إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الوصية - وصول ثواب الصدقة إلى الميت - الوقفللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الصدقة تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، فيشرع لمن أتى ذنباً أو معصية أن يتوب منها وأن يقدم لذلك الصدقات، وأثر الصدقة على الذنب ثابت في السنة النبوية؛ ولا فرق في ذلك بين كون الصدقة عن حي أو ميت، ومن تصدق عن ميت فله أجر في ذلك.

    1.   

    باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    الباب الثاني من كتاب الوصايا:

    قال الإمام: (باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت).

    وكأنه يقول: إن ثواب الصدقة ينتفع به الميت، وإن لم يوص بذلك، يعني: لو تصدق عنه وليه أو أحد الناس فإنما ينتفع في أجر الصدقة، وإن لم يكن قد أوصى بها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه -والعلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه- عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم)].

    يعني: هل تنفع أبي الصدقة عنه إما من ماله أو من المال الموروث؟ وذلك لأن المال إذا ورث وانتقل إلى الوارث فهو ليس له، فهل ينتفع الميت إذا تصدق عنه وليه أو غيره من ماله أو من مال الغير.. هل ينتفع بذلك، ويكفر الله عنه سيئاته بذلك؟

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم) وفي هذا دلالة على أن الصدقات تكفر الذنوب؛ ولذلك يسن لمن تاب من ذنب أن يكثر من الصدقات، وأن يكثر من النوافل والطاعات فإن هذا ينفعه، ولو أن عبداً اقترف ذنباً كفارته ليست كفارة مالية فهل ينفعه بعد التكفير عن الذنب أن يتصدق؟ الجواب: نعم. ينفعه ذلك.

    قال: [وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي قال: حدثنا يحيى بن سعيد -وهو القطان- عن هشام بن عروة عن أبيه -أي: عروة بن الزبير- عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها)] ومعنى افتلتت أي: بُغِتَتْ. ذهبت روحها فجأة ولم توص، مات فجأة بغير سابق إنذار، وهذه من العلل التي يبعثها الله تعالى على عباده إنذاراً لنهاية حياته.

    قال: [(وإني أظنها لو تكلمت تصدقت)] لكن لم يكن هناك فرصة قط للكلام؛ لأن الموت أتاها بغتة، فلم يكن هناك وقت يسمح بالوصية، ولا بمجرد الكلام.

    قال: [(فلي أجر أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)].

    الأحكام المستنبطة من باب وصول ثواب الصدقة إلى الميت

    الأول يسأل عن أبيه الذي مات ولم يتصدق، أله أجر إن تصدقت عنه؟ قال عليه الصلاة والسلام: (نعم)، وهذا سعد بن عبادة رضي الله عنه -وهو موقوف من الطريق الثاني- يحكي عن أمه عمرة رضي الله عنها التي ماتت فجأة وبغتة: هل ينفعني أنا أن أتصدق عنها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم)، وسعد بن عبادة أمه كانت قد ماتت فجأة ويعلم منها سعد أنها محبة للخير محبة للصدقة، جوادة سريعة في الخير أسرع من الريح؛ ولذلك قال: وإني لأظنها لو تكلمت تصدقت، ولكن الموت فاجأها، فهل ينفعني أنا أن أتصدق عنها؟ قال عليه الصلاة والسلام: (نعم).

    فبانضمام الطريقين أحدهما إلى الآخر يتبين لنا أن الصدقة عن الميت تنفع الميت وتنفع المتصدق أيضاً، كما لو أن رجلاً أراد أن يتخلص من مال حرام، فالمعلوم أن المال الحرام يجب الانتهاء عنه وعدم التعامل فيه، والتخلص منه بأي وجه من وجوه التخلّص المشروعة، فإذا كان المال مال ربا، وأبقاه المرء وأنفقه لكان ذلك حراماً عليه، وهو بكونه مالاً حقيراً حراماً، فماذا يصنع به؟ فكونه أراد أن يتخلص منه وتوجهت نيته إلى إنفاقه خوفاً من الله عز وجل فله على هذه النية أجر، ولذلك يخطئ كثير من الناس الذين يفتون العامة إذا سألوهم عن الأموال الحرام ماذا نصنع فيها؟ يقولون: تصدقوا بها وليس لكم فيها أجر.

    والجواب: أن لهم فيها أجراً، وأجرهم هو إرادتهم طاعة الله عز وجل في التخلص من هذا المال الحرام، لا في عين المال، وإنما في عين التوسل إلى الله عز وجل بالتخلص من الحرام.

    فهنا استفدنا من الطريق الأول: أن المتصدق ينفع المتصدق عنه بعد موته، وفي الطريق الثاني: أن المتصدق منتفع بهذه الصدقة.

    ومن هذين الطريقين يتبين لنا أن الصدقة تنفع المتصدق والمتصدق عنه، كلاهما على السواء.

    فإن قيل: كيف يتخلص من المال الحرام؟

    الجواب: العلماء يقولون: ينفقه بعيداً عن الطعام والشراب، وبعيداً عن المساجد، ويحددون المنافع العامة التي تتعلق بشخص بعينه وبمنفعته، وعلى ألا يكون ذلك في بيت من بيوت الله؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فيبنون بها مثلاً مستشفيات.. يرصفون بها الطرق.. يبنون بها الحمامات والمرافق العامة.. وغير ذلك.

    قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا محمد بن بشر العبدي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم).

    ويتبع هذا طريق آخر. وهو قوله: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة وحدثني الحكم بن موسى -وهو ابن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري- قال: حدثنا شعيب بن إسحاق -وهو شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن الأموي مولاهم، البصري ثم القرشي- وحدثني أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع -وكلاهما بصري- قال: حدثنا روح -وهو ابن القاسم البصري - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا جعفر بن عون كلهم عن هشام بن عروة بهذا الإسناد.

    أما طريق أبي أسامة وروح ففي حديثهما: (فهل لي أجر؟)، وفي طريق شعيب وجعفر : (أفلها أجر؟)، وفي كل يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم)، يعني: يدلان على أن الصدقة تنفع الذي يدفعها والذي دُفعت لأجله.

    قال النووي: (في هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت واستحبابها)، أي: ليست جائزة فقط وإنما أيضاً هي مستحبة، وأن ثوابها يصل وينتفع به، وكذلك المتصدق، وهذا كله أجمع عليه المسلمون، أي: هذه المسألة ليست محل نزاع، بل هي من مسائل الإجماع؛ أن الصدقة ينتفع بها المتصدق والمتصدق عنه.

    حكم التصدق عن الميت بطعام في أيام محدودة

    فإذا قال قائل: هل يجوز التصدق عن الميت بطعام في أيام محدودة ويرى الناس أن هذه الأيام أيام عبادة؟

    الجواب: تحديده في أيام قد يدخل في البدع، كتحديد زيارة المقابر مثلاً يوم الخميس أو أول رجب، أو منتصف رجب أو أول شعبان، فإذا وقعت بدعة واستمروا عليها وألفوها، حتى بدا للعامة أن هذا اليوم يشرع فيه عبادة الصلاة أو الصوم أو زيارة القبور.. أو غير ذلك، فينبغي على السلطان أن يؤدب الناس وأن يرجعهم إلى السنة.

