إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الوصية - الوصية بالثلثللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم ما جاء في الشريعة الإسلامية للمسلمين الوصية؛ فقد حث عليها الشارع، ورغب فيها، وحينما شرعها حذر من الغلو فيها، وجعل الضابط فيها عدم الإضرار بالورثة، فلا يوصى لوارث لما فيه من أخذ ما ليس له بحق، كما لا يوصى لغير الورثة بما يزيد على الثلث لعدم الإضرار بهم.

    1.   

    كتاب الوصية

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    كتاب: الوصية أو الوصايا؛ لأن الوصية مفرد وصايا.

    وهي كما يقول الأزهري : مشتقة من وصيت الشيء أوصه إذا وصلته، فأصل الوصية في اللغة هو: الواصل، وكأن الميت يصل ما كان في حياته بما هو كائن بعد مماته، يعني: هو يذكر أموراً متعلقة بأمر الوصية الكائنة في حياته بما هو كائن بعد مماته.

    كتاب: الوصية.

    شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو خيثمة -وهو زهير بن حرب النسائي ، نزيل بغداد- ومحمد بن المثنى العنزي -واللفظ له- قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري الإمام الكبير المشهور علم من الأعلام، وله أخ اسمه عبد الله بن عمر العمري ، وعبد الله ضعيف، وعبيد الله المصغر إمام من الأئمة، أما عبد الله المكبر فهو ضعيف الرواية.

    قال عبيد الله : أخبرني نافع -وهو نافع الصغير - مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر -وهو عبد الله - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ].

    قوله: (ما حق امرئ مسلم) فيه حث وتأكيد على استحباب الوصية وعلى سنيتها، وإن كان أهل العلم اختلفوا فيها: أهي واجبة أو مسنونة أو مندوبة مستحبة؟ فذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الوصية مندوبة وليست واجبة، وحملوا -أي الجمهور- قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما حق) أنه ليس هو الحق الاصطلاحي، وإنما هو من معناه: حري وجدير لمن كان عنده شيء يوصي به ألا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.

    الأمر الثاني الذي صرف ظاهر النص سواء في القرآن والسنة وهو ما يوحي خلاف الوجوب إلى الندب؛ قوله عليه الصلاة والسلام: (يريد أن يوصي فيه)، فأرجع إرادة الأمر ومشيئته إلى العبد، قال: (يريد أن يوصي فيه)، وهذا بخلاف من كان عنده شيء لا يريد أن يوصي فيه، فحينئذ يترجح لدينا أن مذهب الجمهور هو الحق، وأن الوصية إنما هي مستحبة وليست بواجبة.

    قوله: (ما حق امرئ مسلم) هل الوصية من أهل الكتاب أو الحربي المقاتل لا تصح؟ الجواب بإجماع أهل العلم: أنها صحيحة، فلو أوصى كتابي .. يهودي أو نصراني بوصية يريد أن يوصي فيها صحت الوصية فليس الإسلام هنا شرطاً، وهذا بإجماع أهل العلم؛ لأن الوصية تصح من كل أحد من الكافر والمسلم، من المرأة والرجل، وأهل العلم لا يشترطون فيها إلا العقل والحرية، وهذا محل اتفاق بينهم، فلابد للموصي أن يكون عاقلاً؛ احترازاً عن الجنون، فلا تصح وصية المجنون؛ لأنه غير مكلف، والحرية احترازاً من وصية العبد فهي غير جائزة، وذلك لأن العبد وما يملك ملك لسيده، فالعبد في حقيقة الأمر لا يملك شيئاً، بل هو يعد شيئاً داخلاً في ملك سيده، وعلى هذا فهو لا يملك أن يوصي في شيء؛ لأنه لا يملك شيئاً.

    أما شرط البلوغ فهو محل نزاع بين أهل العلم، هل تصح وصية الصبي الذي لم يبلغ أو لا تصح؟ محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من قال: تصح وصيته، ومنهم من قال: لا تصح وصيته.

    أما اشتراط الإسلام هنا فالحقيقة أنه غير مراد، وليس بشرط لازم لنفاذ الوصية أو صحتها، وإنما خرج مخرج الغالب أو القياس الأولوي، فإذا كانت وصية الكافر صحيحة نافذة، فمن باب أولى أن تكون وصية المسلم، وإذا جاز للكافر أو الذمي أن يوصي، فأحرى بالمسلم أن يوصي، فليس ذكر مسلم هنا في هذا الحديث شرطاً لصحة الوصية؛ لأنه خرج مخرج الورثة: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)، وكذلك قال في قوله: (يبيت ليلتين) وفي رواية: (يبيت ثلاث ليال)، فاختلاف العدد هنا دليل على أنه غير مراد كذلك، وإنما المراد التعديل؛ ولذلك عبد الله بن عمر لم يلتزم ظاهر هذا الحديث مع أنه هو الذي رواه.

    قال: فما بت ليلتين من بعد أن سمعت هذا الحديث إلا ووصيتي مكتوبة عندي، فهو لم يلتزم ليلتين ولا ثلاث ليال، وهذا يدل على أن ذكر العدد غير مراد، لكنه مدة مفتوحة من الشرع لمن لم يبادر ويعجل في كتابة الوصية سواء كان يومين أو ثلاثة؛ لأن الناس في شغل، وربما أدى بهم الانهماك في الشغل والأعمال وغير ذلك إلى النسيان، فلا أقل من أن يرجع ويتدبر من خلال يومين أو ثلاثة.

    أما استحباب كتابة الوصية من أول ما أن يملك المرء شيئاً يريد أن يوصي فيه، فإذا كان قد ملك وتوجهت إرادته إلى الوصية فينبغي له فوراً وعلى التو والحال أن يقوم فيكتب وصيته.

    أما عن الإشهاد بالوصية فمحل نزاع بين أهل العلم، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشهاد ليس بلازم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر الإشهاد، ولم يشترط شهوداً أو شهادة لهذه الوصية، وذهب جماهير أهل العلم إلى استحباب الإشهاد.

