إسلام ويب

ماذا بعد رمضان؟للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إقبال الناس على الطاعات بأنواعها في شهر رمضان علامة على أن الخير باقٍ في الأمة، ولكن ماذا بعد رمضان؟ ينبغي للمسلم أن يعلم أن الاستمرار على الطاعات بعد رمضان علامة على قبول الله تعالى للأعمال، وعلى توفيق الله تعالى للعبد، بخلاف من يعبد الله في رمضان فقط، فإذا ما انتهى رمضان ترك العبادة والطاعة، فهذا على خطر عظيم، ويدل هذا على أنه دخل رمضان بغير نية صادقة، وإنما تعبد لله فيه مجاراة للناس، فيحذر هؤلاء أن تحبط أعمالهم، وليعلموا أن رب رمضان هو رب بقية الشهور، وأنه المستحق للعبادة في رمضان وغيره.

    1.   

    حال السلف قبل رمضان وبعده

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    زارك زائر عزيز عليك فتمنيت لو أنه بقي معك بقية عمرك، فإذا به يصدمك في أحاسيسك ويقول: (أياماً معدودات) فماذا أنت صانع حينئذ؟ لا بد أن تتجمل بأحسن الثياب وأطيب الطعام، وأفضل الكلام.. وغير ذلك مما يمكن أن يسر به ضيفك، وكذلك ضيفك إنما أتاك بالبشريات من الله عز وجل، فلا بد من المكافأة، ولا بد من شكر العمل، وشكر القول، وشكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الاعتقاد، لا بد من ذلك كله، إنما ذاكم هو شهر رمضان، شهر القرآن، شهر الصيام، شهر القيام، شهر الخيرات والبركات، شهر الصدقات والزكوات، هذا الشهر العظيم هو أعظم شهر خلقه الله عز وجل، واصطفى الله تعالى هذا الشهر لأن يكون محلاً لنزول كلامه الذي هو أشرف الكلام على الإطلاق، وخص الله تعالى هذا الشهر بعبادات عظيمة جداً ليست مفروضة في غير هذا الشهر الكريم، فماذا أنتم صانعون بعد هذا الشهر؟

    إن السلف رضي الله عنهم كانوا يستقبلون الشهر قبل قدومه بستة أشهر، فإذا ما مضى رمضان ومر كانوا يقفون لله عز وجل راجين داعين أن يتقبل منهم ذلك الشهر، فستة أشهر ينتظرون الشهر، وستة أشهر أخرى يطلبون من الله تعالى أن يتقبل منهم هذا الشهر، أن يتقبل منهم أعمالهم، وقيامهم، وصيامهم، وزكاتهم التي كانوا يفعلونها في هذا الشهر المبارك.

    فهذا عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين وخليفة المسلمين في زمانه وسيد من سادات التابعين، خطب الناس في يوم عيد الفطر، وقال: أيها الناس! إنكم قد صمتم لله ثلاثين يوماً، وقمتم لله ثلاثين ليلة، وها أنتم قد خرجتم الآن لتطلبوا من الله عز وجل أن يتقبل منكم ذلك.

    لم يخرجوا ليتفسحوا، أو يمرحوا، أو يضحكوا، أو يلعبوا؛ ولذلك قال وهيب بن الورد رحمه الله تعالى -وهو كذلك سيد من السادات- لما رأى أناساً يضحكون في يوم عيد الفطر قال: سبحان الله! يا للعجب إن هؤلاء يضحكون بعد خروجهم من رمضان، فإما أن يكون الله تقبل منهم، أو يكون لم يتقبل منهم؛ فإن كان الله تقبل منهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان الله تعالى لم يتقبل منهم فما هذا فعل المتحسرين النادمين المقصرين.

