إسلام ويب

فوائد من خطبة الوداع [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تضمنت خطبة حجة الوداع فوائد عظيمة، منها: تحريم الدماء والأموال والأعراض، والوصية بالنساء، والاستمساك بكتاب الله تعالى، كما أن من فقهها جواز القياس في الأحكام الشرعية.

    1.   

    فوائد من خطبة الوداع

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    جواز القياس

    فإن موضوعنا هو خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي خطبها بعرفة في عام حجة الوداع، والتي حدد فيها هوية هذه الأمة ومميزاتها وخصائصها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد).

    في مطلع هذا الحديث يتكلم عليه الصلاة والسلام عن جواز القياس، وكأنه قال: كما أنكم تعلمون حرمة هذا اليوم، وحرمة هذا الشهر، وحرمة هذا البلد؛ فكذلك يجب عليكم أن تعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم؛ لأنه ربما يجهل بعض الناس ذلك، فالذي يجهل حرمة الدماء أو حرمة الأموال أو حرمة الأعراض ينبغي عليه أن يعلم علماً يقينياً بحرمة هذا كما يعلم بحرمة الشهر واليوم والبلد، قال عليه الصلاة والسلام: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) .

    فهذا نص في جواز استخدام القياس الذي أنكره الظاهرية وقال به جماهير العلماء، وهو الحق من أقوالهم.

    حرمة الدماء في الإسلام

    كذلك بين عليه الصلاة والسلام حرمة الدماء، وقد تكلمنا عنها بما يغني ويكفي، لكننا نشير إشارة سريعة إلى أن الدماء مصونة في أصلها ومحرمة في مبدئها، ولا يجوز إهدارها إلا بحقها، وحقها قد ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذكرنا طرفاً من ذلك فيما مضى، ولأهمية الدماء قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أول شيء يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء) .

    وكأنه أشار إلى أن من نجا من هذا فهو لما بعده أنجى وإلا فلا، والدماء مصونة ليس فقط دم الغير من الاعتداء عليه، وإنما كذلك دم الذات والنفس، فلا يحل لأحد أن يقتل نفسه، ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من تردى من جبل فقتل نفسه -أي: على سبيل الانتحار- فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن وجأ نفسه بحديدة -أي: طعن نفسه بحديدة- فقتل نفسه فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) .

    فهذا النص محمول على الوعيد الشديد، وإن كان لا يكفر الفاعل لذلك إلا إذا استحل مع قيام الحجة عليه، فإذا أصر على ذلك كفر وخرج من الملة؛ لأنه في هذه الحالة كفر باستحلال ما حرمه الله عز وجل لا بمجرد قتل نفسه، لذا فالإنسان مسئول عن بدنه فيم أبلاه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟)، فأنت مسئول عن المال، ولذلك عطفه النبي عليه الصلاة والسلام على الدماء فقال: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم)، ولأجل ذلك حد الإسلام الحدود، ولما حدها وبينها قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229]، فلا يحل لأحد قط مهما كان شأنه وبلوغ أمره أن يتعدى حداً من حدود الله عز وجل، لا بالشفاعة ولا بالزيادة فيه ولا بالنقصان منه إلا أن يموت المحدود في أثناء قيام الحد، فيجب أن يتوقف الضارب لمن كان محدوداً.

    فإذا كنت تحده ثمانين جلدة فمات عند الثلاثين أو الأربعين أو أقل من ذلك أو أكثر فينبغي أن تمسك عن استمرار الحد، وبعض أهل العلم قال: يحد وإن مات، وهذا رأي شاذ ضعيف، فانظروا إلى حفاظ الإسلام على حرمة الآدمي، حتى وإن كان كافراً فإنه لا يضرب بعد موته ولا يمثل به، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أرسل سرية قال: (سيروا باسم الله على بركة الله ولا تمثلوا) أي: لا تقطعوا الجثة أجزاءً بعد موتها، ولا تقطعوا أطرافها وهي حية احتراماً للآدمي، بصرف النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم، فلا تمثلوا ولا تغدروا ولا تغشوا، وكذلك كانت وصية الخلفاء الراشدين لسراياهم وجيوشهم التي كانوا يرسلونها لمقاتلة الأعداء، وهناك قوانين شرعية اكتسبت منها القوانين الدولية البعض وتعامت عن الكثير، لكن الإسلام رحمة عظيمة جداً لأبنائه ولغير أبنائه، وكما قلت: هذه شهادة في الدماء والأموال والأعراض سجلها الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام للحفاظ على آدمية الآدمي وإنسانية الإنسان، وليس كما تفعله تلك القوانين الجائرة التي يسمونها مرة بقوانين العدالة، أو قوانين الديمقراطية أو غير ذلك، فكل هذا كذب وزور، وهم يعلمون أنهم كاذبون ومزورون، والذين ينعقون خلفهم يعلمون أنهم ينعقون خلف الكذبة والمزورين كذلك، إذ إن شرع الله تعالى حق كله ومصلحة كله، وحيث ما كان الحق والمصلحة فثم شرع الله عز وجل، وما دون ذلك خرط القتاد، لذا لا يصح لأحد أن ينابذ بكتاب الله وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام قانوناً من تلك القوانين الأرضية السفلية، ومن رجح قانوناً أرضياً على قانون السماء أو ساواه به فقد كفر بالله عز وجل، وفارق ملة الإسلام، وانتقل منها إلى وحل الكفر والنكران والجحود، ومصيره يوم القيامة الخلود في نار جهنم مع فرعون وهامان.