    وكذلك الذي يفعل طعاماً في يوم ما، فإذا كان أصل الطعام لله عز وجل فإنه لا يشرع له أن يلتزم يوماً بعينه؛ يعني: له أن يطعم الفقراء، لكن لا يلتزم يوماً بعينه، إنما يجعل الأيام في هذه الصدقة دولاً، مرة يجعلها في رجب، ومرة في شعبان، ومرة في رمضان، ومرة في ربيع.. وغير ذلك من أيام السنة، ويتحرى ألا يتناسب إطعام الناس في وقت ابتدع فيه الناس بدعة معينة، فلا يتحرى مثلاً بهذا الطعام أول رجب، ولا منتصف رجب، ولا أول شعبان، ولا هذه الأيام التي اخترع الناس لها عبادات ليس عليها دليل، بل قام الدليل على أنها بدعة.

    الصدقة عن الميت تكون من القريب وغيره

    فإن قيل: هل من اللازم أن يكون هناك قرابة بين المتصدق وبين الميت؟

    الجواب: لا يلزم. ينتفع بها المتصدق إن كان من أوليائه أو من غيرهم.

    معنى قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)

    وهذه الأحاديث مخصصة لعموم قول الله عز وجل: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، هذه الآية قاضية بأن الإنسان لا ينتفع بشيء قط إلا بشيء قد عملته يده، لكن قد ورد إجراء الخير والثواب والفضل لأصحابه بعد وفاته؛ لأنهم كانوا سبباً في ذلك.

    ومثل هذه الآية قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] يعني: كل إنسان يحاسب على ما اقترفته يداه لا ما اقترفته يد غيره، ولذلك عائشة رضي الله عنها لما سمعت عمر وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرويان عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قالت: أخطأ عمر وأخطأ أبو عبد الرحمن ، ثم استشهدت لنفسها بظاهر هذه الآية. قالت: أين هذا من قول الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]؟ وما ذنب هذا الميت أن يعذب ببكاء أهله عليه؟ فهو لا يملك هذا البكاء، ولا يملك كذلك أن يمنعهم؛ فكيف يعذب به، وهي جريمة ارتكبها غيره ولم يرتكبها هو؟ ثم قالت: إنما ذلك في الكافر، كأنها أرادت أن تصحح رواية عمر وابنه رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما يعذب الكافر ببكاء أهله عليه)، وردَّ عليها ابن القيم رحمه الله بنفس المنطق وقال: وكذلك لا يعذب الكافر بجريرة غيره، أو بجريمة ارتكبها غيره، وقال بعد أن حكم بصحة اللفظ الذي أخرج في الصحيحين من حديث عمر وابنه: إنما ذلك لمن أوصى بذلك، فقوله: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أي: إذا أوصى بذلك، فنحن نعرف أن هناك أناساً كثيرين جداً قبل أن يموت يوصي أهله بالقرآن وهو بدعة، ويوصي بمقرئ وهو بدعة، ويوصي بالبكاء ويقول: استأجروا فلانة النائحة واستأجروا فلاناً النائح.. وغير ذلك، فإذا أوصى بذلك فإنه يعذب، ولا يعذب حينئذ بجريرة غيره، إنما يعذب بما أوصى به؛ لأنه طلب ذلك، أو أن ذلك معلوماً في سيرته أنه كان يحب البكاء والنواح وغير ذلك على الميت، وكان يفعل ذلك بنفسه، فإذا كان هذا معلوماً من دينه فلا شك أنه يعذب وإن بكى عليه الآخرون.

    وهنا قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، فصحيح أن الإنسان لا يؤجر إلا على سعيه هو، لكن أحياناً يجرى له من الخير ما لم تعمله يداه، منها الصدقة، ومنها الحج، ومنها الصيام.. وغير ذلك من أعمال الطاعة، وهي الأعمال التي وردت فيها نصوص قاضية بذلك، فهذه الأحاديث مخصصة لعموم هذه الآية.

    حكم صدقة الوارث عن الميت

    وأجمع المسلمون كذلك على أنه لا يجب على الوارث التصدق عن ميته صدقة التطوع، بل هي مستحبة.

    لو أن رجلاً عنده عشرة آلاف جنيه ومات اليوم وقد وجبت الزكاة في هذا المال اليوم أو أمس أو قبل أسبوع أو أسبوعين، ولكن الرجل أخر إخراج زكاة المال، فهل يجب على الورثة أن يخرجوا زكاة هذا المال قبل توزيع الميراث؟ الجواب: يجب، فإن لم يخرجوا الزكاة كانوا هم المانعين من إخراج الزكاة؛ وذلك لأن هذا أمر واجب، لكن لو أن هذا الرجل كان قد تعود أن يأتيه فلان وفلان وفلان في أيام محدودة، فيتصدق عليهم بمائة أو مائتين أو ثلاثة أو ألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف، فهذا من عموم الصدقات لا من الزكاة الواجبة، فإن مات هذا الرجل ومنع الورثة هذه الصدقة فإنهم لا يأثمون بذلك؛ لأن هذه صدقة تطوع لا صدقة واجبة وهي الزكاة، فحينئذ لا يحملون عليها، وإنما يوصون بها، فإن رضوا بذلك فهو أمر مستحب مندوب، وإن أبوا أن يفعلوا ذلك فلا يحملون عليه كما أنهم لا يأثمون بمثل ذلك.

    حكم أداء الورثة للحقوق المتعينة على الميت

    أما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإن كان له تركة وجب قضاء الدين حتى وإن أتى الدين على جميع المال، كذلك يخرج من المال ما هو نفقة واجبة للميت كتجهيزه مثلاً، فالتجهيز يقدم، وقد ذكرنا هذا من قبل، فقلنا: الحقوق المتعينة في مال الميت هي: الدين، والدين إما أن يكون لله عز وجل أو يكون للآدمي، فإن كان ديناً لله عز وجل كإخراج الزكاة أو حج الفريضة، فإذا كان قد هيأ نفسه لمثل هذا فأدركه الموت قبل الحج، فهذا دين يجب أن يخرج من ماله، ويحج عنه أحد أوليائه، وإن حج عنه الغير فلا بأس بذلك.

    ولهذه المناسبة أردت أن أبين أمراً أنكره بعض الإخوان خاصة الذين يقيمون في مكة، يأتي أناس كثيرون من بلاد الخليج أو من بلاد العرب إلى مكة، ولترفهم وأنفهم من متاعب الحج يجلسون في فنادق خمسة نجوم ويوكلون بعد ذلك من يحج عنهم، وللأسف الشديد نحن رأينا أناساً من مصر يفعلون ذلك، كل همهم أنهم يطوفون أو يعملون عملاً يسيراً، أو يعملون وقتاً دون آخر؛ اتكالاً واعتماداً على أن العروض ستعرض عليهم في أوائل ذي الحجة وأواخر ذي القعدة، وأن هؤلاء العرب يبذلون مالاً كثيراً عظيماً.

    فيأتي الواحد منهم ويقول: من يحج عني وله عشرة آلاف ريال، أو خمسة عشر ألف ريال، أو عشرون ألف ريال، فيبادر ضعيف الإيمان إلى قبول هذا المال والحج عن صاحبه، بل قد أتى من يستفتيني في مكة أنه أخرج مالاً من سبعة عشر رجلاً وامرأة في عام واحد ليحج عنهم! فهذه طبقة مترفة مرفهة جداً، تأنف أن تسير مع الناس وأن تعرق مع الناس وأن تقع عين الواحد منها على منظر يؤذي.. وغير ذلك.