    والضحك في يوم العيد لا بأس به، ولكن السلف رضي الله عنهم ما كانوا ينظرون إلى العبادة على أن الله تعالى واجب عليه أن يقبلها، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشد حرصاً منكم على العمل، أما علمتم أن الله تعالى يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: لو أني أعلم أن الله تقبل مني ركعتين لكان ذلك حسبي وكفاية؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، يعني: هذا القبول يجعله مطمئناً على أنه من أهل التقوى عند الله عز وجل، فالسلف رضي الله عنهم بعد عبادتهم كانوا يتوقفون مع أنفسهم ويراجعون أعمالهم، هل هي مخلصة لله عز وجل؟

    هل هي مستقيمة على منهاج النبوة؟

    فكانوا يربطون ذلك بقبول العمل أو رده، ولذلك كانوا إذا عملوا عملاً كانوا يخافون بعده، لم يكونوا يفرحون أنهم قد صلوا وصاموا، وإنما كانوا وجلين خائفين أن يرد الله عز وجل عليهم عبادتهم؛ ولذلك عندما (قرأت عائشة رضي الله عنها ذات يوم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] ظنت أن هذا في باب المعاصي والآثام، فقالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني، والسارق يسرق؟ قال: لا يا بنت الصديق ، إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة ويخافون ألا يتقبل منهم).

    أي: يحملهم خوفهم من عدم القبول على مزيد الطاعة، من الصيام، والصلاة، والزكاة، والحج.. وغير ذلك من زيادة أعمال البر.

    هكذا المؤمن الذي يخاف الله تعالى خوفاً شرعياً، أما الذي يخافه خوفاً زائداً على حد الشرع، فإن ذلك يؤدي به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل، ولذلك هذا الذي قتل تسعة وتسعين نفساً لما قنطه الراهب من رحمة الله عز وجل أتم به المائة فقتله؛ لأنه يستوي عنده أن يقتل واحداً أو يقتل ألفاً، فلما تجدد الأمل لديه في رحمة الله عز وجل ذهب ليسأل عالماً بعد ذلك فدله على سعة رحمة الله عز وجل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، فذنبك أيها العبد شيء، ورحمة الله وسعت كل شيء، فهل من توبة؟! وهل من أوبة وإنابة إلى الله عز وجل؟!

    لا يتصور أن عبداً من العباد يصوم كل رمضان، ويقوم كل ليلة في رمضان، ويحرص على قراءة القرآن، ويؤدي زكاة الفطر في نهاية الشهر، ثم يرتد على عقبيه بعد رمضان، فيترك الصلاة والصيام والزكاة، ويترك العمرة إذا كان قد وفق لأدائها في رمضان، لا يمكن لعبد أن يعمل هذا لله عز وجل مخلصاً من قلبه ثم يترك ذلك بعد رمضان، فمن كان يعبد رمضان فرمضان قد ولى، ومن كان يعبد الحي القيوم رب رمضان، فإنه حي قيوم دائم سبحانه وتعالى لا يموت أبداً، ومن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ولى، ومن كان يعبد رب رمضان، فإن رب رمضان قد فرض عليك في بقية شهور السنة ما قد فرضه عليك في رمضان، فاتق الله تبارك وتعالى، واستمر على ما كنت عليه من طاعة، وإن كان ثَمَّ تقصير منك في هذا الشهر فاعلم أنه قد فاتتك الغنيمة الباردة، قد فاتتك الغنيمة التي لا عوض لها، ولا مثل لها، ولا عدل لها.

    هذا الشهر العظيم الذي كثَّر الله تبارك وتعالى فيه الطاعة، وفتح باب الجنان، وأغلق باب الشيطان، إذا كان هذا الخير قد فاتك فهذا هو ميدان الحسرة والندم، فينبغي لك أن تعض على يديك لما فاتك من خير وطاعة، ويجب أن تسأل نفسك سؤالاً وتقف عند هذا السؤال وقفة طويلة: هل تقبل الله ذلك منك أم رده عليك؟

    ويا ليتك تقف عند رد هذا العمل عليك؛ حتى تزداد تشبثاً بالطاعة في بقية أيام السنة، كما كان السلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم يفعلون ذلك، قال أحدهم: كونوا لقبول العمل أشد منكم حرصاً على العمل نفسه.

    ثم إذا كان الله تبارك وتعالى تقبل منك العمل فلا بد من الشكر؛ لأن الله تعالى إنما يتقبل ذلك منك تفضلاً منه وإحساناً، فلا بد من الشكر كذلك، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشكر ربه بقلبه ولسانه وجوارحه، وهو النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام، وهو الذي لم يقترف إثماً لا كبيراً ولا صغيراً، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو أول من تنشق عنه الأرض، وهو أول من يقرع باب الجنة، وهو أول وأول وأول، ومع هذا (كان يقوم الليل كله حتى تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم، فأشفقت عليه نساؤه، وقلن: يا رسول الله! أرفق بنفسك، أما كان منك كيت وكيت، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً).

