إسلام ويب

فوائد من خطبة الوداع [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر خطبة حجة الوداع من الخطب التي أرسى فيها النبي عليه الصلاة والسلام معالم هذا الدين، وحدد لهذه الأمة هويتها وشخصيتها، وبين مميزاتها وخصائصها عن سائر الأمم الأخرى، فعظم شأن الدماء والأموال والأعراض، وأبطل كل ما هو من أمر الجاهلية، وأوصى بالنساء خيراً، وأمر بالتمسك بكتاب الله عز وجل، فإن به النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.

    1.   

    دروس وعبر من خطبة حجة الوداع

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.

    صعد النبي صلى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع ليحدد لهذه الأمة هويتها وشخصيتها، ويبين لها ميزتها على بقية الأمم، فقال في نمرة في هذا المسجد المبارك -ومسجد نمرة بعضه في أرض عرفات، وبعضه الآخر في نمرة- وصية جامعة، سمعه فيها (114000) من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، فكان مما قاله كما عند الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وإنما دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، فإنه موضوع كله، وربا الجاهلية موضوع كله، وإن أول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه؛ فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، وإني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي، وإنكم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: يا رسول الله! نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فأشار بالسبابة إلى السماء وهو يقول ثلاثاً: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد).

    يستشهد الله عز وجل على أصحابه الذين شهدوا أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وهذه وصية جامعة من وصاياه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته في عام حجة الوداع، بين فيها شخصية هذه الأمة، ومعالم الطريق لهذه الأمة المباركة حتى لا تضل.

    حرمة الدماء وعصمتها في الإسلام

    بين في هذا الحديث أن الدماء حرام، وأن الأصل فيها العصمة، وليس فقط دماء المسلمين، وإنما دماء المعاهدين وأهل الكتاب وغيرهم من الوثنين والمشركين الذين بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق، ما داموا يحافظون على هذا العهد ويعملون بمقتضى هذا الميثاق، فإن نقضوا العهد والميثاق صاروا محاربين، ووجب على إمام المسلمين أن يقاتلهم وأن يريق دماءهم، وهذه عزة الإسلام، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)، أتعلمون أن هذا البلد حرام، وأن هذا الشهر حرام، وأن هذا اليوم حرام؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فكما تعلمون ذلك فيجب عليكم أن تعلموا أن الأصل في الدماء العصمة، وأن الأصل في الدماء الحرمة.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام مبيناً حرمة دم المعاهد فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (من قتل معاهداً -أي: في عهده، سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم- لم يرح رائحة الجنة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)، وروي عن عبد الله بن عمر كما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، قال عبد الله بن عمر -وهو راوي هذا الحديث، وهو أفهم الناس له ولروايته-: إن من ورطات الأمور التي إذا دخل فيها العبد ربما لا يجد منها مخرجاً: إصابة دم بغير حق. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، وربما ضاق على العبد بقتل نفس بغير حق.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)، فالأصل في الدماء الحرمة، وهي شهادة شرعية من النبي عليه الصلاة والسلام، ومن رب العزة قبل ذلك، حتى حرمة دماء الكافرين ما داموا يحترمون عهودهم ومواثيقهم، وما داموا يجنحون إلى السلم حقيقة لا زوراً ولا بهتاناً كما يفعله كفار هذا اليوم، فينادون بالسلام وهم أبعد الناس عن السلام، ولذلك قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الأنفال:61] أي: إن جنحوا هم مع الذل والصغار والهوان، ومع عزة الإسلام وارتفاع أهله، فحينئذ اجنحوا يا مسلمون إلى السلام ما دام أن أهل الكفر قد طلبوا ذلك منكم، إذ هو بمثابة طلب الأمان وحقن الدماء، فإن احترموا عهودهم ومواثيقهم فلهم ذلك، إلا أن يخونوا فلا نحترم لهم عهداً ولا نوفي لهم بذمة حينئذ؛ لأنهم بدءوا بنقض العهد كما هو حال الأمم الكافرة من اليهود والنصارى، وأقولها بملء الفم: إن اليهود والنصارى في هذه الأيام أو في هذه الأعوام لا عهد لهم ولا ميثاق في شتى بقاع الأرض؛ لأنهم هنا وهناك ينقضون العهد ويقتلون الأبرياء والمدنيين من المسلمين، رجالاً ونساءً وأطفالاً وأجنة، فيبقرون البطون ويخرجون الأجنة ويقطعون رءوسها ويلعبون بها كما يلعب الصبيان بالكرة، وما يحدث في أيامنا هذه أعظم ناقض للعهد.

