إسلام ويب

شرح كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر كتاب الجواب الكافي لابن قيم الجوزية من أعظم الكتب في وصف الداء والدواء، وهو رسالة مستقلة عبارة عن جواب سؤال، بين فيه أن لكل داء دواء، وأن من أعظم الأدوية كتاب الله عز وجل، إذ هو شفاء كله، كما بين فيه أسباب تخلف الشفاء، وأسباب تخلف أثر الدعاء، والآفات المانعة من أثر الدعاء.

    1.   

    نص الاستفتاء ودلالة صيغته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر المعروف بـابن القيم الجوزية رضي الله عنه سؤالاً قال فيه سائله: [ ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريقة، فما يزداد إلا توقداً وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟

    فرحم الله من أعان مبتلىً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى ].

    يلحظ القارئ لهذا السؤال ما كان عليه السائل من أدب جم في التعامل مع أهل العلم، فقد خاطبه وناقشه بلفظ السيادة والقيادة، فقدم قبل أن يسأل ما أوجب الله تعالى عليه من تبجيل واحترام لهذا العلم، ثم سأل سؤالاً، ثم ختمه بالدعاء له بالأجر والمثوبة والرحمة، وبين أن طريق من أراد الله له الهداية أنه إذا حزبه أمر من الأمور هرع إلى أهل العلم، فعندهم دائماً الأمان، وعندهم الهداية والنور، كما أن عندهم راحة القلوب بما أودعهم الله تعالى بعض خزائن العلم.

    والعلم المطلق هو لله عز وجل، ومن بعد الله تعالى من الخلق أعلم الخلق هم الأنبياء والمرسلون، وهم مع هذا قليلو العلم بالنسبة إلى علم الله عز وجل، والمخاطب أولاً بقول الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الخلق على الإطلاق، ومع هذا لم يؤت من العلم إلا قليلاً، فإذا كان علم النبي قليلاً؛ فما بالكم بعلم الله عز وجل الذي أحاط بكل شيء علماً؟!

    قال: فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي المسلمين شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم الجوزية فقال: [ الحمد لله ]، وهذا من أشد الاستحباب، بأن يجيب السائل بالحمد لله أولاً، والصلاة والسلام على رسول الله ثانياً، ثم يحمد الله تعالى في آخر جوابه، ويصلي ويسلم على نبيه عليه الصلاة والسلام.

    قال: [ أما بعد ] و(أما بعد) وردت في روايات كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان إذا أرسل رسالة إلى ملك من الملوك، أو تكلم في قضية من القضايا، أو خطب في أصحابه، وقدم بمقدمة يمدح الله تعالى فيها، ويثني عليه ويمجده بما هو أهله، قال: أما بعد، ثم يدخل في الموضوع، ولذا فكلمة (أما بعد) فاصلة بين المقدمة والغرض، أي: فاصلة بين المقدمة التي فيها الحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم الإتيان بـ(أما بعد) وكأنه يقول: فهذا أوان الشروع في المقصود.

    1.   

    ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء

    قال رحمه الله تعالى: [ فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً) ]. فكل الأدواء لها دواء إلا دائين اثنين لا دواء لهما:

    الأول: الهرم، أي: كبر السن والشيخوخة.

    الثاني: الموت.

    فهذان قد وردت السنة في أنهما لا دواء لهما البتة، فمن أدركه شيء من ذلك فلا يحاول دفعه أبداً؛ لأنه مهما حاول سيفشل في ذلك، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام، قالوا: وما السام يا رسول الله؟ قال: الموت)، فبين عليه الصلاة والسلام عظمة هذا النبات، وأنه شفاء من كل داء إلا داءً واحداً، ثم بين أنه الموت؛ إذ لا ينفع معه علاج كيماوي ولا عشب نباتي، بل لا يصلح معه أي محاولة؛ لأنه واقع بساحة كل مخلوق لا محالة.

    قوله: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً) تشعر بأن هذا الداء نازل من السماء، وكذلك الشفاء، كما يفيد بأن الذي خلق الداء هو الله عز وجل، والذي خلق الشفاء هو الله عز وجل، وعليه فنفهم من هذا أن الله تعالى خالق للخير والشر، وليس في خلق الله تعالى للشر أي منقصة في جانب الألوهية ولا في جانب الربوبية، فالشر المحض ليس من أفعال الله عز وجل، بل الشر يحمل بين طياته الخير، فلو قلنا في هذا الباب: إن الداء كالمرض أو المصيبة أو الموت أو غير ذلك إذا نزل بالعبد هو شر، فهل كل هذه فيها خير؟ نعم، فالمرض فيه خير، ومن خيره: أنك تعلم قيمة الصحة والعافية، فتشكر الله تعالى على ما من عليك من الصحة والعافية، وكذلك يكفر الذنوب، فإن لم يكن ذنب -ولا إخالك هكذا- فإنه يرفع الدرجات، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة - أي: قوة - زيد له في البلاء حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).