    فشرع الله تعالى مصلحة كله، سواء كان هذا الشرع للمسلمين أو لغير المسلمين، والصادقون مع أنفسهم من أهل الكتاب يعلمون تلك الحقائق من دين الله عز وجل، ولذلك نجدهم أحياناً يثنون على دين محمد عليه الصلاة والسلام، فهم اتصفوا بالعدل في بعض القول لا في كل القول، وإلا فالأصل أن صدورهم قد امتلأت غلاً وحقداً وحسداً على الإسلام وأهله، قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] ، وقال: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120]، فدين الله تعالى هدىً كله، أما القوة اللازمة لأهل الإسلام فهي قوة في قمة اليسر والسهولة، ولو أن كل مسلم أدى ما عليه لله عز وجل ولرسوله الكريم ولشرعه الحنيف لكانت هذه الدولة من أقوى الدول، ولذكرتنا بسالف أمرها في زمن النبوة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وخاصة الخلفاء الراشدين، فإنهم كانوا في قمة المجد وسطوة القوة، حتى إن العدو لو سمع بهم في بيته لانهزم واندحر، وما قدر أن يقوم من مقامه فضلاً أن يواجه أهل الإيمان، فهذه حقيقة الإسلام وقوته الكامنة في ذاته.

    وانظروا إلى أكبر دولة صليبية في هذا الزمان تأتي من أقصى بلاد الغرب بخيلها ورجلها وكبريائها وغطرستها لتتسلط على بعض الناس الذين هم بغير سلاح ولا عدة ولا عتاد، وبضعة آلاف من الشباب الصغير الذي لا يملك حولاً ولا قوة، وإنما يملك الحبل المتين الذي يصله بالله عز وجل، وكفى به حبلاً وكفى بالله تعالى نصيراً ووكيلاً، ولذلك لما صدقوا مع الله عز وجل -أي: تلك الفئة المؤمنة- أذلوا أمريكا ووضعوا أنفها في الوحل والرغام والتراب، ولا تزال أمريكا إلى هذه اللحظة تتمنى لو أنها تخرج من هذا المأزق ولو ببعض الخسارة؛ لأنهم دخلوا -كما يقولون- في حارة سد، ولا يدرون المخرج ولا يعرفون السبيل إلى النجاة أمام فئة قليلة من الناس، وتصور لو أن كل المسلمين كانوا على هذا الإخلاص وذاك الصدق مع الله عز وجل ماذا كانت تفعل بهم أمريكا، أو تفعل بهم أوروبا الصليبية؟! والله لا يفعلون شيئاً، بل لأتوا إلى بلادنا يقبلون النعال قبل الأقدام والأيدي، ويطلبون المصالحة والأمان، ويطلبون العهود والمواثيق لحقن دمائهم وأموالهم، فإن فعلوا فالقول كما قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال:61]، أي: فاجنح لها -يا محمد- ومن معك من المسلمين، بشرط أن تكون أنت الأعلى وهم الأسفلين، لا أن يكونوا هم الأعلين ونحن الأسفلين، وهذا السلام الذي يتشدق به الكثير بالليل والنهار في الشرق والغرب إنما هو سلام زائف، وإلا فما الذي عطله على مدار عشرات السنين، ينعقون بالسلام الشامل والعادل وما رأينا سلاماً شاملاً ولا عادلاً، وإنما رأينا أنه إذا حكمك المسلم فأطعه، وإذا حكمت المسلم فاقتله، وهذه تصريحات الكنائس والأديرة والقساوسة، بل تصريحات المفسدين في كتبهم من كتاب أمريكا والشرق والغرب.

