إسلام ويب

شرح كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سؤال أهل العلم أمر مشروع توافرت النصوص الكريمة على بيان حكمه، غير أن له آداباً عظيمة أرشد إليها السلف رحمهم الله تعالى بأقوالهم وأعمالهم، ينبغي لكل سائل ومستفت أن يتأدب بها وأن يراعيها.

    1.   

    بيان الأسباب الباعثة على التأليف والتصنيف

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فموضوع درسنا هو بداية شرح كتاب: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) والذي يسميه العامة بـ: الداء والدواء.

    ودائماً لابد قبل وصف الدواء أن يحدد وأن يشخص الداء، وإلا فلا يكون العلاج أو الدواء مناسباً للداء، ولا يكون ناجحاً ولا ناجعاً حينئذ، والأئمة رضي الله عنهم قد سلكوا مسلكاً في التصنيف بعد السؤال، فكان الواحد منهم إذا سئل سؤالاً انبرى قلمه لإجابة السؤال في رسالة أو كتيب أو كتاب، وربما يكون الباعث على التأليف والتصنيف عموم البلوى، أي: بلوى تنزل فتعم المسلمين فيرى أنه من الواجب عليه -وقد هيئ لكشف هذه الغمة- أن يكتب فيها كتاباً ينور البصائر ويزيل الغمة، أو يذكر أسباب هذه الغمة، ثم يتكلم عن المخرج منها.

    وربما يكون السبب والباعث على التأليف والتصنيف: رد الجميل لذي النعمة والفضل، كإنسان أحسن إليه فأراد أن يكافئه.

    وربما يكون الباعث أيضاً: أن طلب منه ولا يسعه مخالفته، فينبري قلمه حينئذ لإجابة هذا الطالب، وغير ذلك من البواعث.

    وفي المقابل ربما يكون الباعث على التصنيف والتأليف: الرغبة في هدم الإسلام وخراب العقائد، ولذلك يكتب في دين الله الصالح والطالح، فنرى في عالم الكتب كتباً تكون عوناً لأبناء المسلمين على الثبات واليقين، وأحياناً نجد كتباً تهدم أصول الدين من صلاة وصيام وزكاة وحج، وكل على شاكلته، والطيور على أشكالها تقع، فترى أهل الإيمان مجتمعون، وترى أهل الشقاء كذلك مجتمعون، فهذا يجتمع على الخير، وذاك يجتمع على الشر، وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:4-10] فكل ميسر لما خلق له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذا ابن القيم رحمه الله تعالى واحد من أئمة العلم، وأئمة الهدى، وشيخ من شيوخ الإسلام، سئل سؤالاً عن القلوب وأحوالها، وعن التخلص من عللها، فما استطاع أن يجيب السائل مشافهة، وإنما أجابه في رسالة مستقلة، هذه الرسالة سماها: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، أي: في شفاء القلوب من أدرانها وعللها وأدوائها، وغير ذلك مما يعتريها، فشخص الداء أولاً -أي: داء القلوب- من الغل والحقد والحسد والضغينة وغير ذلك، ثم بدأ يعالج كل واحدة من هذه، ويذكر أسباب الداء أولاً، ثم يصف العلاج المناسب بها، وما تبعت الأمة علماءها فخاب سعيها قط؛ لأن العلماء هم شموس الإسلام، وأنوار الهداية للخلق جميعاً، وهم الذين يجب أن يحكموا العالم، وهم الذين يجب أن يقودوا الناس، ويأخذوهم بنواصيهم إلى الله عز وجل، وإلى بر الأمان، ولابد أن يكون الذي ينير الطريق، ويسلك بالناس في غياهب الظلمات أن يكون حاملاً للمشعل، وليس ذلك لأحد إلا لأهل العلم.

    1.   

    نص السؤال المجاب عنه في الجواب الكافي

    سئل ابن القيم عليه رحمة الله تعالى عن رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق -أي: أنه سلك كل طريق لدفع هذه المصيبة عنه- فما يزداد الأمر إلا توقداً وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟

    فرحم الله من أعان مبتلىً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى.

    هذا سؤال السائل، ولا شك أن الجواب كان أعظم من السؤال، إذ إن الجواب شمل الرد على السؤال وعلى غير السؤال مما يتعلق بالمسألة التي لأجلها سأل هذا السائل.

    1.   

    تأصيل مشروعية توجيه السؤال لأهل العلم بدلائل الكتاب والسنة

    لكن يحسن بنا قبل الدخول في أصل الكتاب، وفي رد الشيخ عن هذا السؤال، أن نبين أن هذا السائل إنما سلك سبيل السلف، كما كان الصحابة رضي الله عنهم عندما يتوجهون بالسؤال للنبي عليه الصلاة والسلام، وكما توجه المسلمون عامة بالسؤال، فأجابهم الله عز وجل بما يناسب المقام، ولذلك ورد في القرآن في أكثر من عشرة مواطن أن الله تعالى قال: (( يَسْأَلُونَكَ ))، يعني: يا محمد! يسألونك عن كيت وكيت وكيت وكيت، فالجواب عن هذه المسائل هو: كيت وكيت وكيت.

    فتوجه أهل الحاجة والمسألة والنازلة بالسؤال إلى أهل العلم أمر له أصل في الكتاب والسنة.

    السؤال عن الأهلة

    أما في الكتاب: فقول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، والأهلة: جمع هلال، وهم قد سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن فائدة هذه الأهلة، فيبدأ الشهر في كذا وينتهي في كذا، فأجاب الله عز وجل: أن بهذه الأهلة تعرفون صومكم، ولذلك جاء في الحديث: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)، وكذلك تحسب بها عدة الطلاق، وكذلك تحسب بها بقية أحوال الناس ودنيا الناس، ولا غنى لأحد قط عن هذه الأهلة.

    السؤال عن كيفية الإنفاق

    وقال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ [البقرة:215] و(ماذا) هنا بمعنى (كيف)، أي: يسألونك كيف ينفقون؟ قال الله تعالى: قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة:215]، أي: من فضل، فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة:215].

    السؤال عن حكم القتال في الأشهر الحرم

    وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، أي: هل الأشهر الحرم فيها قتال يا محمد؟ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217] إلى آخر الآية.

    وقصة ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية وأمر عليها عبد الله بن جحش ، وأعطاه كتاباً وقال له: (لا تفتح الكتاب إلا في مكان كذا وكذا)، ففتح الكتاب في المكان الذي أمره النبي عليه الصلاة والسلام، فوجد فيه الأمر بقتال المشركين، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب، والمشركون كانوا يعدون أن هذا اليوم هو أول يوم من رجب، والمسلمون ظنوا أن هذا آخر يوم من جمادى، فما وجدوا أدنى حرج أن يقتلوا مشركاً لما انفردوا به، فأتى المشركون يعاتبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له: أنتم الذين انتهكتم الأشهر الحرم وقتلتم فيها، مع أن دينكم ينهى عن ذلك. فأنزل الله قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، والتقدير: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام أهو جائز يا محمد؟ فلما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وأخرجوهم من بيت الله الحرام، وكان ذلك في الأشهر الحرام، رد الله عز وجل عليهم فقال: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:217]، أي: أن الذي فعلتموه أعظم من ذلك كله، وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217]، فأنتم الذين أخرجتمونا من المسجد الحرام، وربما يخرجوننا من المسجد الأقصى، بل قد أخرجونا بالفعل، فهذا أكبر إثماً وأعظم جرماً مما وقع من بعض أفراد السرية في قتل ذلك الرجل، ولو كان ذلك في شهر رجب الفرد، فإن ما فعلتموه أعظم جرماً وصد عن سبيل الله عز وجل.

