إسلام ويب

دورة تدريبية في مصطلح الحديث [5]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث الحسن، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه، وذلك لأن الحسن أمر نسبي قد يقترب من الصحة وقد يبتعد عنها، وقد يرتقي الضعيف فيصير حسناً لغيره إذا كان ضعفه مما ينجبر واعتضد بغيره.

    1.   

    الحديث الحسن

    باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    الحديث الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط أو تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.

    واختلف أهل العلم في تعريف الحديث الحسن لذاته على أكثر من عشرة أقوال، ومدارها على قولين أو ثلاثة.

    يقول الإمام ابن كثير : وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف -في نظر الناظر لا في نفس الأمر- عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نسبي ينقدح عند الحافظ، وربما تقصر عبارته عنه.

    فالحديث من حيث الصحة والضعف ينقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.

    والحديث الحسن هو المرتبة الوسط بين الصحيح وبين الضعيف، والمرتبة الوسط تحتاج إلى جهد عظيم حتى تُضبط؛ لأن طرفيها لهما علاقة بما فوقها وما تحتها، فالحديث الحسن له علاقة بالضعيف، كما أن له علاقة بالصحيح، فهو يأخذ من هذا ومن هذا.

    يقول: وقد تجشم كثير منهم حده، أي: وقد تعرّض له كثير من أهل العلم بمعرفة ماهيته وموضوعه وحده.

    تعريف الخطابي للحديث الحسن

    قال الخطابي: هو ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.

    فقوله: هو ما عُرف مخرجه، هذا الكلام يشترك فيه الصحيح والضعيف مع الحسن؛ لأن الصحيح أيضاً هو ما عُرف مخرجه، والضعيف كذلك أيضاً ما عُرف مخرجه، فالأول ما عُرف مخرجه بالصحة، والثاني ما عُرف مخرجه بالضعف.

    فهذا الكلام غير جامع؛ لأنه يجمع الحسن مع الصحيح والضعيف، وغير مانع من دخول غير الحسن فيه.

    فهذه الجزئية من التعريف فيها نظر.

    وإذا كان قتادة يروي عن البصريين استقام حديثه، فروايته معروفة عن البصريين، وإذا روى عن غيرهم كان حديثه معلولاً.

    والعبادلة إذا رووا عن ابن لهيعة كان حديثهم مستقيماً؛ لأنه معروف المخرج.

    ثم قال: واشتهر رجاله، ولم يقل: واشتهر رجاله بالتوثيق، ولا بالعدالة، ولا بالضعف، ولا بالصدق والأمانة، فهذه الجزئية أيضاً جزئية عامة؛ لأن الحديث الصحيح اشتهر رجاله أيضاً، كما أن الحديث الضعيف أيضاً اشتهر رجاله.

    يقول: وعليه مدار أكثر الحديث، أي: أن معظم السنة تدور على هذا النوع من الحديث، وهو الحديث الحسن. وهذا مما ينازع فيه؛ إذ لم لا يكون مدار السنة على الحديث الصحيح؟

    ثم يقول: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء. وهذا الكلام أيضاً ينطبق على الحديث الصحيح.

    فهذا التعريف عليه انتقادات شتى.

    فقوله: وعليه مدار أكثر الحديث، يعني: أن الأحاديث التي صحت اتفاقاً قليلة جداً، ومعظم الأحاديث المعمول بها في العقائد والأحكام من قبيل الحديث الحسن.

    يقول الحافظ : فإن كان المعرّف هو قوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله فالحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف، وإن كان بقية الكلام من تمام الحد فإنا ننازعه بقوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله.

    وليس هذا الذي ذكره الخطابي مسلماً له من أن أكثر الحديث من قبيل الحسن، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.

    تعريف ابن حجر للحديث الحسن

    التعريف الثاني: تعريف الحافظ ابن حجر ، فقد عرّف الحديث الصحيح بقوله: هو ما اتصل سنده بنقل عدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    فجعل الحافظ ابن حجر الفرق بين الصحيح والحسن لذاته خِفّة ضبط الراوي. فقال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    فالحسن عند الحافظ ابن حجر هو: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط.