    فهم إذا تحينوا الفرصة لا يرقبون في أهل الإيمان إلاً ولا ذمة، ولا يراعون عهداً ولا ميثاقاً، وإنما هم أسرع الناس لنقض العهود والمواثيق؛ لأنهم يشعرون بالعزة والسؤدد في الوقت الذي يشعر فيه المسلم بالذل والهوان والصغار.

    والأسباب التي أدت إلى هذه النتائج كثيرة جداً، منها ما يتعلق بالحكام، ومنها ما يتعلق بالمحكومين، ومنها ما يعود إلى ضعف الوازع الإيماني لدى الجميع، ومنها ما يتعلق بنظرة المسلم نظرة استعلاء وكبرياء لأهل الغرب، في الوقت الذي يرى نفسه في الدون والحضيض، ولذلك تجد المسلم يجلس أمام الكافر بذل وصغار وهوان، فيكون لذلك الأثر العظيم في قلب المسلم، لذا فلابد أن ترجع العزة مرة أخرى، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، وقال: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    مسئولية الحكام تجاه المسلمين

    قوله: (حرام عليكم) أي: أن الدماء والأقوال حرام كلها إلا ما أحله الله تعالى ورسوله، ومن باب أولى حرام على غيركم، فإذا اعتدى الغير على دمائكم وأموالكم وأعراضكم فيجب عليكم وجوباً شرعياً أن تنفروا جميعاً أو أشتاتاً لدفع هذا الظلم وهذا العدوان، حكاماً ومحكومين، والمسئولية بالدرجة الأولى لحماية الإسلام وبلاد الإسلام وشريعة الإسلام إنما هي على الحكام، وإلا فلماذا عينوا حكاماً؟! ولماذا تولوا ولاية الإسلام؟! إنهم في هذه المناصب وتلك الأبهات والكراسي، وهذه الصولات والجولات للدفاع والذود عن حياض الإسلام والحفاظ عليه من كل اعتداء في الداخل والخارج، فما بالنا في هذه الأيام نجد من الاعتداءات على كفاءات الإسلام وعلى قدرات المسلمين في الداخل أكثر منها في الخارج؟! فهؤلاء الكتاب والصحفيون والسفلة من علية القوم بضاعتهم الطعن في دين الله عز وجل، وتقييد القدرات، مع أنه لا تفلح أمة قط ينال من أبنائها، وما سمعنا أن حكومة اليهود قتلت أبناءها أو سجنت أبناءها، بل إن طلبة العلم من اليهود لهم ميزة خاصة على شعب اليهود عامة، ولا أقول: العلماء فيهم، وإنما طلبة العلم الذين يلبسون تلك القلنسوات السوداء على جانب من قرن رءوسهم، فمن خصائصهم وميزاتهم أنهم لا يحملون حقائبهم، وإنما يعين لهم من يحمل حقائبهم، ويعين لهم من يحمل نعالهم إذا خلعوها، ولذلك لما تزيا طالب فلسطيني بتلك القلنسوة وحمل شنطة في يده بها متفجرات أيقنوا أنه ليس يهودياً؛ لأنه لو كان يهودياً لكان معه من يحمل له الحقيبة، فقبضوا عليه فانفجرت الحقيبة به وبمن قبض عليه.

    والشاهد من هذا أن أهل العلم لهم منزلة ومكانة، وما سمعنا بأمة من أمم الكفر قبضت أو سجنت أو اعتقلت هذه الكفاءات عندها، فما بالنا قد وصل بنا الحال إلى هذا الحضيض والدون؟!

    اللهم فك أسر المأسورين، اللهم فك أسر المأسورين، اللهم فك أسر المأسورين، اللهم أرجعهم إلى منابرهم أقوى مما كانوا، اللهم أرجعهم إلى منابرهم أقوى مما كانوا، اللهم أرجعهم إلى منابرهم أقوى مما كانوا، اللهم كن للمجاهدين في شرق الأرض وغربها، اللهم كن للمجاهدين في شرق الأرض وغربها، اللهم كن للمجاهدين في شرق الأرض وغربها، اللهم أمدهم بمدد من عندك، وأنزل عليهم جنداً من جندك، اللهم انصرهم وثبتهم على النصر يا رب العالمين، اللهم انصرهم وثبتهم على النصر يا رب العالمين، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    إبطال كل ما هو من أمر الجاهلية

    ثم يقول النبي عليه الصلاة والسلام بنبرة استعلاء المؤمن بإيمانه على هذا الواقع الباطل: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي) ، فانظروا إلى هذه النظرة الاستعلائية على كل شيء من أخلاق الجاهلية، وصفات الجاهلية، وأعراف الجاهلية، وأحكام الجاهلية، ومنها: أن رجلاً من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار من خلفه فوقع على الأرض، فقام الأنصاري وقال: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! أخذاً بأعراف الجاهلية: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) على ظاهر النص.