    فعبادته عليه الصلاة والسلام عبادة شاكر لربه، أما نحن فإن شكر الله تعالى عندنا ما تجاوز طرف اللسان، الواحد منا يشكر الله تعالى بلسانه أو يقبل كفه ظهراً لبطن وبطناً لظهر، ما هذا الشكر الذي أوجبه الله تبارك وتعالى عليك، أنت مطالب أن تشكر ربك بالقول والعمل والإخلاص لله عز وجل.

    1.   

    حرص السلف على تنقية الأعمال وتصفيتها من الشوائب وإخلاص النية فيها

    كان السلف رضي الله تعالى عنهم يحرصون على تنقية العمل وتصفيته من أي شائبة شرك أو رياء، شرك أكبر، أو شرك أصغر، كما كانوا يحرصون على ضبط أعمالهم بميزان النبوة، وهذان هما الشرطان الأساسيان لقبول العمل عند الله عز وجل، إن الله تعالى لا يقبل عملاً أريد به غير وجهه تعالى، كما أنه لا يقبل عملاً ليس مستقيماً على منهاج النبوة، شرطان أساسيان: أن تخلص العمل لله عز وجل، وأن تستقيم في عملك على منهاج النبوة، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

    فالذي يرجو لقاء الله تعالى لا بد أن يقدم بين يديه ما يبيض وجهه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، بأن يخلص العمل لله، وأن يستقيم على منهاج النبي عليه الصلاة والسلام، أما يعمل المرء عملاً صالحاً ولكنه ليس خالصاً، أو يعمل عملاً خالصاً وليس صالحاً، فإنه لا ينتفع به بين يدي الله عز وجل.

    وتصور يا عبد الله لو أنك عقدت النية قبل رمضان على مزيد الطاعة في رمضان، والتخلي عنها بعد رمضان، أتظن أن هذا يخفى على الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض؟! هذا سوء ظن بالله عز وجل، إن الذي يعقد النية على ترك العبادة بعد رمضان، وكان حريصاً عليها في رمضان ليس هذا بالمؤمن الصالح، وما هذا بالمؤمن الراجي لرحمة ربه، إنما هذا إنسان يتلاعب بأحكام الرحمن تبارك وتعالى، والله عز وجل يعلم منه فساد نيته قبل أن يخلق السماوات والأرض، فلا بد من رد عمله؛ لأن الله تبارك وتعالى إنما يجازيه من جنس عمله، إن الذي ينوي أن يصلي الصبح لأجل الرزق، وهو مع ذلك يقضي بقية اليوم بغير صلاة، فإن الله تعالى إنما يحرمه الرزق لعلمه الأزلي السابق أن هذا العبد ما يصلي خالصاً له عز وجل، فهذا لا يخفى على الله عز وجل وهو اللطيف الخبير سبحانه وتعالى، يعلم ما تكن الصدور وما تخفي النفوس، ولذلك الله تبارك وتعالى إذا أراد به خيراً يعاقبه أولاً بأول؛ حتى يرجع إلى الله عز وجل.

    وكان السلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم يقولون لبعضهم بعد انتهاء رمضان: من المحروم في هذا الشهر؟ المحروم من حرم الخير حقاً، المحروم من حرم دوام الطاعة حقاً، ليس المحروم من منع الدينار والدرهم كما يظن غالب الناس، ولذلك صحح النبي عليه الصلاة والسلام عقيدة المسلمين، فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! من لا درهم له ولا دينار، قال: لا، إنما المفلس الذي يأتي بصيام وصلاة وزكاة وحج، ولكنه يأتي وقد سب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وانتهك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ويأخذ ذاك من حسناته، فإذا ما فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

    هذا هو المفلس حقاً يا عباد الله، المفلس الذي يأتي يوم القيامة لا حسنة له.

    قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106]، تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، أهل الطاعة، أهل الإخلاص، أهل الصدق مع الله عز وجل، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين وأهل البدع، وأهل الأهواء، هذا يوم يقول فيه المنافقون والكافرون لأهل الإيمان: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف:50]، أي: أفيضوا علينا بأي نعمة من النعم التي أنعم الله بها عليكم، ذلك يوم التغابن.

    وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:27] ولكن هذا وقت لا ينفع فيه الندم والحسرة، إنما ذلك هو يوم الحساب، ويوم العقاب، ويوم الجنة والنار، ويوم الجزاء والثواب.

    فهذا اليوم بين يديك الآن قبل أن تقول يوم القيامة: فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف:53].

    عد نفسك الآن في الموتى، وأن الله قد ردك إلى الدنيا فماذا أنت صانع حينئذ؟!

    ولذلك كان بعض السلف يدخل القبر في كل يوم ويغلق عليه الباب، ويقول: يا فلان -ينادي على نفسه- لقد أماتك الله، ثم يفتح القبر ويخرج منه ويقول: وهذا هو الله قد أحياك لتعمل، فانظر ماذا تعمل.

    اعمل قبل أن يأتي يوم فتقول: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56].

    هذا اليوم بين يديك، وهذه الطاعة ماثلة بين يديك، فلم لا تقوم لله تبارك وتعالى بالليل والنهار؟

    ولم لا تصوم من أيام الله تبارك وتعالى بعض الأيام؟

    1.   

    نماذج من حياة الصحابة مع سائر الطاعات والقربات

    هذا عبد الله بن عمرو وهو طفل صغير لم يبلغ اثني عشر عاماً من عمره أتى به أبوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: (يا رسول الله إن هذا الغلام قد فضحني البارحة، زوجته امرأة من قريش فانصرف عنها وقام الليل كله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا عبد الله في كم تقرأ القرآن؟ قال: يا رسول الله أقرؤه في كل يوم مرة، قال: كيف صيامك؟ قال: أصوم كل يوم، قال: كيف قيامك؟ قال: أقوم لله تعالى الليل كله، قال: ما هكذا يا عبد الله).

    هذا الطفل الصغير لم تعمل الأمة في مجموعها في هذه الأيام بعمل ذلك الطفل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، هذا فارق جوهري بيننا وبين سلفنا، خاصة أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

    انظروا إلى عبادة هذا الغلام، النبي عليه الصلاة والسلام يقول له (صم من كل شهر ثلاثة أيام، يقول: يا رسول الله أقدر على أكثر من ذلك، قال: صم الإثنين والخميس، يقول: يا رسول الله أقدر على أكثر من ذلك، حتى بلغ به النبي عليه الصلاة والسلام أن قال له: أفضل الصيام صيام أخي داود، صم يوماً وأفطر يوماً).

    ووقف على أن أفضل الصيام أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً.

    (ثم قال له: يا عبد الله بن عمرو اقرأ القرآن في كل شهر مرة).

    انظروا كان رضي الله عنه يقرأ القرآن في كل يوم مرة، فيقال له: اقرأه في كل شهر، فماذا قال؟

    (قال: يا رسول الله! إني أقدر على أكثر من ذلك، فقال: اقرأه في كل عشرين، في كل أسبوع، في كل ثلاث، وهو يقول: أقدر على أكثر من ذلك، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه).

    ووقف في قراءة القرآن عند هذا الحد، فلا يجوز لأحد أن يقرأ القرآن في أقل من ذلك، وإن كان قد ورد عن السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يعنون بكتاب الله في كل رمضان أكثر من عنايتهم في غير رمضان، فكانوا يقرءونه في كل يوم مرة، أو في كل يومين مرة، أو في اليوم مرتين، فإن الحجة في قول النبي عليه الصلاة والسلام لا في قول أحد من المسلمين، وكل الناس يؤخذ من قولهم ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لما سأله عن قيام الليل، قال: قم نصفه، قم ثلثه، قم ربعه، فرده النبي عليه الصلاة والسلام إلى قيام داود عليه السلام.

    قال عبد الله بن عمرو لما كبر سنه وضعف عن العبادة قال: (ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم).

    نحن أمة الوسط، أمة وسطية، أمة العدل، أمة الاعتدال في كل أمر، وما كانت الوسطية في شيء إلا زانته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه).

    وكما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    فالأمة الوسط هي الأمة العدل، وأمة العدالة هي أمة محمد عليه الصلاة والسلام، لا أمة أمريكا، ولا أمة أوروبا، الذين يزعمون الآن أنهم يقومون بالعدالة المطلقة المتمثلة لديهم في قتل الملايين من الأبرياء والمدنيين، وتشريد النساء والأطفال والغلمان هنا وهناك، وهم بكل بجاحة يقولون: نحن أمة العدالة المطلقة.

