق الناس ويخوفونهم ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا إذا قتلوا النفس بغير حق، أو يصلبوا وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا قتلوا النفس وأخذوا المال، أما إذا أخذوا المال فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ويعزروا إذا قطعوا الطريق وأخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال.

    1.   

    باب حكم المحاربين والمرتدين

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] ، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    فمع كتاب المحاربين.

    قال الإمام النووي: (باب حكم المحاربين والمرتدين).

    تعريف المحاربة

    المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر؛ لأن من كفر فقد حاد الله ورسوله، وشاق الله ورسوله، كما أن من ارتد بعد إيمانه وإسلامه فقد حاد الله ورسوله، وضاد الله ورسوله، فكذلك المحاربة تصدق على الردة، وعلى الكفر الأصلي، كما تصدق كذلك على قاطع الطريق.

    فلو أن رجلاً انطلق خارج المصر فاتخذ له طريقاً غير مسلوكة، أو طريقاً مهجوراً، يخيف الناس، ويأخذ متاعهم، ويزهق أرواحهم، فلا شك أن هذا محارب، وعلى هذه الصورة ينطبق كلامنا في هذه الليلة، وكذلك من أخاف السبيل، أو أفسد في الأرض. وبعض أهل العلم يعتبر أن أي إفساد في الأرض سواء كان في المصر أو خارجه من المحاربة.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الذي هو غصة في حلوق كثير من العلمانيين: (من بدل دينه فاقتلوه). وتبديل الدين يعني: الردة. أي: من ارتد عن دين الإسلام فاقتلوه. وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل قتل مسلم بغير حق). وفي رواية: (إلا بثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه). أي: الذي ارتد عن دينه.

    والعلمانيون يوردون على هذا الحديث شبهاً ويقولون: إذا كان قوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن النصراني إذا أسلم فقد بدل دينه، وإن اليهودي إذا أسلم فقد بدل دينه، حتى وإن كان هذا التبديل إلى الإيمان والتوحيد، فيجب قتله حينئذ.

    والرد على هذه الشبهة وإن كانت لا تحتاج إلى رد؛ لأن هذا من كيس العلمانيين والملاحدة، الرد عليهم أن نقول: إن الدين عند الله الإسلام، فكل من كان على دين غير دين الإسلام فهو على دين الكفر عياذاً بالله، وإنما مهمة الأنبياء والرسل إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان، فلما كان عيسى عليه السلام، أو موسى عليه السلام، أو نوح عليه السلام، أو غيرهم من الأنبياء في أزمانهم وجب على الناس اتباع كل نبي أرسل فيهم، فحينئذ لا يحل لهم تبديل ديانتهم مع وجود أنبيائهم أو مع عدم إرسال رسول آخر غيره.

    أما وقد أرسل الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في العالمين فوجب على كل صاحب رسالة وشريعة ومتبع لنبي سابق أن يترك ذلك كله، وأن يكون تابعاً لنبينا عليه الصلاة والسلام، فمدار الأمر كله على ترك كل ديانة أو شريعة سبقت، واتباع شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فيكون قوله: (من بدل دينه) أي: من بدل إسلامه وإيمانه بمحمد عليه الصلاة والسلام فإنما هو مرتد وقد استوجب القتل بهذه الردة، والخطاب موجه إلى أصحابه بالدرجة الأولى، وهو عام للأمة إلى قيام الساعة. والمعنى: يا معشر الصحابة! من بدل دين الإسلام بعد أن دخل فيه فإنما حده القتل، وهو ضربة بالسيف.