    يعني: أنه نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق.

    فالإسناد الذي رواته كلهم ثقات ما عدا واحداً -وهو صدوق- هو إسناد حسن، فإن كان كل رواته ثقات فهو صحيح.

    فالراوي إذا اختل ضبطه شيئاً يسيراً نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، وهذا هو راوي الحديث الحسن.

    والحافظ ابن حجر تكلم هنا عن الحسن لذاته، فقد قال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن

    التعريف الثالث تعريف ابن الجوزي قال: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل به.

    فقال: هو الحديث الذي فيه ضعف، ولم يقل: خفة ضبط، والضعف أنواع، منه ما هو شديد، ومنه ما هو متوسط، ومنه ما هو يسير.

    فالضعف الشديد لا ينجبر وإن أتى من مائة طريق بمثل هذا الضعف.

    والضعف المتوسط ينجبر إن أتى من طرق متعددة.

    وأما الضعف اليسير والبسيط فيكفي أن يأتي من طريق آخر على هذا النحو، فهو يدل على أن الحديث في هذه الحالة له أصل، فيرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره.

    والفرق بين الحديث الصحيح لذاته والصحيح لغيره: أن أسباب الصحة في الحديث الصحيح لذاته اجتمعت في ذات الحديث، ولم تأته القوة من خارجه، والصحيح لغيره أتته القوة من خارجه.

    ومثال ذلك: لو أن هناك أخوين أحدهما فتى شاب يافع قوي، والآخر مريض هزيل، فالأول الذي اجتمعت فيه أسباب القوة والفتوة يخافه الناس؛ لأنه اجتمعت فيه أسباب القوة، وبإمكانه أن يبطش بمن يتعرض له في أي وقت، فأسباب القوة مجتمعة في ذاته هو، ولم تأته من خارج ذاته.

    وأما الضعيف فيقول عنه الناس: إنه أيضاً قوي، ولكنه ليس قوياً في ذاته، بدليل أنه لو مات أخوه فسوف يعتدون عليه في كل وقت، وإنما يحترمونه الآن بسبب أن له ظهراً، فأسباب القوة أتت إليه من خارجه، فيقال عن هذا الضعيف: إنه قوي بأخيه وليس قوياً بنفسه، فأسباب القوة أتته من الخارج ولم تأته من ذاته ومن داخله.

    وكذلك إذا كان الحديث صحيحاً لذاته، أي: أن أسباب القوة اجتمعت في ذاته هو ولم تأته من خارجه، وإذا كان الحديث صحيحاً لغيره دل ذلك على أن أسباب القوة أتته باجتماع الطرق، فيكون الحديث في أصله حسناً لذاته، ولكنه روي من عدة طرق.

    فإذا أتى حديث بإسناد واحد يقل فيه ضبط الراوي شيئاً يسيراً فهو حديث حسن لذاته، ولو أتى من عدة طرق بهذا الوصف فكثرة هذه الطرق تجبر الخلل الذي حصل في ضبط الراوي، وترتقي بالحديث إلى منزلة الصحيح لغيره، ولا نقول عنه: إنه صحيح لذاته؛ لأنه لو كان لذاته فلا بد أن تجتمع أسباب القوة في إسناد واحد، ولكن عندما حصلت هذه القوة بمجموع أسانيد الحديث الواحد دل على أن الصحة كان سببها اجتماع الطرق والأسانيد، فيكون الحديث في هذه الحالة صحيحاً لغيره لا لذاته.

    فقوله: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، أي: أن الحديث الحسن هو: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، يعني: يسيراً، فإذا لم يأت هذا الحديث من وجه آخر سمي ضعيفاً؛ لأن فيه راوياً ضعيفاً.

    والضعف ثلاثة أنواع، وهذا أخفها، فإذا أتى هذا الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل من وجه واحد سمي حديثاً ضعيفاً، وإذا أتى من طريقين أو بإسنادين سمي حسناً لغيره؛ لأن أسباب الحُسن لم تجتمع في إسناد واحد.