    وللأسف الشديد يستغل ذلك بعض الإخوة المصريين، وهذا عمل غير مشروع، فضلاً عن أنه من جهة العرف عمل غير محترم، لكن لو تم ذلك اتفاقاً فلا بأس بذلك، أي لو أنك حججت حج الفريضة، ثم توسم فيك بعض الناس الصلاح والتقوى، فأتوك بغير استشراف منك، وقالوا لك: نريد منك أن تحج هذا العام عن والدنا، وأصروا على ذلك؛ لما يعلمون من صلاحك وتقواك، فلا بأس بالقبول، والأمر ليس تجارة كما هو المشاهد في أرض مكة، إنما هي عبادة محضة؛ فخذ منهم على قدر ما يسمح لأداء الفريضة، فإن انتهى المال فإنه يكفي أن الله تبارك وتعالى يسر لك أداء هذه العبادة، أو مشاركة المسلمين في هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعة السنوية.

    وأما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت أو لم يوص، ويكون ذلك من رأس المال، وسواء في ذلك إرضاء الله عز وجل كالحج والزكاة.. وغير ذلك، أو ديون الآدمي.

    فإن لم يكن للميت تركة لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحب له ولغيره، وبعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب، والذي يترجح أن الوجوب في حق الابن الغني الذي يملك قضاء دين والده بلا تضرر في نفسه، أعتمد في ذلك على قوله عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك)، وهذا اللفظ عام، أي: في حياته وبعد مماته، وأن من حدده بالحياة دون الممات فهذا تحديد بغير نص.

    مبحث في موت الفجأة

    أخرج الإمام البخاري حديث المرأة التي افتلتت نفسها في كتاب الجنائز الباب الثالث والتسعين، فقال: باب: موت الفجأة، يعني: البغتة.

    ثم قال الحافظ : والفجاءة هي الهجوم على من لم يشعر به، واحد هجم عليك وفاجأك، وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره.

    قال ابن رشيد : مقصود الإمام البخاري -والله أعلم- الإشارة إلى أنه ليس بمكروه -أي: أن موت الفجأة ليس بمكروه- وإن كان قد ورد في بعض الروايات ما يشعر بكراهة موت الفجأة، بل قد ورد في الروايات الصحيحة أن موت الفجأة من علامات الساعة وأشراطها.

    قال: لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر منه كراهيته لما أخبره سعد بن عبادة بذلك.

    وعند أحمد : من حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجدار مائل فأسرع، وقال: (أكره موت الفوات).

    قال ابن بطال: وكان ذلك -والله أعلم- لما في موت الفجأة من خوف إهمال الوصية، يعني: أن الذي يموت فجأة يحرم أن يكتب وصيته، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من أعمال صالحة.

    وقد روى ابن أبي الدنيا حديثاً: (المحروم من حرم وصيته)، أي: المحروم حظاً من حرم كتابة الوصية، وقد مضى بنا في أول الباب حديث أن المرء إذا ملك شيئاً ويريد أن يوصيه فلا يبيتن ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.

    وعند ابن أبي شيبة من حديث عائشة وابن مسعود : (موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف للفاجر) ومعنى أسف أي: غضب، غضب من الله عز وجل على الكافر، وراحة للمؤمن.

    وقال ابن المنير : لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة أن يستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، وقد نقل عن بعض الشافعية كراهة موت الفجأة.

    ونقل النووي عن بعض القدماء: أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، أي: ماتوا فجأة، فلو كان مكروهاً لما أجرى الله تعالى على أنبيائه والصالحين مثل ذلك.

    قال النووي : وهو محبوب بالمراقبين، أي: أصحاب المراقبة؛ وذلك لأن الأمر كما قال أحدهم: لو أن الله تعالى جعل موتي غداً، ما استطعت أن أزيد في عبادتي شيئاً؛ لأنه قائم بحق العبادة وحق الطاعة وحق المراقبة والخشية والإنابة والتوبة.. وغير ذلك في كل أحيانه، فلو علم أن موته غداً أو بعد غد أو بعد عام لما استطاع أن يزيد في عبادته شيئاً، فهذا بالنسبة لموت الفجأة رعب، بخلاف غيره فإنه بالنسبة له حسرة: قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]؛ لأنه يعلم أن عمله ناقص، فلما جاءه الموت بغتة تمنى أن لو يرجع عند أن عاين العذاب ليعمل صالحاً.

    وبهذا يتم الجمع بين قول من قال: موت الفجأة مكروه، وموت الفجأة مستحب أو لا شيء فيه، فهو مستحب لأهل الطاعة ولأهل الإيمان، ومكروه لأهل التقصير والعصيان، وبهذا تلتئم الأدلة.

    1.   

    باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد مماته

    الباب الثالث: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

    نحن قلنا: إنه: لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، لكن هذه الآية عامة خصصت بأدلة، وفي هذا إثبات أن السنة تخصص عموم القرآن، وتقيد مطلق القرآن، كما أنها هنا مطلقة.

    قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة) أي: إلا من ثلاثة أعمال، ونأخذ هذا الاسم من جنس المصدر، إذا مات قطع عمله إلا من ثلاثة أعمال لا تنقطع، بل يستمر ثواب هذه الأعمال الثلاثة جارياً له بعد موته.

    معنى قوله: (صدقة جارية)

    قال: [(صدقة جارية)]، الصدقة الجارية يسميها الفقهاء بالتسمية الاصطلاحية الوقف، كبناء المساجد، وإنشاء مكتبة عامة، ومكتبة علمية ينتفع بها الناس، أو إنشاء سبيل يشرب منه المارة، أو إنشاء دار للأيتام، أو إنشاء دار للأرامل أو للعجزة كبار السن، وغير ذلك من الأصول الثوابت التي ينتفع بها الناس، وإنشاء طريق وحفر بئر، أو شق الترع، أو إيقاف أرض لمصلحة الناس، بناء السجون.. كل ذلك داخل في الصدقة الجارية، لكن بناء سجون لتعذيب العلماء مثلاً أو لتهديد طلاب العلم ومحاربتهم في بيوتهم وفي أقواتهم فهذا لا، أما إنشاء السجون لتهديد الظلمة وأخذ الحق منهم وتسليمه إلى أصحابه، ورجم الزاني حينما يزني، فهذا أمر مشروع، فمن تصدق ببناء سجن لأجل هذا فهو مأجور، ونحن نتكلم عن هذا إذا كان هناك خلافة.

    معنى قوله: (أو علم ينتفع به)

    قال: [(أو علم ينتفع به)] ما هو العلم الذي ينتفع به الميت؟

    هو علم الشرع الذي لا خلاف عليه، والذي مبناه على الأدلة الشرعية: كتاب، سنة، قياس صحيح، اجتهاد أو إجماع.

    هذا هو العلم الذي ينتفع به، لكن لا يمنع أن تكون هناك علوم أخرى غير شرعية ولكنها في خدمة الشرع، كعلم التجارة، وعلم الصناعة، وعلم الزراعة.. كل ذلك يلزم بناء الأمة الإسلامية وغيرها، وإن الأمة الإسلامية متى تخلفت عن هذا تخلفت عن أصل الحضارة، وتربص أعداؤها بشئون وأصول العلم، فقوله عليه الصلاة والسلام: (علم ينتفع به) يدل على مشروعية العلم الشرعي واستحبابه، بل هو من فروض الكفاية على الأمة.