    شرح حديث أنس بن مالك في قصة العرنيين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما عن هشيم -وهو ابن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي- واللفظ لـيحيى ومعناه لـأبي بكر بن أبي شيبة قال هشيم: أخبرنا أو عن عبد العزيز بن صهيب -وهو البناني البصري- وحميد -وهو ابن أبي حميد الطويل- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن ناساً من عرينة)] وعرينة وعكل، وبجيلة، أسماء قبائل في البحرين. [(قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها)]. أي: أصابهم بها داء يسمى داء الجوى، وهو داء يغير لون الجلد، والوجه، ويجعل البطن منتفخة. قال الأطباء: الجوى داء يصيب الجوف، يؤثر على الجلد، ويؤثر على لون الوجه. ومنهم من قال: الجوى داء يصيب الصدر، والأمر قريب بين الجوف والصدر.

    [فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)]. أي: فافعلوا. وإبل الصدقة كانت على مشارف المدينة أو على مداخل المدينة.

    والنبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يشربوا من ألبان وأبوال إبل الصدقة، وربما يقول قائل: وهل هذا جائز أن يشرب الناس من أبوال وألبان الإبل، أو أن يأكلوا، ويشربوا من عموم أموال الصدقة؟

    الجواب: أن ذلك جائز، خاصة إذا كانوا فقراء كهؤلاء الذين أتوا من عرينة وعكل، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما أذن لهم باعتبارهم فقراء، وباعتبارهم أبناء سبيل.

    وإبل الصدقة كان يقوم عليها مولىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه يسار ، ولما رأى رسول الله من صلاحه، وحسن صلاته ما رأى أعتقه وجعله على إبل الصدقة، وكان مع إبل الصدقة العامة للمسلمين إبلاً أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام. أي: هذه الإبل كان معظمها إبل الصدقة، وهذا لا يمنع أن يكون فيها بعض الإبل للنبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [(ففعلوا)] أي: ذهبوا إلى هناك، فشربوا من ألبانها وأبوالها. وهذا دليل للقائل أن بول وسؤر ما يؤكل لحمه طاهران. وهذا أمر محل نزاع بين أهل العلم. فمنهم من قال أنه طاهر. ومنهم من قال أنه نجس.

    فمن قال: إن بول ما يؤكل لحمه طاهر فلا إشكال عنده حينئذ أن يتداوى به.

    وأما من قال: إن بول ما يؤكل لحمه نجس فيجعل هذا حادثة عين خاصة للمرض وللتطبيب، وهذا أمر جائز عند جمهور أهل العلم، أنه يجوز التداوي بالنجاسات أو بالنجس ما لم يكن خمراً، ومعظم الأدوية التي يتعاطاها الناس الآن الله أعلم بحالها ففيها من النجاسات والأخباث والأجناس ما فيها، ومع هذا يتعاطاها الناس الآن بغير نتيجة.

    قال: [(ففعلوا فصحوا)]. أي: فبرءوا من علتهم ودائهم؛ لما شربوا أبوال وألبان الإبل. [(ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم)] أي: ثم قاموا على يسار ومن معه من الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام.

    لا بد أن تعرف جناية القوم: أولاً: لما صحوا وبرءوا من علتهم قاموا على الرعاة فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وفي رواية: [(فلما صحوا ارتدوا وقتلوا الرعاة، وجعلوا الشوك في أعينهم)]. يعني: بعد أن قتلوا الرعاة، غرزوا العيدان -الشوك- في أعين الرعاة، وهذا ما يسمى بالتسمير، أو التسميل.

    قال: [(وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسل)]. أي: ساقوا الإبل التي شربوا ألبانها وأبوالها أمامهم في انطلاقهم إلى بلادهم. أي: إلى البحرين. وجنايتهم: أنهم ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاة، وسملوا أو سمروا أعينهم، وسرقوا الإبل، فهذه جنايات متعددة. [(فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث في إثرهم)] أي: أرسل قوماً من الأنصار في طريق هؤلاء ليدركوهم ويأتون بهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: [(فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم)] ابتداءً قطع أيديهم وأرجلهم [(من خلاف، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا)] والحرة: اسم مكان لجبل حجارته سوداء حامية. ومعنى (من خلاف) أي: يقطع القدم اليمنى مع اليد اليسرى، واليد اليمنى مع القدم اليسرى.