    فمن رحمة الله عز وجل أن يبتلي عبده بالأمراض والأوجاع والأسقام خاصة في آخر حياته وقبل موته حتى يطهره من الذنوب جميعاً، فإذا قبضه إليه قبضه نقياً صافياً.

    قال رحمه الله: [ وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل داء دواء -وهذا لفظ جامع كما في الحديث الأول- فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله) ]. أي: أنه لابد من إصابة الدواء للداء، وإلا فلا يكون هناك موافقة ولا مطابقة بين الداء والدواء، كما لو أنك ذهبت إلى طبيب فأخبرته بما تعاني من آلام، فوصف لك علاجاً لا يتناسب مع هذا الداء، فإنه مهما تعاطيت من هذا الدواء فإنه لا يوافق الداء، فكيف يبرأ الداء إذاً؟ والعلاج سبب، لكن هذا السبب لم يوافق محل الداء، أو أن الطبيب وصف لك دواءً مناسباً للداء، ثم بين لك طريقة تعاطي هذا الدواء، لكنك قصرت في ذلك إما سلباً وإما إيجاباً، ومعنى ذلك: أن الطبيب وصف لك دواءً بقدر معين، كأن تأخذه ثلاث مرات كل يوم، فأخذته مرة واحدة، وكذلك لو وصف لك الدواء لتتعاطاه شهراً كاملاً على نحو معين، ثم ما تعاطيته إلا يوماً أو يومين، فلا شك أن هذا الدواء لا يمكن أن يقاوم هذا المرض، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بأنه لم يصادف محله، فكيف يصلح هذا الدواء لمعالجة ذاك الداء؟ لا بد أنه سيضعف عن مقاومة هذا الفيروس أو هذا المرض، وبالتالي لا يؤثر فيه.

    وهب أن رجلاً آخر على النقيض من ذلك، فلو وصف له الطبيب دواءً معيناً وقال: هذا الدواء تأخذه على مدار أسبوع، فرفعه إلى فيه وأخذه جرعة واحدة، فربما أصيب بالسم فهلك؛ لأنه خالف الطبيب، ولذلك أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أعطه عسلاً، فذهب وأمر أخاه أن يتناول العسل فما برئ، ثم قال: يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أعطه عسلاً ثلاث مرات، ثم أتى وقال: يا رسول الله! ما برئ، قال: صدق الله وكذبت بطن أخيك)، أي: صدق الله الذي قال: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل:69]، وكذبت بطن أخيك، وهذا الكذب كذب عملي؛ لأن الرجل لم يتناول الجرعة المناسبة للداء، لا أن العسل ليس فيه شفاء، وإنما القدر اللازم من تناول العسل لم يكتمل، فلذلك ضعفت الكمية المتعاطاة عن مقاومة الداء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله، ولم يقل: برئ، للدلالة على أن الشافي هو الله عز وجل، وأن الدواء هذا ما هو إلا سبب، وربما تناول المرء الدواء بطريقة لائقة وبكمية لائقة، ولكن الله تعالى ما أراد له الشفاء، فالشافي أولاً وآخراً هو الله عز وجل، والدواء سبب وربما يتخلف، ولذلك حرم الشرع على العبد أن يعتقد أن الشفاء بغير يد الله عز وجل، وجعله باباً من أبواب الشرك، والعلماء دائماً يقولون: الاعتماد على الأسباب شرك بالله عز وجل، وترك الأسباب قدح في التوحيد؛ لأن من توحيد الله عز وجل: أن تتعاطى تلك الأدوية التي أمرك بها.

    قال رحمه الله تعالى: [ وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علمه من علمه، وجهله من جهله) ]. فليس بلازم أن يعلم كل طبيب دواء الداء، كما أنه ليس بلازم أن يعلم الخلق جميعاً دواءً للداء، فربما أخفى الله تعالى الدواء على جميع الخلق لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.

    وهناك أمراض إلى لحظتنا هذه حار فيها الأطباء والصيادلة، ووصلوا إلى أنه ليس هناك دواء أرضي يعلمونه لمعالجة هذا الداء، لكن لا بد لنا أن نعتقد أن هذا الداء له دواء، لكن لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    قال رحمه الله: [ وفي لفظ: (إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داءً واحداً، قالوا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: الهرم)، قال الترمذي : حديث صحيح. وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها ]؛ لأن كثيراً من الناس ربما تصور أن البدن فقط هو الذي يصاب بالأدواء، بل أدواء القلب والروح أعظم بكثير جداً من أدواء البدن، ولأن يبتلى المرء في بدنه خير من أن يبتلى في قلبه أو في روحه، كأن يبتلى في قلبه بالغل والحسد والحقد والضغينة والبغض للموحدين أو المؤمنين، أو يبتلى بالنفاق والرياء، فلأن تنزل به الأدواء والأوجاع والأسقام في بدنه خير من أن يبتلى بشيء من هذا في قلبه أو روحه.

    1.   