    أما العلوم الأخرى فإنها إذا كانت لا تتعارض مع الشرع، بل تخدم الشرع وتخدم المسلمين، فربما تصل إلى درجة الوجوب، وهي من فروض الكفايات بلا شك عند أهل العلم.

    وقوله: (ينتفع به) احترازاً من علم لا ينتفع به كعلم السحر، فهو علم يناقض رأس الشريعة.

    وبعض السحرة يعمد إلى تعليم غيره، حتى إذا مات الساحر الكبير لا ينقطع علم السحر، فهل هذا يعد مما يجرى له الأجر بعد موته؟ الجواب: لا، بل يجرى عليه العقوبة بعد موته؛ لأنه كان سبباً في مثل هذا.

    ومن المعلوم أن علم الموسيقى، وعلم المنطق والفلسفة علوم غير شرعية، وهي ليست من العلوم النافعة، بل ما دخل البلاء على أهل الإسلام إلا بترجمة كتب اليونان في صدر الدولة العباسية الثانية، وذلك عندما ترجمت كتب الفلسفة والمنطق اليونانية، ودخل علم الفلاسفة من أوسع أبوابه، فدخل الفساد في عقائد المسلمين وفي أحكامهم، وشكوا في ربهم وإلههم بسبب كلام الفلاسفة اليونانيين.

    معنى قوله: (أو ولد صالح يدعو له)

    قال: [(أو ولد صالح يدعو له)] كلمة وجيزة فيها قيود.

    القيد الأول: أن الولد ينفع أباه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن أطيب كسب أحدكم من يده، وولده من كسبه)، فالرجل ينتفع بولده كما ينتفع الولد بأبيه، وأنتم تعلمون قصة الكنز الذي كان تحت الجدار في سورة الكهف: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] وهو الجد السابع، فبسبب صلاح الآباء انتفع الأبناء من الدرجة السابعة.

    قوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] أي: وكان جدهما السابع صالحاً، فانتفع الحفيدان في المرتبة السابعة بصلاح أبيهما أو صلاح جدهما، فكما ينتفع الوالد بولده، فكذلك ينتفع الولد بأبيه، لكن هنا بيَّن أن مناط النفع هو صلاح الولد، قال: (أو ولد صالح) فقيده بالصلاح، وهذا يدل على أن الولد الفاسد العاق العاصي لا يساوي فلساً في ميزان الشرع، ولا ينتفع به أبواه لا في حياتهم ولا بعد وفاتهم، بل ربما يكون هو مصدر للشقاء والتعاسة دوماً في حياتهما؛ ولذلك من الإيمان المطلق والتسليم التام لله عز وجل عند من لم يرزق الأولاد أن يسلم لله، ويفترض أنه لو رزق ولداً غير صالح، وتاركاً للصلاة والصيام.. وغير ذلك، هل كان يسعد الأب بهذا الولد إذا أطلعه الله عز وجل على حاله الآن؟ لا يمكن أبداً، بل كثير من الأولاد في هذا الزمان مصدر شقاء وتعاسة للوالدين، ولو علم الوالدان من أمرهما هذا قبل وقوعه لتمنيا أن لم يجتمعا أو أنهما حرما الإنجاب؛ ولذلك أمر الشرع في غير ما آية وحديث، وأكثر السلف الصالح بالاحتياط والحض على تربية الأبناء تربية صالحة.

    فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه أدَّب أباً عق ولده قبل أن يعقه ذلك الولد، بأنه لم يختر له أماً صالحة، ولم يحسن اسمه، ولم يعلمه القرآن، ولم يعلمه شيئاً من السنة، وكان الوالد قد أتى إلى عمر ليشتكي عقوق ولده، فلما أتاه الولد قال: سله يا أمير المؤمنين أليس للولد على والده حقوقاً؟ قال: بلى. قال: لم يفعل من ذلك شيئاً، إنما اختار لي أماً -في رواية: زانية-، وفي رواية: اختار لي أماً سيئة الخلق، ومعنى (سيئة الخلق) أي: زانية، وصاحبة سمعة سيئة، فهي متهمة في عرضها. قال: ولم يعلمني القرآن، وسماني كذا. وذكر اسماً لا يتناسب مع بني آدم، إنما يتناسب مع الحيوانات، فقال عمر لأبية: عققت ولدك قبل أن يعقك.

    قال: (أو ولد صالح يدعو) لو كان الولد صالحاً ولم يدع لوالديه، هل ينتفع به والداه؟ الجواب: ربما ينتفعان، وربما كان النفع قليلاً، فإذا كان الولد صالحاً فصلاحه ينفعه هو، لكن إذا كان صالحاً ودعا فإنه يتعدى صلاحه لوالديه، ولذلك قال: (أو ولد صالح يدعو) ولم يقل: ولد صالح فقط، وفي هذا فضيلة الدعاء للوالدين وصلة الأرحام، وبر الوالدين حيين وميتين.

    والصدقة في الحقيقة من عموم الدعاء، والصدقة مأخوذة من أدلة أخرى، فإذا كنت تريد نصاً في الصدقات فيؤخذ من نصوص أخرى ذكرناها الآن: (أفله أجر إن تصدقت عنه؟ قال: نعم)، (أفلي أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)، فهذا من باب إثبات أن الصدقة تنفعه، وأن الدعاء كذلك من الولد الصالح ينفع، والولد الفاسد لا يذكر أبويه بدعوة في الغالب، لأنهما ليسا على باله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة)، ويقصد به: الدعاء تعبداً أو الدعاء طلباً، يعني: إما أن يدعو الإنسان الله عز وجل تعبداً لا يأخذ به شيئاً، أو أنه يدعو الله تعالى لجلب نفع أو لرفع ضر، فالدعاء إما أن يكون محض عبادة لله، كما كان الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، أو دعاء يطلب به حاجة أو يرفع به مضرة.

    والدعاء هو العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، خلافاً للفظ: (الدعاء مخ للعبادة) فإنه لفظ ضعيف، وأبلغ منه: (الدعاء هو العبادة) أي: جعل الدعاء نفس العبادة وعينها، فالعبادة هي الدعاء، والدعاء هو العبادة، فلا فرق بين هذا ولا هذا؛ لأنهما اثنان لمسمى واحد.

    فإذا كان الولد فاسداً فهو أبعد الناس عن العبادة، إذ إن العاصي لا سبيل له إلى العبادة، وبالتالي لا سبيل له إلى الفلاح، فهو تارك للعبادة من أساسها، وإذا كان الدعاء هو العبادة فهو تارك له كذلك، فالولد الصالح إذا مات أبوه تراه يذهب في كل واد، ويطلب من فلان أن يدعو لأبيه، ويطلب من علان أن يشارك في جنازة أبيه، وأن يمكن أهل الصلاح من حضور الجنازة، فتشعر فعلاً بأن قلبه يحترق، ويحاول أن يجمع الإخوة بقدر الإمكان من هنا ومن هناك، ويأتي المساجد ويجمع الموحدين، ويجمع الإخوة الطيبين وطلاب العلم وأصحاب التقوى، ويقول: لعله يخرج من هؤلاء أربعون موحداً يشفعون فيه، بخلاف العاق الذي لم يكن لديه علم بالمساجد نهائياً، أبوه وأمه يموتان في وقت واحد، فيقال: سندفنهم الساعة السابعة، فيقول: متى دفنتم دفنتم! فهذا هو الفاسق أو المجرم الذي فرط في حق الله عز وجل، وفرط في حق والديه، وفي حق عباد الله عز وجل.