    السؤال عن حكم الخمر والميسر

    وقال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:219]، والخمر هو: كل ما خامر العقل، والميسر يطلق على كل أنواع القمار.

    قال الله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219]، ومنافعه هي: البيع والشراء والربح وغير ذلك مما كان يبدو للناس، لكن الإثم الذي فيه إثم متعلق بالدين، فلو قورنت به منافع الدنيا بأسرها لا تساوي هذا الإثم عند الله عز وجل.

    والمعلوم أن هذه الآية إنما هي حلقة من حلقات تهيئة المسلمين إلى التحريم القطعي لشرب الخمر ولعب الميسر.

    قال تعالى: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة:219]، أي: الفضل، وهو ما زاد عن حاجته، ولذلك: (أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن معي دينار. قال: أنفقه على نفسك، قال: إن معي ديناراً آخر، قال: أنفقه على أهلك. دينار ثالث قال: على ولدك، دينار رابع، قال: أنفقه على ذوي قرابتك الأولى فالأولى والأدنى فالأدنى، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، وابدأ بمن تعول، واعلم أن اليد العليا خير من اليد السفلى)، ولذلك هل يجوز للإنسان أن يتصدق بما معه ثم يتكفف الناس بعد ذلك؟ الجواب: لا. والدليل على ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام زار سعد بن أبي وقاص في مرضه، وكان سعد صاحب مال كثير، فقال سعد للنبي عليه الصلاة والسلام: (ترى يا رسول الله ما نزل بي، وإني ذو مال، أفأتصدق بكل مالي، قال: لا، قال: بشطره؟ قال: لا. قال: بثلثه؟ قال: نعم والثلث كثير)، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: أحببت لو أن الناس نزلوا في وصاياهم من الثلث إلى الربع، لقول النبي عليه السلام: (والثلث كثير).

    ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة -أي: فقراء- يتكففون الناس).

    السؤال عن اليتامى

    وقال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220] إلى آخر الآيات.

    وسبب نزول هذه الآيات: أنه وقع الحرج الشديد جداً لما نزل قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، فقام الصحابة رضي الله عنهم يميزون أموال اليتامى عن أموالهم، حتى إن أحدهم كان يصنع الطعام لليتيم من مال اليتيم ولا يقربه وإن فسد، وهذا إفساد للمال وخراب لهذه الذمة المالية، والإسلام لا يرضى بذلك، فلما وقع الحرج والعنت والمشقة للصحابة في هذا الباب سألوا النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، أي: أن تميزوا أموالهم بشرط ألا يفقد منها شيء فهذا خير، وإن كان لابد من خلط أموال اليتامى بأموالكم، وأن تباشروا هذا بالمعروف؛ فهذا لا حرج عليكم فيه، وإن تخالطوهم فهم إخوانكم، وهم معكم على طعام واحد وشراب واحد، فكلوا من أموالهم بالمعروف، وهذا للوصي وولي اليتيم الذي لا يجد ما ينفق على نفسه، فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، كأن يأكل سد رمق، لا يشبع، فلما رفع النبي عليه الصلاة والسلام عن أوصياء اليتامى الحرج في هذا الباب ارتفع العنت، والدين يسر.

    قال تعالى: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وهذا اللفظ عام، فالإصلاح في كل باب من أبواب الخير، من المطعم والمشرب والملبس والتعليم والتربية وحسن الأخلاق وغير ذلك، ولذلك نرى الكثير من الناس يفهم طريقة التربية للأيتام فهماً خاطئاً جداً، فما دام أن هذا الطفل يتيم فلا يقربه أحد ولا يزجره أحد ولا ينهره أحد مطلقاً، والعلة في ذلك: أنه طفل يتيم، فيتركونه يزداد من سوء الأخلاق يوماً بعد يوم، فإذا كبر بهذه الأخلاق أفسد في الأرض إفساداً عظيماً، لذا إصلاح هذا الطفل خير له من أن يتمادى في هذا الباطل وفي هذا الفساد، واليتيم إذا كان تحت يدك فيجب عليك أن تربيه، وأن ترعاه في أخلاقه وآدابه ومسلكه كما ترعى أولادك وزيادة؛ فتقيمه على الإصلاح، ولو كان ذلك بالقهر والقسر والجبر؛ لأن هذا هو الذي أمر الله عز وجل به المؤمنين، أو أمر به القائمين على أمر الأيتام.

    أما أن تتركه يرتع في الأرض كما يحلو له، ويفسد فيها كيف يشاء؛ فهذا ليس من أبواب الإصلاح، بل هو من أعظم أبواب الإفساد.

    السؤال عن المحيض

    وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، وسألوا عن المحيض لأن اليهود عليهم لعنة الله كانوا يمتنعون عن الأكل والشرب مع المرأة الحائض، بل ولا ينامون في البيت الذي فيه امرأة حائض، فإما أن يخرجوا هم من البيت، وإما أن يأمروا بإخراجها من البيت، ولذلك اليهود دائماً يلعبون بقضية النساء ويستخدمونها سلاحاً للإفساد في الأرض، فكذلك كان لهم موقف من المرأة الحائض في أيام النبوة، والصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عما إذا كان هذا الأمر صحيحاً أو فاسداً.

    قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    قوله تعالى: قُلْ هُوَ أَذًى ، أي: الحيض والمحيض، والمطلوب: اعتزلوا النساء في المحيض، لكن ليس اعتزالاً كلياً كما يفعل اليهود، ولذلك أتى مسروق إلى عائشة رضي الله عنها وقال: (يا أم المؤمنين! أريد أن أسألكِ سؤالاً يمنعني حيائي، قالت: سل يا بني! فإنما أنت ولدي وأنا أمك. فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلا الفرج، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر إحدانا إن كانت حائضاً أن تستر فرجها ويباشرها عليه الصلاة والسلام)، أي: كان يلاعبها ويداعبها فيما دون الفرج.

    وفي رواية: (كان يأمرنا أن نغطي أفخاذنا)، ومن باب أولى سوءاتنا وعوراتنا الكبرى، (فيباشرنا من فوق الثياب)، فهذه عائشة رضي الله عنها قبل أن تعلم حكم ذلك لما حاضت فارقت فراش النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: (مالكِ أنفستِ؟)، والنفاس هنا يطلق على الحيض، (قالت: نعم يا رسول الله! قال: لا عليكِ)، أي: لا حرج عليك، ثم أمرها أن تستر فرجها، وأخذها النبي عليه الصلاة والسلام في فراشه ونام حتى الصباح، فلا حرج حينئذ أن يباشر المرء امرأته فيما دون الفرج من جهة القبل أو الدبر؛ لأن كل ذلك لابد أن يكون محكماً في أيام الحيض والنفاس.

    والعجيب أن كثيراً من عامة الناس لا يعلمون هذا الحكم، أو يعلمونه ولكنهم ينتهكونه، فتجد الواحد منهم لا يميز بينما إذا كانت امرأته طاهراً أو حائضاً، فيأتيها في الحيض كما يأتيها في الطهر، ويأتيها بعد الولادة كما كان يأتيها قبل الولادة، وكل هذا الإتيان محرم للضرر الواقع عليه وعليها، قال تعالى: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا [البقرة:222] أمر، ثم قال تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ ، ولم يقل: حتى يتطهرن؛ لأن الطهر شيء والتطهر شيء آخر.