    الجهل داء وشفاؤه السؤال

    وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهل داءً، وجعل علاجه العلم والسؤال؛ لأنه المعاكس له، بل إن أعظم داء أن يعيش المرء ويرضى ويخضع بأن يعيش حياة الجهل والجهالة طيلة حياته ولا يتعلم، وقد أوجب الله تعالى على الجاهل أن يسأل، وأوجب على العالم بأن يجيب، فقال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، وأهل الذكر هم أهل العلم.

    وقوله: إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، أي: إن كنتم تجهلون، فهذه الآية فيها أمران: الأمر الأول للجاهل بأن يسأل، والأمر الثاني للعالم بأن يجيب، وهذه سنة الله تعالى في الخلق وفي الكون، وقد جرى عليها خلقه منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى قيام الساعة، أن الجاهل دائماً يعلم أن حاجته وأن ملاذه عند العالم إذا ما حزبه أمر.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء، فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه) ]، أي: جرح في رأسه.

    قال: (ثم احتلم) أي: أصابته الجنابة في ليله أو في نومه.

    قال: (فسأل أصحابه) وهنا تشعر بأهمية طرح المسألة على العالم، فهذا الرجل رغم ما أصابه فإنه مأمور بأن يسأل أهل العلم.

    قال: (فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟) أي: هل إذا تيممت خرجت مما أنا فيه؟

    قال: (قالوا: ما نجد لك رخصة)، أي: ليس لك رخصة.

    قالوا: (وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات)، أي: ما دمت تجد الماء فيجب عليك الغسل، وهذا الذي يعرفه العامة من أنه إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذا الكلام وإن كان صحيحاً لكنه ناقص؛ لأن التيمم يجب عند فقد الماء كما يجب عند وجود الماء، كأن لا يقدر على استعماله، بأن يكون بينه وبين الماء عدو يخافه، فحينئذ جاز له التيمم، ومثله المحبوسون في السجن، فكثيراً ما يمنع عنهم الطعام والشراب والماء، ولو كان الهواء بأيديهم لمنعوه، ولكنها رحمة الله تعالى، وكذلك الرجل المريض يؤذيه استعمال الماء، ففي هذه الحالة يلزمه التيمم، وهذا الذي لا يعرفه كثير من الناس.

    إذاً: التيمم واجب عند فقد الماء، أو عند وجود الماء وعدم القدرة على استعماله أي: عند عدم القدرة الحسية والمعنوية.

    قال: (قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. قال جابر : فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله) أي: تسببوا في قتله، ثم دعا عليهم عليه الصلاة والسلام، إذ قالوا على الله تعالى بغير علم، فكان ذلك سبباً في قتل صاحبهم، ولكن هذا القتل لا يقاد به القاتل؛ لحسن نيته وعمله بما يعلم.

    (فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟) وهنا موطن الشاهد، أي: هلا سألوا إذ لم يعلموا، ثم قال: (إنما شفاء العي السؤال) والعي هو: الجهل، والعيي: هو الجاهل الذي لا يقدر أن يفصح عن مكنون نفسه، يقال: فلان عيي، أي: لا قدرة له على الكلام والإفصاح.

    وقوله: (فإنما شفاء العي السؤال)، أي: إنما دواء الجاهل أن يسأل.

    ثم قال: (إنما كان يكفيه)، وهذه الزيادة محل نظر عند أهل العلم، قال: (أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)، وهذا باب آخر من أبواب الطهارة يورده العلماء تحت باب المسح على الجبيرة، فلو أن إنساناً كسر أو شج فربط على كسره بخرقة، ثم أصابته جنابة، وأراد يصلي فماذا عليه؟ قال بعضهم: إنما يكفيه التيمم. وقال بعضهم: يغسل سائر أعضائه ويمسح على الجبيرة، وهذا أشهر الآراء عند العامة.

    أما المذهب الراجح في هذه المسألة بغير تفصيل فهو الجمع بين التيمم والوضوء، أي: يتيمم من ربط الجبيرة على ذراعه، ثم يغسل سائر أعضائه ويمسح على الجبيرة، وهذا جمع بين المذهبين الأولين.

    1.   

    القرآن شفاء

    قال رحمه الله: [ فأخبر أن الجهل داء، وأن الشفاء هو السؤال.

    وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء، فقال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44] ] أما الذين كفروا به، أو شكوا فيه وارتابوا فكيف ينفعهم حينئذ؟ ولذلك لا يصلح القرآن قط أن يكون محلاً للتجارب، فبعض الناس يقول: أنتم جربتم كل المناهج الأرضية والقوانين السفلية فجربوا القرآن الكريم، وهذا كلام في غاية الخطورة، لذا لابد أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا حل إلا في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن هذا المنهج هو وحده المنهج الذي يحمل بين طياته وبين صفحاته الهداية للعالمين: عالم الإنس وعالم الجن.