    أي عدالة هذه؟! لم تكن حتى عدالة أرضية؛ لأن العقلاء بل المجانين من أهل الأرض يمقتون عدالة أمريكا، وعدالة روسيا، وعدالة أوروبا كلها؛ لأنهم الآن يقتلون المسلمين في كل مكان بالملايين، ويزعمون أنهم إنما يقومون بواجب العدالة المطلقة على الدولة الراعية للعالم كله، هذه غطرسة وقلة حياء، إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

    إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن يكون لنا نصيب من العبادة في غير رمضان، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يشبع المؤمن من خير يعمله حتى يدخل الجنة).

    وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا. إن الواحد منا إذا قرأ من القرآن الكريم ربعاً أو أقل من ربع أو أكثر قليلاً إذا به يمل ويتثاءب ويريد النوم؛ لأنه لم يعتد العبادة على هذا النحو، وما علم حقيقة فعل السلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم مع الله عز وجل، في كل ميادين الطاعة والعبادة.

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في باب الصيام: (من صام في يوماً سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً).

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لـحذيفة رضي الله تعالى عنه: (يا حذيفة ! من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).

    فهنيئاً لمن مات صائماً، وهنيئاً لمن مات قائماً، وهنيئاً لمن مات راكعاً أو ساجداً، وهنيئاً لمن مات تالياً لكتاب الله، وهنيئاً لمن مات وهو يمشي في مصالح إخوانه المسلمين، وهنيئاً في الجملة لمن مات على طاعة.

    وكل إنسان يبعث على ما مات عليه، قال ابن عباس وغير واحد من السلف: فمن مات على معصية بعث عليها، أما سمعتم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحاج (كفنوه في إزاره وردائه؛ فإنه يبعث ملبياً).

    كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تغسيل الشهيد وأمر أن يدفن في ثيابه؛ لأنه يبعث يوم القيامة ودمه يفور، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

    فكفى بها منقبة، وكفى بها شرفاً لمن استشهد في سبيل الله عز وجل، حتى يأتي أناس ويقولون: ماذا استفاد هذا الذي قتل في ساحة القتال وفي ساحة الحرب، إنه ليس قتلاً، بل هو استشهاد وملاقاة لله عز وجل على خير حال.

    أما علمتم أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، فكفى بذلك فضلاً وشرفاً، وكفاه أن يأتي يوم القيامة وقد غفر الله تبارك وتعالى له كل ذنوبه إلا الدين، فليحرص المرء على أن يقضي دينه قبل أن يدخل ساحة القتال، أو قبل أن يهاجمه العدو في بيته.

    1.   

    مشروعية صيام أيام البيض والإثنين والخميس وغير ذلك

    شرع النبي عليه الصلاة والسلام لنا في باب الصيام في غير رمضان أن نصوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، من كل شهر عربي، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، فلما سُئل عن ذلك قال: (إن الأعمال ترفع إلى الله عز وجل في كل يوم إثنين وخميس، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).

    وخير الصيام صيام داود كما قدمنا، أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً، ولا علاقة لك بالإثنين والخميس، ولا بإفراد الجمعة، ولا بإفراد السبت، فمن اختار خير الصيام فلا كراهة في إفراد السبت أو إفراد الجمعة؛ لأنه اختار قسماً ونوعاً معيناً من الصيام يحافظ عليه ويواظب عليه، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منه صيامه.

    1.   

    فضل قيام الليل

    في باب قيام الليل الذي هو شرف المؤمن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن قيام الليل دأب الصالحين قبلكم).

    يعني: أن قيام الليل هو دأب الأنبياء والحواريين، وأتباع الأنبياء السابقين، فقد كانوا يقومون لله عز وجل بالليل؛ ليعبدوه في وقت نزول الرب تبارك وتعالى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن ربكم ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر، فينادي الله تعالى فيقول: ألا هل من داع فأجيبه؟ ألا هل من مستغفر فأغفر له؟) ألا هل من كيت وكيت؟ ولا يزال الله تعالى ينادي على عباده حتى تطلع الشمس. ومع ذلك الناس في غفلة عظيمة جداً عن الله عز وجل.

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاه إياه)، رواه مسلم في صحيحه.