    فهذه الدماء التي تراق في أفغانستان وفي فلسطين وفي الشيشان وفي بورما وفي كشمير وفي تايلاند وفي كل بلاد الإسلام والمسلمين لابد لها من ثمن، ولابد أن يدفع اليهود والنصارى ثمنها، إي والله، ولا خير فيكم إن لم تأخذوا بثأر إخوانكم، كما لا خير في حكومة تولت أمر المسلمين في بلد من البلدان أو في بقعة من البقاع ولم تأخذ على عاتقها رد كرامة وإهدار هذه الدماء، وهذا واجب على الشعوب كما هو واجب على الحكام جميعاً، وليس هناك حكومة شرعية ولا دولة إسلامية تحترم إلا إذا رفعت راية الجهاد، وأخذت بثأر إخواننا وأبنائنا ونسائنا وأطفالنا هنا وهناك، حتى يندحر العدو في بيته، وحتى يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ثم إن الإذعان والخضوع لله عز وجل لا يكون إلا برفع راية الجهاد، فإذا كانت دماء المسلمين حراماً بين بعضهم مع البعض، فمن باب أولى أن تكون حراماً على غير المسلمين، ولكنهم لا يطالبون في أرجح الأقوال بفروع الشريعة، فحينئذ فإن الغنيمة الباردة أن يريقوا دماء المسلمين، فمن المسئول عنها حينئذ؟! أهؤلاء الأطفال والنساء والأبرياء الذين لا حيلة لهم ولا قوة؟!

    إن المسئول عن ذلك بالدرجة الأولى هم حكام المسلمين؛ إذ إن هذه الدماء معلقة في رقابهم يوم القيامة يسألون عنها؛ لأنهم هم الذين قتلوها بسكوتهم عن هذا العدو الغاشم الظالم.

    1.   

    وجوب عودة أبناء الأمة الإسلامية إلى الله لتحقيق التمكين

    ولذا لابد لهذه الأمة أن تعود إلى الله عز وجل، وأن تدافع عن هذه الدماء، وأن تحمي هذه الشريعة، وأن تطبق حدود الله، وأن تحكم بشرع الله، بل لا عز لها ولا تمكين حتى تتكون هذه الأمة تكويناً صحيحاً كما كون النبي عليه الصلاة والسلام أمة الإسلام الأولى، فقد ظل عليه الصلاة والسلام سنين طويلة يربي أصحابه على العقيدة الصحيحة؛ إذ لا عزة لهذه الأمة إلا بعقيدة سلفها رضي الله تعالى عنهم.

    وعند ذلك فإن النصر آت لا محالة، وسيظهر دين الله لا محالة، ولذلك لما تلت عائشة رضي الله عنها قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33]، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى. قالت عائشة : يا رسول الله! لما تلوت هذه الآية ظننت أن الأمر قد تم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث شداد بن أوس : (إن الله زوى لي الأرض) أي: جمعها وضمها، (فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها).

    وفي مسند أحمد وسنن الدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة -وفي رواية: لا ينقضي الليل والنهار- حتى يظهر الله تعالى هذا الدين ويدخله في كل بيت مدر ووبر) يعني: في بيوت الحضر والبدو، لابد أن يسمع بهذا الدين كل أحد.

    قال عليه الصلاة والسلام: (حتى يدخل هذا الدين في كل بيت مدر ووبر بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله تعالى به الإسلام وذلاً يذل الله تعالى به الكفر).

    هذا الدين لابد أن يظهر، ولا يظهر جزافاً ولا فجأة، بل لابد من العمل لإظهار هذا الدين، ولذلك بشارة عظيمة جداً قالها النبي عليه الصلاة والسلام: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون فيكم خلافة راشدة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم إذا أراد الله أن يرفعها رفعها، ثم يكون ملك عاض، فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم إذا شاء أن يرفعه رفعه، ثم يكون ملك جبري) وهذا هو الذي تمر به الأمة اليوم، إذ يتجبر الطغاة ويتسلطون على هذه الأمة، ثم قال: (ثم يكون ملك جبري فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم إذا شاء الله أن يرفعه رفعه، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، ثم سكت النبي عليه الصلاة والسلام.