    قال: [ وقال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] ]، و(من) ههنا لا تفيد التبعيض، وإنما تفيد الجزم، وكأن تقدير الآية: وننزل القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين. أما أن يعتقد أن بعض القرآن شفاء وبعض القرآن هدىً وبعض القرآن رحمة وما دون ذلك من القرآن ليس فيه شفاء ولا هدىً ورحمة فهذا لم يرده الله عز وجل من العباد، ولا أراده من كلامه هذا: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، أي: القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين، ولذلك يحلو لي أن أقول: إن بعض أهل اللغة يقولون بالحروف الزائدة في القرآن الكريم، وإن كان يترجح لدي أنه ليس هناك حرف زائد في القرآن، وإنما زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فكيف ذلك؟ كما لو قلت: ما جاءنا من بشير، التقدير: ما جاءنا بشير، لكن هناك فرق بين الأمرين:

    الأول: قوله: (ما جاءنا بشير) ينفي أن يكون قد أتاه بشير، لكن ربما أتاه بشيران أو ثلاثة أو أربعة، فالنفي للمذكور فحسب.

    الثاني: قوله: (ما جاءنا من بشير) نفي لجنس البشير، أي: ما أتانا بشير قط، لا واحد ولا أكثر منه، وهذا ما لا يفيده الأول، هنا قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ [الإسراء:82] تأكيد؛ لأن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين الذين آمنوا به.

    وكذلك يحلو لي أيضاً أن أنبه إلى أن كثيراً من الذين أصيبوا بداء الوسوسة، أو بداء السحر ومس الشياطين لا علاج لهم إلا في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لابد أن يكون الفاعل -أي: المعالج- صاحب همة عالية، كما أن المريض لابد أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الشفاء بكتاب الله، لكن لو أن الفاعل لا همة له؛ فإنه لا يكون له تأثير في العلاج، وكذلك المعالج -المريض- إذا لم يكن يؤمن بهذا الكتاب إيماناً جازماً، واعتقاداً قلبياً وعملاً بالجوارح؛ فإنه لا ينفعه العلاج، ليس لعلة في كتاب الله تعالى -معاذ الله- وإنما لعلة في الفاعل أو في المفعول به، أي: في المعالج.

    1.   

    الرقية بالفاتحة

    قال رحمه الله: [ وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها)، والنفر هم: الجماعة من الناس، أو الرهط من الناس، ويكونون من الثلاثة إلى العشرة.

    قال: (حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم)، أي: أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أرادوا أن ينزلوا في ضيافة هذا الحي من أحياء العرب، قال: (فأبوا أن يضيفوهم)، أي: رفضوا ضيافتهم، قال: (فلدغ سيد ذلك الحي)، أي: لدغته عقرب، قال: (فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء)، أي: طلبوا له العلاج بكل سبيل فما أفلحوا.

    قال: (فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا)، أي: الذين نزلوا في ضيافتكم أو قريباً منكم قال: (لعله أن يكون عند بعضهم شيء)، أي: شيء من العلاج.

    قال: (فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط! إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي)، أي: أنا أستطيع أن أستخدم الرقية، ولا علاج لسيدكم إلا هذا.

    قال: (ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لي جعلاً)، أي: تجعلوا لي حظاً ونصيباً.

    قال: (فصالحوهم على قطيع من الغنم)، أي: اتفقوا معهم على أنه لو برئ أخذوا منهم قطيعاً من الغنم.

    قال: (فانطلق يتفل عليه)، أي: يتفل على ذلك السيد الذي لدغ، والتفل هو النفخ الذي معه شيء يسير جداً من الريق.

    قال: (ويقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، أي: ليست هذه الآية فحسب، بل يقرأ بفاتحة الكتاب كلها.

    قال: (فكأنما نشط من عقال)، أي: كأن هذا السيد محبوس ومربوط ومقيد من قدمه في حال مرضه، فلما قرئت عليه الفاتحة انطلق يمشي، وهذا كناية عن ذهاب الداء تماماً والبرء إلى أكمل حد.

    قال: (فانطلق يمشي وما به قلبة)، أي: وما به علة ولا آفة.

    قال: (فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه)، أي: أعطوهم القطيع من الغنم.

    قال: (فقال بعضهم: اقتسموا)، أي: دعونا نوزع الغنائم هذا المال.

    قال: (فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان)، وهذا أدب جم، أي: الرجوع إلى الإمام والعالم دائماً ليفتي في هذه المسائل.

    قال: (فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟)، وكأن النبي استعجب جداً أن يلهم أحد أصحابه أن الفاتحة رقية، مع علمه عليه الصلاة والسلام، بأنها رقية، وإنما علم صاحبه أنها رقية لأنها من القرآن، بل هي أم الكتاب، وإذا كان الكتاب والقرآن فيه شفاء وهدىً ورحمة للمؤمنين فهذا يدل على أن الفاتحة من باب أولى.

    وبعض القرآن أعظم من بعض، وكلام الله عز وجل كله عظيم، لكن بعضه أعظم من بعض، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بن كعب أبي المنذر : (يا أبا المنذر ! أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟)، وهذه دلالة واضحة على أن بعض القرآن أعظم من بعض.