    ومعنى سمل أعينهم: أي: فقأها، وأذهب ما فيها. مثلما نقول: سخت عينه.

    شرح حديث أبي قلابة في قصة العرنيين

    [حدثنا أبو جعفر -وهو الدولابي البزاز البغدادي ثقة حافظ اسمه محمد بن الصباح- وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لـأبي بكر قال: حدثنا ابن علية -إسماعيل- عن حجاج بن أبي عثمان -وهو أبو الصلت البصري- قال: حدثني أبو رجاء مولى أبي قلابة -واسمه سلمان، ليس له في الصحيحين حديث إلا هذا الحديث- عن أبي قلابة -وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري- قال: حدثني أنس : (أن نفراً من عكل)]. والحديث الأول أنهم كانوا من (عرينة)، وهنا أنهم من (عكل) وفي رواية (من بجيلة)، ووجه الجمع أن هذه كلها قبائل من البحرين انتدبت أناساً منهم فاجتمعوا جميعاً فأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: [(أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام)] في هذه الرواية إثبات أنهم أسلموا. وفي الحديث الأول إثبات أنهم ارتدوا. قال: [(فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم)]. استوخموا أي: أصابهم الوخم، وهو داء يصيب البدن يجعل الإنسان كالتالف لا يقدر أن يقوم من مقامه، فهو إنسان كسول، ويحس بالفتور والخمول، والوخم، لا يستطيع أن يزاول عمله، ولا أن يعود إلى نشاطه، وهذا داء يصيب الإنسان إذا غير أرضاً إلى أرض، أو مكاناً إلى مكان، أو جواً إلى جو، ولذلك نحن في تغير الفصول يكون الشخص يشعر بالكسل، وهو تالف، وجسمه مكسر، وغير ذلك؛ لأن هذا انتقال من فصل الشتاء إلى فصل الصيف، فالمدينة ومكة بالذات هما البلدان اللذان يحس الداخل فيهما لأول مرة بهذا الداء، فيشعر بالوخم، وأنه غير قادر على المشي، ولا على الحركة والنشاط.

    ومعنى: وسقمت أجسامهم. أي: مرضت واعتلت. [(فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى يا رسول الله! فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا)] أي: زالت علتهم ووخمهم [(فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل)]. وفي رواية: (وأطردوا النعم). أي: ساقوها أمامهم في طريق عودتهم إلى بلادهم. [(فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث في آثارهم)] أي: خلفهم على نفس الطريق الذي صاروا فيه.[(فأدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا)]. قال ابن الصباح في روايته: (وأطردوا النعم) أي: ساقوها أمامهم. وقال: (وسمرت أعينهم) أي: دكت بالمسامير المحمية، وهذا الذي يعرف في الشرع بالمثلة. والتمثيل بجثة الإنسان: أن يجدع أنفه، أو تقطع أذنه، أو يقطع له أي عضو، أو تسمل أو تسمر عينه بالمسامير والشوك وغير ذلك. ومعلوم أن (النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن المثلة)، ومع هذا قد مثل بهؤلاء؟

    وجواب ذلك: إما أن يكون مثل عليه الصلاة والسلام قبل النهي، ومذهب الجماهير أن النهي عن التمثيل إنما هو نهي تنزيه وكراهة، وليس نهي حرمة.

    وبعضهم قال: إنما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بهؤلاء كما فعلوا قصاصاً. وهو الراجح.

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يحرق بالنار إلا رب النار). وهذا نهي شديد وزجر أكيد عن الحرق والإيذاء بالنار، لكن لو أن واحداً أحرق غيره بالنار، فيجوز حرق هذا الحارق بالنار قصاصاً. أي: يستثنى من النهي القصاص؛ لأن هذا خالف النهي، وارتكب الإثم، فأحرق غيره بالنار، فالقصاص يستوجب أن من قتل يقتل بالكيفية التي قتل بها.