    وفي هذا الحديث كذلك فضل العلم والحث على الإكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع.

    وفيه كذلك فضيلة الزواج لرجاء الولد الصالح، فيقول لك: عندما تريد الزواج اعقد النية على أن الله يرزقك الولد الصالح فاحرص على صلاحه.

    وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه، وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجاً واجباً، أما إذا كان تطوعاً وصى به فهو من باب الوصايا، والصيام يجزئ عن الميت؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).

    فإن قيل: شخص طوال عمره تارك للصيام من غير علة، وإنما هو محارب لله عز وجل، فإن مات يوم (15) رمضان. هل لواحد من أوليائه أن يصوم عنه؟

    الجواب: لا.

    لأن هذا الإنسان كان قادراً على العبادة وتركها تفريطاً، بخلاف من هو متمسك بالصيام وابتلي بمرض السرطان ومات فهذا يصوم عنه وليه، فإن كان مسافراً فأفطر أيام السفر في رمضان، ومات في يوم العيد، ولم يصم ما كان قد أفطره من رمضان؛ لأن ذلك لا يجب على الفور وإنما يجب على التراخي، لكنه عقد النية وعزم على أن يصوم ما أفطر، وما أفطر إلا برخصة من الشرع، فإذا مات قبل أن يصوم ما أفطره صام عنه وليه، هذا في شأن أصحاب الطاعات، وليس الذين عصوا الله تعالى متعمدين! فهؤلاء جدير بهم أن يعذبوا أو يعفو الله عنهم بمشيئته.

    حكم إهداء قراءة القرآن للميت

    أما قراءة القرآن للميت قال: مذهب الشافعي والجمهور: أنها لا تلحق الميت، يعني: ثوابها لا يصل إلى الميت، وهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، ومفاد هذه المسألة باختصار وإيجاز شديد: أن المرء لو قرأ قرآناً يريد بذلك إيصال ثوابه إلى الميت، هل هذا العمل نفسه مشروع أم غير مشروع؟

    مثلاً لو توفي والدي وأردت أن أقرأ ربع سورة البقرة، أنوي ثواب هذه القراءة لوالدي، هل هذا العمل مشروع؟ محل نزاع بين أهل العلم. بعضهم قال: مشروع، وبعضهم قال: غير مشروع؛ لأن هبة الثواب إلى الغير وإن كان قليلاً هي حرمان أجر العمل، أنا قلت: يا رب أنا قرأت البقرة، لا أريد ثواباً، وثوابها وهبته لوالدي، فإن قلت ذلك فإنه لن يبقى لي ثواب؛ لأني نذرت عنه، كما أن في ذلك الافتئات على الله عز وجل، والتجرؤ والتعدي على الله عز وجل؛ فما يدريني أن لي ثواباً في هذا العمل؟ وكأني أقطع على الله عز وجل أنه قد أثابني، وأوجب عليه الثواب في هذا العمل، وأنتم تعلمون أن هذا هو مذهب المعتزلة، فهم يقولون بالعدل، والعدل عندهم هو وجوب إثابة الطائع، فلما كان هذا العمل في ظاهره الطاعة، فإنه يجب على الله تعالى أن يكافئ صاحبه فوراً.

    الأمر الثاني: وهو أن كل ما يعمله الولد من عمل صالح فوالداه شريكان معه في الأجر من غير أن ينقص من أجره شيئاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن خير مال العبد من كسب يده، وولده من كسبه)، فولدك هو أيضاً لك، فإن كنت قد ربيته على الدين والاستقامة فلا غرو أن يكون لك حظ في كل عمل يعمله ذلك الولد حتى وإن لم يقصد صرف الثواب لك، وكذلك مشاركة الوالد لك في الثواب لا تؤثر على ثوابك أنت، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، فلو أن شخصاً الآن يعلم ابنه الصلاة والصيام والزكاة والحج وقيام الليل وقراءة القرآن ويأخذه إلى أماكن الفضيلة ويحصنه من الرذيلة، ويوصيه بالليل والنهار أن هذه منهجه في حياته وبعد مماته -فإن كل عمل يعمله الولد يكون في صحيفة حسنات الوالد، مع عدم تأثر صحيفة حسنات العامل الأصلي- أي:الولد، هذا بخلاف رجل سكير عربيد زان فاجر سارق يحمل ولده وامرأته وابنته على البغاء والزنا والسرقة وشرب الخمر.. وغير ذلك، والأولاد يفرون منه فراراً، وهو جاثم على صدورهم فما إن مات حتى استراحوا منه، والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (..مستريح ومستراح منه قالوا: يا رسول الله ما مستريح وما مستراح؟ قال: أما العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإذا مات العبد الفاجر استراحت منه البلاد والعباد والشجر والدواب)، أترون إلى مدى تأذي الناس منه؟ حتى الجمادات والأرض التي يمشي عليها تتأذى منه، فهذا الولد الذي منعه والده من حضور مجالس أهل العلم لا ينتفع به الوالد؛ لأنه لم يكن حريصاً على الصلاح، بل قام على ضده ونقيضه، وحمل أولياءه وأبناءه على غير الصلاح، ولكن الله تعالى وفقهم للصلاح، فلم يكن هذا من كسبه، وإنما هذا كسب اكتسبه الأولاد بتوفيق الله عز وجل لهم.

    والذي يترجح لدي أن المرء إذا قرأ القرآن لا يجعل ثوابه لأبيه أو أمه أو لغيرهما، وإنما يعتقد أن عمله الصالح كله -بما فيه قراءة القرآن- ينتفع به الوالدان إذا كان قد رغبا في حياتهما في صلاح الولد حتى وإن لم تنصرف نية الولد إلى هبة الثواب إليهما، فإنهما إن شاء الله تعالى ينتفعان، وينتفع القارئ بذلك الثواب. والله تعالى أعلم.

    النيابة في الصلاة

    فإن قيل: هل الصلاة فيها نيابة؟

    الجواب: الصلاة ليس فيها نيابة؛ لأنها فرض عين، فلا يجدي أن أقول لولدي: اذهب وصل أربع ركعات بالنيابة عني فأنا لا أستطيع أن أصلي! فهذا لا يصح؛ لأن الصلاة ليس فيها نيابة؛ ولذلك النووي يقول: فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه.

    وقال ابن المنير : لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة.

    فالصوم يقبل النيابة والدليل: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، كذلك الصدقة تقبل النيابة؛ لحديث الباب الذي بين أيدينا، والحج يقبل النيابة؛ لحديث: (يا رسول الله! إن أبي لا يثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على والدك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى).. وغير ذلك من الأعمال التي تقبل النيابة، أما الصلاة فلم يرد فيها قط نص، فهي ليس فيها نيابة قط، وفروض العين لا تسقط عن صاحبها قط إلا لعلة، فالصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة، فإذا جن شخص من الناس هل تجب عليه الصلاة حينئذ؟ الجواب: لا. وليس لي أن أصلي عنه.