    قال: (فقلت: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] إلى آخر آية الكرسي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ليهنك العلم أبا المنذر)، أي: هنيئاً لك العلم، قد أصبت جواباً على السؤال، وأعظم سورة في القرآن على الإطلاق: سورة الإخلاص، لأن كل جزئياتها احتوت على توحيد الله عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، فهي أعظم سورة تكلمت عن ذات الله تعالى، وعن أوصاف الله تعالى، وعن أسماء الله تعالى.

    قال: ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (قد أصبتم)، أي: أحسنتم أنكم رقيتم بالقرآن وبفاتحة الكتاب.

    قال: (اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً)، فانظر إلى هذه المشاركة النبوية في أسهم العلاج، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشارك، وإنما قال: (اضربوا لي معكم بسهم) من باب المشاركة الوجدانية للدلالة على صحة العمل، وأنه لا شبهة فيه.

    وفي الحديث فائدة عظيمة جداً، وهي: جواز أخذ الأجرة على القرآن، وجواز أخذ الأجرة في التداوي والتطبيب، وجواز أخذ الأجرة في التعليم والتعلم، وكل ذلك جائز بلا خلاف بين أهل العلم، ولذلك: (أتت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله! وهبت لك نفسي، فأعرض عنها، فأعادت عليه ثلاث مرات، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: أمعك شيء تطلبها؟)، أي: تعطيها صداقاً قال: (قال: لا. قال: إذاً فالتمس شيئاً، فذهب فلم يجد شيئاً، قال: فالتمس ولو خاتماً من حديد، فذهب فلم يجد خاتماً من حديد، فقال: يا رسول الله! ما وجدت شيئاً. قال: أمعك شيء من القرآن؟ قال: نعم، معي سورة كذا وكذا، قال: زوجتكها بما معك من القرآن)، فجعل تعليم المرأة سورة أو سورتين من القرآن الكريم صداقاً ومهراً لها، وفي هذا أيضاً: جواز أخذ الأجر على القرآن الكريم، لكن إذا كان المعلم غنياً عن الأخذ فيستحب له ألا يؤخذ، فإن أخذ فلا إثم عليه ولا حرج، لكن الأولى ترك ذلك خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بالتعليم الشرعي، كتعليم القرآن أو السنة، وإن كان المرء في حاجة إلى المقابل والأجر فهنيئاً له، وفي هذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، ليشجع العلم الشرعي، ويشجع تعليمه وتعلمه والطلب عليه، وقس على القرآن الكريم العلوم الشرعية كلها، بل وغير الشرعية التي تخدم الشرع ولا تتعارض معه.

    أما إذا كان في غنى عن الأجر فالأولى أن يحتسب بهذا التعليم وجه الله عز وجل، مع أنه لا بأس أن يجمع المرء في نيته بين الأجر وبين الحسبة.

    قال: [ فقد أثر هذا الدواء في هذا الداء -أي: رقى الراقي اللديغ بفاتحة الكتاب، فلما وافقت الرقية المرقي برأ بإذن الله تعالى -وأزاله حتى كأنه لم يكن، وهو أسهل دواء وأيسره -الرقية بالقرآن الكريم- ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيراً عجيباً في الشفاء.

    ومكثت بمكة مدة من الزمان يعتريني أدواء ]، أي: تصيبني علل وآفات.

    قال: [ولا أجد طبيباً ولا دواء]، وهذا يدل على فقدان مكة في زمن ابن القيم من أي نوع من أنواع الحضارة التي تحياها الأمة اليوم.

    قال: [ فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيراً عجيباً، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، فكان كثير منهم يبرأ سريعاً ]، فلو أن رجلاً الآن حل محل ابن القيم ، وكلما مر على معلول أو مريض أمره أو نصحه بأن يتطبب بالقرآن الكريم أو بالفاتحة أو بآية الكرسي أو بالإخلاص والمعوذتين لدعاه الناس مجنوناً؛ لأن الحضارة اليوم تقول: كذا وكذا، فكيف يرجع بنا هذا إلى العصر الأول؟! وابن القيم لم يفعل ذلك إلا لخلو مكة من الأدوية والأطباء، مع أنه كان سيد الأطباء في زمانه، وله كتاب ضمن زاد المعاد -المجلد الثالث- اسمه (الطب النبوي) أي: الذي وصفه القرآن والسنة، وهذا الكتاب كان نبراساً لكل طبيب صنف في الطب، وكل طبيب مارس الطب.

    1.   

    شروط تحقق الشفاء

    قال رحمه الله: [ ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له ]، أي: إذا كنا نقول: إن العلاج بالقرآن هو أفضل العلاج وأحسن التداوي؛ فلا بد أن يتفطن المعالج -بكسر اللام الأولى- والمعالج -بفتح اللام الثانية- إلى أمور عدة.

    قال: [ وهو أن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية ]؛ لأنها كلام الله عز وجل، وهذا أول شرط، أي: أن نعتقد اعتقاداً جازماً بأن كلام الله تعالى كله شفاء.