    قال أهل العلم: هذه الساعة، هي ساعة نزول الرب تبارك وتعالى، وهي آخر ساعة من الليل، ولذلك شرع لنا الله عز وجل وشرع رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بعد كل عبادة استغفاراً وتكبيراً وتهليلاً؛ حتى نعلم أننا لسنا بمجرد انتهاء العبادة في حل، بل ينبغي أن تدخل في عبادة أخرى بعدها فوراً، قال الله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة:10]، وهذا بعد صلاة الجمعة، فأنت لست حراً بأن تخرج من هذا المسجد فتمرح وتلعب وتضحك، بل مطلوب منك أن تكون ذاكراً لله تعالى في كل أحيانك وأوقاتك، تتبع العبادة بالعبادة وتصلها بعبادة أخرى، قال الله تعالى في الحج: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199], طواف الإفاضة إنما يكون في يوم النحر بعد الوقوف بعرفة، مع أنه عليه الصلاة والسلام قال: (الحج عرفة)، وفي يوم النحر تكون قد أديت معظم الحج، ولم يبق لك إلا رمي الجمرات، وأعمال يوم النحر قليلة في المشاق والمتاعب بالنسبة ليوم عرفة، ومن وقف بعرفة فقد صح حجه، وإن تخلف عن بعض الواجبات، فإنما عليه أن يذبح دماً.

    وبعد أداء الحج والوقوف بعرفة، ونزول المزدلفة والمبيت بها، قال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة:199]، لِمَ نستغفر الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه، وفي أرجح أقوال أهل العلم: إنه قد غفر له جميع الذنوب كبيرها وصغيرها؟ فلم نستغفر الله تعالى إذاً؟

    لوصل العبادة بالعبادة، وأن يكون المسلم متصلاً بالله عز وجل في كل أحيانه وأوقاته.. وهكذا.

    وقال الله تعالى: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، والأسحار: هو الوقت الذي يسبق الفجر.

    يقول الحسن البصري في معنى الآية: هؤلاء قد وصلوا قيام الليل بوقت السحر، فأمروا بالاستغفار بعد صلاة الليل الطويلة. يعني: بعد قيام معظم الليل يؤمر العبد أن يستغفر الله في وقت السحر، الذي هو شرف المؤمن وعزه ومغفرة ذنبه، وهو دأب الصالحين قبلكم، ومطردة للداء عن أبدانكم، ومنهاة للإثم عنكم، ومع ذلك نؤمر بالاستغفار بالأسحار بعد طول قيام الليل؛ وصلاً للعبادة بعبادة أخرى، ولأجل حياة كريمة طيبة للمؤمن مع ربه عز وجل، ولذلك قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] يعني: أو من كان ميتاً قلبه بظلمات الكفر والنفاق، وبظلمات المعاصي والآثام، فأحيا الله تبارك وتعالى قلبه بنور الوحي والإيمان، وجعل يمشي به في الناس.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    هذا النور هو نور الوحي المتلو وغير المتلو، نور القرآن، ونور السنة، ونور الطاعة.

    1.   

    وجوب الاهتمام بكتاب الله قراءة وتدبراً وتطبيقاً

    ينبغي أن يكون للعبد بعد رمضان نصيب من كلام الله عز وجل؛ وذلك بأن تقرأ في كتاب الله عز وجل شيئاً، إذا كنت تقرأ القرآن خلال رمضان في كل ثلاث، أو في كل أسبوع، أو في كل عشر، أو في الشهر مرة، فما بالك الآن تدع القرآن جانباً، ولا تنظر إليه ولا تتذكره حتى يدخل رمضان المقبل، هذا جفاء مع الله عز وجل، ومع كلام الله تعالى، اقرءوا القرآن على أنه رسالة من الرحمن الكريم العزيز إليكم، على أنه تشريع الله تعالى إليكم، يأمركم فيه بالحلال، وينهاكم فيه عن الحرام، ويأمركم فيه بصحة الاعتقاد، وبالآداب والأخلاق.. وغير ذلك من سائر الصفات الكريمة، وسائر الأفعال الحميدة.