    قال: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ أي: حتى يرتفع عنهن الدم، فإذا ارتفع الدم دخلت المرأة في الطهارة، لكن لا تتم طهارتها ولا يحل لزوجها أن يأتيها إلا إذا اغتسلت بالماء، وهذا هو التطهر، فالطهر رفع الدم، والتطهر الغسل بالماء.

    ثم قال: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، أي: من القبل أو الدبر في الفرج، ولذلك سأل اليهود المسلمين عن إتيان المرأة من الدبر، فأجابوهم بأن ذلك -أي: الإتيان من الدبر- جائز، قالوا: كنا نعد أن من أتى امرأته من دبرها -أي: من جهة دبرها- يأتي الولد أحول. فنزل القرآن: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]) ، أي: أنى شئتم من القبل أو من الدبر في الفرج.

    وللإنسان أن يأتي امرأته من الأمام أو من الخلف بشرط أن يكون الإتيان في موضع الحرث وموضع الولد، أي: في الفرج أو في القبل.

    السؤال عما أحل الله تعالى من المطاعم

    وقال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة:4]، بعد أن بين الله تبارك وتعالى أنواع الخبائث التي حرمها، سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي عليه الصلاة والسلام عما أحل لهم، فقال الله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4]، أي: كل الطيبات حلال لكم، وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4].

    قوله: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ، أي: من الكلاب والسباع والنمور والنسور، وكل ما يمكن أن يعلم للصيد، لكن بشروط:

    الشرط الأول: أن يكون الكلب معلماً.

    الشرط الثاني: أن ترسل أنت الكلب، ولا يذهب لوحده.

    الشرط الثالث: أن تذكر اسم الله على هذا المصيد.

    الشرط الرابع: ألا يمسك الكلب لنفسه؛ لأنه إن صاد لنفسه، أو إذا أرسلته أنت وذكرت اسم الله فصاد الصيد، لكنه أكل جزءاً منه أو أكله كله فلا يحل هذا الصيد؛ لأن هذا يدل على أن الكلب لم يتمرس في التعليم ولم يتم تعليمه، ولو كان معلماً لأمسك لك أنت، ولا يمسك لنفسه قط، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، وكل مما أمسك عليك، لا مما أمسك لنفسه)، وهنا نكتة مهمة جداً، وهي: أن العلم له شرف وإن كان في الكلاب، ولذلك ميز الله تبارك وتعالى بين صيد الكلب المعلم والكلب غير المعلم، فقال الله تعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:4]؛ لأن الأمر فعلاً يحتاج إلى مناقشة ومخاطبة القلوب، ولأن الواحد منا ربما رأى كلبه المعلم يصطاد وأكل شيئاً من صيده، لكنه يغالط نفسه ويقول: الكلب لم يأكل شيئاً، ولذلك خاطب الله تعالى من أرسل الكلب المعلم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ ؛ لأنكم تعلمون حقيقة هذا الكلب، وحقيقة هذا الصيد، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ، أي: أنكم معروضون على الله عز وجل.

    السؤال عن موعد الساعة

    قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [الأعراف:187]، أي: متى الساعة؟ هذا مما استأثر الله عز وجل بعلمه، فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف:187]، وبعدها يقول تعالى: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:187]، أي: كأنك تعرف موعدها، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:187].

    السؤال عن الأنفال

    قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1]، و(الأنفال) جمع نَفَل بفتح الفاء، وأخطأ من قال: (نَفْل) بتسكين الفاء، والنَفَل إما أن يكون من أصل الغنيمة قبل توزيعها، أو من الأربعة الأخماس التي هي للمقاتلين والمجاهدين، أو من خمس الخمس الذي هو للنبي صلى الله عليه وسلم قبل توزيع الغنيمة.

    والأنفال هو: الذي يأخذه الفارس فوق حقه من الغنيمة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (للفرس سهمين وللفارس سهم)، وهذا من أصل الغنيمة، فإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي هذا الفارس شيئاً زائداً عن السهم أو عن السهمين أو عن حظه في الغنيمة فله ذلك، وكذلك لمن ناب عنه من أمراء الجند والقتال دون أدنى اعتراض، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أقواماً ويمنع آخرين.

    قال سعد بن أبي وقاص : (رأيت رجلاً أبلى بلاءً حسناً، فأعطى النبي فلاناً ولم يعطه، فقلت: يا رسول الله! لقد أعطيت فلاناً ولم تعط فلاناً وهو مؤمن، فقال: يا سعد ! أومسلم؟)، يعني: إنما كان يكفيك أن تحكم بالظاهر، ومسألة الإيمان هذه مسألة قلبية لا اطلاع لك عليها، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (يا سعد! إنما أعطي أناساً وغيرهم أحب إلي منهم مخافة أن يكبهم الله في النار)، فبين النبي صلى الله عليه وسلم العلة من ذلك، ولذلك لما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم على بعض المهاجرين ومنع الأنصار تكلم الأنصار فيما بينهم، فجمعهم النبي عليه السلام وقال: (يا معشر الأنصار! ألستم الذين قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: قد كان منا يا رسول الله!)، أي: هذا كلام قد حصل منا، (فقال: أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالدينار والدرهم وترجعون أنتم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فرضوا وطابت نفوسهم بذلك.

    قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1]، يعني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام له أن يضع هذه الأموال الزائدة حيث يشاء، فيعطيها لهذا ويمنعها من هذا دون أن يعترض عليه أحد.

    السؤال عن ماهية الروح

    السؤال عن ذي القرنين

    السؤال عن حال الجبال يوم القيامة

    وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] .

    فقد سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن الجبال، وما موقفها يوم القيامة؟ وهل تبقى كما هي أم ماذا تكون؟ فبين الله تعالى لنبيه أن الجبال يوم القيامة ستنسف نسفاً، هذه الجبال التي هي أوتاد في الأرض، وتمسك الأرض أن تمور يجعلها ربي ذراً ورماداً، حتى تصبح هي والأرض سواء.

    قوله: فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ، والقاع: هو المكان المنخفض، أي: بعد أن كانت عالية ستكون يوم القيامة منخفضة جداً، لا زرع فيها ولا ماء، لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ، أي: مكاناً معوجاً منخفضاً أو مرتفعاً، وَلا أَمْتًا أي: مكاناً عالياً، وإنما يسويها ربي بالأرض.

    1.   

    حكم سؤال أهل العلم

    إذاً: هذه الأسئلة وغيرها الموجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، والتي أجاب عنها القرآن الكريم.

    وهذا يدل على مشروعية السؤال، بل أحياناً على وجوب أن يتوجه السائل بالسؤال لأهل العلم، ولذلك قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، وكرر ذلك في القرآن مرتين، فأوجب على الجاهل أن يسأل، كما أوجب على العالم أن يجيب.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة).

    قوله: (من كتم علماً)، أي: من سئل عن شيء من أبواب الدين وأمور الدين فكتمه وما أجاب فيه بما يتناسب مع الحق ألجم بلجام من نار، والجزاء من جنس العمل، فلما كتم شفتيه وأطبقهما وما أجاب بهما وبلسانه؛ عوقب من نفس جنس عمله.

    وهذا أمر خطير جداً ألا يسأل الجاهل، وأخطر منه إذا سئل العالم فامتنع عن الجواب.