    قال: [حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني- عن أبي رجاء سلمان مولى أبي قلابة قال: قال أبو قلابة : حدثنا أنس بن مالك قال: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عكل أو عرينة فاجتووا، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح)]. واللقاح هي الناقة ذات الدر، الناقة التي تحلب [(وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها) وذكر الحديث بمعنى حديث حجاج بن أبي عثمان السابق. قال: (وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون)].

    وقوله: (يستسقون فلا يسقون) ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بألا يستجيب أحد لسقايتهم، كما أنه ليس فيه أنه نهى عن سقيهم.

    (قال القاضي عياض: وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع الماء قصداً -أي: لا يتعمد أحد منع الماء عنه- فيجمع عليه عذابين: عذاب القتل، وعذاب منع السقاية).

    قلت: قد ذكر في هذا الحديث الصحيح أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإسلام، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا في غيره، لأن هؤلاء مرتدون.

    (وقد قالت الشافعية: لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم).

    فالشافعية يقولون: لو أعطاه الماء وتيمم لم تصح طهارته؛ لأن هذا ليس ذمياً، وليس صاحب كتاب، وإنما هذا مرتد، والمرتد لا حرمة له البتة.

    تصور أن يبلغ الأمر إلى منع المرتد الماء ليشرب ولو كان هذا الماء لا يكفي إلا للوضوء فتيمم صاحبه فإنه لا يقبل منه ذلك، ولا يصح.

    قال: (ولو كان ذمياً أو بهيمة وجب سقيه ولم يجز الوضوء به حينئذ). يعني: لو أن البهيمة عطشانة، والمرتد عطشان، فنعطي الماء للبهيمة؛ لأن البهيمة أكثر نفعاً من المرتد، حتى نعلم أن من ترك الإسلام فإن البهائم خير منه.

    شرح حديث أبي قلابة وعنبسة في قصة العرنيين

    قال: [وحدثنا محمد بن المثنى -العنزي البصري- حدثنا معاذ العنبري، (ح) وحدثنا أحمد بن عثمان النوفلي، حدثنا أزهر بن سعد السمان -أبو بكر الباهلي البصري- قال: حدثنا ابن عون، حدثنا أبو رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة قال: كنت جالساً خلف عمر بن عبد العزيز فقال للناس: ما تقولون في القسامة؟ فقال عنبسة: قد حدثنا أنس بن مالك كذا وكذا. فقلت: إياي حدث أنس -يعني: وأنا كذلك حدثني أنس - قدم على رسول الله قوم. وساق الحديث بنحو حديث أيوب وحجاج .

    قال أبو قلابة: فلما فرغت قال عنبسة : سبحان الله! قال أبو قلابة: أتتهمني يا عنبسة؟ قال: لا. هكذا حدثنا أنس بن مالك : لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا أو مثل هذا.

    وحدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين -وهو ابن بكير الحراني- أخبرنا الأوزاعي -إمام الشام الجبل الأشم العظيم-. (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا محمد بن يوسف عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أنس قال: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر من عكل، بنحو حديثهم السابق وزاد في الحديث: ولم يحسمه)]. والحسم هو الكي، وهو في حد الحرابة، وحد السرقة، وغيرها إذا قطعت الأيدي، أو الأيدي والأرجل من خلاف، كان من عادة أهل الإسلام الأوائل أنهم إذا أقاموا الحد لقطع اليد كانوا يربطونها من بعد القطع أو من قبل القطع، إذا قطعت اليد من الرسغ ربطوها من قبل القطع مباشرة وكووها في الزيت، أو في الماء الساخن المغلي، حتى تلتحم العروق ولا ينزف الدم كله، حتى لا يموت المحدود.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لم يحسمهم، أي: لم يكو جروحهم، بل وتركهم ينزفون في الحرة تحت حرارة الشمس حتى ماتوا.