    فلما اجتمع الصفان وكادا أن يلتحما خرج إليهما النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي مطأطئ الرأس، فقال: (دعوها فإنها منتنة)، فانصرف المهاجرون إلى رحالهم والأنصار إلى رحالهم عملاً بقول النبي عليه الصلاة والسلام، وامتثالاً لأمره عليه الصلاة والسلام، وانتهت هذه الدعوى الجاهلية.

    وكذلك لما عير أبو ذر بلالاً بأمه فقال له: يا ابن السوداء! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، قال: أو على حين ساعة يا رسول الله! -أي: بعد هذا العمر في الإسلام والإيمان والعمل الصالح- قال: نعم، إنك امرؤ فيك جاهلية) .

    وبوب البخاري لهذا الحديث بقوله: المعاصي من أمر الجاهلية. ولذلك كل من فيه معصية واحدة ففيه خلق من أخلاق الجاهلية، وإذا كان اثنتان فاثنتان، وعشر فعشر، ومن شاء أن يستزيد زاد، ومن شاء أن يستقل استقل، ففي كل منا أخلاق الجاهلية على قدر ما فيه من المعاصي التي حرمها الله علينا الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة : (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -يعني: أخلاق الجاهلية- وفخرها بالآباء؛ مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس لآدم وآدم من تراب، وليدعن أقوام فخرهم بآبائهم إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها).

    فإما أن تدع أخلاق الجاهلية وإما أن تكون عند الله أهون وأحقر من تلك الحشرات التي تدفع النتن بأنفها، فتكون هذه الحشرات أكرم على الله عز وجل منك أيها العاصي والمنافق والكافر والمعاند لربك.

    فهذا حكم من عاند الله تعالى ورسوله، ومن جحد دين الله، وجحد شرع الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، والنائحة إن لم تتب قبل موتها أتت وعليها سربال من قطران ودرع من جرب).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من غير منار الأرض، ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، يعني: أفسدها على زوجها، وغير ذلك من أقواله: ليس منا، ليس منا، ليس منا، وكذلك قوله: من فعل كذا فأنا منه بريء، من فعل كذا فقد خرج من ذمة الله، وغير ذلك من النصوص الوعيدية التي تدل على أن الجرم كبيرة من الكبائر، وأن المجرم والفاعل لذلك يجب عليه أن يتوب إلى الله، أو يقام عليه الحد إن استوجب فعله الحد، أو أنه في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    ثم يبين النبي صلى الله عليه وسلم القدوة من نفسه لهذه الأمة المباركة، حتى لا يقول أحد: لم يأمرنا النبي بفعل شيء ولا يفعله، أو ينهانا عن شيء ويأتيه؟ كما جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يلقى بالرجل في نار جهنم فتندلق أقتاب بطنه -أي: أمعاؤه- فيدور حولها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه الناس فيقولون: يا فلان ما بالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، فهذا جزاؤه وإن كان عالماً، وإن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا أنه استوجب النار بتركه العمل بما علم، وكذلك يمكن للمرء أن يكون عالماً عاملاً بما يعلم، لكنه ليس مخلصاً، فيكون جزاؤه النار كذلك.

    ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة، وعدَّ: المجاهد والعالم والجواد)؛ لأنهم ما فعلوا ذلك، وما عملوا بما علموا إلا ابتغاء مدحة الناس، أما لو مدح المخلصون بغير طلب منهم ولا سعادة بذلك ولا انتظار لذلك فهذا من عاجل بشرى المؤمن في الحياة الدنيا، بينما الإنسان الذي لا يعمل العمل إلا لأجل مدحة الناس وثناء الناس عليه فإن هذا قد أهلك نفسه بنفسه، ثم يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أبغض الناس إلى الله من ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية) ، أي: أبغض الناس إلى الله من حكم في المسلمين شرعاً غير شرع الله، كأن يحملهم على أحكام وقوانين أوروبا وأمريكا، فهذا لا ينفع المسلمين ولا ينفع بلاد الإسلام، وإن ينفع فربما ينفع قومه وأهله، مع أني أعتقد أنه لا ينفع أهل الأرض جميعاً إلا شرع الله عز وجل.