    الأعمال.. بين التكلف والتكليف

    يذكر أن الشيخ الألباني رحمه الله سألته سائلة. قالت: يا شيخ! أنا دائماً أذكر عن ولدي الصغير الأدعية، فإذا عطس قلت بدلاً عنه: الحمد لله، ثم أرد عن نفسي فأقول: يرحمكِ الله، وإذا أراد النوم قرأت له أذكار النوم، وإذا قام قرأت له أذكار الاستيقاظ.. وهكذا، فما الحكم؟

    فكان رد الشيخ رحمه الله: هذا تنطع منك، وتكلف بما لم يكلفه الشرع، ونحن نعلم أن التكاليف الشرعية كلها مدارها على العقل والتمييز أو البلوغ، وهذه أصول ثابتة، فالعقل احتراز عن الجنون، فالمجنون إذا أفاق من جنونه لا يطالب بالصلوات التي فاتته في أثناء جنونه.

    1.   

    باب الوقف

    الباب الرابع: باب الوقف.

    قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا سليم بن أخضر البصري الثقة الضابط عن ابن عون -وهو عبد الله - عن نافع الفقيه مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أصاب عمر أرضاً بخيبر)] أي: تملك عمر رضي الله عنه أرضاً بخيبر، وهي سهمه الذي قسم له، فخيبر فتحت عنوة، والقول بأن خيبر لم تفتح عنوة قول لا عبرة به؛ لأن النصوص كلها قاضية عليه، فـعمر حينما فتحت خيبر وقسمت الغنائم كان من قسمه مال. قيل: هذا المال اسمه سمغ. وقيل: هي اسم للأرض التي قسمت لـعمر رضي الله عنه.

    قال: [(فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها)] يعني: عمر رضي الله عنه أتى ليستشير أهل الفضل والعلم والخير يقول: يا رسول الله! ماذا أصنع في هذه الأرض؟ [(فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟)]، هو أنفس من النفائس وهو الجودة، وفي هذا استحباب أن يتصدق الإنسان بأغلى وأنفس ما عنده، كما قال الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وليس مما تكرهون.

    قال: [(إني أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)]؛ لأنه استشاره، وأنتم تعلمون أن المستشار مؤتمن كما قال عليه الصلاة والسلام: ( المستشار مؤتمن) يعني: أمين على أن يشير بالحق والخير الذي ينفع المستشير.

    (قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) يعني: الأرض التي أصبتها يا عمر! إن شئت تصدقت بها مادمت استشرتني ولم تشترط، وانتفع بالناتج عنها.

    قال: [(فتصدق بها عمر ، -وعمر اشترط فيها- فقال: أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع)]، يعني: حتى لو أن أحداً عرضها للبيع يحرم على من علم أنها وقف أن يشتريها، وطبعاً هذا الحكم في كل الوقف، وللأسف الشديد جداً أننا نذهب إلى مكتبات إسلامية عريقة فنجد الكتب مكتوباً عليها: وقف لله تعالى لا يجوز بيعها ولا شراؤها، وتجدها معروضة في المكتبات للبيع، فتقول له: يا أخي! اتق الله، يقول: أنا اشتريتها.

    قال: [(أنه يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث -يعني: ممنوع على عبد الله بن عمر وغيره أن يأخذوا منه شيئاً- ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب)]، والقربى أي: قرابة عمر من الفقراء وهم أولى، وفي هذا فضيلة الحث على صلة الأرحام. قال تعالى: وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:180].

    قوله: (وفي الرقاب) أي: الإماء والعبيد، حينما يريدون أن يعتقوا فلاناً وهناك فائض من ريع هذه الأرض فإنه لا بأس أن يشترى فيه الرقاب فتعتق.

    قال: [(وفي سبيل الله -أي: في الجهاد- وابن السبيل -الذي انقطع به الطريق فهو محتاج وإن كان غنياً- والضيف. لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف)] يعني: الذي يقوم عليها بزراعتها وبحصادها ويثمرها لا بأس أن يأكل منها بالمعروف، أي: يأخذ منها بغير زيادة، يعني: لا يحق له أن يخزن منها، مثل مال اليتيم بالضبط؛ فإن مال اليتيم تأكل منه سد رمقك فقط، فلو أن عندك يتيماً فإنك تأكل من ماله بالمعروف، إذا احتجت إلى ذلك واضطررت إليه، وهكذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم، كانوا يأكلون من أموال اليتامى نصف ما يأكلونه من أموالهم أنفسهم؛ لأن هذا جاء على غير أصل، والأصل ألا يأكل، كالذي يكون في الصحراء بالضبط، فإما أن يشرب الخمر، وإما أن يهلك عطشاً، فلابد من أن يشرب، ولكن يشرب ما يبل به رمقه فقط، كذلك لحم الخنزير عند الاضطرار، يجب أكله، وإلا كان الإنسان منتحراً إذا مات، فيأكل قطعة يسيرة تذهب الجوع، وهكذا مال الوقف للقائم عليه والعامل عليه أن يأكل منه بالمعروف.

    قال: [(أو يطعم صديقاً غير متمول فيه أو غير متأثل فيه)] والمعنى واحد، (غير متمول) أي: غير جامع لهذه الأموال حتى يكون له أصل مال.

    فوائد من حديث عمر في باب الوقف

    وهناك أصل من الأصول فيما يتعلق بالوقف، وهو أنَّ الوقف على شرط الواقف، فحينما أقول لك: خذ يا فلان! ألف جنيه ووزعها على الأيتام، وذهبت فوزعتها على أبناء السبيل، هل يجوز؟ لا يجوز. وقس على هذا.

    فإذا أنا أوقفت المال على طلاب العلم فلا يجوز صرفه للأيتام، وإذا كان على الأيتام فلا يجوز لغيرهم وهكذا؛ لأن الوقف على شرط الواقف.

    وفيه كذلك: أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، إنما يتبع فيه شرط الواقف، وفيه: صحة شروط الواقف، وفيه: فضيلة الوقف. وهي الصدقة الجارية.

    فالوقف هذا كان من قبل تجده مصدر غنى وثروة عظيمة من ثروات المسلمين، أما الآن فيكاد الوقف ينعدم من الأمة، وبلا شك أن هذه مسئولية الأغنياء ومسئولية وزارة الأوقاف؛ لأن وزارة الأوقاف الدافع إلى وجودها: رعاية الأوقاف من سائر الأموال: أرض، وعقار، وتنقلات، ومساجد، ودور للأيتام وغير ذلك، فالأصل في كل هذا أن المتسلط عليه هو وزارة الأوقاف.

    لكن الآن لو أراد شخص أن يوقف شيئاً يخاف؛ لأن الوزارة ممتلئة بالذين لا يخافون الله والأكّالين للأموال، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يترك شيئاً، لكن فرضاً لو أنه كان للنبي عليه الصلاة والسلام مال كان أول المؤجرين له هم وزارة الأوقاف، فهذه الوزارة الآن قائمة قياماً عظيماً في الصد عن سبيل الله عز وجل؛ مما جعل الناس يخافون أن يساهموا بشيء، فكم من شخص يريد أن يبني مسجداً، ولكنه يتردد خائفاً بسبب ما يحصل في هذه الوزارة، وهذه الوزارة مسئولة أمام الله.