    شرح طرق وروايات أخرى لحديث أنس في قصة العرنيين

    قال: [وحدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن معاوية بن قرة عن أنس رضي الله عنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم)] وهو البرسام، وهو اسم فارسي معرب وهو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر، وهو يشبه سرطان المخ، أو شيء من هذا. قال: [ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: (وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين)] أي: النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بما فعل هؤلاء بالرعاة وبالإبل التفت إلى من بجواره فوجدهم قرابة عشرين شاباً من الأنصار. [(فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)] والقائف: هو من ألحق الشبه بشبهه، والمثيل بمثيله، والأثر بالمؤثر، فهو الذي يعرف الأشباه والنظائر.

    أما علمتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أمر زيد بن حارثة وولده أسامة ، وكان زيد أبيض وأسامة أسود أو العكس على ما أذكر، وكانت العرب تقول: إن أسامة ليس أبناً لـزيد، فقد كانوا يرمون أمه بالزنا رضي الله عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى بكلام العرب، أو بغمز بعض المسلمين في هذا الأمر، فجاء أعرابي قائف إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام وعنده زيد وأسامة نائمان قد بدت أرجلهما -يعني: هو لا يعرف لا أسامة ولا يعرف زيداً فضلاً أنهما نائمان ومغطيان ولم يبد منهما إلا أطراف الأقدام- فقال الرجل لنبي الله عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! إن هذه الأقدام بعضها من بعض. يعني: هذا أبو ذاك أو ذاك ولد هذا. ففرح بذلك النبي عليه الصلاة والسلام وقال لـعائشة (أما سمعت ما قال الرجل في زيد وابنه أسامة إن هذه الأقدام بعضها من بعض). فالقائف هو الذي يعرف الآثار في الصحراء، ويفرق بين أثر قدم الشاة والغنم مع أنهما متحدتان، لكنه إذا نظر في الأثر عرف أنها شاة، أو معز أو خف بعير.

    أنتم تعلمون أن قريشاً ما تتبعت أثر خروج النبي عليه الصلاة والسلام هو وأبو بكر لما خرج إلى غار ثور إلا بآثار البعيران اللذان رباهما أبو بكر رضي الله عنه في هذه الرحلة.

    قال: (وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)، فالقائف مهمته هي معرفة الطريق الذي صاروا فيه.

    قال: [حدثنا هداب بن خالد، حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار- قال: حدثنا قتادة عن أنس. (ح) وحدثنا ابن المثنى -وهو محمد- حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادةسعيد الذي يروي عن قتادة هو سعيد بن أبي العروبة- عن أنس وفي حديث همام: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم رهط من عرينة. وفي حديث سعيد: من عكل وعرينة، بنحو حديثهم.

    وحدثني الفضل بن سهل الأعرج حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان بن طرخان التيمي عن أنس قال: (إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء)]. أي: الجزاء من جنس العمل، مع أنه نهى عن المثلة؛ فإنه سمل أعين الرعاة قصاصاً.

    1.   

    كلام الإمام النووي في أحاديث باب حكم المحاربين والمرتدين

    الإمام النووي قال في حديث العرنيين: (فيه حديث العرنيين أنهم قدموا المدينة وأسلموا واستوخموها، وسقمت أجسامهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى إبل الصدقة -يشربوا من أبوالها وألبانها- فخرجوا فصحوا، فقتلوا الراعي، وارتدوا عن الإسلام.

    حكم قتل الجماعة بالواحد

    معلوم أن القاتل رجل واحد، ولو تمالأ أهل بلد على قتل واحد قتلوا به جميعاً، وهذه مسألة محل نزاع بين الفقهاء، لو أن قوماً اجتمعوا على قتل واحد، هل يقتلون جميعاً به؟ أما يقتل به الذي باشر القتل وحده؟

    فلو اتفق واجتمع العدد الكثير على قتل واحد قتلوا به جميعاً. وهذه مسألة معروفة في الحدود، أما إذا قتل الجماعة الواحد أو الواحد الجماعة، فسيأتي معنا بإذن الله في الحدود.