    وغالى بعضهم فقال: وصية مكتوبة بغير إشهاد لا نفاذ لها، لكن هذا الكلام فيه تجاوز، والأصل أن المرء لو كتب وصيته وإن لم يشهد عليها، فإن كان معروف الخط فتبين للورثة أن هذا خط مورثهم واعترفوا بذلك، وأقروا بهذه الوصية فحينئذ يجب إثباتها، ولا أقل من أن تقاس بالوجادة التي هي أحد طرق تحمل العلم.

    والوجادة هي: أن أحداً ما وجد كتاباً في بيته يعلم أن هذا الكتاب خط أبيه، فله أن يروي هذا الكتاب عن أبيه ويقول: حدثني أبي وجادة أو أخبرني أبي وجادة، يعني: هو لم يسمع منه، وإنما وجد كتابه، وهذه معروفة أنها أحاديث أبيه، وهذا خط أبيه، والقرينة أنه وجد الكتاب في بيته.

    شرح طرق حديث: (ما حق امرئ مسلم...)

    قال: [ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان وعبد الله بن نمير وحدثنا ابن نمير حدثني أبي كلاهما ]، أي: عبدة وابن نمير ، ثم بعد ذلك ابن نمير يحدث مسلماً عن أبيه، وأبوه هو عبد الله بن نمير ، فكان الإسناد الأول من طريقين: طريق ابن نمير الذي هو عبد الله من طريق عبدة ، والإسناد الثاني من طريق عبد الله بن نمير.

    إذاً: الطريق الثاني موافق للطريق الأول، لكن الطريق الأول يزيد عبدة بن سليمان ، فكلاهما الضمير يعود على عبدة وعبد الله بن نمير.

    قال: [ كلاهما عن عبيد الله بهذا الإسناد -و عبيد الله هو عبيد الله بن عمر العمري- عن نافع عن ابن عمر ، بهذا الإسناد -أي: بنفس الإسناد السابق- غير أنهما -والضمير يعود على عبدة وعبد الله بن نمير - قالا: (وله شيء يوصي فيه)، ولم يقولا: (يريد أن يوصي فيه).

    وحدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا حماد -يعني: ابن زيد البصري - وحدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية- كلاهما عن أيوب ].

    حماد بن زيد في الإسناد الأول، وإسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري في الإسناد الثاني، وهو المعروف بـابن علية كلاهما يرويان عن أيوب ، وهو ابن أبي تميمة كيسان السختياني البصري.

    قال: [ وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ].

    إذاً هنا معنا اثنان: أيوب ويونس ، ويونس هو يونس بن يزيد الأيلي شيخ ابن وهب .

    قال: [ وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد الليثي ].

    إذاً: هنا معنا ثلاثة: أسامة ويونس وأيوب ، واعلم أن أسامة بن زيد الليثي ضعيف، لكن هل اعتمد عليه مسلم هنا في الرواية، أم ذكره استئناساً؟ ذكره استئناساً، أي: طريقه لا يضر في صحة الحديث.

    قال: [ وحدثنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك -وهو محمد بن إسماعيل - أخبرنا هشام -يعني: ابن سعد المدني -كلهم عن نافع. (كلهم) ].

    الضمير هنا يعود على أيوب ويونس وأسامة بن زيد الليثي وهشام بن سعد .

    قال: [ كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث عبيد الله ]. أي: بنفس الرواية التي سبقت: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وعنده شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده).

    قال: [ وقالوا جميعاً -أي: الأربعة- (له شيء يوصي فيه) إلا في حديث أيوب فإنه قال: (يريد أن يوصي فيه) ]. فلفظ (يريد) أتى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله عن نافع، ولم ينفرد به، بل تابعه أيوب ، لأجل ألا يقول قائل: هذا الحديث فيه أربعة وخمسة وستة لم يذكروا لفظ (يريد) إلا واحد فقط، فما المانع أن يكون هذا من باب الوهم، أي: وهِم في إثبات هذه اللفظة؟

    لكن يحيى بن سعيد القطان لم يهم، أولاً: لأنه من الحفاظ الكبار، الأمر الثاني: أنه لم ينفرد بهذه اللفظة، إنما تابعه على ذلك أيوب بن أبي تميمة السختياني ، لكن على العموم ذكر في طريقه: (له شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده).

    قال: [ حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو وهو ابن الحارث المصري عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة) ]. هذا طريق جديد، والحديث كله من طريق عبد الله بن عمر ، فتارة يرويه عنه نافع ، وتارة يرويه عنه ولده سالم، وسالم من الحفاظ الكبار، ونافع من الحفاظ الكبار كذلك، فليست هناك مخالفة، والأمر محمول على تعدد الحوادث، يعني: مرة قال عليه الصلاة والسلام: (ليلتين)، ومرة قال: (ثلاث)، وما أراد النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الليلتين وما أراد ذكر الثلاث، وإنما أراد أن يعطي الفسحة لمن شغله أمره عن الكتابة يوماً أو يومين أو ثلاثة، وإلا فالأصل التعجيل.

    قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي، أي: مكتوبة.

    ونحن نعلم أن عبد الله بن عمر من أشد الناس تمسكاً بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولو علم عبد الله بن عمر أن ذكر العدد هنا مراد للنبي عليه الصلاة والسلام لم يتقدمه بيوم ولم يتأخره بيوم، فلما تقدم عبد الله بن عمر على العدد المذكور في النص الذي رواه هو عن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن هذا العدد غير مراد.

    قال: [ وحدثنيه أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ، وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث -وهو الليث بن سعد - عن أبيه عن جده حدثني عقيل ] وهو ابن خالد بن عقيل ، وعُقيل مصغّر، وجده عقيل مكبّر: عقيل بن عقيل المدني الشامي المصري ؛ لأنه كان رحالة.

    قال: [ وحدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر . وكلهم عن الزهري ]، والضمير يعود على يونس بن يزيد الأيلي وعلى عقيل وعلى معمر، الثلاثة كلهم يروون عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أي: بالإسناد السابق نحو حديث عمرو بن الحارث.

    و عبد بن حميد هو عبد الحميد بن حميد وهو من أئمة المكيين، بل هو من أئمة المسلمين عامة، لكنه كان إمام أهل مكة في زمانه، وله كتاب عظيم جداً اسمه مسند ابن حميد، وكذلك له كتاب مسند في التفسير، لكن هذا الكتاب المسند في علمي أنه لم يُطبع.

    فوائد وأحكام من حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ...)