    1.   

    نهي السلف عن السؤال تعنتاً والسؤال عما لا ينفع

    لكن لا يحل للسائل أن يسأل في كل ما عن له إلا أن يكون أمراً متعلقاً بالدين، وينبني عليه العمل في العقيدة والسلوك والأحكام والأخلاق وغير ذلك، وهناك أسئلة كثيرة جداً يسأل عنها العامة لا طائل من ورائها، ولا حاجة في طرحها، ومع هذا تجد الواحد منهم دائماً مشغولاً بتوجيه هذه الأسئلة، وإذا سأل واحداً لا يكتفي بذلك، بل يسأل الثاني والثالث والرابع، فتكون حياته كلها أسئلة، وليس من باب التعلم، وإنما من باب التعنت، ولذلك عندما كان السائل يسأل مالكاً رحمه الله يقول له مالك : يا فلان! اتق الله، سل تعلماً ولا تسأل تعنتاً، فيمتنعون عن الجواب حينئذ؛ لأن السائل ليس صادقاً في سؤاله، وإنما يسأل من باب إحراج الشيخ أو العالم أو إظهار جهله أو غير ذلك، فحينئذ يحرم على السائل أن يوجه سؤاله.

    والنبي عليه الصلاة والسلام قد علم الصحابة رضي الله عنهم أن يتوجهوا إليه بالسؤال كذلك ولا حرج، لكن لا يسألون في كل شيء، ولا يلحون في السؤال، ولذلك سأله رجل: (يا رسول الله! الحج كل عام؟ فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال في الثالثة: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتم)، أي: أن الشيء أو السؤال الذي تركتم فيه من أول مرة لا تعيدوا علي فيه السؤال، وإنما يكفيكم أني أعرضت عنه؛ لأنكم لو ألححتم علي فربما أجبتكم بما يشق عليكم، ويشق على الأمة كلها إلى يوم القيامة.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر -أي: البكر إذا زنى ببكر- جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة).

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاذ بن جبل : (يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).

    وقال: (يا معاذ ! قلت: لبيك وسعديك، ثلاث مرات، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: إذاً يتكلوا)، وما بشر بها معاذ إلا في آخر حياته تأثماً، أي: مخافة الإثم.

    وعن سعيد بن المسيب قال: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    إذاً: يجوز للعالم المتمكن النحرير أن يقول للناس: سلوني.

    وقال علي بن أبي طالب : فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما منه آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، بسهل أم بجبل. فقام إليه ابن الكواء -وكان رجلاً من أهل البدع- فقال: يا علي ! ما الذاريات ذرواً، فالحاملات وقراً، فالجاريات يسراً، فالمقسمات أمراً؟ يسأل تعنتاً لا يسأل للتعليم، فقال علي: ويلك، سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً، ومع هذا فالذاريات ذرواً هي الرياح، والحملات وقراً هي السحاب، والجاريات يسراً هي السفن، والمقسمات أمراً هي الملائكة. قال: أفرأيت السواد الذي في القمر ما هو؟! وما يضرك لو أنك جهلت هذا؟ هل سيسألك الله عز وجل عنه يوم القيامة؟ وهل ينبني عليه جنة ونار في الآخرة؟ وهل ينبني عليه عمل في الدنيا؟ أبداً، ومثله من يبحث عن اسم أم موسى عليه السلام، مع أن جهله بذلك لا يضر، وليس مطالباً به، لكنه يشغل نفسه بالليل والنهار، وكذلك من يسأل عن اسم كلب أهل الكهف، مع أنه غير مطالب أن يعرف أسماء أشخاص أهل الكهف فضلاً عن اسم كلبهم، فهذا الرجل إنما شغل نفسه بما لا طائل تحته، فينبغي عليه أن يرجع إلى رشده.

    قال: أفرأيت السواد الذي في القمر؟ قال -أي: علي بن أبي طالب -: أعمى سأل عن عمياء، أي: أنت أعمى البصر: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    ثم قال: أما سمعت قول الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ [الإسراء:12]، فمحوه هو السواد الذي فيه. ومع هذا أجابه، لكن بين له أن هذا من الأمور التي لا ينبغي ولا يجوز السؤال عنها.

    قال: أفرأيت ذا القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ قال: ليس بنبي ولا ملك، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فناصحه الله، دعا قومه إلى الهدى فضربوه على قرنه -والقرن هو جهة الرأس- ثم دعاهم إلى الهدى مرة أخرى فضربوه على قرنه الآخر. ولم يكن له قرنان كقرني الثور كما يتوهم بعض الناس.

    قال: أفرأيت هذا القوس ما هو؟ قال: هي علامة بين نوح وبين ربه، وأمان من الغرق.

    عن ابن أبي مليكة قال: دخلنا على ابن عباس فقال: سلوني فإني قد أصبحت طيبة نفسي، أخبرت أن الكوكب ذا الذنب اطلع، فخشيت أن يكون الدخان أو الدجال قد طرق، وسلوني عن سورة البقرة وسورة يوسف.

    وعن شقيق أبي سلمة الكوفي قال: حدثنا ابن عباس وهو في موسم الحج، فقرأ سورة البقرة وأخذ في تفسيرها، فما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، وإني أقول: لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت.

    وقال ابن عباس: ما سألني رجل مسألة إلا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه؛ لأن الإنسان ما دام أنه ساكت فأمره مقطوع عن الناس، فإذا تكلم عرف مقداره من العقل والفهم.

    وهذا أبو حنيفة يروى عنه أنه كان دائماً في مجلسه يمد رجليه، فإذا دخل داخل ذو هيئة ووجاهة جمع رجليه تأدباً واحتراماً، وربما يكون من أكابر أهل العلم أو أعلم من أبي حنيفة فيخشاه ويهابه، فلما تكلم أبو حنيفة رحمه الله في شرح حديث النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس قال رجل: يا إمام! وإن لم تطلع الشمس؟! فقال أبو حنيفة : الآن آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه ولا يبالي. فسقطت هيبة الرجل وانتهى أمره.

    وقال رجل لراهب عابد لا علم عنده -وكان عنده في زيارته وضيافته عالم من العلماء-: يا فلان! سقط الديك في البئر، فهل تصح منه الطهارة أم لا؟ فقال العابد: وما الذي أوقع الديك في الماء؟ سؤال لا قيمة له؛ لأن الواقع أن الديك قد وقع في البئر، والمطلوب معرفة حكم التطهر بهذا الماء، لكن العابد سأل سؤالاً آخر، لذا فالعجيب أنك إذا سئلت سؤالاً أجبت بسؤال آخر، فقال: وما الذي أوقعه في الماء؟ فقال الرجل: كان مكشوفاً، فقال: هلا غطيته، وغضب الراهب غضباً شديداً، فقال العالم: حنانيك، إنما كان يكفيك أن تقول: إذا تغير طعمه أو لونه أو رائحته فقد خرج عن طهوريته وإلا فلا. فانظر كيف أن العالم يجيب بإجابة عاقلة ومتزنة ومنضبطة على الأصول العلمية ثم لا يغضب، إذ إن الغضب سمة الجاهل، وسمة من لا حجة معه، وصاحب الحجة معه النور والهدى فلا يغضب.