    وأنا لديَّ مكتبة في مسجد العزيز، وأنا في الواقع أريد أن أوقفها، وقد منّ الله عز وجل عليّ بها. وهي منّة عظيمة جداً، وفيها من الكتب ما ليس عند مئات من طلاب العلم، إذ يبلغ ثمنها حين قُدّرت منذ عشر سنوات (600.000) جنيه، وقد زدت فيها كثيراً، وقد أوقفتها على مسجد العزيز، لكنني خائف أن تبيعها وزارة الأوقاف، ولو كان الأمر مستتباً والحقوق محفوظة، والوقف على شرط الواقف، وانتقل المسجد للداخلية، وهم يحفظون شرطي لأوقفت في هذه الليلة المكتبة على مسجد العزيز، فإنه لا بأس أن ينتفع بها الناس، لكن إذا دخلت في الأوقاف فإنه لا يمكن الانتفاع بها حتى تبلى.

    إن مكتبة المسجد التي توليت أمرها منذ خمسة عشر عاماً مفتوحة بالليل والنهار، واعترضوني عدة مرات بأن الكتب سُرقت، قلت: دعها لتسرق، فإن الذي يسرق الكتاب إما أن يبيعه بعشرة جنيهات لمن يعرف قيمته فينتفع به، وإما أن يأخذه هو لينتفع به، المهم أنك أوقفت للقارئ مع وجود الإثم أو عدم وجوده.

    والله العظيم أني وجدت امرأة تبيع أجزاء من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية أمام الجمعية الشرعية في المنصورة سنة (1984) أو (1985) فقلت لها: يا امرأة! لماذا تبيعين هذه الكتب؟ قالت: ابني تركني وغاب عني بضعة أشهر ولم يرسل لي نقوداً، فقلت لها: الكتاب بكم؟ قالت لي: الكتاب بجنيه، فأخذت منها سبعة وعشرين مجلداً، وقالت لي: منه عندي مجلدات من المطبوع، ومجلدات لفتح الباري، ومجلدات لـمسلم ، وعندي مصاحف.

    المهم واشتريت منها المكتبة ونقلتها إلى بيتي، وتابعت وصول صاحبها، حتى وصل إلى المنصورة، وطبعاً علم أن المكتبة قد بيعت، ومن كمده كاد يموت، وتعرفت أنه من الأساتذة الشرعيين فتركت له رسالة في المسجد، إذا أتى فليتصل بالهاتف الفلاني، أو يأتي إلى المسجد الفلاني، وأتاني إلى قريتي وقال: أنا أشكرك لأنك حفظت المكتبة، فقلت له: أنا اشتريت المكتبة. أتريد أن تشتري مني؟! إن المكتبة التي بيعت أحفظها لك في البيت، فأعطني نقودي وخذ مكتبتك.

    والله العظيم أستاذ كبير جداً من أساتذة العيون المرموقين المعدودين في مصر، فعندما مات كان الوارث ابنه، فباع الكتب الزكية الكتاب بأربعين قرشاً، وأحد إخواننا مر بهذا البائع وهو يعرفه فوجده يبيع كتباً مكتوباً عليها: مكتبة الأستاذ الدكتور فلان، وكان هذا الأخ أستاذ لغة عربية، وقد درّس هذا الولد اللغة العربية، فأعطى الأستاذ الولد ستين جنيهاً، وحمل الكتب وهي خمسة وستون مجلداً، والله رأيتها بعيني، ودفعه إلى صبي غير مكلّف على اعتبار أن هذا الصبي يعمل طبيباً متخصصاً، فيدفعه إليه ليشتري؛ لأنه لن ينتفع بها، فهي كتب كلها متخصصة في جراحة العيون وغير ذلك.

    المهم هذا الأخ الذي اشتريت المكتبة من أمه عندما قدِم وقال ما قال من كلام طيب مريح، قلت له: أنا أعطيك هذه المكتبة على أن تتزوج أختي. قال: أفعل. وفرح بذلك، وفرحت به فكان خير زوج لأختي، وهو إلى الآن بحمد الله تعالى طالب علم محافظ على دينه وصلاحه واستقامته.

    وأسأل الله تعالى أن يتقبّل منا ومنكم، ويرزقنا وإياكم الصلاح والتقوى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين عقيدة الأشاعرة وعقيدة أهل السنة

    السؤال: أرجو منكم بيان الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الأشاعرة، وقد يكون من الأشاعرة بعض المعلمين سواء في الأزهر أو في معهد الدعوة أو غير ذلك؟

    الجواب: معظم المعلمين في العقيدة في الدراسات النظامية أشاعرة وماتريدية، وهم يعتقدون أن أهل السنة ما هم إلا خليط الأشاعرة والماتريدية، بل ويصرون على الإثبات بأنهم أهل السنة وليسوا كذلك، بل هم من أهل السنة فقط، أما أهل السنة فلهم أصول، وهذه الأصول استنادها إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    فإن كنت تريد أن تأخذ خطوط عريضة لمعتقدات الأشاعرة والماتريدية، فهذا أمر يصعب ذكره، وعلى أية حال أنتم تعلمون أننا نتناول أثناء تدريس كتب العقيدة، سواء كان في هذا المسجد في كتاب أصول الاعتقاد للالكائي أو في كتاب الإبانة في مسجد العزيز يوم الأحد في كل أسبوع للإمام ابن بطة ، وطبعاً تلخيص ذلك أمر يصعب جداً.

    حكم العمل على (الأتوبيس)

    السؤال: ما حكم العمل على (الأتوبيس) بعد الانتهاء من العمل الأول لقلة الراتب، حيث إن راتب الشركة ضعيف؟ وما حكم طالب الأجر أكثر مما عمل بعد ذلك؟ وما حكم ركوب الخريجات والخريجين مع بعضهم البعض؟

    الجواب: كل هذا يبث فتناً، لكن على أية حال أصل السؤال: هل يجوز العمل على ( الأتوبيس)؟ الجواب: نعم. يجوز، وإن كان السائق يتعرض لفتن عظيمة جداً في ركوب الخريجات والخريجين وغيرهم، لكن على أية حال أصل العمل مشروع، وليتحر السائق في الراكب الذي معه، ويحاول ألا تركب معه المرأة المتبرجة وغيرها.

    ما يلزم من كان لديه مسروقات بعد التوبة

    السؤال: سمعت من أحد الناس أنه قد أخذ من عمله مبالغ لا يستحقها وهو يعتبرها سرقة، ولكنه لا يعرف كيف يعيدها، وكذلك لا يستطيع إخراجها جملة واحدة، فهل يمكنه أن يخرجها على فترات، كل شهر: مبلغ كذا مثلاً، وذلك في صدقات على الناس؟

    الجواب: لا. يا أخي الكريم! إذا كنت سرقت من مكان معين، فإنما يلزمك لصلاح التوبة أن تدفع هذا المال إلى صاحب المكان الذي سرقت منه، إلا أن يعفو عنك، أو يأذن في إخراج الصدقات على النحو الذي يرتضيه ويتناسب معه، أما أن تسرق مني، ثم تذهب لتتصدق بما سرقته، فإنك لا تفرق كثيراً عن أم كلثوم حينما قالوا لها: الغناء حرام. قالت: أنا لا أغني إلا في القاعات، فهذا عذر أقبح من ذنب، تسرق لتتصدق؟! هذا أمر عجيب!