    إذاً: كل شيء من أمر الجاهلية هدر مرفوض لا قيمة له، ولا يحل لأحد أن يطالب به، ولذلك لما أتى عمرو بن العاص ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الإسلام قال: (يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك، فلما بسط النبي يمينه قبض عمرو يمينه فقال: ما لك يا عمرو ؟ قال: يا رسول الله! أريد أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر لي، قال النبي: يا عمرو ! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟!)، أي: يغفر ويمحو ما كان من قبله، لذا فلا يحل لأحد أن يطالب بدم أو مال أو عرض أو غير ذلك بعد الإسلام، لا له ولا عليه، ولذلك بدأ النبي بنفسه وأهل بيته فأهدر دم أحد أقربائه، قال عليه الصلاة والسلام: وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. وقصته: أنه كان طفلاً رضيعاً لقريش في بني سعد، وكان بين بني سعد وهذيل مقتلة عظيمة، فلما سار هذا الطفل الرضيع يحبو بين بيوت بني سعد وهذيل أصابه حجر فمات، فقامت قريش عن بكرة أبيها تطالب بدم إياس بن ربيعة ، وهذا الطلب تمثل في قتل قبيلة بأسرها! فأي دين هذا؟! وأي شرع هذا؟! إنما الشرع: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، والشرع: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، والشرع: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث -وهذا كان غلاماً صغيراً قبل الإسلام- : النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، لكن هذه أخلاق الجاهلية وأعراف الجاهلية، فهي ساقطة كلها لا عبرة بها في الإسلام ولا كرامة لها، ولا يحل لأحد أن يطالب بها.

    إبطال الإسلام للربا

    وكذلك الربا موضوع كله، فلا يحل لأحد أن يطالب به بعد الإسلام فيقول: هذا حقي الثابت لي قبل الإسلام. لا، ليس حقاً لك، قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39]، أي: الذين يضاعف لهم الثواب، وقال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:278-279] أي: أصول الأموال، لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    فهذا هو دين الله، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم -أي: أنه ربا- أشد عند الله من ست وثلاثين زنية)، وقال عليه الصلاة والسلام: (الربا اثنان وسبعون حوباً، أيسره كالذي ينكح أمه في الإسلام)، وقال عليه الصلاة والسلام: (الربا اثنان وسبعون باباً أدناه كالذي يزني بأمه في الإسلام) .

    ولست بذلك أهون من شأن الزنا، وإنما أشدد في أمر الربا، وهكذا تحمل هذه الزواجر وهذه النواهي على المزيد في المبالغة في الزجر والوعيد والتهديد، لا التهوين من شأن المضروب به المثل، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا عمهم الله بعذاب)، أي: الصالح والطالح، وقال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، وإنما تصيب العامة ويبعث الناس على نياتهم.

    لذا أقول: إن الربا قد دخل في كل بيت، بل للربا فتاوى رسمية وعمائم تبدو تارة حمراء، وتارة زرقاء، وتارة خضراء، فيزينون لهم القبيح ويحلون لهم الحرام! فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله لديننا، حسبنا الله في نبينا، حسبنا الله لشرع نبينا، حسبنا الله للحلال والحرام الذي ضاع في هذا الزمان على أيدي أناس من أبنائنا، يتكلمون بألسنتنا، ويدينون بديننا، وينهجون غير نهج سلفنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    الوصية بالنساء

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، قال الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، وقال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (النساء شقائق الرجال) في كل شيء، إلا في شيء خص الله به النساء أو خص الله به الرجال، أما تلك الدعوة المسعورة هنا وهناك بالتسوية والمساواة بين الرجل والمرأة، فهل يستطيعون أن يسووا بين الرجل والمرأة في الحمل والنفاس والرضاع والجهاد وغير ذلك من أحكام الرجال؟! يجب على هذه الألسن أن تخرس، وهذه الأقلام أن تكسر، فهذا هو دين الله، فإما أن تكسر هذه الأقلام وتخرس هذه الألسنة بالأدب وبالذوق وبسحب النائم كما يقولون، وإما أن تكسر بالقوة والشكيمة، إن لم يكن في الدنيا فلا أقل من أن يكون ذلك في الآخرة، فيقذفهم الله تعالى في نار جهنم غير مبال بهم.