    هذه الروايات فيها الحث على الوصية، أي: فيها حث وحض لمن كان عنده شيء يريد أن يوصي فيه أن يبادر بكتابة الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، فالأمر بها واجب في الكتاب والسنة، لكن مذهب الشافعية وكذا مذهب الجماهير: أنها سنة لا واجبة، وقال داود الظاهري وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريح بإيجابها، يعني: هذا الحديث في الظاهر لا يدل على الوجوب، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك، يعني: إذا كان الإنسان مضطراً إلى ذلك، بل إذا ترك الوصية فإنه يكون على خطر عظيم جداً، فحينئذ تجب عليه الوصية، فإن كان عنده ودائع أو رهائن أو غير ذلك للخلق وترك الوصية فلا شك أنه سيضيّع حقوقاً أخذاً وعطاء، فإذا أتى الدائنون إلى أهله بعد مماته يطالبون بديونهم ربما تنكّر لهم أهل الميت، وقالوا: ليس لديكم مستند، ولا كتب ذلك بوصية؛ ولا أوصانا مشافهة بذلك، فأنى لنا تصديقكم في هذا المدعى؟ وهذا أمر فيه تضييع لحقوق الخلق، وكذا لو كان هذا الرجل مما يؤثر نفسه بالسر ولم يطلع عليه أحداً، وعنده من الرهائن أو الودائع المالية وغير المالية للخلق، فإنه يلزمه عند ذلك أن يكتب الوصية، وإلا لعد الورثة ما تركه المورّث ميراثاً لهم حتى وإن زعم الزاعمون أن لهم عنده رهائن أو ودائع، لكن ليس لديهم ما يستندون إليه، كما لو ترك الإيصاء في إيصال الحقوق إلى أصحابها، فإن هذا أيضاً أمر مضيع لحقوق الخلق.

    قال الشافعي رحمه الله: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده.

    إن الإمام الشافعي إمام من أئمة اللغة، بل قوله في اللغة حجة كما قال غير واحد من أئمة اللغة، أي: هو كـثعلب وسيبويه وغيره، بل هو أولى منهم بكثير في فهم كلام العرب وهو العربي الأصيل.

    فهنا يقول: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ما حق امرئ مسلم) الحزم في الاحتياط أن يكتب المسلم وصيته، وهذا اللفظ لا يدل عند أهل العربية ولا عند الشافعي على الوجوب.

    قال: ويستحب تعجيلها. يستحب تعجيل كتابة الوصية، وأن يكتبها في صحته، يعني: لا ينتظر أن يمرض مرض الموت، فربما يأتيه الموت فجأة، فأنّى له أن يوصي وقت وفاته؟ وسواء كان ذلك في صحته أو في مرضه فالأمر مرهون بما إذا توفر لديك شيء تريد أن توصيه.

    وبعضهم قال: هذا الشيء هو المال، وبعضهم قال: بل لفظ شيء عام في الأموال وفي غيرها، وهذا هو الراجح، بل قد أخرج البخاري وغيره أن الرجل فيهم كان يوصي صاحبه بأن يقوم في أبنائه على تربيتهم وحسن تعليمهم، وكان يكتب بذلك وصيته، وهذا أمر معنوي ليس أمراً مالياً ولا مادياً.

    وهذا يدل على أن لفظ شيء من ألفاظ العموم التي لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص.

    فالإنسان إذا أمكن أن يوصي في شيء سواء كان مادياً أو مالياً أو معنوياً أو عينياً أو غير ذلك، فالأصل أن يعجّل كتابة هذه الوصية، ولا ينتظر أن يوصي في مرض موته أو إذا مرض أو غير ذلك؛ لأنه لا يدري متى سيأتيه الموت.

    مقدار المال الذي يوصى فيه

    فرق العلماء بين من كان يريد أن يوصي بماله: هل يشترط في المال أن يكون كثيراً أو قليلاً؟

    فبعض أهل العلم قالوا: لا عبرة بالمال القليل ولا الكثير، فإن الوصية في كل المال، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأن لفظ القلة والكثرة مسألة نسبية، فمثلاً واحد ترك مائة ألف جنيه، وعنده من الأولاد عشرون، فهذا المال قليل بالنسبة إلى الورثة، وآخر ترك عشرة آلاف جنيه وليس عنده من الأولاد أحد، فهذا مال كثير بالنسبة للمال الأول، فمسألة القلة والكثرة مسألة لا يمكن ضبطها، فلا حد للكثرة والقلة، ولا من جهة القيمة المالية للمال في زمن الوقوع، فهذا أمر يصعب جداً؛ ولذلك قالوا بأن الوصية تلزم في المال القليل والكثير على السواء، وأحالوا في الكثرة والقلة على العرف، بما يتحقق مع مصلحة الورثة.

    وقالوا: أما الأمور التافهة فقد جرت عادة الناس على عدم الإيصاء فيها، كيف؟

    لو أن واحداً من الناس عنده مائة ألف جنيه، وله ولدان أو ثلاثة وهو يريد أن يوصي، والوصية معلوم أنها لغير الورثة؛ لأنه: (لا وصية لوارث)، فإذا أراد أن يوصي فله ذلك، لكن بعد أن أوصى بثلث المال أو ربع المال، وكان هذا المال وقت كتابة الوصية مائة ألف، دخل له ربح ألف جنيه أخرى، فهل يلزمه أن يُمزّق هذه الوصية ويكتب وصية في حدود مائة ألف وألف؟ لا يلزمه ذلك، بعض أهل العلم قالوا: يكتب مذكرات ملحقة، وبعضهم قال: بل يجدد الوصية إذا استدعى الأمر ذلك، وبعضهم قال: بل هذه الأموال التافهة أو الأشياء التافهة لا يلزمه فيها الإيصاء، وهذا الذي يشهد له واقع وحياة الناس.

    قال: (ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحائف ويُشهد عليه فيها)، يعني: يأتي باثنين من الشهود الرجال أو برجل وامرأتين، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها.

    قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة، ولا يلزمه ذلك.