    لو أتتك رسالة من حبيب وعزيز لديك فإنك ستقرؤها مرة واثنتين وثلاثاً وأكثر من ذلك؛ لعلمك أنها من حبيب عزيز عليك، فكلام الله عز وجل أغلى وأحسن وأشرف الكلام، فينبغي أن يعيش المرء مع كلام الله دائماً، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، أما الصيام فيقول: يا رب أظمأت نهاره فشفعني فيه، ويقول القرآن: أسهرت ليله فشفعني في) لم يقل القرآن: يا رب؛ لأن القرآن ليس مخلوقاً، بل هو كلام الله عز وجل، وإنما الصيام مخلوق، فالصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، ولو أن لك مصلحة في الدنيا وتعتقد أن فلاناً يشفع لك عند القيم على هذه المصلحة، لتذللت وتملقت له، وربما ذهبت بالرشوة بين يديك مختاراً لتقضي مصلحتك، فهذا كلام الله بين يديك شفيع لك، يقول عليه الصلاة والسلام: (ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء).

    وقد عد أهل العلم أن من قرأ جزءاً واحداً من كتاب الله عز وجل فله بذلك ما يربو أو يزيد على (113000) حسنة في جزء واحد، فما بالك لو قرأت عشرة أجزاء في كل يوم، أو خمسة أجزاء، أو على الأقل جزءاً ولو في كل شهر، وهذا أمر يسير، لو أنك بعد كل فرض فتحت كتاب الله عز وجل، أو قرأت من حفظك ربعاً واحداً أو ربعين، فإنه سيجتمع لك في آخر النهار جزءاً أو ما يقارب الجزء، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من قرأ مائة آية في يومه أو ليلته لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية في يومه أو ليلته كتب من القانتين).

    أي شرف، بل أي دين من الديانات وشريعة من الشرائع فيها هذا الفضل، وفيها هذا الثواب العظيم الجزيل على العمل القليل؟

    اقرأ كلام الله بتدبر وتفهم ولا يكن همك سرد الآيات وتقليب الصفحات، وإنما همك أن تتدبر وأن تعقل عن الله عز وجل ما قاله لك، وأرسل به النبي صلى الله عليه وسلم إليك، هذا كلام الله عز وجل.

    1.   

    المداومة على قيام الليل بعد رمضان

    أما قيام الليل فشرف المؤمن، فمن يقوم في شهر رمضان بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك، ثم هو في ليلة عيد الفطر يترك ذلك كله، ولا يكون له حظ في قيام الليل ولا بركعتين، هذا جفاء مع الله عز وجل، وتفويت للثواب العميم والخير الجزيل، الذي وعد الله تبارك وتعالى به القائمين الصائمين، أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    وجوب تأدية زكاة المال في رمضان وغيره

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على أشرف المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فلقد ارتبط في أذهان الناس أن زكاة المال تؤدى في شهر رمضان، وكل الناس يحرصون على أداء زكاة أموالهم في شهر رمضان؛ طلباً للخير والثواب، هذه عقيدة فاسدة؛ لأن الله عز وجل لما شرع لنا وجوب زكاة المال شرعها بشرطين اثنين لا ثالث لهما:

    الشرط الأول: بلوغ النصاب، أن يبلغ المال عندك ما يوازي (85) جراماً عيار (24) بذلك يتم النصاب.

    الشرط الثاني: أن يحول على هذا النصاب حولاً هجرياً كاملاً، يحول في شهر صفر، في ربيع، في جمادى، في شعبان، في رمضان، إذا مضى عليه الحول وجبت زكاته على الفور، ولا يجوز تأخير الزكاة، إنما يجوز تعجيل إخراجها إذا دعت الحاجة والضرورة إلى ذلك، ولذلك أخذ النبي عليه الصلاة والسلام من عمه العباس زكاة ماله قبل حلول العام بسنة أو سنتين لحاجة الجيش، فإذا دعت الحاجة والضرورة إلى تعجيل الزكاة لأعوام قادمة فلا بأس بذلك، أما التأخير فلا يحل ولا يجوز، ولذلك من وجب عليه أن يؤدي في رجب وهو يمتنع عن أداء زكاة المال حتى يدخل رمضان، ما الذي يدريه أنه سوف يدخل عليه رمضان وهو حي؟ فيجب عليه أن يؤدي الزكاة في رجب على الفور، وفي ذلك حكمة عظيمة جداً أن تدور دورة المال في يد الفقير على مدار العام، وإذا تكدس المال في يد الفقير في شهر رمضان وربما أنفقه كله في شهر أو شهرين وبقي بقية العام يتكفف الناس ويسألهم الصدقات العامة، وكلنا نعلم ذلك، هب أنك في عملك ووظيفتك قد منحوك أجر العام كاملاً، فإنه لن يبقى معك على مدى العام، وإنما تسارع وتبادر إلى شراء ما لذ وطاب، مما دعتك إلى شرائه شهوتك، وبالتالي تتحسر وتندم بعد ذلك، ثم إنك إما أن تتكفف الناس، وإما أنك تأخذ من الناس أموالهم على سبيل القرض والعارية والرد، وربما تعطلت في ذلك، فمن حكمة الله عز وجل، أن شرط لنا حولاً لا يجوز أن نتأخر عنه، بحيث نقوم بإخراج زكاة المال في أي وقت من أوقات السنة.