    فسواء كان هو يسار الراعي، أو كان معه رعاة آخرون، فالحكم سواء؛ لأن الجماعة لو تمالأت واتفقت واجتمعت على قتل الواحد قتلوا به جميعاً حتى وإن لم يباشر القتل إلا البعض، أو واحداً منهم.

    قال: (وارتدوا عن الإسلام، وساقوا الذود، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا جميعاً).

    بيان حد الحرابة

    قال: (هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين، وهو موافق لقول الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]). ذكر لهم أربع عقوبات، ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:33-34] أي: الجماعة هؤلاء الذين تابوا وجاءوا إلى المصر، ودخلوا على السلطان أو الوالي، أو الأمير، أو الحاكم، وقالوا: نحن قطاع الطريق، نحن محاربون، ولكننا تبنا إلى الله عز وجل وأتينا إليكم على حال توبتنا، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:34] يعني: لا سبيل لكم عليهم.

    وهذا الحديث، وهاتان الآيتان إنما يحكمان في الحدود ما يسمى بحد الحرابة، وسمي بذلك؛ لأن الله صدر الأمر بذكر أوصافهم، فقال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ [المائدة:33]، فسمي هذا الحد حد الحرابة، وحد الحرابة القتل، أو تقطيع الأيدي والأرجل، أو النفي من الأرض، أو الصلب، حتى يموتوا صبراً.

    خلاف العلماء في المراد بقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...)

    قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة). فمنهم من قال: نزلت في قوم مشركين.

    ومنهم من قال: بل نزلت عتاباً للنبي عليه الصلاة والسلام أنه سمل أعينهم، وليس هذا براجح، إنما الراجح أن هذه الآية وإن نزلت قبل هذه الحادثة إلا أنها صالحة للعمل إلى قيام الساعة، فهي من باب عموم اللفظ، والأصل الأصيل: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية محكمة وليست منسوخة، وعليها العمل، وقد عمل بها السلف، خاصة الصحابة، والخلفاء الراشدون، وكلهم يقولون: هذه الآية عامة. وفيما يتعلق بسبب نزولها أو ببقائها فهي غير منسوخة أي: محكمة إلى قيام الساعة.

    قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية، فقال مالك: هي على التخيير). يعني لو جيء بالمحارب إلى السلطان فهو مخير بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي من الأرض، لأن الآية ذكرت التخيير: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] فـ(أو) عند مالك وغيره أنها للتخيير، فيخير الإمام بين هذه الأمور، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم على الإمام قتل هذا المحارب.

    (وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار وأن قتلوا). وهذا رأي ضعيف جداً.

    (وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم). وهو الراجح وهو مذهب الجماهير وعلى رأسهم الإمام الشافعي: أن العقوبة على التقسيم لا على التخيير. (فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا). والمحارب هو شخص شرد عن الجماعة واتخذ له طريقاً غير مسلوكة، بعيداً عن البلد، وتسلح استعداداً لقتال وحرب كل من مر به وأخذ متاعه حتى وإن أدى ذلك إلى قتله وإزهاق روحه، فإذا تصرف قوم على هذا النحو واجتمعوا، وقاموا على الإمام، أي: يحاربون أهل البلد، ويحاربون الإمام، وجب على الإمام أن يقاتلهم وإن قتلهم جميعاً، وإن لم يكونوا قد ارتدوا؛ لأن المحارب ليس مرتداً، أما النفر من عرينة وعكل فهؤلاء قتلوا ردة؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام، لكن حديث عكل وعرينة موافق للآية فيما يتعلق بأحكام المحاربين.

    أما المحاربون المسلمون إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قصاصاً، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، فالقتل من القتل، والصلب لأخذ المال، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى مع الرجل اليسرى، والعكس بالعكس.

    قال: (فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا -أي: ينفوا من الأرض- وهو المراد بالنفي عند الشافعية).