    كالإخوة الذين يحرصون على كتابة المذكرات اليومية؛ فيأخذ مذكرة يومية ويكتب: ذهبت المدرسة ثم عدت من المدرسة إلى البيت وأخذت الملف، وصليت في المسجد الفلاني صلاة الظهر، وذهبت العصر إلى الكُتّاب، ثم رجعت وغير ذلك..، فهذا برنامج يومي لا يعتبر وصية من أولها إلى آخرها؛ لأنه في المسائل المتعلقة بكل جديد في حياتك، وهذا البرنامج برنامج روتيني وكلنا نمر به.

    قال: (ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة).

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ووصيته مكتوبة عنده)، فمعناه: مكتوبة، وقد أشهد عليه بها، لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يُعمل بها، وكما قلنا: إنما يُعمل بها إذا أقر بها الواصي، فمثلاً أنا الآن كتبت وصيتي وما أشهدت عليها، أو اعتبرت أن الإشهاد ليس شرطاً في صحة الوصية.

    إذاً: يلزم نفاذ الوصية حتى وإن لم يتم الإشهاد عليها.

    قال: (ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور).

    وقال ابن نصر المروزي وهو الإمام الكبير العلم، له كتاب من أنفع الكتب اسمه تعظيم قدر الصلاة وهو مطبوع حديثاً، وكان أهل العلم ينقلون عنه من هذا الكتاب، وهذا الكتاب أعجوبة من أعاجيب المصنفات، وكل كلام ابن نصر المروزي بصراحة قيمة في الإنصاف والعدل.

    قال ابن نصر المروزي : يكفي الكتاب من غير إشهاد، لظاهر الحديث، وابن نصر المروزي شافعي.

    1.   

    باب الوصية بالثلث

    الباب الأول: الوصية بالثلث.

    يعني: باب جواز الوصية بالثلث.

    شرح حديث سعد: (عادني رسول الله في حجة الوداع ...)

    قال مسلم : [ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا إبراهيم بن سعد المدني عن ابن شهاب -وهو الزهري - عن عامر بن سعد عن أبيه عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع) ]. يعني: سعد سبق النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وإلا فـسعد بن أبي وقاص من أوائل المسلمين، وقد هاجر إلى المدينة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو من المهاجرين، ولكنه رجع إلى مكة إما للحج وإما لحاجة أخرى أرسله فيها النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع) أي: في أثناء حجه، والمعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما حج بعد البعثة إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع، وقيل: إنه حج قبل البعثة على ملة إبراهيم مرتين.

    قال: [ (عادني من وجع أشفيت منه على الموت) ]، أي: أشرفت منه على الموت، يعني: كدت أن أهلك بسببه، وفي هذا استحباب زيارة الأمير والسلطان والحاكم ومن يشار إليه بالبنان، فزيارة الكبير تدخل على نفس الصغير أعظم السرور، وفيها من اغتباط القلب والولاء وغير ذلك، وأذكر أن جماعة من الجماعات العاملة على الساحة كثرت أعدادهم بسبب اجتماعياتهم، ومنها الزيارة في الله، زيارة المرضى، ومواساة المحتاجين وغير ذلك، فهذا من أعظم الأعمال التي يحرصون عليها، وكان الواحد منهم من قبل وهو كبير لا يظن به أن يتفرغ لزيارة واحد منا ونحن في الإعدادية مثلاً أو في أول الثانوية، فكان الواحد منهم مع منزلته المرموقة ومكانته السامية يأتي فيزور الشباب الملتزم، فيترك أثراً عظيماً جداً في قلب الوالدين وفي قلب الأعمام والجيران والأهل وغير ذلك، فتسمعهم يقولون: الشيخ الفلاني أتى يزور هذا الولد؟ والعالم الفلاني والداعية الفلاني الذي لا يوجد مثله جاء ليزور ولدي؟ فيشكرونهم ويحبونهم، وهذا بلا شك من مكارم الأخلاق، وإذا فعله لله عز وجل فإن الله تعالى يكافئه عليه بأعظم مما بدر منه.

    ففيه استحباب عيادة المريض وأنها مستحبة للإمام كاستحبابها لآحاد الناس.

    ومعنى (أشفيت على الموت) أي: قاربت وأشرفت عليه، لكن لا يقال: أشفى الله فلاناً إلا في الشر، يعني: هناك فرق بين شفى الله فلاناً، وأشفى الله فلاناً، فأشفى لا تقال إلا في الشر؛ ولذلك هنا يقول: أشفيت منه على الموت، أي: قاربت منه.

    جاءت امرأة إلى الإمام الشافعي وهو مريض، فقالت: أشفى الله الإمام، والمعنى: أهلك الله الإمام. وهي من عامة الناس، فقال الإمام الشافعي : آمين. اللهم بنيتها لا بلفظها، فهي توجهت نيتها وإرادتها إلى الدعاء له لا الدعاء عليه، فقال: اللهم بنيتها لا بلفظها.

    قال: [ (فقلت: يا رسول الله! بلغني ما ترى من الوجع -أي: أنت الآن علمت شدة الوجع الذي نزل بي- وأنا ذو مال ] أي: صاحب مال، وأهل اللغة لا يقولون: فلان ذو مال إلا إذا كان له مال في العُرف المعتبر، فقد توجهت كلمات العرف إلى أن المال هو المال الكثير؛ ولذلك جمهور أهل العلم يقولون: لا يلزم صاحب المال القليل الوصية.

    قال: (بلغني ما ترى من الوجع) وهذا الكلام على سبيل البيان، كأنه يقول: أنا أبيّن حالي من المرض والوجع الذي نزل بي لأجل مصلحة شرعية مترتبة على هذا، وهو أني ذو مال.

    أما أن يقول: لقد نزل بي من الوجع ما تراه، فبلا شك أنه مؤثر جداً في ثواب المريض إذا كان على سبيل الشكاية.

    فهذا قوله: (وإنك ترى ما نزل بي من الوجع) ليس على سبيل الشكاية، وإنما على سبيل التقدمة لبيان الحكمة الشرعية، وللسؤال عن المال الذي عنده كيف يتصرف فيه.

    قال: [ (وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي) ] وهذا الحديث روي عن عامر بن سعد وعامر بن سعد وغيره كانوا أبناء لـسعد ، بل قد ورد أن سعداً له ستة أولاد، لكن لم يكن له من الأولاد إلا ابنة في أول أمره حينما نزل به المرض، ولم يقدّر له الموت في هذا المرض، وإنما قُدّرت له الحياة حتى فتح الفتوحات، وضر به أقوام وانتفع به آخرون، ورزقه الله أولاداً آخرين.