    إخوة يوسف أنبياء كما أثبت ذلك القرآن الكريم

    السؤال: كنت تكلمت في قصة سابقة عن الأنبياء، وكيف أن لهم هفوات صلوات الله وسلامه عليهم، فتاب الله عليهم منها، وذكرتم أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا أنبياء، فما الدليل على ذلك؛ بالرغم من شروعهم في قتل يوسف، والكذب على أبيهم؟

    الجواب: كل هذا قبل أن يكونوا أنبياء، ونحن قلنا: إن العصمة في الأنبياء من الكبائر تكون بعد البعثة، أما قبل البعثة فبعضهم وقع، وإخوة يوسف هم الأسباط، وأسباط يوسف ذُكروا في القرآن عدة مرات على أنهم أنبياء، إذاً: فهم أنبياء.

    معنى الشرك الخفي

    السؤال: ما هو الشرك الخفي؟

    الجواب: هو الرياء، وفي الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده: (الرياء هو الشرك الخفي)، وفي رواية: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قيل: ما هو يا رسول الله؟ قال: الرياء)، وفي رواية: (فإنه محبط للعمل).

    إقامة الحد أو العقوبة أو الحجة على العاصي

    السؤال: كيف نعلم أننا أقمنا الحجة على العاصي؟

    الجواب: لا. يا أخي الكريم! ليست إقامة الحجة لك، إقامة الحجة إما من سلطان ممكن، أو عالم ممكن، فهذان هما اللذان لهما الحجة، أما غيرهما فلا، إلا إذا أتاك وسألك أن تعلمه، يعني: جلس بين يديك مجلس الجاهل وقال لك: علمني أنا جاهل، فتعلمه أن الزنا حرام، وأن السرقة حرام، وأن شرب الخمر حرام، وتنقل له أدلة الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، فإذا علم وقنع بهذا العلم فقد قامت الحجة عليه بغير السلطان، أما الذي يريد أن يقيم عليه الحجة؛ لأنه بعد إقامة الحجة إن عاند وجحد يترتب على ذلك قتله أو نفيه، أو غير ذلك من الأحكام الشرعية، فهذا لا يكون إلا على يد عالم ممكن أو سلطان ممكن، وإقامة الحجة تستلزم استتابته ثلاثة أيام، يحبس في السجن، ويقال له: الحكم كيت وكيت وكيت، وهذا حرام مجمع على حرمته، والأدلة كيت وكيت، أمامك ثلاثة أيام إما أن تتوب وإما قتلناك وإما السجن.

    كما أن ترك الصلاة محل نزاع بين أهل العلم فيمن ترك الصلاة كسلاً، أما من تركها جحوداً فهو كافر بالإجماع، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، لكن لو أنه لا يصلي ويقول: الله يهديني، وادع لنا، فإننا نأتي به إلى السلطان، والسلطان سيضعه في الزنزانة، ويقول: يا بني! ترك الصلاة كفر، وقد وردت الأدلة وتظاهرت على أنه كفر، فأنت تقول له: إما أن تصلي وإما قتلناك يوم الخميس الساعة العاشرة صباحاً، فتصور أن هذا الإنسان يقعد الإثنين والثلاثاء والأربعاء في الزنزانة لا يصلي، وهو يعلم أنه سيقتل يوم الخميس، فهذا مجنون. يقال له: لم لا تصلي؟ يقول: مزاج، ففي مثل هذه الظروف اختلف أهل العلم فيما لو استتيب فلم يتب فقُتل، هل يُقتل ردة أم حداً؟

    فالصحابة يقولون: يُقتل ردة؛ لأن مذهب معظم الصحابة أن تارك الصلاة عموماً كافر، ولم يفرقوا بين كونه جاهلاً أو غير جاهل. هما سواء، وهذا طبعاً وارد في حديث أبي وائل الكوفي شقيق بن سلمة. قال: ما كان الصحابة يعدون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة، فلماذا خص هذا الفرض بهذا القيد العظيم جداً، فهذا نص مخيف جداً.

    إقامة الحد ليس ركناً في التوبة

    السؤال: لو أن عبداً ارتكب ذنباً وتاب منه، وهذا الذنب والابتلاء يستوجب الحد، فهل هذا مشروع وركن في التوبة؟

    الجواب: ليس إقامة الحد ركناً في التوبة، وإذا كان هو أصل التوبة وبديلها، فإن البدل قام مقامه وهو التوبة، يعني: قلنا العبد ارتكب ما يوجب حداً، لكنه لم يُحد وإنما تاب بينه وبين الله عز وجل، فالتوبة تمحو الحد، يعني: لا يطالب بإقامة الحد عليه، بل يحاسبه الله تعالى يوم القيامة على الذنب وعلى عدم إقامة الحد عليه؛ لأن التوبة تجب ما كان قبلها.

    حكم خلع النظارة في الصلاة

    السؤال: ما حكم خلع النظارة في الصلاة؟

    الجواب: لا بأس به. لا يؤثر على صحة الصلاة، وإن كان هذا يتنافى مع القنوت للصلاة. قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] أي: خاشعين متذللين، وأنتم تعلمون أن كثرة الحركة تؤدي إلى بطلان الصلاة، واختلف أهل العلم في الحركة المبطلة للصلاة: كيف هي وكم هي؟ فقالوا: ثلاث حركات تبطل الصلاة، وقالوا: أكثر من ذلك، وابن قدامة يقول: ومرد ذلك إلى عرف الناس، فإذا تعارف الناس أن من تحرك ثلاث حركات أو أربع حركات تبطل صلاته، فحينئذ يحكم على صلاته بالبطلان.

    وهذه مسألة مهمة جداً، وفيها مخرج لكثير من عادات بعض الشعوب، فمثلاً الشعب السعودي أثناء الصلاة ترى السعودي في حركة مستمرة، فيضع العقال ثم يرفعه.. وهكذا، ثم ينظر إلى الساعة، ثم يقبض على رأسه إلى غير ذلك، فهم تعارفوا على أن هذا لا يبطل صلاته، أو مثلاً واحد كان يصلي مأموماً في آخر المسجد، وبينه وبين العمود حوالي عشرة أمتار، وهو ممن يذهب إلى أن اتخاذ السترة واجب، وعلى المذهب الراجح: أن السترة سنة مؤكدة وليست واجبة؛ لحديث ابن مسعود وحديث ابن عباس ، وهما في البخاري .

    فهذا الذي صلى مسبوقاً بالإمام يريد أن يتخذ لنفسه سترة، فتراه يتقدم حتى يصل إلى العمود، فدخل رجل من الخارج ونظر إلى هذا الذي يصلي في المسجد ورآه يتقدم ويمشي فأيقن أنه ليس في صلاة، وإنما يلزمه أن يمشي خطوة أو خطوتين.

    الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر عليها

    السؤال: يقول بعض الإخوة: خطباء الجمعة يريدون ترك هذه الدعوة خوفاً من السلطة، هل يكون آثماً؟

    الجواب: يا أخي! يكفيك أنك تحمل دليلاً شرعياً: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فتكلم كلاماً طيباً واخطب، إذا كنت صاحب دعوة فأنت مكلّف بهذا.