    (قال: قال أصحابنا -أي الشافعية- لأن ضرر هذه الأفعال مختلف فكانت عقوباتها مختلفة). أي: لأن ضرر الحرابة مختلف؛ فالضرر منه القتل، ومنه أخذ المال وغير ذلك فتنوعت كذلك العقوبة لتنوع الضرر. فهذه حجة الشافعية.

    قال: (لما نوع الله تعالى العقوبة دل ذلك على تنوع الضرر، فناسب أن يكون لكل ضرر عقوبة).

    فقول الشافعية هو أرجح الأقوال وهو: إن قتلوا فقط قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ينفوا من الأرض.

    قال: (ولم تكن (أو) لتخيير، وتثبت أحكام الحرابة في الصحراء). وهذا بخلاف القرية أو المصر أو المدينة، ولذلك العلماء يقولون: شرط الحرابة أن تتم خارج المصر لا في داخل المصر.

    1.   

    مسألة: هل تثبت الحرابة في المصر؟

    قال: (وهل تثبت في الأمصار؟)

    فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح أنها لا تثبت في المصر، إنما تثبت في الصحراء.

    قال أبو حنيفة : لا تثبت الحرابة في المصر إنما تثبت في الصحراء، وقال مالك والشافعي: تثبت كذلك في الأمصار.

    قال القاضي عياض رضي الله عنه ورحمه: اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين. قال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة، فهو منسوخ.

    وقيل: ليس منسوخاً. وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ما فعل قصاصاً؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه، فرواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام).

    من الناس من يأخذ حديثاً سمعه بطريق مستقيم فيجعله من حديث أناس آخرين. يعني: لو أن محمداً يروي عن عمرو وزيد بإسناد عمرو وبإسناد زيد فإنه يأخذ حديثه الذي سمعه من زيد فيجعله من طريق عمرو؛ لأنه يعرف أن طريق زيد ضعيف، فهو يسرق الحديث من طريق زيد ويقول: حدثني عمرو، وليس هذا الحديث من طريق عمرو وإنما هو من طريق زيد، فتحويل الحديث من طريق إلى طريق عمداً هو سرقة الحديث، وهو شر أنواع التدليس, وهو فوق التدليس بكثير.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على شبهة هدم الأصنام في أفغانستان

    السؤال: هناك شبهة في أمر هدم الأصنام التي يفعلها إخواننا في أفغانستان وهي: (لماذا لم يهدم الصحابة عند دخول مصر أبا الهول؟) وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: هم يقولون القطعة التي ذهبت من أنف أبي الهول إنما هي بسبب فعل الحملة الفرنسية لما دخلت مصر، أرادت أن تتخلص من الأصنام؛ لأن هذا شرك. هم يقولون في التاريخ المزور: إن الحملة الفرنسية لم تأت إلا لتكتشف حجر رشيد، وهذا تزوير في وجه التاريخ، والمعلومة التي يجب أن تعرفها تماماً: هي أن الفرنسيين نصارى، ربما يقدسون أبا الهول، ويعتبرونه إلهاً معبوداً. فهل يتصور أن يقوموا عليه ويجدعوا أنفه، أو يكسروه، أو يدفنوه؟

    إن الذي فعل ذلك هم أوائل المسلمين لما دخلوا مصر، تعرضوا لهدم الأهرامات كما تعرضوا لتكسير وتحطيم أبي الهول، لكن هذه المحاولات لم تتم. تصور أن هذه القطعة من الحجارة التي كسرت كانت بعد محاولات استمرت ثلاثة أشهر، فكيف بتحطيم أبي الهول كله؟ بل كيف بتحطيم الأهرامات كلها؟ فهذا أمر بلا شك يذهب الغالي والنفيس في دولة في طور تكوينها، فأيهما أولى: ترك ذلك وبناء الدولة؟ أما تخريب الدولة من الداخل بإنفاق اقتصادها وأموالها في تكسير حجر، ليس معبوداً في ذلك الوقت؟

    بلا شك أن المصالح والمفاسد تقول: بناء الدولة مقدم.