    قال: [ (وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟) ]، عندي مال كثير، وأريد أن أتصدق، إما أن تكون هذه الصدقة مؤجلة أو منجزة، ومعنى منجزة، أي: أدفع الآن وفي هذا الوقت، وذلك إذا أذنت في أن أتصدق بثلثي مالي، هذه وصية منجزة في حياته، أما الوصية المؤجلة فسيكتبها قبل موته فيقول: تصدقوا بثلثي مالي. قال: [ (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا. قلت: أفأتصدق بشطره -أي بنصف مالي-؟ قال: لا الثلث. والثلث كثير -وفي رواية-: كبير) ]، يعني: أذن له في أن يتصدق بالثلث، واعلم أن الجواب مطابق لمقتضى الحال، فمقتضى الحال أن عنده مالاً وهو غني، ولكن لم يكن له إلا ابنة واحدة، فهي ترث النصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا في ثلثيه ولا في شطره، وأذن له بالثلث واستكثره، قال: (الثلث. والثلث كثير) وكأنه يقول: الأولى أن تنزل من الثلث إلى الربع، وهو الأحسن، لكن لو أوصيت في حدود الثلث جاز ذلك، ومعنى ذلك: أنه بغير إذن الورثة.

    ولذلك يجوز للرجل أن يوصي في ماله في حدود الثلث، ولا يتوقف نفاذ هذه الوصية على إذن الورثة؛ لأنه هنا أوصى وصية غير مضار فيها لورثته.

    قال: (وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. الثلث. والثلث كثير)، ثم بيّن العلة بعد ذلك. قال: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لهم من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).

    ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام بيده، -قال بمعنى: أشار أي بكفه-، قال: [ (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) ] يعني: فقراء، فحينما تتركهم وهم أصحاب اليد العليا خير لك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، فأن تترك ورثتك أغنياء لا يحتاجون إلى الناس، ولا يمدّون أكفهم للشحاذة والتسول وغير ذلك، حتى يقضوا حاجاتهم من مطعم ومشرب وملبس ومسكن، خير من أن تدعهم عالة، فيا سعد ! أبق على مالك ولا توص إلا في حدود الثلث؛ لأنك إن تركت ورثتك أغنياء خير لهم من أن تدعهم عالة فقراء يتكففون الناس، أي: يمدون أكفهم وأيديهم يسألون الناس، فتارة يعطون وتارة يمنعون، وهذا بلا شك حفاظ من الشرع على أن يعيش المرء حياته شريفاً، كما أنه أمر لكل مورّث، أو لكل راع ومسئول عن رعيته أن يجعلهم على أحسن حال، مادام ذلك في حدود ما أحله الله عز وجل.

    وهذا كله مقصود به المال الذي تملكه على جهة الحل لا على جهة الحرمة.

    قال: [ (ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها) ]، يعني: يقول لـسعد : أنت علام تبخل على نفسك وعلى أهلك؟ إذا كنت تحرص على أن تتصدق بمالك رجاء الثواب والفضل والخير من الله -فاعلم أن هذا يتوفر لك ويصل لك في النسل؛ لأنك لا تنفق نفقة على ابنتك ولا على غيرها تبتغي بها وجه الله، وهذا الشرط: تبتغي بها وجه الله؛ احترازاً عمّن أنفق أو تصدّق أو عمل عملاً صالحاً في أصله، ولكنه عمله رياء وسمعة، فإنه وإن انتفع الناس بعمله فإنه أعظم الخاسرين لهذا العمل، وإن كان في ظاهره صالحاً.

    رجل يحج رياء وسمعة ليقال: فلان حج، ورجل يصلي وأتى إلى المسجد ليقال: مصلٍ لا لله عز وجل.

    ورجل يجاهد لا ليرفع راية التوحيد، وإنما ليقول الناس: ما شاء الله! إنه مجاهد.

    ورجل تعلم العلم ليقال: عالم، لا ليقطع الجهل عن نفسه وغيره، وإنما ليقال: فلان عالم.. وغير ذلك.

    فمن ابتغى بعمله غير الله فهذا العمل حابط بالنسبة له، وإن انتفع به الآخرون؛ لأن من الأعمال الصالحة ما كان خيرها مقصوراً على صاحبها، ومن الأعمال الصالحة ما كان خيرها متعدياً إلى الغير، كإنسان يُخرج الصدقة لا لله عز وجل وإنما ليقال: فلان جواد، فلان متصدّق، فلان أجود بالخير من الريح المرسلة.. وغير ذلك.

    أو كمن يبني مسجداً رياء وسمعة، فبلا شك أن هذا العمل خيره متعد للناس؛ فإن الناس يصلون فيه ويسبّحون فيه، ويتزاورون فيه، ويتراحمون فيه ويطلبون فيه العلم.. وغير ذلك، وهذا من أعظم الأعمال الصالحة، لكن هذا الذي بنى المسجد وأنفق فيه ماله كله؛ ليقال: فلان بنى المسجد يفعل ذلك ويفرح به، بل لم تتمكن نيته وإرادته من بناء المسجد إلا ليقال: هذا، وأشير عليه بأن أحسن اسم نسمي به هذا المسجد مسجد التوحيد، فيقول: لا، سموه مسجد الحاج فلان الفلاني.

    فتقول له: يا أخي! هكذا أفضل، فيقول: لا. إذا لم تسموه باسمي فسأخربه.

    فقرائن الحال هي التي دلتنا على أن من قال هذا غير مبتغ بما عمل وجه الله، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـسعد : (إنك لم تنفق نفقة -بهذا الشرط- تبتغي بها وجه الله -النتيجة- إلا أُجرت عليها)، تنفقها على أقاربك أو على أباعدك المهم أنك تبتغي بهذه النفقة وجه الله.

    قال: [ (حتى اللقمة تجعلها في فيِّ امرأتك) ].

    كان يقول أحد الأساتذة إن هذه اللقمة التي تجعلها في فيِّ امرأتك تحتاج إلى شيء من الإخلاص والتجرد، فأي لقمة أنت تشتهيها وتحبها فتؤثر بها امرأتك تؤجر عليها إذا كنت تبتغي وجه الله.