    1.   

    ضرورة الحرص على الطاعات في رمضان وغيره

    هذه عبادات عظيمات جداً وكثيرة جدا يحرص عليها المرء في رمضان، ويغفل عنها في غير رمضان، ولذلك ضرب الله تبارك وتعالى لذلك مثلاً عظيماً جداً في القرآن الكريم فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]، امرأة تغزل بمغزلها غزلاً ثم تصنع هذا الغزل ثوباً عظيماً قوياً يصلح للانتفاع به، يلبس، وتمشي به، وتتزين به، وتعمل به، لكنها مع هذا أتت إلى هذا النسيج وإلى هذا الثوب بغير حجة ولا برهان فنقضت هذا الثوب عروة عروة، حتى جعلته كومة عظيمة من الصوف، فأي انتفاع بهذه الكومة؟!

    بعد أن كانت الكومة ثوباً أصبحت قطناً متناثراً لا ينتفع به، وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]، وضرب هذا المثل لمن كان على عبادة صحيحة وسليمة، وأعمال البر في رمضان، وترك ذلك في غير رمضان.

    فينبغي أن تتنبه يا عبد الله أن عين التوفيق أن توفق للعبادة التي كنت تعملها وتتعبد بها في رمضان في غير رمضان، أما أنك تتركها بالكلية فاعلم أن هذا نوع من التردي في الهاوية، واعلم أن شهر رمضان قد رحل، وأن الذي خلق رمضان خلق غير رمضان، وأمرك في بقية الشهور والأيام بما أمرك به في رمضان، فلا بد أن تعتقد ذلك؛ لتنطلق فتعمل لله عز وجل على أنه صاحب الأمر والنهي، ولا بد أن تداوم على العبادة، وأن تحرص على الطاعة؛ حتى يكون ذلك علامة وأمارة على قبول ما كنت تعمل في رمضان.

    وينبغي أن نسير كما سار السلف، وأن نتشبه بهم:

    تشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح

    أي: تشبهوا بالسلف رضي الله تعالى عنهم في أقوالهم وأفعالهم وطاعتهم، وهروبهم من المعاصي، كان الواحد منهم يهرب من المعصية كما نهرب نحن من الذئب والأسد.

    وجاء في الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) إنها فانية زائلة.

    وقال عبد الله بن عمر : إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.

    فما سميت الدنيا بهذا الاسم إلا لدنوها ودناءتها، فاحرصوا على الباقي واتركوا الزائل.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان وفي الشيشان وفي فلسطين، اللهم أمدهم بمدد من عندك، وأنزل عليهم جنداً من جندك.

    اللهم يا منزل الحديد، وجاعلاً فيه البأس الشديد، وجاعلاً فيه منافع للناس اجعل بأسه على الكافرين، ومنافعه للموحدين.

    اللهم إنا نسألك أن تمد المجاهدين بمدد من عندك، اللهم ثبتهم يا رب العالمين، اللهم اجعل أفغانستان مقبرة للنصارى، اللهم اجعل أفغانستان مقبرة للأمريكان، ومقبرة للروس، واجعل أرض فلسطين أرض الشام مقبرة لليهود، اللهم أهلكهم على أيدي عبادك المخلصين الصالحين من المجاهدين في شرق الأرض وغربها.

    اللهم كن لعبادك المؤمنين ولا تكن عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم انصرهم نصراً مؤزراً، اللهم ثبتهم تثبيتاً عظيماً.

    اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، وصلى الله على النبي الأمين، وأقم الصلاة.