    وما يقال من أن الصحيح لغيره هو الحسن لذاته ورد من عدة طرق يقال كذلك في الحسن لغيره والضعيف، ولذلك يعرف العلماء الحديث الضعيف بأنه: ما لم يجمع شروط الصحيح ولا الحسن.

    والتعريف الراجح هو: ما لم يجمع شروط الحسن؛ لأنه إذا لم يجمع شروط الحسن فمن باب أولى ألا يجمع شروط الصحيح.

    فالحديث الحسن: هو ما فيه راو خفيف الضبط.

    وأما الحديث الضعيف: فهو ما فيه راو ضعيف، وليس خفيف الضبط. والضعيف منه ما يرتقي إلى الحسن لغيره ومنه ما لا يمكن أن يرتقي.

    فتعريف ابن الجوزي إنما ينطبق على الحديث الحسن لغيره، وليس على الحديث الحسن لذاته.

    الحديث الحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره؛ لأن أسباب الحُسن اجتمعت في إسناد واحد، وكذلك الصحيح لذاته أقوى من الصحيح لغيره؛ لأن أسباب الصحة اجتمعت في إسناد واحد.

    فالشيخ أراد أن يقول: إن الحديث الحسن هو ما كان فيه ضعف يسير محتمل، وأتى من وجه بنحوه.

    هو لم يقل هذا الكلام هنا، لكنه موجود في كتابه الضعفاء.

    ثم قال: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، يعني: مع كل هذا الكلام لم نحدد تماماً ما هو الحديث الحسن. وأقوال أهل العلم كثيرة في تعريف الحديث الحسن، وهي أكثر من أن تحصى.

    يقول: وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، أي: أن تعريفهم متداخل بعضه في بعض.

    تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن وتقسيمه له

    يقول ابن الصلاح : وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان:

    النوع الأول: الحديث الحسن لذاته.

    والنوع الثاني: الحديث الحسن لغيره.

    أي: أن من العلماء من تعرّض لتعريف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.

    والحديث الحسن لغيره: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا هو متهماً بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذاً أو منكراً.

    وهذا التعريف هو تعريف الترمذي ، أو هو المشهور بحد الترمذي للحديث الحسن.

    فـابن الصلاح يقول: إن الحديث الحسن قسمان: قسم يتنزل عليه كلام الترمذي وهو هذا القسم -أي: الحسن لغيره- فهو يقول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته.

    أي: أن إسناده فيه راو مستور، -أي: مجهول الحال لا مجهول العين- والإسناد الذي فيه راو مستور يساوي الإسناد الضعيف.

    ولكن هذا الراوي المستور ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ، فهو ضابط، غير أنه مجهول الحال لم يتكلم فيه أحد لا بجرح ولا بتعديل، أي: أن حاله مبهمة غير معروفة، فلم يطعن فيه أو يزكيه أحد، فأمره على الستر، فلا يعرفه أحد، ولم يتكلم فيه أحد لا بخير ولا بشر.

    فـالترمذي يقول: إنه ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ؛ لأن روايته توافق رواية غيره، وهذا يدل على أنه كان يحفظ ويضبط.

    ثم يقول: ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي من وجه آخر مثله أو نحوه، أي: أن يكون متن الحديث الذي رواه ذلك المستور روي من وجه آخر من طريق رجل مستور أيضاً، فلو أتى حديث واحد بإسنادين في كل إسناد منهما راو مستور يختلف عن الراوي الذي قبله، ففي هذه الحالة يرتقي الحديث إلى مرتبة الحسن، فتعريف الترمذي يتنزّل على الحديث الحسن لغيره لا لذاته.

    فالحسن لغيره هو في أصله حديث ضعيف ضعفاً يسيراً، ولكن باجتماع الطرق يرتقي من الضعف إلى الحسن لغيره.

    والنحوية والمثلية مسألة مهمة جداً في مجال الحديث، فمثله: أي مثله في اللفظ، ونحوه: أي نحوه في المعنى.