    قال: [ (قلت: يا رسول الله! أُخلّف بعد أصحابي؟) ] وكان هذا بعد حجة الوداع، وسعد في بيته في مكة، فإنه بعد أن هاجر إلى المدينة رجع إليها لمصلحة شرعية، فمات في مكة، وكانوا يكرهون أن يموتوا في بلد الهجرة، أي: في بلد هاجروا منها، بل كانوا يكرهون الرجوع إلى بلد هاجروا منها، ولكنكم تعلمون أن مكة فُتحت في العام الثامن من الهجرة، أي: قبل حجه عليه الصلاة والسلام بعامين، فما دامت مكة قد فُتحت فالأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح -أي لا هجرة من مكة بعد فتحها- ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) أي: إذا دُعي للجهاد فلبّوا ولا تتأخروا، فـسعد أشفق على نفسه أن أصحابه سيغادرون مكة، وكان قد اعتزم أن يرجع مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن حال دون هذه الرغبة ودون تحققها مرضه الذي أصابه فأقعده.

    قال: (قلت يا رسول الله أُخلّف بعد أصحابي؟) أي: أُترك هنا في بلد المهجر وأصحابي يرجعون إلى المدينة؟ وهذا أمر يشق جداً على نفس سعد ، بل على نفس كل من هاجر، واضطر إلى أن يرجع إلى البلد الذي هاجر منه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: [ (إنك لن تُخلّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة) ] يعني: يقول له: لابد أن تعتقد أنك إذا خُلّفت فعملت عملاً صالحاً تبتغي به وجه الله، فاعلم أن الله تعالى يزيدك به درجة ورفعة.

    قال: (ولعلك تُخلّف)؛ وهذا من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، أو من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام.

    قال: [ (ولعلك تُخلّف حتى يُنفع بك أقوام ويُضر بك آخرون) ].

    قوله: (ولعلك) يفيد الترجي، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام رجى الله تعالى لـسعد أن يخلف حتى ينتفع به أقوام ويُضر به آخرون، وفعلاً فقد برئ سعد من مرضه، وقام لفتوح البلدان ودعوة الناس، ونشر العلم في مكة وفي غيرها، حتى فتح الله عز وجل على يديه العراق، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكان خيراً عظيماً جداً، فالنجاة من النار أعظم الخير الذي يُساق للمرء، فانتفع به هؤلاء الأقوام، ثم تضرر به الكافرون من هزيمتهم وقتالهم، وسبي بعض نسائهم وأطفالهم، وأخذ أموالهم.. وغير ذلك، لا شك أن هذا ضرر لحق قوماً من الخلق وهم الكافرون، أما المنتفعون الذين انتفعوا بـسعد هم عامة من دخل في الإسلام على يديه من أهل العراق وغيرها، وكذلك عامة من أقام فيهم سعد رضي الله عنه، وهو من أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يفاخر بـسعد بن أبي وقاص ، وسعد بن أبي وقاص أدرك مع النبي عليه الصلاة والسلام أياماً عجافاً حتى أكل ورق الشجر، ولذلك لما فُتح على سعد كان يبكي، ويقول: لقد أدركتني وأنا سادس ستة أو سابع سبعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وإنا لنأكل أوراق الشجر، وقال في غزوة أحد: (ما جمع النبي عليه الصلاة والسلام لأحد ما جمع لي، فقال: ارم سعد ! فداك أبي وأمي)، فلم يُفدّ النبي صلى الله عليه وسلم أحداً بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (هذا سعد خالي فليرني أحدكم خاله).

    قال: [ (إنك لن تُخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تُخلّف حتى يُنفع بك أقوام ويُضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم) ] (اللهم أمض) أي: يسّر وحقق لأصحابي هجرتهم، قال: [ (ولا تردهم على أعقابهم) ]؛ لأنهم كانوا يعتبرون أن الرجوع في الهجرة ردة، إلا إذا دعت حاجة وضرورة وإذن شرعي إلى ذلك.

    قال: [ (لكن البائس سعد بن خولة) ]، وسماه بذلك لأنه مات بمكة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) اللهم إلا ما كان من أمر سعد بن خولة الذي مات بمكة التي هاجر منها.

    قال الزهري : رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة.

    شرح حديث سعد: (دخل النبي علي يعودني ...)

    قال: [ حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا سفيان بن عيينة ، وحدثنا أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -والمعروف بـابن راهويه - وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني يعني: هو من أهل البصرة، ولكنه تحوّل إلى صنعاء اليمن، وتتلمذ على يدي عبد الرزاق حتى أقام عنده وتزوج من أهل اليمن، وكان من حفاظ اليمن- وكلهم يروي عن الزهري بهذا الإسناد نحوه.

    وحدثنا إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـالكوسج - قال: حدثنا أبو داود الحفري ، وهي نسبة إلى مكان بالكوفة واسمه هو عمرو بن سعد.

    يقول أبو حاتم وابن حبان والسمعاني وغيرهم: هو الثقة الزاهد الصالح العابد.

    وقال ابن المديني : ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من أبي داود الحفري.

    وقال وكيع وهو من أهل الكوفة: إن كان يُدفع بأحد في زماننا -أي: البلاء والنوازل- فبـأبي داود يعني: أنه من العُبّاد الصالحين، إذا أرادوا أن يتوسلوا بدعاء الحي فليس أحد بالكوفة يتوسّل بدعائه لرفع البلاء والنوازل غير هذا العلم الجبل، لكن الذين زكّوه كـعلي بن المديني ووكيع وسفيان وغيرهم في الحقيقة هم أجل منه في الرواية، وكان هو قليل الرواية، فالمنشغل بالرواية غالباً ينشغل بغير العبادة؛ ولذلك الإمام الخطيب البغدادي صنّف كتاب شرف أصحاب الحديث، وذكر باباً وهو باب: توافق العلماء على أن مسألة في العلم أفضل من سبعين ركعة.