    ويروي ابن الجوزي عليه رحمة الله تعالى في كتابه: (أخبار الحمقى والمغفلين): أن رجلاً ذا هيئة ووجاهة دخل مسجداً، فخشي إمام المسجد أن يصلي بالناس إماماً في حضرة هذا، فقال: تقدم أيها الشيخ وصل بالناس، فقال: لا والله لا أصلي بهم، فرجاه مراراً أن يصلي بالناس فأبى عليه أن يصلي، فما وجد الإمام بداً له إلا أن يصلي، فصلى -ولك أن تتصور أن هذا الإمام يصلي الفرض وهو ترتعد فرائصه هيبة من هذا الرجل- وبعد الصلاة توجه بالسؤال لهذا الداخل وقال: ما منعك أيها الشيخ أن تصلي بالناس إذ دعوتك؟ قال: أكره أن أصلي بالناس وأنا على غير وضوء! يعني: أن هذا جائز عنده. وقال ابن عباس لـسعيد بن جبير : ألا تسألني عن آية فيها مائة فائدة، قلت: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40]، فهذه الآية يستخرج منها ابن عباس مائة فائدة، قال: كل شيء أوتي من خير أو شر كان فتنة لموسى عليه السلام، ثم ذكر حين حملت به أمه فتنة، وحين أرضعته فتنة، وحين التقطه آل فرعون فتنه، حتى بلغ ما بلغ، ثم قال: ألا ترى قوله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35].

    وقال علي : سلوا، فسأله ابن الكواء عن الأختين المملوكتين، ثم ذكر كلاماً طويلاً.

    وقال سعيد بن جبير : إن مما يهمني أني وجدت أن الناس قد أخذوا ما معي من العلم. أي: أن ما يهمني هو أن يتعلم الناس ما عندي من العلم، وقال الشافعي : وددت لو أن الناس أخذوا ما عندي من علم، ثم لم ينسب إلي شيء من ذلك.

    وكان الحسن البصري وسعيد بن المسيب وغير واحد من السلف يقولون للناس: سلوني، فما تسألون عن شيء إلا أجبتكم عنه، وكان ابن سيرين وإبراهيم النخعي لا يبتدئان أحداً بالعلم حتى يسأل، فإذا سأل أجابه.

    1.   

    أحوال أهل العلم في طرق نشر العلم من حيث السؤال والجواب

    ومذاهب أهل العلم في قضية السؤال والجواب على ثلاثة:

    الأول: أنه يبدأ في طرح العلم بغير سؤال.

    الثاني: أنه لا يجيب حتى وإن سئل، فهو ضنين جداً بالرواية وبالعلم وبالتفقيه وبتعليم الناس، ومن أمثال هؤلاء: إمام كوفي يسمى: سليمان بن مهران الأعمش ، فقد كان له تلاميذ، واعلم أن تلاميذ الأعمش من أئمة الدين وأعلام الهدى في الأمة؛ لأن الأعمش كان الأول في العلم في زمانه في العراق، ومع هذا كان يربي في بيته كلباً، فإذا علم أن أصحاب الحديث وأصحاب السؤال أتوه وطرقوا عليه الباب كان يطلق عليهم الكلب، فيجرون في الشوارع أمام الكلب، فيسر الأعمش بذلك.

    ومن طرائفه: أنه اختلف مع امرأته ذات يوم، فأتى بأحد الطلاب ليصلح ما بينه وبين امرأته، فكان مما قال هذا الطالب للمرأة: لا يضرك عمش عينيه، ولا جعد بشرته، ولا سقوط شعره ولا كذا ولا كذا، وظل يعدد عيوبه، فقال له: قم قبحك الله، فإنك قد أخبرتها ما لم تكن تعلم، أأنت جئت للإصلاح أم ماذا؟

    ومنها: أنه شيع جنازة ذات يوم -و الأعمش هو الذي لا يرى جيداً- فأخذه طالب ذكي ومهذب، فقال له: يا إمام! تريد أن ترجع إلى بيتك؟ قال: نعم، فأخذه واصطحبه، ثم قال له: أتعرف أين أنت الآن؟ قال: على مشارف الكوفة، فقال لا: بل أنت عند جبانة فلان، وقد انصرف عنك الناس، ووالله لا أردك إلى بيتك حتى تحدثني وتملأ هذا اللوح. وبدأ يحدثه الأعمش والطالب يكتب بخط دقيق وصغير جداً من أجل أن يأخذ أكبر قدر من العلم، فلما ملأ اللوح قال: الآن يا إمام، ثم لما كان على مشارف القرية ناول اللوح أحد إخوانه سراً، فلما أيقن الأعمش أنه أمام باب داره قال: امسكوا هذا الفاسق وخذوا منه اللوح، فقال: يا إمام! لقد رحل اللوح، فقال الإمام: كل ما حدثتك به باطل، فرد الطالب المؤدب قائلاً: أنت أجل وأعظم من أن تكذب على الله ورسوله، أي: لست أنت الذي تكذب على الله ورسوله.

    ودخل عليه أناس ذات يوم وقالوا له: يا إمام! حدثنا بعشرة أحاديث، فقال: ولا بخمسة، قالوا: حدثنا بخمسة، قال: ولا باثنين، قالوا: حدثنا باثنين، قال: ولا بواحد، فقالوا: بواحد، قال: ولا بنصف، قالوا: حدثنا بنصف، قال: إن شئتم حدثتكم سنداً وإن شئتم حدثتكم متناً، يعني: يقول لهم: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوقف، فهم لو ركبوا هذا الإسناد في متن سيكونون كذابين، ولو حدثهم بالمتن وركبوا له إسناداً سيكونون كذابين كذلك، والحاصل أنه سيعطيهم شيئاً لا ينتفعون به.

    فاتفق الطلاب ذات يوم أن يدخلوا عليه في داره ويحملوه على الحديث، فلما كانوا في بيته قالوا: يا إمام! هل عندك من طعام فنطعم؟ فنظر إليهم وقال: نعم عندي، فذهب وأتى بالعدس ووضعه أمامهم، ثم ذهب ليأتي بالخبز وجاء فوجد العدس قد انتهى، فوضع الخبز وذهب ليأتي بالعدس فجاء فوجد الخبز قد انتهى، وفعل ذلك ثلاث مرات، ولك أن تتصور أن الأعمش ذاهب وآت، وهو ساكت لا يتكلم بكلمة، ثم قال لهم: لقد أذهبتم طعامي وطعام أهل بيتي، وأتى بطبق من تبن فقال: ولم يبق إلا طعام دابتي، فكلوه هنيئاً مريئاً.

    ودخلوا عليه ذات يوم فوجدوه يبكي بكاءً غزيراً، فقالوا له: يا إمام! ما الذي يبكيك؟ قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ويقصد بذلك كلبه، فطرد هؤلاء الأئمة باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

    وله من الأخبار الشيء الكثير جداً، ومع هذا كان عزيزاً جداً، فقد أتاه رجل من عند السلطان ذات يوم، ومعه رسالة منه يأمره فيها أن يحدثه، وكان لا يجرؤ أحد أن يطرق باب الأعمش ، فلما طرق الرجل عليه الباب قال: ادخل. فدخل، وكان الأعمش يفتل شيئاً من الطعام ويطعم دابته، فقال: يا إمام! لقد جئتك من عند الأمير، فنظر إليه وقال: ما هذا الذي معك؟ قال: رسالة من الأمير. قال: ناولنيها. فأخذها ثم فتلها وناولها الدابة فأكلتها. فانظر إلى العزة، وليس كبعض الناس الذين يغيرون ويبدلون ويبيعون دينهم، ثم قال: هيه، هات ما عندك. قال: يا إمام! كيف تفعل هذا برسالة الأمير، وهو يأمرك فيها أن تحدثني. قال: والله لا أحدثك ولا أحدث قوماً أنت فيهم، لذا لا يمكن أن يكون للسلطان أمر على العلماء، قال أبو الأسود الدؤلي ، وهو سيد من سادات التابعين، ورجل له الفضل على الأمة بأسرها؛ لأنه هو الذي ضبط القرآن وأشكله وأنقطه بأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: السلاطين حكام على الناس، والعلماء حكام على السلاطين.