    إن هؤلاء الذين يحاربون دينه بالليل والنهار حتى لا يكاد يجد الدعاة إلى الله وأهل العلم فرصة لتعليم الناس أمر دينهم، بل أصبحت معظم هذه الدعوة إلى الله ما هي إلا ردود أفعال، وردوداً على الشبهات، وما صرنا نتفرغ لتعليم الناس أمر دينهم، وما يكاد يمر يوم علينا إلا وتطرح شبهات وشبهات تحتاج إلى رد لعصمة الناس وحماية الناس وحفظ الناس من الاندراج في هذه الشبهات وتلك الأهواء والآراء، وما صرنا نجد وقتاً لطلب العلم أو لتعليم الناس، فأرهقونا وأنهكوا قوانا، والسبب في ذلك غياب الحارس، إذ لو كان الحارس قائماً بأمر الله لأخرست تلك الألسنة، وكسرت تلك الأسنة والرماح الباطلة.

    وقال: (فاتقوا الله في النساء)، وانظروا إلى كلمة: (اتقوا الله)، فالمؤمن التقي يقف عند هذا التنبيه، ويعلم أنه قادم على النار إن ظلم؛ إذ التقوى: أن تتقي عذاب الله، وأن تتقي نار الله، لذا فهم السلف ذلك ففازوا ونجوا، فهذا عمر رضي الله عنه عندما يكون في ثورة غضبه إذا قيل له: اتق الله يا عمر وقف وربما بكى؛ لأنه يعلم من هو الله، ويعلم من يتقي وماذا يتقي؟ بينما الواحد منا يأخذ هذه الكلمة بسخرية ضحك ولعب واستهزاء، وهي كلمة عظيمة ينبغي أن يتوقف عندها البدن ويخشع لها القلب ويذل وينكسر.

    قال: (فاتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم)، أي: أسيرات عندكم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (علام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من الليل؟!)، وقال عليه الصلاة والسلام: (علام يجلد أحدكم امرأته جلد الأمة، فلعله يطلبها من الليل؟!)، فأنا لا أتصور رجلاً صالحاً مؤمناً تقياً يتقي الله في نفسه ويضرب امرأته بالنهار ثم يطلبها للفراش بالليل، إن هذا ليس من شأن الحيوانات والله، فضلاً أن يكون هذا من شأن الآدمي أو المسلم أو المؤمن التقي.

    قال: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

    قوله: (بكلمة الله) أي: بالإيجاب والقبول، قال تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، فهذه امرأة طيبة طابت لك، وطيبها الله تبارك وتعالى لك، فلا تكن أنت فتنة لها وسبباً في بعدها عن دينها.

    ولكم عليهن ألا يدخلن بيوتكم من محارمهن أحداً، لا من الرجال ولا من النساء إذا علمت صراحة أو ضمناً أنك تكره هذا الشخص أو تكره تلك المرأة، وإن كان من محارمها فإنه لا يحل لها أن تدخله إلا برضاً منك، وإلا فهذا من المحرمات عليها (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه) ومن حمل ذلك على الأجانب فقد أخطأ خطأً فادحاً؛ لأن المرأة لا يحل لها أن تدخل أحداً من الأجانب حتى وإن رضي زوجها بذلك، هذا من المحرمات وعلى ذلك الإجماع انعقد.

    قال: (فإن فعلن ذلك) وخالفن ما تحبون وما تكرهون (فاضربوهن ضرباً غير مبرح)، والتبريح ورد في رواية عند أبي داود: ألا تشق رأساً وألا تكسر عظماً. وإنما ضرب للتأديب كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله مع عائشة أو غيرها، فيضربها بسواكه أو ينهزها بيمينه، قالت عائشة : (نهزني النبي عليه الصلاة والسلام في جنبي أو في منكبي نهزة أوجعتني) نهزة يسيرة، فما بالك بمن يجلد امرأته كما لو كانت قد ارتكبت حداً من الحدود؟! نستغفر الله تعالى مما كان، ونستغفر الله تعالى جميعاً مما كان، ونعاهد الله تعالى جميعاً أن نحسن فيما بقي من أعمارنا رجالاً ونساءً.

    قال: (اتقوا الله في النساء)، (فأيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)، وقال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)، فأي كرامة هذه؟! وأي فضل هذا؟! وأي جزاء هذا لخمسة أمور أو لأربعة أمور تصبر المرأة عليها، وإن كان ذلك على مضض؛ طلباً للثواب، وطلباً لجنة عرضها السماوات والأرض؟!

    قال: (دخلت امرأة على النبي عليه الصلاة والسلام فقال لها: من؟ قالت: أم فلان، قال: أذات بعل أنت؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: كيف أنت منه؟ قالت: يا رسول الله! أخدمه ولا آلو في خدمته -أي: لا أقصر في خدمته- قال: انظري ما تقولين؛ فإنما هو جنتك ونارك) ، أي: أن دخولك الجنة أو النار يتعلق بزوجك، ورضاه عنك هو في رضا الله وفي رضا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف، ولا طاعة في معصية الله عز وجل.