    فهذا دليل على أن خلافة النبوة قادمة لا محالة، لكن لابد من العمل لها، ولابد من تهيئة الظروف والمناخ لهذه الخلافة الراشدة، ولا نركن لظهور المهدي أو ظهور الخليفة الراشد، وإنما لابد من العمل لهذه الخلافة الراشدة، بالدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء فريضة الجهاد، ودحر العدو في بيته، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر)، فيسمع العدو بجيش المسلمين على مسافة شهر كامل فينهزم نفسياً، وأعظم الهزائم الهزيمة النفسية، فإذا انهزم الإنسان في نفسه فلابد أن ينهزم مادياً، مهما بلغت قوته.

    وقال الله عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]، فهذه رهبة للعدو، ونكر الله عز وجل (القوة) في سياق الأمر ليفيد العموم والشمول، فلابد من إعداد العدة حتى نبلغ أوج الدرجات وأعلى المراتب، قوة في السلاح وفي العدة والعتاد، قوة علمية وثقافية، قوة في التقدم، قوة في صناعة الطائرات والدبابات، قوة في شتى المجالات والميادين؛ إذ إن العدو لا يندحر إلا بذلك، مع الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب سنة من سنن الله الكونية، ولذلك أعظم الناس وأكرم الناس على الله هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان بإمكانه أن يدعو وهو في بيته فينصره الله عز وجل، لكنه صلى الله عليه وسلم علم السنن الكونية الربانية في الخلق، وأنه لابد من اتخاذ الأسباب، فكان يجهز الجيوش، ويحثهم على العبادة والطاعة، ثم ينطلق بهم وهو في أولهم لمقاتلة العدو، فإذا ما نزل بهم البأس، وحشرجت الصدور، وبلغت القلوب الحناجر، توجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه رافعاً يديه إلى السماء، فيدعو الله تعالى أن يغيثه بجند من السماء، كما حصل في غزوة بدر، فقد سقط رداء النبي من عاتقه، فأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضعه على عاتقه، وقال: يا رسول الله! والله لا يخزيك الله أبداً، والله إن الله سينجز لك ما وعدك إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط وإلا فلا، إن تنصروا الله من أنفسكم بدينكم وإيمانكم وحسن عبادتكم لله عز وجل؛ فإن الله سينصركم، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55]، فالشرط: (يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)، وأعبد العابدين هو نبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وعبادة الله تعالى وعلى رأسها التوحيد أعظم حق لله تعالى على العبيد، جاء في حديث معاذ : (يا معاذ بن جبل ! أتعرف حق الله على العبيد؟ قلت: الله ورسوله أعلم -قالها ثلاثاً- ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: حق الله على العبيد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري ما حق العبيد على الله إن هم فعلوا ذلك -أي: إن حققوا هذا الشرط-؟ أن يغفر لهم).

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، هذا الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله، وما دون ذلك من الكبائر إن تاب منها صاحبها تاب الله عز وجل عليه، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارة لصاحبه، وإن مات العبد على هذه الكبائر فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    لذا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام والاستغاثة والذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار هو أعظم سلاح، ولذلك أنجز الله له ما وعده به، فقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123]، أي: وأنتم ضعفاء وقلة في مقابلة عدد وعدة العدو، وكان هذا بخلاف الاغترار الذي أصاب البعض في غزوة حنين، قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]، أي: لم تغن عنكم هذه الكثرة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة).

    فلو أن قلة من أهل الإيمان يبلغون اثني عشر ألفاً مجاهداً صادقاً صابراً محتسباً مقدماً غير مقبل ولا محجم فإنهم يغلبون العدو مهما بلغت قوته، ومهما بلغ شأنه، إذ إن هؤلاء الأعداء بعدتهم وعتادهم يصغرون ويحقرون أمام اثني عشر ألفاً من المجاهدين الصادقين المخلصين، وهذا خبر النبي عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق: لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)، وعند الدارمي وغيره بزيادة: (وما بلغوا اثني عشر ألفاً صابراً صادقاً إلا نصرهم الله).