    إذاً: العلماء هم الذين يجب أن يحكموا العالم بما قد أوتوا من علم وهدى ونور، وهذا الذي صدرنا به هذا المجلس.

    وقال قتادة : أتى على الحسن زمان يعجب ممن يدعو إلى نفسه، أي: أن الحسن البصري كان دائماً عندما يسمع شخصاً يقول: اسألوني، يتعجب من ذلك، وهو ما مات حتى قال للناس: سلوني.

    وقال لقمان الحكيم : إن العالم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار.

    وقال الزهري : كان عروة يستألف الناس على حديثه، أي: إذا نفروا عنه كان يتودد إليهم ليسمعوا كلامه.

    وعن عكرمة قال: ما لكم لا تسألونني؟ أفلستم؟ يعني: هل الذي عندكم انتهى؟

    وقال سعيد بن جبير: أما أحد يسألني؟

    الثالث: أنه لا يتكلم في العلم إلا إذا سئل. فهذه الثلاثة المذاهب لأهل العلم في نشر العلم.

    ولعل ذلك راجع إلى أحوال السائل وأحوال الطالب، فقد كان من الأئمة من إذا سئل عن الشيء من العلم لا يجيب، حتى يعلم السائل نوعاً معيناً من أنواع الأدب، أو لعلمه أن السائل إنما يسأل عن غير حاجة وعن غير علم، وإنما يسأل تعنتاً ولا يسأل تعلماً، وغير ذلك من الأغراض.

    وكان سفيان الثوري يقول: والله لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم لأعلمهم العلم، حتى لو امتنعوا عن ذلك.

    وقال الشافعي للربيع بن سليمان المرادي : يا ربيع ! لو أني استطعت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه، أي: لو أن هذا العلم طعام لكنت المطعم لك.

    وقال ابن عباس : ذللت طالباً فعززت مطلوباً. وهذا أدب منه رضي الله عنه، أي: وأنا طالب صغير كنت أطلبه بذل ومسكنة، ولما كبرت صرت عزيزاً كريماً، والسبب في ذلك هو العلم.

    والحقيقة هذا اللفظ في الظاهر لا يتناسب مع مقام ابن عباس رضي الله عنه، لكنه قد ورد عنه: أنه كان إذا أتى زيد بن ثابت أو أبي بن كعب يسأل: أهو موجود؟ فإن قيل: لكنه نائم، فيتوسد رداءه على الباب انتظاراً لخروج الإمام، فإذا رآه أبي بن كعب أو زيد بن ثابت أو غيرهما من الصحابة الكبار - ابن عباس كان من صغار الصحابة- قالوا له: يا ابن عم رسول الله! لو طرقت علينا الباب، أو لو مكثت في مكانك وأرسلت إلينا فنأتيك، فيقول: لا، إنما نفعل هذا بعلمائنا كما أمرنا، وكانوا يكرهون أن يطرق عليهم أحد الباب.

    وقال سفيان الثوري : لو لم يأتوني لأتيتهم، فقيل لـسفيان : إنهم يطلبونه بغير نية، قال: مجرد طلبهم له نية، أي: يكفي أنهم يطلبون العلم.

    1.   

    النهي عن كثرة السؤال والتعنت فيه

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الشيخان: (إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال)، أي: الكلام في القيل والقال، في النافع والضار، كلاماً ليس من هدي النبوة، وقيل: ذلك هو الغيبة والنميمة.

    قوله: (وكثرة السؤال)، أي: فيما لا يعني ولا يفيد، أما إذا كان في أمر الدين فالعبد مأمور بذلك، قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:43].

    وعن سهل بن سعد قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها)، أي: المسائل التي لا قيمة لها.

    وعن عبدة بن أبي لبابة قال: وددت أني أحضا في أهل هذا الزمان ألا أسألهم عن شيء ولا يسألونني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم. يعني: أن الواحد دائماً كلما يقابلك يخرج لك عريضة من جيبه تحتوي على خمسين سؤالاً، ثم يقول لك: انتظر يا شيخ حتى أسألك هذه الأسئلة! وهل تظن أن الشيخ له وقت حتى يجيبك على هذه الأسئلة؟ وربما السؤال الواحد منها يحتاج إلى مجلد كما أجاب ابن القيم عن سؤال واحد، لذا فهذا أمر لا يصح.

    وعن الحجاج بن عامر الثمالي رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم وكثرة السؤال).

    وسئل مالك عن قوله تعالى: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]. فقال: لا أدري أهو هذا، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء.

    وقال ابن عمر يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أعظم المسلمين للمسلمين جرماً)، أي: أعظم واحد مجرم في المسلمين: (من سأل عن شيء لم يحرم فحرمت لأجل مسألته)، فهذا أكثر واحد أضر بالأمة كلها، ويظل ماسكاً بالنبي عليه الصلاة والسلام ليسأله، والنبي يعرض عنه إلى الجهة الأخرى، فيأتي له من الناحية الأخرى، ويسأل نفس السؤال، والنبي يبعد وجهه إلى ناحية أخرى، ويظل يتابعه ويلاحقه حتى يقول: حرام، أي: حرام على الأمة كلها، لذا كان أعظم المسلمين جرماً في حق المسلمين من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته، أي: لسبب مسألته.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)؛ لأن النهي في مقدور كل إنسان، (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).

    وقال عمر رضي الله عنه وهو على المنبر: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن الله عز وجل قد بين ما هو كائن.

    وقال عمر رضي الله عنه أيضاً: إنه لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، فإن الله تبارك وتعالى قد قضى فيما هو كائن. ولذلك كان العلماء يكرهون جداً الافتراضات، وعابوا على أصحاب الرأي آراءهم، وذلك أنهم كانوا يسألون عن أشياء لم تقع بعد، فيفترضون مسائل لم تقع، ويقولون: يا شيخ! افرض لو كان كذا، وكل هذا ليس من هدي السلف، وإنما هدي السلف أنهم كانوا دائماً إذا سئلوا في مسألة قالوا: آلله أثم هي؟ أي: هل وقعت هذه المسألة أم لا؟ فإذا قيل: وقعت أجابوا عنها وتكلموا فيها، وإذا قيل: لم تقع بعد قالوا: أجمونا عنها، يعني: اجعلونا منها في استجمام وأبعدونا عنها ولا تكلفونا جواباً، فإذا وقعت أعاننا الله عليها.

    وهذا الكلام ورد عن كثير من سلف هذه الأمة، فقد كانوا إذا سئلوا في المسألة قالوا: أوقعت هذه المسألة أم أنها مجرد فرض؟ فإن وقعت أجابوا عنها، وإن لم تقع لم يجيبوا عنها، بل يسكتون ويقولون: اجعلونا منها في استجمام.