    الرد الثاني: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما نزل مصر، كان موطنه في الفسطاط -أي: مصر القديمة- ولم يكن هناك بلد تسمى الجيزة، وكانت من الفسطاط إلى الأهرامات صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، فـعمرو بن العاص رضي الله عنه اعتبر أن بعد الأهرامات وبعد أبي الهول وعدم اكتراث واهتمام الناس بزيارة هذه الأماكن أمر يشرع معه تأخير تكسير مثل هذه الأصنام، ولذلك هل ثبت أن صنماً من الأصنام كان في المدينة وتركه عمرو؟ هل كان هناك صنم في البنيان والعمران وتركه عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين؟ فهذا رد عن الشبهة في تكسير الأصنام في مصر.

    أما حكم ما يفعله إخواننا هناك في هذا المعبود المزيف، فهو أمر مشروع اتفاقاً، ومن نطح في ذلك فإنما ينطح فيه بهوى أو خوف، وإن كان توقيت ذلك عندي فيه نظر، لكن هذا النظر يدفعه أن هؤلاء ممكنون في أفغانستان فلم التأخير إذاً؟ وهذا الصنم إنما يعبد من دون الله عز وجل، ولذلك أرى من الحكمة أنهم هدموا هذا الصنم ولم يهدموا القباب والقبور مع أنها تعبد من دون الله هناك. وحجتهم في ذلك: أن القباب تحتاج إلى فترة لتعليم الناس؛ لأنهم درجوا على الصلاة في هذه المساجد التي بها قبور، أما (بوذا) فإنه يعبد من بعض أهل البلد، ومن القادم من الخارج خصيصاً؛ لأنه عندهم إله.

    أما المقبورون فإنهم لا يمثلوا هذه الدرجة عند من اتخذهم، أو توسل بهم، أو غير ذلك وإن كانت كل هذه مظاهر من مظاهر الشرك. تصور لو أنك في بيتك وقد اتخذ ولدك حجراً يعبده من دون الله عز وجل فإنك ممكَّن حينئذ من تكسير هذا الإله. ولو أنك تخلفت عن هذا ولم تفعل أثمت بذلك، لأنك ممكن، فهؤلاء رأوا أنهم ظاهرون ممكنون، وأنهم أصحاب نجدة. وقد اتخذ القوم إلهاً في بلدهم يعبد من دون الله عز وجل، فلما علموا ذلك من أنفسهم قاموا فاقتلعوا هذا الإله من جذوره، ودمروه تدميراً، فجزاهم الله تبارك وتعالى على ما صنعوا خيراً.

    أما الشبهة أن هذا أمر يعطي صورة سيئة عن الإسلام للعالم كله، فهذا كلام لا يقوله إلا الملاحدة أو الجهلة من المسلمين؛ لأن الشريعة لو طبقت في العالم كله إلا في بلاد أوروبا وأمريكا وكسر وهشم بوذا لكانت نفس الشبهة باقية وقائمة، تردد حتى على ألسنة بعض المتدينين في مصر بلد الإسلام، وبلد الأزهر.

    ونرد عليهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع إلى مكة فاتحاً كسر الأصنام؛ لأنه قادر ممكن، ولأن الدولة صارت دولة إسلامية، والبلد فتح فما الحجة في تأخير تكسير ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة تعبد من دون الله عز وجل؟ فقد كسرها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتلو قول الله عز وجل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]. أي: ضعيف لا أوتاد له، ولا أساس له. فلماذا لم يقل المشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام بعد في ذلك الوقت: إن فعل محمد وأصحابه بهذه الأصنام يعطي صورة سيئة عن الإسلام، وعن الدين الجديد؟

    فمرد هذه الشبهة إلى العلمانيين والملاحدة في هذا البلد، أو في غيره من البلدان.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.