    فلو روى البخاري حديثاً بألفاظ معينة، ورواه بنفس الألفاظ مسلم ففي هذه الحالة أقول: هذا الحديث رواه البخاري ، ورواه مسلم بمثله، فإذا اختلفت الألفاظ واتحد المعنى فأقول: هذا الحديث أخرجه البخاري بلفظ كذا وكذا، وهو عند مسلم بنحوه، أي: بمعناه، فالمثلية تفيد تمام المطابقة بين الألفاظ، وأما النحوية فلا تفيد هذا المعنى.

    فلو كان الحديث ضعيفاً ضعفاً متوسطاً فيجب أن يأتي من عدة طرق، وإن كان ضعيفاً ضعفاً يسيراً فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، بمعنى لو جاء مثلاً من طريق سيئ الحفظ أو كثير الغلط فلا يرتقي إلى الحسن لغيره إلا إذا أتى من أربع أو خمس طرق حسب المقام؛ حتى تطمئن النفس إلى أن الرواة لم يخطئوا، وإذا كان الراوي مستوراً فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، سواء كان الراوي الآخر مستوراً أو أتى الحديث من وجه آخر مرسلاً، فيدل هذا على صحة مخرج الحديث نفسه.

    القسم الثاني حسب تعريف ابن الصلاح : أن يكون راوي الحديث من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان.

    فالحديث الحسن لذاته ينزل راويه من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، والأمانة المقصود بها هنا العدالة -فالأمانة خاصة بالعدالة، وأما الصدق فخاص بالضبط- أي: ينزل من رتبة ثقة إلى رتبة صدوق، أي: ينزل عن رتبة الحديث الصحيح إلى رتبة الحسن لذاته.

    ولا يُعد ما ينفرد به منكراً، فلو انفرد هذا الراوي الذي هذه أوصافه لا يُقال: هذا الحديث منكر، وإنما يقال: حديث حسن لذاته، ولا يقال: ضعيف؛ لأنه مشهور بالصدق والأمانة وإن كان دون مرتبة الصحيح، والذي ينزل عن مرتبة الصحيح تبقى مرتبته في الحديث الحسن لذاته.

    ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً، وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي . وهو الحديث الحسن لذاته.

    وهذا يوازي تعريف ابن حجر للحديث الحسن لذاته. فهذا التعريف كله جمعه الحافظ في قوله: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.

    الخلاصة في تعريف الحديث الحسن

    ونخلص من كل هذا إلى أن الحديث الحسن حينما تعرّض له العلماء منهم من عرف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.

    والصواب أن الحديث الحسن نوعان: حسن لذاته ولغيره.

    فالحديث الحسن لذاته: هو ما خف فيه ضبط راويه ونزل عن مرتبة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر والخطابي .

    والحسن لغيره: هو ما كان في أصله ضعيفاً ضعفاً يسيراً، ولكنه أتى من غير وجه بهذا النحو، فارتقى من رتبة الحديث الضعيف إلى رتبة الحديث الحسن لغيره.

    1.   

    أول من أطلق الحسن على الحديث ومظانه

    الإمام الترمذي هو أول من اشتهر عنه أنه قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وكان العلماء قبله يقسّمون الحديث إلى صحيح وضعيف، ويقولون: الصحيح والضعيف أنواع.

    والعلماء الذين سبقوا الترمذي يقولون بجواز العمل بالحديث الضعيف، وكانوا يقصدون بقولهم: يجوز العمل بالحديث الضعيف الحسن لغيره؛ لأن هذا المصطلح -أي: تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف- لم يكن موجوداً، فهم يقولون: الحديث ينقسم إلى صحيح وضعيف، والصحيح عدة أنواع، والضعيف أيضاً عدة أنواع، ويجعلون أدنى مراتب الصحيح في مرتبة أعلى مراتب الضعيف، وهذا الذي جعله الترمذي قسماً وسطاً بين الصحيح والضعيف.

    فلما قال العلماء بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إنما كانوا يقصدون الحديث الحسن لغيره.

    وجامع الترمذي وسنن أبي داود والسنن عموماً مظنة الحديث الحسن لذاته ولغيره، ويوجد معظم الحديث الحسن في ما عدا الصحيحين من الكتب التي اشترطت الصحة.