    وقال الله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120]، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]، أي: ترجون من الله النصر أو الشهادة، بينما هم لا يرجون شيئاً من ذلك إلا نصراً زائفاً زائلاً، وسرعان ما ينقلب عليهم إلى هزيمة أخرى، أما المسلم فأمره يدور بين خيارين كلاهما حلو، إما النصر وإما الشهادة، ومعلوم ما أعد الله تعالى للشهيد في جنة عرضها السماوات والأرض، أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    التكوين طريق إلى التمكين

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن حال المسلمين في كل مكان في قمة الحزن والأسف، والنهوض بهذه الأمة ليس من الأمر المستحيل كما أنه ليس بالأمر السهل، وطريق ذلك أن ترجع الأمة إلى ما كان عليه سلفها، إلى ما كانت عليه القرون الخيرية، في هذه القرون في عقيدتهم وعبادتهم وأخلاقهم وسلوكهم، لابد أن ترجع الأمة إلى ربها ودينها وشرعها، وإلا فهم والعدو سواء عند الله عز وجل نصراً وهزيمة، ولا تنتصر هذه الأمة إلا بتقوى الله عز وجل، ودون ذلك إن انتصر المسلمون مرة نصر الله عليهم العدو ألف مرة، فلابد من الرجوع إلى الله تعالى ولكتابه وسنة رسوله، ولابد لشرع الله أن يسود ولسنة النبي عليه الصلاة والسلام أن تحكم هذه الجموع الغفيرة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    قال العلماء: لابد لهذه الأمة أن تبدأ من الآن مرحلة التكوين حتى يأتي بعد ذلك مرحلة التمكين، وقد صنفوا في ذلك كتباً كثيرة، منها: (دولة الإسلام بين التكوين والتمكين)، وأجمعوا جميعاً على لزوم مرحلة التكوين أولاً، وهذا مأخوذ من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فقد كون العقيدة في قلوب أصحابه، ثم بعد ذلك انطلق ليبني الدولة في المدينة، ثم انطلق شرقاً وغرباً حتى اتسعت الفتوحات في زمن الخلفاء الراشدين لتشمل المعمورة كلها، فلما طغى الكفر والفسوق والعصيان على أهل الأرض جميعاً -إلا من رحم الله عز وجل- انتفش الباطل وعلا بساقه فوق هامات الموحدين، حتى صارت أحذية ونعال الكافرين فوق هامات المؤمنين؛ لأنهم أخذوا بأسباب النصر وتخلفنا نحن عن أسباب النصر، وأسباب النصر -كما سمعت في الآية- بوعد الله تعالى الذي لا يتخلف: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، فلابد من الإيمان وعمل الصالحات.

    وغير ما آية قرن الله تعالى فيها العمل الصالح بالإيمان، ويحفظها الكبار والصغار، بل لو قلت لطفل: (إن الذين آمنوا..) لأكمل لك: (وعملوا الصالحات) فالإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن الأعمال ما هو شرط صحة في الإيمان، ومنها ما هو شرط كمال، وضابط ذلك: نص، أو إجماع علماء السنة وأهل الإسلام، ومن قال بغير ذلك فهو من المبتدعة، أي: قال بغير ما قال به النبي، وبغير ما نطق به القرآن، فلابد أن تستكمل الأمة أركان الإيمان وشروط الإيمان ومستحبات الإيمان حتى يكتب لها النصر، وأن تعمل بمقتضى هذا الإيمان، وأن تجد وتسعى في النهوض بشأنها، وأن تعرف دورها الريادي في العالم كله، وأن الله تعالى قد كتب لها الخيرية فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، فذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الإيمان؛ لأنه السياج الذي يحيط بالإيمان ويحفظه من كل جوانبه، وأعظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد في سبيل الله عز وجل، إذ لا حياة لهذه الأمة إلا بإحياء هذه الفريضة، ولا عز لها إلا برفع راية الجهاد، وما دون ذلك خرط القتاد، فلابد لهذه الحكومات التي تولت أمر المسلمين أن ترفع هذه الراية، ثم إن الموت واحد والأسباب متعددة، فلم نضن على أنفسنا بموتة شريفة هنية في سبيل الله عز وجل؟! إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] فأعظم الإيمان وأعظم الجهاد: الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، وهما معاً أفضل الجهاد وأشرفه على الإطلاق، إلا أن يخرج رجل في سبيل الله بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.