    والمقصود بها: ركعات النوافل، بل كان الواحد منهم أحياناً يترك قيام الليل لأجل المذاكرة والعلم والتحصيل، أو لأجل الاستفادة من عالم ينزل البلد، ويمكث فيها أكثر الليالي، فكانوا يستغلون ذلك في التلقي، وإن كان ذلك على حساب قيام الليل، فقد كان يحيى بن معين إذا زار أحمد بن حنبل ترك - أحمد - قيام الليل وبرك بركبتيه عند قدمي يحيى بن معين ، فسأله عن ذلك ولده عبد الله وقال: أراك تترك قيام الليل إذا أتانا هذا الرجل؟ فقال: يا بني إن قيام الليل يدرك، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (من فاته الوتر من الليل فليصل اثنتي عشرة ركعة بالنهار)، أما هذا الرجال ففواته لا يدرك، يعني: إذا تركنا الانتفاع به في هذه الليلة فلعلنا لا ننتفع به. فأهل العلم كانوا يحرصون على طلب العلم ولو على المسألة البسيطة اليسيرة، ويقدّمونها على سواها.

    وهذا مالك بن أنس بن مالك أبي عامر الأصبحي الإمام الفقيه المدني كان يدرّس في المسجد النبوي، فلما أذن المؤذن قام أحد الحاضرين ليصلي. قال: ماذا تصنع؟ قال: أصلي يا إمام، أما سمعت النداء؟ قال: أما بلغك أن ما أنت فيه خير لك مما قمت إليه؟ الذي أنت فيه من طلب العلم وحضور حلقة الدرس أولى من القيام لصلاة ركعتين أو أربع؛ لأن طلب العلم هو من أعظم وأشرف وأفضل القربات، وقد جعل الله تعالى ذلك في كتابه، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام له في سنته ما لم يكن لأي عمل من الأعمال، وهذا يدل على فضل العلم ومنزلته.

    يقول الحفري : عن سفيان عن سعد بن إبراهيم المدني عن عامر بن سعد عن سعد قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم علي يعودني) فذكر بمعنى حديث الزهري ، ولم يذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن خولة غير أنه قال: (وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها).

    قال: [ وحدثني زهير بن حرب حدثني الحسن بن موسى -وهو المعروف بـالأشيب - حدثنا زهير -وهو ابن معاوية - حدثنا سماك بن حرب حدثني مصعب بن سعد عن أبيه -هذا مصعب بن سعد بن أبي وقاص أخو عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري- قال: (مرضت فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت -يعني: ائذن لي يا رسول الله أن أوزّع مالي على حسب مشيئتي وإرادتي- قال: فأبى النبي عليه الصلاة والسلام. قلت: فالنصف؟ فأبى. قلت: فالثلث؟ قال: فسكت بعد الثلث، قال: فكان بعد الثلث جائزاً) ].

    أي: فكان بعد ذلك التصدق والوصية بالثلث أمراً جائزاً.

    قال: [ وحدثني محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بهذا الإسناد نحوه، ولم يذكر: (فكان بعد الثلث جائزاً).

    وحدثني القاسم بن زكريا حدثنا حسين بن علي عن زائدة -وهو ابن قدامة - عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (عادني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالنصف؟ قال: لا. فقلت: أبالثلث؟ فقال: نعم. والثلث كثير) ].

    رواية ثلاثة من أبناء سعد عن أبيهم سعد حديث الوصية بالثلث

    قال: [ وحدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا الثقفي -وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - عن أيوب السختياني عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد ].

    بعض أهل العلم أخطأ فقال: هذا إسناد منقطع، بل هو غير منقطع، لكن لو قال: إسناد ضعيف لجهالة الراوي فهناك فرق كبير جداً بين قوله: إسناد ضعيف لجهالة الراوي، وإسناد ضعيف للإرسال أو الانقطاع، أما قول حميد : عن ثلاثة من ولد سعد أعظم ما يقال في هذا: أن هذا إسناد فيه رجال مجهولون، ولا يعرف من هم؟ والراجح أن حميداً إنما يروي عن عامر وعن مصعب ، كما أن حميداً من كبار التابعين وأدرك عبد الله بن عمر .

    ثبت أنه عندما ظهر معبد الجهني بالبصرة قال حميد بن عبد الرحمن الحميري : أتيت أنا وصاحبي إلى مكة حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو وفق لنا أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام نسأله عما كان في البصرة، فوفق لنا عبد الله بن عمر، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. وصاحبه هو يحيى بن يعمر البصري . قال: فظننت أنه سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن ! إن قوماً قِبلنا -أي بالبصرة- يتقفرون العلم، وفي رواية: يتصغرون العلم -يعني: يطلبون دقيق المسائل- ويقرءون القرآن، يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم شيئاً إلا إذا كان، أما قبل وقوعه فإنه لا يعلمه سبحانه وتعالى.

    قال عبد الله بن عمر: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، وهذا كلام ابن عمر تكفير لغلاة القدرية الذين ينكرون القدر وينكرون أعظم مرتبة من مراتبه وهي مرتبة علم الله عز وجل؛ ولذلك قال النووي عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: وهذا منه -أي من عبد الله بن عمر - إيذان بتكفير هؤلاء، أي: إيذان بأن من أنكر مرتبة العلم لله عز وجل وأن الله تعالى علم ما كان وما يكون وما سيكون، وأنه لا يخفى عليه شيء، وأن علمه هو العلم المطلق الذي لم يحد بحد، وأنه صفة لازمة لله عز وجل لا تنفك عنه، وأن الله تعالى اتصف به أولاً وآخراً، وأن العلم صفة من صفاته ينبغي إثباتها لله على جهة الكمال المطلق الذي يليق بالله عز وجل، من أنكر ذلك فقد كفر.

    فلما أنكر هؤلاء ذلك ما اغتر عبد الله بن عمر بكثرة قراءتهم للقرآن ولا بتحريهم لدقائق المسائل في الدين، وإنما أطلق الحكم بتكفيرهم مباشرة؛ لأنهم أنكروا معلوماً لله عز وجل واجباً له بالضرورة في عقيدة كل موحّد، فلما كان منهم إنكار ذلك كفّرهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.

    فقول حميد : عن ثلاثة من ولد سعد ، هذا أمر لا يضر بصحة الحديث، فقد ورد هذا الحديث من طريق عامر ، وقد ورد من طريق مصعب وغيرهما، فهو ثابت في كل الأحوال، كما ثبت الحديث السابق.. حديث عبد الله بن عمر من طريق أسامة بن زيد المكي، ونحن قلنا: إن أسامة ضعيف، لكن جاء على سبيل الاستئناس، لا على سبيل التأصيل والاستشهاد.