    وقال حماد بن زيد : قيل لـأيوب : ما لك لا تنظر في الرأي؟ والأمر كما قال الشافعي : الرأي ليل والحديث نهار، والسلف وعلماء الأمة يعتقدون -وهو الاعتقاد الحق- أن الدين قال الله قال الرسول، أما أن يكون عندي النص أو كلام الله وكلام الرسول، ثم أقول: أنا أرى كذا وكذا! فهذا لا يصدر إلا عن جاهل، وعن إنسان يصدر في فتاواه عن رأيه الشخصي، وهذا لا يصح، ولذلك قال الشافعي كما ذكرنا: الرأي ليل والحديث نهار، أي: أن الحديث كالنهار في وضوحه وضوئه ونوره وهداه، والليل مظلم؛ لأنه لا يعتمد على النص، ولذلك قيل لـأيوب : ما لك لا تنظر في الرأي؟ لم لا تقول بالرأي؟ قال أيوب : قيل للحمار: ما لك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل -يضرب المثل بالحمار- فإذا اجتر فإنما يمضغ الهواء، ولا يغني عنه مضغ الهواء، ثم قال: وكذلك صاحب الرأي مهما تشدق بالرأي فإنه لا يغني عنه من الحق شيئاً، فهو ضرب المثل بهذا.

    وقال ابن وهب: قال ليمالك وهو ينكر كثرة المسائل ويعيبها: يا عبد الله! (ما علمته فقل به ودل عليه) أي: ما علمته من أدلته الشرعية فقل به ودل الناس عليه، (وما لم تعلم فاسكت).

    إذاً: السنة أن من علم قال، ومن لم يعلم سكت، وهذا هو الحق، (وإياك أن تتقلد الناس قلادة سوء)، أي: احذر أن تقول في دين الله كما يقول أصحاب الرأي.

    وقال الحسن : إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله.

    1.   

    تورع السلف عن الفتوى

    قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه، وما كان منهم فقيه إلا ود أن أخاه كفاه، أي: كان الداخل يدخل المسجد وهناك مائة وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موجودين، فيسأل الأول عن مسألة معينة فيحيله إلى الثاني والثالث والرابع والعاشر، حتى يمر على المسجد كله، فيرجع إلى الأول، فلا يجد الأول بداً أن يجيب فيجيب، فهل هذه أخلاقنا الآن؟ لا، إذاً: فما هي أخلاقنا؟ إذا سئل الشيخ أو العالم في مسألة وحوله الطلاب فإن كل طالب يجيب بجواب يختلف عن جواب صاحبه، والعالم لم يجب بعد، وإنما ينظر إلى الحالة التي فيها الطلاب، والأدب الذي بلغ بطلاب العلم، وحتى وإن سأل واحداً منهم فلا يجوز له أن يجيب ما دام هناك من هو أعلم منه.

    وقال ابن مسعود لـتميم بن حذلم: يا تميم! إذا استطعت أن تكون المحدَّث فافعل. أي: إذا استطعت أن تكون مستمعاً فافعل.

    وكان معاوية بن أبي عياش جالساً عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر ، فجاءهم محمد بن إياس بن بكير فقال: إن رجلاً من أهل المدينة طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟

    فقال عبد الله بن الزبير : إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لـأبي هريرة : أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك المعضلة. أي: أنت صاحب المهمات الصعبة، لذا كان أبو هريرة أفقه الأمة في زمانه، ولذلك الملاحدة حرصوا كل الحرص على الطعن بالذات في أبي هريرة ؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه قد روى أكثر من نصف الدين، فإذا سقط أبو هريرة سقط معه نصف الدين، فتكون القضية كلها أننا ليس لنا علاقة بالدين، ويقولون: نحن كنا نتكلم عن شخص! شخص يا أعداء الله ورسوله! بل إنهم يريدون أن يسقطوا الثقة بـأبي هريرة رضي الله عنه، وإذا سقطت الثقة به سقطت الثقة بمروياته التي تعتبر نصف الدين، وهم بذلك ليس لهم أدنى علاقة بـأبي هريرة ، ولا يهمهم من قريب ولا من بعيد الطعن في شخصه، وإنما يهمهم إسقاط هيبة الإسلام في قلوب أبنائه.

    قال أبو هريرة : الطلقة الواحدة تبينها. أي: تصير بائنة بينونة صغرى بطلقة واحدة، فإذا أراد أن يتزوجها فبعقد جديد ومهر جديد.

    ثم قال: والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.

    وقال ابن عباس : إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون.

    1.   

    التعامل مع السائل عما هو أكبر منه من القضايا الكبرى

    فإذا أتاك شخص يسألك عن شيء فقل له: تعال، هذه المسألة أكبر منك، من أين أتيت بها؟

    ومثلما رأينا أن امرأة في كلية الدراسات الإسلامية كانت واقفة على محطة الباصات وتقول: اللهم العن أبا بكر وعمر ، وبعد أبي بكر وعمر لا أدري من كانت تسب، وأنا أسوق السيارة سمعتها، فأوقفت السيارة ونزلت منها، وقلت لها: ماذا تعرفين عن أبي بكر وعمر ؟ فخافت وظنت أنني إرهابي، فقالت: أنا لم أقل شيئاً، قلت: لا، أنت لعنت أبا بكر وعمر ، وأنا أريد أن أسألك سؤالاً: من وراءكِ؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي أريد أن أسأله لك؛ لأن الشيعة منتشرون، والشيعة هم الذين يسبون ويلعنون أبا بكر وعمر ، ويتقربون إلى الله بذلك، ويقولون عنهما: هما الجبت والطاغوت، وغير ذلك مما ذكرناه آنفاً في دروس مضت، فأقسمت عليها بالله مراراً أن تقول من وراءها، فقالت: أنا بصراحة أسمع من الدكتورة آمنة نصير . ووالله العظيم أني توقعت ذلك؛ لأن الدكتورة آمنة نصير زوجة الدمرداش العقاري الذي كان يدافع عن الإخوة المتهمين بقتل رفعت المحكوم ، وقد فتن الناس بدفاعه عن الإخوة، وهو المسئول عن الشيعة رسمياً في مصر.

    فقلت لها: أنا كنت متوقعاً ذلك، قالت: أتعرفها؟ قلت: نعم، وأعرف زوجها ونشاطها كيت وكيت، وبينت لها مذهب أهل السنة فيما يتعلق بالاعتقاد في الصحابة رضي الله عنهم، وقلت لها: والله لا تنفعكِ آمنة ولا ينفعكِ الدمرداش ، وإنما ينفعك حسن اعتقادكِ في الله عز وجل، وفي النبي عليه الصلاة والسلام وفي أصحابه الكرام، وأنتِ مأمورة بكيت وكيت وكيت، ووقفت معها من قبل صلاة الظهر تقريباً بساعة حتى كاد أن يخرج وقت الظهر، وأنا واقف معها في الشارع أربع ساعات؛ لأن هذا أمر خطير جداً ينبغي تصحيحه، وقد أتانا بغير قصد ولا تعمد، وإنما سمعناه ونحن نسير بالسيارة، وهذا بلا شك مسألة عظيمة لا ينبغي للإنسان أن يسمعها ويغض الطرف عنها.