    و(سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أفضل الجهاد فقال: من أهريق دمه وعقر جواده)، فتبذل مالك، وتقدم نفسك لله رخيصة في سبيل الله لهو من أعظم الأبواب التي تؤدي إلى الجنة، وإن الذي يفهم الجهاد على أنه إراقة للدماء وتشريد وتقتيل وفقر وظنك لا يعرف حقيقة الجهاد، ولا صلة له بالإسلام وأهله ولا يعرف الكتاب العزيز، كما أنه لا علاقة له بسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    أما الذين لهم علاقة قوية بالله تعالى فيتمنون أن يلقوا الله عز وجل، فهذا واحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لما (قسم له النبي قسماً من الغنائم قال: ما هذا يا رسول الله! والله ما على هذا اتبعتك، قال: فعلى ماذا اتبعتني؟ قال: اتبعتك على أن أضرب هنا. وأشار إلى حلقه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن تصدق الله يصدقك) فقامت المعركة فدخل هذا الرجل في ساحة الوغى فأصيب بسهم في نفس الموضع الذي أشار إليه، رجل صادق مع نفسه ومع ربه ومع دينه ونبيه وشرعه، وهذا هو الصدق مع الله، قال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقال عليه الصلاة والسلام: (لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة) صبروا وصدقوا، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120]، أي: لا يضركم كيد الكافرين، فإن كيدهم لضعيف، وانظروا إلى هذه الحملة الصليبية الشعواء على إخواننا الموحدين في أفغانستان ماذا كان من ثمارها؟ كان من ثمارها لما قام المجاهدون الأبرار الصادقون بإرغام أنوف الصليبين واليهود في الوحل والطين منعوا الأخبار تماماً، فلا نكاد نسمع الآن خبراً لا ساراً ولا غير سار؛ لأن الإعلام بيد الغرب والعلمانيين الملاحدة، ولذلك ليس من مصلحتهم بث الأمل في قلوب الموحدين، لا أقل من أن ينتصر المسلمون في هذه المعركة الصليبية بإسلام ثلاثمائة ألف وستين ألف أمريكي في أمريكا، أي: ثلث مليون أسلموا في هذه الحرب بغير قتال، كما أسلم من المقاتلين الأمريكان مائة وأربعون ألفاً على أرض أفغانستان، فهذا هو دين الله عز وجل الذي كملت قوته في ذاته، إذ لا يستمد القوة من غيره، وإنما يستمدها من ذاته الداخلية، ولذلك لو علم الكفار بحقيقة الإسلام ومحاسن الإسلام وجمال الإسلام لدخلوا في الإسلام كافة، وهذا يدل على تقصير الدعاة إلى الله في الدعوة إلى الإسلام وإلى دين ربهم تبارك وتعالى، فلابد -وهو واجب عيني على أهل العلم وطلاب العلم وعامة الناس- أن يدعو إلى الله عز وجل في الأصول والفروع، إذ إن الدعوة في الأصول واجبة على الناس كافة، والدعوة إلى الفروع ودقائق المسائل واجبة على أهل العلم من علماء وطلاب، وعليه فلابد أن نقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو السبيل لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى رحمة الإسلام وسعة الإسلام، أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي الشيشان وفي بورما وفي كشمير وفي الهند وفي فلسطين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم أمدهم بمدد من عندك، وأنزل عليهم جنداً من جندك، اللهم ثبتهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم ثبتهم وانصرهم على عدوهم، اللهم ثبتهم وانصرهم على عدوهم.

    اللهم اجعل أرض الإسلام مقبرة للطغاة الغزاة، اللهم اجعل أرض الإسلام مقبرة للطغاة الغزاة، اللهم اجعل أرض الإسلام مقبرة للطغاة الغزاة، اللهم رد الكفر على أهله، اللهم رد الكفر على أهله، اللهم أظهر دينك، اللهم أظهر دينك، وائذن لشرعك أن يسود، وائذن لسنة نبيك أن تحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.