    قال: [ ولكن تستدعي قبول المحل ]، وهذا هو الشرط الثاني، فإذا كنا نعتقد أن هذا الدواء الذي وصفه الطبيب هو في ذاته بإذن الله تعالى شفاء، أو هو سبب قوي للشفاء، فلابد أن يتناسب مع المحل، أي: مع العلة أو المرض أو بدن المعلول، حتى يكون هناك توافق وتطابق وتناسب بين الداء والدواء.

    قال: [ وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء ]، فلو أن إنساناً أصيب بحمى، وعلاج الحمى موجود عند أي طبيب، فيصف كيت وكيت من الدواء، وهذا شيء محفوظ ومتفق عليه، ثم أخذه هذا المعلول، لكنه لم ينفع معه؛ لعدم قبول طبيعة هذا المنفعل أو هذا المعلول لذلك الدواء، لذا كان انتفاع البدن بحسب ذلك القبول، ولو أنك قلت لرجل مسحور أو ملبوس أو أصابه جان: يا فلان! أنت عندك من المعاصي كيت وكيت، أتصلي؟ يقول: أنا لا أصلي، كيف لا تصلي؟! إذاً لا ينفع معك العلاج إلا إذا كنت مؤمناً بالله وملتزماً أحكامه وشرعه، فيقول: يكفي، لا أريده.

    وآخر يقول: على أية حال أنا رحت إلى أكثر من مائة طبيب وكلهم قالوا لي: أنت ما عندك شيء، لا علة محسوسة ولا غيرها، وإنما اذهب إلى من يعالجونك بالقرآن. لذا لابد أن يكون عنده اعتقاد جازم بأن هذا القرآن ينفع، لا أن يجرب فقط.

    قال: [ فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول ] فإذا كان القبول في كتاب الله تعالى (100%) نفع معه (100%)، وإذا كان أقل من ذلك -تسعين ثمانين سبعين خمسين صفراً- كان الانتفاع بالقرآن على قدر القبول.

    وعليه فالعلة ليست في كتاب الله، وإنما هي في المنتفع بكتاب الله على حسب اعتقاده في كلام الله تعالى، قال: [ وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء برئ المريض بإذن الله تعالى ]، أي: إذا كان القبول قبولاً جيداً، ووافق الداء الدواء، وكان للمعالج -بكسر اللام الثالثة- نفس فعالة وقوة تأثيرية كبيرة، وكل هذه تدل على التناسب العظيم بين الداء والدواء، فلابد أن يبرأ بإذن الله تعالى، لأن النبي يقول: (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله)، وهنا إصابة من كل وجه، فلا بد أن يقع الشفاء بإذن الله تعالى.

    1.   

    أسباب تخلف أثر الدعاء

    وكذلك من الأدوية التي جعلها الله عز وجل علاجاً لكثير من الأدواء: الدعاء، قال: [ وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره -تدعو فلا يستجاب لك- إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان ]، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، فيقول مثلاً: اللهم أهلك والدي! ثم لم يهلك الوالد، وعاش مدة من الزمان، فيقول: قد دعوت الله فلم يستجب لي؛ لأنه دعاء لا يحبه الله ولا يرضاه، بل ثبت عن النبي عليه السلام أنه قال: (دعوة الوالد على ولده لا ترد) .

    وفي رواية: (دعوة الوالد لولده لا ترد)، أما الولد إذا دعا على أبيه فهذا من الإثم والعدوان.

    قال: [ وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً ].

    أي: إن أتيت بقوس، ووضعت فيه السهم، فلابد أن يكون القوس مشدوداً على آخره حتى يصيب السهم الهدف، فإن كان القوس رخواً فلابد أن يخرج السهم رخواً، وبالتالي لا يصيب الهدف، مع أن السهم قد انطلق، لكن ليس الانطلاق المطلوب، وإنما أقل من المطلوب، وكذلك إذا كان القلب مشغولاً لاهياً عن الله عز وجل، أو كان الداعي غافلاً عن مطلوبه وعن حاجته التي يدعو الله بأن يقضيها له، فكيف يستجيب الله تعالى له؟!

    قال رحمه الله: مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما عند الحاكم والترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)، أي: ادعوا الله وأنتم على يقين بأن الله تعالى يقبل دعاءكم، (واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلب غافل لاه).

    وربما ذهب المرء إمعاناً في غفلته يدعو لنفسه فيدعو على نفسه؛ لأنه لا يفكر بدعائه، بل يقوله مجرد كلام محفوظ، ولو سألته: بم دعوت؟ وكيف دعوت؟ فربما لا يذكر أنه دعا، أو يقول: أنا دعوت، ولكني لا أذكر ماذا قلت؛ لأنه كان في غفلة، أما الذي جمع قلبه على الله عز وجل، وأيقن بدعائه ودعواته علم كيف دعا الله؟ وبماذا دعا الله عز وجل؟

    أما القلب الغافل الساهي اللاهي عن الله عز وجل، وعن طلبه لله تعالى بأن يرفع عنه الضر، ويكشف عنه الغم، فهذا جدير بألا يقبل له دعاء.