    ودخل معاوية بن حيدة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تكسوها مما تلبس، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المضجع) .

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الوصية بالتمسك بكتاب الله عز وجل

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    فقال عليه الصلاة والسلام: (وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) .

    إن كتاب الله دستور -إن صح اللفظ والمصطلح- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واعقد مقارنة بين كتاب الله وبين حثالة عقول البشر منذ أن أرسل الله تعالى رسوله إلى قيام الساعة أو إلى ساعتنا هذه، فلا تجد قانوناً من القوانين الأرضية لا يمر عليه عام إلا ويبدل أو يغير أو يحذف منه أو يزاد عليه أو يثبت بطلانه أو غير ذلك، فهل تجدون شيئاً من ذلك في كتاب الله؟! حاشا وكلا، فكلام اللطيف الخبير الذي خلق الخلق، وهو أعلم بما يصلحهم وما يضرهم، فأمرهم بالتمسك بهذا الكتاب، قال عليه الصلاة والسلام: (كتاب الله هو حبله المتين، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به، وعليكم بسنتي) .

    وانظروا أيضاً إلى الوصية الجامعة كما عند الترمذي وأبي داود بسند صحيح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: (وعظنا النبي صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة -ذات غداة- ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! لعلها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة -لأهل العلم والأمراء ما داموا موحدين- وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) فقد أمرنا بتقوى الله، والسمع والطاعة لمن أمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر من السلاطين والحكام والأمراء والعلماء، ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه ربما يكون هناك من السلاطين عبيد، مع أن العبد لا يتولى إمرة الحر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يضرب أسوأ الفروض ويمثل بها، وفي هذه الحالة يجب السمع له والطاعة من باب حقن الدماء، ولذلك قال: (فاسمعوا له وأطيعوا) ، ثم قال: (وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فيه حض وحث وأمر، ثم يأتي الشق الثاني من النصيحة مشتملاً على التحذير فيقول: (وإياكم ومحدثات الأمور)، أي: البدع والأهواء المضلة والفتن المتلاحقة، (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، نعم، فلا يستقيم الأمر إلا بالتقرب إلى الله بأخذ ما أمر، والابتعاد عما نهى عنه وزجر، وهذا هو دين الله عز وجل، وهذا هو الحلال والحرام، وأعظم ذلك العقيدة الصحيحة التي كان عليها السلف، أما رأيتم أن أهل البدع إذا ما وجدوا أحداً يكفرونه أو يفسقونه أو يضللونه استداروا على أنفسهم فكفروا أنفسهم؟! لأن أخلاقهم قد جرت على التكفير والتفسيق والتبديع بغير حق، أما أهل السنة والجماعة فلا يكفرون إلا من استحق التكفير بعد توافر الشروط وانتفاء الموانع، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وهو ما يشهد به القرآن والسنة، أما غيرهم فيأتون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وهذه ميزة أساسية تميز أهل البدع عن غيرهم، إذ إنهم يسبون ويشتمون أهل السنة والجماعة؛ ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل : إذا رأيت الرجل يسب أهل الحديث فاعلم أنه زنديق. لأن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) .

    ولما سئل الإمام أحمد عن تلك الطائفة المنصورة الظاهرة قال: إن لم يكن هم أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟ وعليه فإذا رأيت الرجل يقع في أهل العلم وفي أهل السنة والجماعة فاعلم أنه على غير الهدى المستقيم، وأنه على غير صراط النبي عليه الصلاة والسلام.