    1.   

    مصطلحات الترمذي في جامعه

    ومن مصطلحات الترمذي في جامعه أنه أحياناً يقول: حديث غريب، وأحياناً: صحيح غريب، وأحياناً: حسن غريب، وأحياناً: حسن صحيح غريب، وأحياناً: حسن فقط، وأحياناً: صحيح فقط، وأحياناً: حسن صحيح.

    فإذا قال: حديث غريب فإنه لم يصفه بهذا الوصف إلا والغالب عليه أنه ضعيف.

    وإذا قال: حديث صحيح غريب، أو حسن غريب، فيعني أن الحديث أتى من وجه واحد بسند صحيح أو حسن، فهو يقصد بالغرابة هنا الغرابة الاصطلاحية.

    فإذا قال الترمذي : حديث صحيح غريب فقد حكم عليه بالصحة وهو فرد، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فقد قال عنه: حديث صحيح غريب، فهو غريب لأنه فرد، فقد أتى من طريق واحد، أي: من طريق فرد، وما يقال في الصحيح الغريب يقال في الحسن الغريب والعكس.

    والغرابة مسألة عرفية معلومة، فإذا استنكرت شيئاً من إنسان قلت: هذا إنسان غريب، وتقصد أنه إنسان غير منضبط، وتصرفاته مشينة، وليست هذه هي الغرابة الاصطلاحية.

    والغرابة إذا أطلقها الترمذي منفردة مثل قوله: حديث غريب فإنما يعني النكارة والضعف، وأما إذا جمع مع هذا المصطلح مصطلح من المصطلحات المقبولة مثل قوله: صحيح أو حسن فإنما يحكم على الحديث بأنه صحيح في ذاته وقد أتى من طريق واحد.

    ومن مصطلحات الترمذي قوله: حسن صحيح غريب، أو صحيح حسن غريب. وهذا مشكل، وهذه المسألة متعلقة بطرق الحديث، فإذا كان للحديث إسناد واحد فيه راو اختلف فيه أهل العلم النقّاد أصحاب الجرح والتعديل بين كونه تام الضبط أو خفيف الضبط، ولم يستطع الترمذي أن يرجّح بين أقوال أهل العلم في المسألة وقصرت عبارته عن أن يصنّف هذا الراوي في أحد الاتجاهين جمع بين الوصفين فقال: صحيح حسن، أي: صحيح باعتبار قول قوم في هذا الراوي، وحسن باعتبار قول أقوام آخرين في هذا الراوي نفسه.

    فهو يجمع بين الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، هذا إذا كان الحديث له إسناد واحد يقول عنه: حسن صحيح، وكان الأولى أن يقول: حسن أو صحيح، أو يقول: صحيح أو حسن، ولكنه حذف همزة الشك، فبدلاً من أن يقول: صحيح أو حسن قال: صحيح حسن، أي: أنه جمع الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، وعدم ترجح أحدهما لديه.

    وتفسير آخر لقول الترمذي : صحيح حسن، أنه قال ذلك باعتبار إسنادين، أي: أن هذا الحديث أتى بإسنادين، أحدهما رجاله ثقات، والآخر فيه راو صدوق، فلما أتى الحديث من طريقين أحدهما صحيح والآخر حسن جمع بين الصحة والحسن.

    وعلى هذا فقول الترمذي في الحديث الذي روي بإسناد واحد أنه صحيح أقوى من الذي يقول فيه: صحيح حسن؛ لأن الجزم أولى من الشك، فإذا قال: صحيح فمعنى ذلك أنه رجّح جانب من قال: إن هذا الراوي ثقة.

    وإذا كان للحديث إسنادان فقوله: صحيح حسن أقوى من قوله: صحيح فقط؛ لأنه في هذه الحالة قال ذلك باعتبار الإسنادين؛ لأنه لو قال: صحيح لانصب كلامه على الإسناد الأول وأهمل الثاني، ولا شك أن اعتبار الاثنين أقوى من اعتبار أحدهما.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.