    قال رحمه الله: [ فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته.

    وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال النبي عليه السلام: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ]، أما الخبيث الذي يريد أن يتصدق به المرء فإن الله لا يقبله، كمن يسرق ليتصدق، وهو غني عن هذا، وحري أن يلزم طاعة ربه، والله تعالى غني عن صدقته.

    وهذا قد عمل بقاعدة لا علم لأهل الإسلام بها، وهي: أن الغايات تبرر الوسائل. وهذه القاعدة تناقض أصولاً شرعية كثيرة، لذا لابد أن يكون الغرض مشروعاً، وكذلك الوسيلة مشروعة، فشرعية الوسيلة لا تقل أهمية عن شرعية الغرض، ولا بد أن يكون كل منهما مشروعاً، وإلا فلا يقبله الله عز وجل.

    قال: [ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ]، أي: أن المؤمن مطالب بما طولب به الأنبياء والمرسلون.

    قال: [ (فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51])، وقال الله تعالى للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172] ] هناك فرق عظيم جداً بين الآيتين، والقدر المشترك بين المرسلين وبين المؤمنين: أن كلاً منهما مطالب بألا يأكل إلا طيباً، وألا يأكل إلا حلالاً، لكن المرسلين مطالبون بأن يأكلوا من أطيب الطيب، ولذلك عرفت كلمة (طيبات) بـ(أل) المعرفة، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون:51] ولم يقل: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فكأن الألف واللام للعهد، أي: كلوا أيها الرسل من الطيبات التي تعلمون أنها الطيبات المعنية في الآية.

    ثم وسع دائرة الطيبات للمؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ولم يقل: كلوا من الطيبات اللاتي رزقناكم، وإنما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ [البقرة:172]، فالطيبات نكرة في سياق الإثبات تفيد العموم، أي: عموم الطيبات حلال لنا، أما بالنسبة للأنبياء فإنهم يتورعون عن بعض الطيبات، أو عن كثير من الطيبات، ولا ينتقون في طعامهم وشرابهم إلا أطيب الطيب، فهذا هو الفارق بيننا وبين الأنبياء.

    قال: [ (ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب) ]، قوله: (أشعث أغبر) لإنهاكه وتعبه من طول ومشقة السفر، وأغبر أي: عليه الغبار، للدلالة على آثار السفر التي حلت به، ومع ذلك يدعو فيرفع يديه، لكن (ومطعمه حرام، ومشربه حرام)، أي: يأكل من الحرام، قال: (وملبسه حرام، وغذي بالحرام) أي: تغذى بالحرام. قال: (فأنى يستجاب لذلك؟!)، أي: فكيف يستجاب لمن كان مطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، وكأن هذه موانع من استجابة الدعاء، فالذي يأكل حراماً أو يشرب حراماً أو يلبس حراماً مهما دعا الله، فإنه يحول بينه وبين قبول الدعاء ما كان عليه من مطعم حرام وملبس حرام وغذاء حرام.

    قال: [ وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجاً، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة -تخرجون تدعون الله تعالى في الخلاء، لكن أبدانكم نجسة- وترفعون إلي أكفاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم - أي: حين تخرجون لدعائي - ولن تزدادوا مني إلا بعداً ] هذا حال اليهود في كل زمان ومكان.

    1.   

    مقامات الدعاء مع البلاء

    قال: [ والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.

    وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في مستدركه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض) ]، هذا الحديث لا يصح البتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو حديث موضوع.

    قال رحمه الله: [ وله مع البلاء ثلاث مقامات ]، أي: كيف يتعامل الدعاء مع البلاء، أو كيف يتأثر البلاء بالدعاء، قال: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه ]، أي: أن يكون الدعاء قد استجمع أسبابه ومقومات نجاحه، والبلاء يسير ضعيف، فحينئذ إذا دعا المرء ربه بحرارة، وحضور قلب، وترك غفلة، وأكل الطيب في مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه، فحينئذ ويرفع الداء بإذن الله تعالى، فكان نزول هذا البلاء بقدر ودعاء هذا العبد بقدر، فينزل البلاء بقدر ويرفعه الله تعالى بقدر، ويجعل سبب القدر حينئذ دعاءك.

    قال: [ الثاني: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً ]. يعني: أن الدعاء وإن كان ضعيفاً، لكن ربما يكون له بعض التأثير في البلاء، بأن يجعله بلاءً خفيفاً.

    قال: [ الثالث: أن يتقاوما ]، أي: يحصل هناك معالجة وتعالج وتدافع وحرب بين الدعاء والبلاء، قال: [ ويمنع كل واحد منهما صاحبه ].

    وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يغني حذر من قدر) ] فالحذر من قدر الله، والبلاء من قدر الله، فكل بقدر، لكن إذا جاء القدر كما قال ابن عباس : عمي البصر، فإذا أراد الله تعالى إنفاذ البلاء في عبده أعماه حتى عن الدعاء، وذلك في علم الله الأزلي السابق، فحينئذ ينزل البلاء فيركب بدن العبد.