    كذلك: قد يأتي شخص فيسأل عن مسألة ليست له، مثل: طالب يأتي فيسأل عن أشراط الساعة وفتن آخر الزمان، وهو لا يعلم كيف يصلي؟! وكيف يصوم؟! وكيف يزكي؟! وكيف يحج؟! وآخر يأتي ويسأل عن حكم المظاهرات التي تحدث، وحكم الذهاب إلى القتال أو الجهاد أو المشاركة مع إخواننا المجاهدين في فلسطين أو في غيرها من البلدان، فيُسأل: أتصلي؟ فيقول: لا، أتصوم؟ فيقول: لا، أتزكي؟ فيجيب: لا، سبحان الله! إن الله سبحانه وتعالى يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فالجهاد أصلاً من أجل أن نصلي ونصوم ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.

    قوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ماذا عملوا؟ أَقَامُوا الصَّلاةَ ، إذاً: فالجهاد ليس مطلوباً لذاته، لكنه مطلوب ليتمكن المسلم من تحقيق العبودية الكاملة التامة لله عز وجل، وهذا هو الغرض من الجهاد.

    وآخر في وقت سلمه وراحته لا يصلي ولا يصوم ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، لماذا يجاهد؟ لا أعلم لماذا يجاهد؟ هذه مغالطات ينبغي تصحيحها قبل الدخول.

    وآخر يأتي فيسأل عن مسألة عظيمة جداً ليست سهلة، فيتكلم عن الحاكمية فيقول: يا شيخ! الحكم بغير ما أنزل الله كفر أو ليس بكفر؟ فتسأله أنت عن الصلاة فلا يعرف شيئاً، وعن الصيام فلا يعرف شيئاً، وعن مهمات الدين التي تلزمه فلا يعرف شيئاً، مع أنه لو مات فإن الله لن يسأله عن الحاكمية، وإنما يسأله عن هذه المهمات، وعن أصول الدين التي لا يعرف منها شيئاً.

    صحيح أن مسألة الحاكمية من أهم المسائل في الدين، لكن كما يقولون: طعام الكبير سم للصغير. والعلم نتف وطبقات ومراتب، ولذلك إذا نظرنا في كتاب البخاري أو مسلم أو أي كتاب من كتب السنن أو غيرها من المصنفات سنجد أن الأئمة بدءوا بالإيمان والعلم، ثم الطهارة والحيض، والأذان والوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والرضاع والرجعة وغير ذلك، ثم في نهاية الكتاب بعد خمسة عشر مجلداً تجدهم يتكلمون عن الفتن وأشراط الساعة، فهل معنى هذا أن الترتيب هذا جاء بدون فائدة وهدف؟ لا، بل لابد أن هذا هو الترتيب الطبيعي لطلب العلم، فتترك أنت كل هذه المهمات وتأتي للكتاب من آخره! إن هذا عكس وانتكاس للفطرة، فينبغي أن يؤخذ العلم نتفاً، أي: حبة حبة؛ لأن من أخذ العلم جملة فاته جملة.

    وقال ابن عيينة : أجسر الناس -أي: أجرأ الناس- على الفتيا أقلهم علماً. فتجد دائماً أن الجاهل جريء، بينما العالم خائف، كما كان حال المائة والعشرين من الصحابة، فهذا يحيل على هذا، وهذا يحيل على هذا؛ لأنهم عرفوا خطورة الفتوى، ولأجل ذلك صنف ابن القيم عليه رحمة الله تعالى كتاباً سماه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) فالعالم إنما يوقع إذا سئل عن الله وعن رسوله، والعالم حجة بين الله وبين الخلق، وكأنه يفصل في النزاع ويفصل في المسائل ويقول: هذا يصلح، وهذا لا يصلح، يفصل بين الله وبين الخلق، فهذه مهمة العالم، والمسألة تصل إليه فيقول: هذا صواب وهذا خطأ، هذا يصلح، وهذا لا يصلح، هذا طيب، وهذا خبيث، هذا حلال، وهذا حرام، فهذه هي مهمة العالم، ولذا فمهمته خطيرة جداً، ولذلك يهرب منها ما أمكنه ذلك.

    أما الجاهل المغرور الذي لا يعلم خطورة المسألة تجده يتجرأ عليها، قال ابن عيينة : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً. فيكون عند الرجل باب واحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه.

    وقبل ذلك ذكرنا أن الطالب الذي قرأ كتاب: (فقه السنة) فقط، يلبس طاقية، وعمامة بيضاء، وجلبية بيضاء، ويطيل لحيته، ويقص شاربه، ويتعين للفتيا، وينصب نفسه وكأنه الشيخ المبجل المعظم، والإمام الأعظم، وإمام أهل السنة في عصره، وهو لم يقرأ إلا كتاباً واحداً في الفقه، ثم يفاجأ بأن المسألة التي يتبناها ربما تكون هي أضعف الآراء في الباب، وربما يفاجأ بأن في هذه المسألة قد صنفت الكتب والمجلدات، ولكنه لا يعرف ذلك.

    ولذلك قال أبو علي الأبار : نزل رجل الأهواز -اسم بلد- فحف شاربه وأطال لحيته واشترى كتباً وتعين للفتوى، أي: عين نفسه مفتياً رسمياً، وجلس للفتيا، ثم قال للناس: سلوني كما تسألون علي بن أبي طالب ، فما تسألون عن شيء إلا أخبرتكم عنه، فسأله سائل فقال: ما تقول في أصحاب الحديث؟ فقال: ليسوا بشيء ولا يسوون شيئاً! يعني: ابتداء من زمن الصحابة رضي الله عنهم حتى زمن الأبار ليسوا بشيء! كيف ذلك؟! وهذه الأحاديث أين نأتي بها؟! فقام إليه أبو علي الأبار وقال: يا فلان! اتق الله، فإنما مثلك مثل رجل يسأل كيف يصلي الظهر؟ وكيف يصلي المغرب؟ وكيف يصلي الصبح؟ قال: أنا؟ قال: نعم، فماذا تحفظ عن رسول الله إذا دخلت في صلاتك وكبرت تكبيرة الإحرام قبل البدء في قراءة الفاتحة؟ فسكت، قال: ماذا تحفظ عن رسول الله إذا رفعت من الركوع؟ فسكت، ماذا تحفظ عن رسول الله إذا جلست بين السجدتين؟ فسكت، وأخذ يختار له أسئلة باعتبار أنه سب المحدثين الذين حفظوا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك يسأله عن مسألة عملية متكررة في اليوم ليس سبع عشرة مرة فقط، بل مائة مرة من النوافل والسنن، وفي كل سؤال يسكت، ثم قال أبو علي الأبار : أما قلت لك: إنما مثلك مثل رجل يجب عليه أن يتعلم كيف يصلي؟ ثم تركه وانصرف.

    لذا فكثير من الشباب والإخوة اليوم يحرص كل الحرص -خاصة إذا كان صاحب مال- أن يشتري هذا الكتاب ويشتري هذا الكتاب، ويجمع مكتبة عظيمة جداً، ويضعها في وجه الداخل إلى بيته أو عمارته، لإثبات نوع من الوجاهة فقط، لكن لا يستطيع أن يفتح كتاباً من هذه الكتب، بل لا يحسن ذلك ولا يعرفه، وربما ظن أن هذه الكتب كلها مصاحف وليست بمصاحف، يعني: أنه قد يبلغ به الجهل إلى هذا الحد؟! فهذه فضيحة عظيمة جداً، لذا ينبغي إذا كان هذا الكتاب في بيتك أن تعض عليه وأن تقرأه، وألا تدع لحظة من لحظات حياتك تفوتك بدون فائدة.