    مثلاً لو قال الراوي: يقول سفيان عن رجل، من هذا الرجل؟ لا ندري، فهو كذلك ضعيف، ولو قال الراوي: حدثني أهل مكة عن فلان، فالحديث حاله ضعيف؛ لأنه يعم أهل مكة، وهذا لا عبرة به في ميزان العدول، فلابد من التعيين، ولو صرح وقال: حدثني أهل مكة فيهم الحميدي لكفى؛ لأن الحميدي إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلامهم وسيد الحفاظ في زمانه، فلو لم يحدث إلا هو لكفى، لكن لو قال في زمن الحميدي: حدثنا أهل البصرة ولم يعيّن لقلت: هذا الحديث ضعيف.

    ولو قال: حدثني الثقة، ففيه نزاع بين أهل العلم، فربما يكون ثقة عنده، وضعيفاً عند غيره، بل ربما يكون معروفاً بالتساهل، وربما يكون شرط على نفسه أن يقول: لو قلت: حدثني الثقة فإنما هو فلان، فلو تحرينا ذلك وجدناه لا يخطئ ذلك لكان الأولى حمل هذا التوثيق على فلان بعينه الذي ذكره، وإن وجدنا مع التحري والاستقصاء أنه يقول: حدثني الثقة وقال -مثلاً-: إذا قلت: حدثني الثقة فإنما هو سفيان بن عيينة فهو يروي عن سفيان وعن غير سفيان من الضعفاء ويقول: حدثني الثقة، فلو كان كذلك لم يلتزم ما شرط فالأصل أن ذلك ينظر فيه.

    قال حميد: [ عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدث عن أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال: ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اشف سعداً.. اللهم اشف سعداً ثلاث مرار، قال: يا رسول الله! إن لي مالاً كثيراً، وإنما يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصف؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك أن تدع أهلك بخير، أو قال: -بعيش أي: بعيش هنيء رغد- خير من أن تجعلهم يتكففون الناس. وقال بيده) ]، يعني: أشار بيده أي: يمدون أكفهم إلى الناس.

    أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الوصية بالثلث

    قال: [ حدثني إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس ، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا وكيع ، وحدثنا أبو كريب حدثنا ابن نمير . كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع) ومعنى: غضوا أي: نقصوا، يعني: ابن عباس يتمنى لو أن الناس لا يتمسكون بظاهر الحديث؛ لأنه قال: (الثلث والثلث كثير) فيا ليت الناس لا يوصون في ثلث، بل ينزلون عن ذلك إلى الربع أو أقل من ذلك.

    قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث. والثلث كثير).

    وفي هذا الحديث استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا: أنه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحب النقص منه، أي: إذا كانوا فقراء فينزل من الربع إلى العشر، أما إذا كانوا أغنياء فله أن يوصي بالثلث.

    وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه أوصى بالخمس.

    وعن علي رضي الله عنه نحوه.

    وعن ابن عمر وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال آخرون: بالعشر.

    وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة، لكن ينزلون عن نصيب أحدهم.

    وروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم: أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية.

    فمذهب الجماهير أن ترك الوصية لمن كان فقيراً وعنده أولاد أولى؛ وذلك لأن الوصية ستأكل المال.

    1.   

    الأسئلة

    حكم العمل في الضرائب

    السؤال: ما حكم العمل بالضرائب؟

    الجواب: هذا السؤال يتردد كثيراً، وهناك بعض الأبحاث والرسائل يرى أصحابها جواز التعامل بالضرائب، لكن على أية حال من الطامات التي ذُكرت في هذه الرسائل والأبحاث أنهم يعدون أن الضرائب هي الزكاة، يقولون: الضرائب لا بأس أبداً أن نعتبرها زكاة من زكاة المال، وهل هذه الزكاة تجب على كل أحد؟ لا تجب إلا على من بلغ النصاب وحال عليه الحول؟

    تصور شخصاً الآن فتح دكاناً، فعندما تأتي لحصر بضاعته ليس عنده إلا أشياء تافهة وقليل من المناديل، ويمكن على مدار السنة كلها لا يبيع بألفين أو ثلاثة آلاف، ويأتي صاحب الضرائب فيطلب عشرة آلاف جنيه، فذهب إلى كبير الضرائب وإلى المحاكم والمحامي وغيرهم، وبعد ذلك خفضوا هذه العشرة آلاف إلى ثلاثة آلاف، فكيف يجعلون هذه الضرائب زكاة، كيف؟! ثم إن هذه الزكاة فريضة شرعية لها مقدار ولها حدود ليست في كل وقت، وهي تُدفع قهراً للإمام، ولا إمام في هذا الزمان قط، وإذا أراد أن يعاقبه فله أن يتركه لله عز وجل، وليعلم تارك الزكاة أنه معروض على الله عز وجل، إذا علم هذا وعلم خطورة الأمر وأن الله تعالى سيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، ويطالبه ويسأله عن حق الفقراء وعن فريضة الزكاة، ربما تخلّص من ماله كله، فلو أنه استشعر الموقف ربما تخلّص من ماله كله لله عز وجل حتى لا يُحاسب في هذا الموطن، أما دفع الزكاة فإن الناس يتهربون منها، ولذلك التعامل مع الله عز وجل يحتاج إلى قلب واع، ووازع إيماني على أعلى مستوى، فلو قلنا لشخص: الحكومة لن تأتيك إلى المحل، أنت لوحدك على نهاية كل سنة تأتي متبرعاً ومتفضلاً وتعطينا الضريبة، فهل يعقل أن يذهب أي شخص؟ لا يمكن، بخلاف ما لو قلنا لرجل: إن الله تعالى قد فرض عليك الزكاة، وهي من فرائض الإسلام، فإن فعلتها وإلا فالحكم كيت وكيت وكيت، وقد حارب أبو بكر مانعي الزكاة، وقد اختلف أهل العلم في مانعي الزكاة ما بين مرتد وما بين مسلم عاص، وفي نهاية الأمر هي فريضة عليك.