    قال: (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فليقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة) ] أي: يتنازعان في السماء إلى يوم القيامة.

    قال: [ وفيه أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء) ]، لأنه علاج نافع.

    قال: [ وفيه أيضاً من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء) ].

    وفي رواية: (لا يرد القضاء إلا الدعاء). قال: [ (ولا يزيد في العمر إلا البر) ] وقد تكلمنا من قبل عن زيادة العمر كيف هي؟

    قال: [ (وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) ]، (الرجل) هنا لا مفهوم له، بدليل أن المرأة كذلك يشملها الخطاب، لكن هذا من باب التغليب، ويستفاد من ذلك: أن الذنوب ماحية لبركة الأعمال والأقوال والأرزاق والأحوال، وربما تكون مانعة أصلاً للأرزاق.

    1.   

    أهمية الإلحاح في الدعاء

    قال: [ ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء، وقد روى ابن ماجة والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يسأل الله يغضب عليه) ]. قال الشاعر:

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

    وقال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    قوله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] فهذا أمر من الله بالدعاء، ووعد من الله بالإجابة، فهنيئاً لمن استجاب لهذا الأمر، وهنيئاً لمن أجابه الله تعالى لطاعته.

    ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60]، بإجماع المفسرين أن العبادة هنا بمعنى: الدعاء، وكأن معنى الآية: إن الذين يستكبرون عن دعائي.

    قوله: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، أي: صاغرين محتقرين ضعفاء كالذر، كما أخرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، والحديث صحيح.

    قال: [ وعند الحاكم -بسند ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً- من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد) وأكثر منه وضعاً ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الملحين في الدعاء).

    وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق : ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.

    1.   

    الآفات المانعة من أثر الدعاء

    ومن الآفات كذلك التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً، أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله! ] فالذي يبذر بذراً لا بد أن ينتظر مدة من الزمن كافية لإثمار هذا البذر، لكن لو بذر أرزاً أو قطناً أو قمحاً أو برسيماً وتعجل الثمرة في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين، فاستبطأ الثمر ثم لم يثمر شيئاً، ثم ترك الأرض، فإنه لابد أن يموت الزرع؛ لأنه لم يتعاهده، وكذلك المرء يدعو ثم يتعاهد الدعاء، فيدعو ولا يمل ولا يستحسر حتى يثمر الدعاء، والواحد منا لعرض من عرض الدنيا يصبر ربع عمره أو أكثر من ذلك حتى ينال -مثلاً- شهادة من شهادات الدنيا، مشروعة أو غير مشروعة، ولكنه -الشاهد- يصبر على هذه الشهادة، ولذلك كثيراً ما نضرب مثلاً باستعجال طلبة العلم الشرعي على فهم الكتاب والسنة، فيذهبون للدرس أسبوعاً أو أسبوعين، شهراً أو شهرين، عاماً أو عامين، ثم هو يشعر بأنه لم يفهم شيئاً، فيدع طلب العلم الذي هو أشرف مطلوب على الإطلاق ولا شبهة فيه البتة، لذا فمن أراد أن يعمل عملاً لا شبهة فيه، أو يسلك مسلكاً لا شر فيه فعليه بتعلم أحكام الكتاب والسنة، وأن ينخرط في سلك الطلب ويصبر عليه، وأعظم عدة يتسلح بها الطالب الصبر، فما باله يستعجل الثمرة بعد عام أو عامين؟! وإذا سألته: ما هي الشهادة التي حصلت عليها؟ لقال لك مثلاً: التجارة أو الهندسة أو الصناعة أو الطب، ولو سئل: كم قضيت فيها من عمرك؟ فربما كان خمسة عشر عاماً أو عشرين عاماً أو بين ذلك، ولو سئل أيضاً: هل استعجلت الثمرة؟ لقال: لا، فهو منذ أن كان في الابتدائية وهو يمني نفسه أن يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو غير ذلك، فإذا قطع مشواراً أو عاماً أو مرحلة من مراحل تعليمه فرح بدخوله في مرحلة جديدة، وكل ذلك وهو صابر محتسب لأجل الحصول في نهاية ربع العمر أو نصف العمر على شهادة ربما لا ينتفع بها، وربما انتفع بها ونفع بها الآخرين، وليس هذا من باب ذم تلك الشهادات، وإنما نقول: الشاهد أنه صبر عليها، وأولى بالصبر تلك العلوم الشرعية التي فيها الهدى والنور، وهي المعنية أولاً بقوله عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، والمعنية أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، وغير ذلك مما ورد في فضل العلم.

    قال: [ وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل -أي: ما لم يستعجل الثمرة- يقول: دعوت، فلم يستجب لي) ] فحينئذ يستحسر ويدع الدعاء.

    قال: [ وعند مسلم من حديث أبي هريرة : (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء).

    وعند أحمد في المسند من حديث أنس قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قالوا: يا رسول الله! وكيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب) ] وما يدريك أن الله لم يستجب لك؟