    لذا نجد في بلاد الحجاز من يسب العلماء وطلاب العلم، كما نجد في مصر من يسب أهل العلم وطلاب العلم، ويزعمون أنهم هم السلفيون، فأي سلفية هذه؟! وأي دين هذا؟! وأي أخلاق هذه التي تبيح لهم السباب؟! والعجب أنهم يطلقون على أنفسهم علماء الجرح والتعديل، وفي الحقيقة هم -والله- علماء السباب والشتائم والجرح وليسوا من أهل التعديل، بل إنهم من ساقطي العدالة، فلا وزن لهم ولا كرامة حتى يرجعوا إلى عقيدة ومنهج السلف في الآداب والأخلاق، لذا فإن الذي يتقرب إلى الله بسب أهل العلم وشتمهم، في الوقت الذي يثني فيه على أهل الباطل وأهل الفساد إنما هو على دين أهل البدع والأهواء، ومن قال بغير ذلك فهو ملحوق بهم تابع لهم، وإني أدعو هؤلاء جميعاً، سواء في اليمن أو في مصر أو في بلاد الحجاز، وإن شئت فقل: في أمريكا وأوروبا؛ لأن تلاميذهم قد انتشروا انتشار النار في الهشيم، والبدعة سهلة على القلوب، والسنة ثقيلة على القلوب؛ لأنها تكليف بشيء ثقيل، ولذلك سمى الله تعالى التكاليف الشرعية والأحكام الشرعية تكاليف فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، فيجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله عز وجل قبل أن يفجأهم الموت، فيموتوا على تلك البدع والأهواء المضلة، وما سمعنا هذا عن أحمد بن حنبل ، وما سمعنا عن الشافعي أنه كان كذلك، وما سمعنا عن يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل أنه كان يسب أهل السنة والجماعة، فيدعونهم مرة بأنهم خوارج أو قدرية أو معتزلة أو غير ذلك من تلك الدعاوى الباطلة، ومن قال ذلك فأقسم بالله أنه لا يعرف ما كانت عليه المعتزلة، ولا يعرف ما كانت عليه الخوارج، ولا يعرف ما كانت عليه القدرية من عقيدة مخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وإنما يخبط خبط عشواء في ظلام الليل لعلها تصيب، أخذاً بالمثل السائر: (العيار الذي لا يصيب يدوش).

    فهو يريد أن يشوش على أهل السنة والجماعة، فتارة يسبونهم ويشتمونهم ويدعون بأنهم خوارج، وبأنهم يحرضون الناس ويشجعونهم على الحكام، لا والله، إنهم يبلغون دين الله عز وجل إلى الخلق، ويبلغون دين الحق إلى الخلق، وهذا واجب عليهم.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وإنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: يا رسول الله! نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فأشار بالسبابة إلى السماء) حيث الله عز وجل قد استوى على العرش فوق السماوات السبع، استواءً يليق بجلاله وكماله، وليس كاستواء المخلوقين وجلوس المخلوقين، وإنما استواء بمعنى العلو والارتفاع والمباينة لخلقه، فهو سبحانه عالٍ على خلقه ومباين لهم، يستوي حيث شاء ومتى شاء، وينزل حيث شاء ومتى شاء، نزولاً يليق بجلاله وكماله، له ذات متصفة بصفات ليست كصفات المخلوقين، نثبتها له تعالى بغير تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ونؤمن بصفات الله، فنثبت له الصفة من جهة العلم والمعنى، ومن جهة الكيف نكلها إلى الله عز وجل؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى.

    قال: (فأشار بيده إلى السماء ينكتها إلى الأرض) وهو يستشهد الله تعالى عليهم بأنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركهم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ليس فيها غبش ولا ظلام، وليس فيها أمر ينكر، وفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يحرج يوم القيامة كما أحرج نوح عليه السلام، فقد جاء في البخاري : أن الله تعالى يجيء بنوح بين يديه يوم القيامة فيقول له: يا نوح! هل بلغت قومك؟ قال: نعم يا رب! فجيء بأمته فيسألهم: هل بلغكم نوح؟ قالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، قال الله تعالى: يا نوح! من يشهد لك؟ قال: محمد وأمته، فقيل للأمة: كيف تشهدون ولم تروا نوحاً؟ قالوا: أنبأنا الصادق المصدوق، فنحن نشهد بشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام، وبخبر نبينا عليه الصلاة والسلام، فذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، فأعظم شهيد من الخلق يوم القيامة على الأمم كلها هو نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذه الأمة من بعده تشهد لجميع الأنبياء وعلى جميع الأمم أنه ما أرسل الله تعالى من نبي ولا رسول إلا وقد أدى الأمانة وبلغ الرسالة.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وتول أمرنا، وهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، اللهم ائذن برفع راية الجهاد في سبيلك، اللهم ائذن برفع راية الجهاد في سبيلك، اللهم ائذن برفع راية الجهاد في سبيلك، اللهم ائذن لدينك أن يسود، ولشرعك أن يحكم، اللهم ائذن لدينك أن يسود، ولشرعك أن يحكم، اللهم فك أسر المأسورين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي الشيشان وفي بورما وفي كشمير وفي الهند وفي فلسطين، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم جمد الدماء في عروق أعدائك وأعدائهم، اللهم اهزمهم هزيمة منكرة، اللهم لقنهم درساً في بلاد الإسلام لا ينسونه أبداً، اللهم لقنهم درساً في بلاد الإسلام لا ينسونه أبداً، اللهم اجعل أراضي الإسلام مقبرة للطغاة الغزاة من الصليبين واليهود، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم آمين آمين آمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.