إسلام ويب

حقوق الأخوة [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على المرء أن يختار أصدقاءه من أهل الديانة الموثوق بهم، ويحذر صحبة أهل الفسق والمعصية، فالمؤمن لا يصاحب إلا مؤمناً، وللصحبة في الإسلام أحكام وآداب، ينبغي على المسلم الالتزام بها؛ لتدوم صحبته مع غيره، وينعم بها في الدنيا والآخرة.

    1.   

    التحذير من صحبة أهل الغفلة والمعاصي

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وبعد: قال الله عز وجل آمراً نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]. فالله عز وجل يحذر النبي عليه الصلاة والسلام من صحبة من توافر فيه هذان الشرطان، وهما: أولاً: من كان من الغافلين وليس من الذاكرين، ثانياً: وهو متبع لهواه، مما نتج عنهما أن أمره كان فرطاً، أي: مفروطاً مضيعاً مسرفاً على نفسه، فإذا كان الله تعالى يحذر نبيه وينهاه عن صحبة هؤلاء فلا شك أن من دون النبي عليه الصلاة والسلام أولى بهذا التحذير، وكنا في القديم نوجه النصائح للصغار ونخاف عليهم من صحبة الأشرار، واليوم أصبحنا نخاف على الكبار والصغار، وعلى طلبة العلم، بل وعلى العلماء العاملين؛ لأن الفتنة كادت أن تعصف بالجميع؛ بسبب انتشار المعاصي والرذائل، ولم يكد يسلم منها أحد، لا ناصح ولا منصوح.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له -أي: توجع له- سائر الجسد بالحمى والسهر).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).

    فالمرء على منهاج صاحبه في الخلق والسلوك، بل وفي الاعتقاد كذلك، وقديماً قالوا: الطيور على أشكالها تقع، فلا تجد صحبة قط بين مؤمن موحد مستقيم وبين فاجر فاسق لئيم، إذ كيف يجتمعان وهما مختلفان من كل وجه، اللهم إلا أصل الإسلام؟ وكيف يطيق المؤمن صحبة الفاسق؟ وكيف يصبر الفاسق على صحبة المؤمن؟ فالإيمان أمر يقض مضجعه؛ لأن قومته ونومته وسلوكه وأخلاقه تخالف الهدي النبوي، والمؤمن قائم عليه بالنصيحة، والفاسق لا يحتمل أن ينصح في كل كلمة وقومة وحركة وسكنة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد حدد في غير ما حديث آداب الصحبة، وأصولها، ومن نصاحب، ولماذا نصاحب، وفيم نصاحب، وبين آداب وأحكام كل ذلك.

    ومن أهل العلم من كتب رسائل في ذلك، وهي في غاية الأهمية، ولكن قل من المسلمين من ينتبه لمثل ذلك، بل منهم من يعد أن هذه الآداب يمكن للمرء أن يدركها دون أن يتعلمها، ولا شك أن الشرع قد مدح الخلق الحسن وإن لم يكن منصوصاً عليه في الكتاب ولا في السنة؛ لأن الخلق الحسن ممدوح شرعاً وعقلاً وعرفاً، وإن لم يرد على هذا الخلق نص في كتاب الله ولا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الكتاب والسنة قد نبها وحضا وحثا على حسن الخلق، وحسن الصحبة والعشرة، وجاء الكتاب والسنة باعتبار أعراف الناس، فهي معتبرة ما لم تخالف كتاب الله ولا سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    صنف الإمام الكبير أبو البركات الغزي كتاباً في حسن العشرة وآدابها، وذكر الصحبة والأخوة، وهو كتاب عظيم جداً في بابه، فقد ذكر الأصول التي ينبغي أن يتحلى بها الأخلاء والأصحاب، وذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن للمؤمن كالبنيان). وهذا حديث عظيم جداً، ولا يشعر بعظمة النصوص إلا من عاشها، فإن المؤمن لو وقع في بلية من البلايا ونزلت به آفة من الآفات واجتمع حوله المؤمنون في بليته هذه، وأخذوا بيده وواسوه فيها وأعانوه على أن يخرج منها بسلام فإنه يشعر بأهمية الأخوة الإيمانية، ويشعر بأن المؤمن للمؤمن كالبنيان، تماماً بتمام؛ لأن البنيان لا يقوم ولا يتماسك إلا إذا رصت أحجاره واتصل ببعض، وكذلك المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

    1.   

    المؤمن لا يصحب إلا مؤمناً

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف -أي: اجتمع وتلاقى- وما تناكر منها اختلف). ولذلك فالمؤمن لا يستريح مع الفاجر الفاسق، والعكس بالعكس سواء؛ لأن روح المؤمن طيبة نقية، وروح الفاسق خبيثة لئيمة، فلا يجتمعان، فـ(الأرواح جنود مجندة)، أي: كالجنود تماماً، (فما تعارف منها ائتلف)، واجتمع وانظم بعضه إلى بعض. (وما تناكر منها اختلف)، وتباعد وتنافر، فإذا أراد الله بعبد خيراً وفقه لمعاشرة أهل السنة والجماعة والصلاح والدين، ونزهه عن مصاحبة أهل الأهواء والبدع المخالفين.

    ومن علامات سعادة المرء أن يصاحب مؤمناً، ولا يصاحب شقياً خبيثاً، ومن سعادته كذلك أن يوفق إلى مسجد بجوار داره قائم على السنة، وأن يوفق لشيخ يعلمه العقيدة الصحيحة وأصول دينه، ومن تعاسة المرء وسوء قدره وقلة نصيبه وحظه أن يتعرف على رجل من أهل البدع فيعتقد أنه أعلم الناس وأتقاهم، فيشرب بدعته، ويكون بئس الخلف لبئس السلف، بخلاف من وفق لأهل الصلاح والدين لأجل الاستقامة كذلك.

    وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه

    فكم من جاهل أردى حليماً حين آخاه

    يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه

    وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه

    وللقلب على القلب دليل حين يلقاه

    1.   

    آداب الصحبة والأخوة

    إذا وفقت ابتداء لرجل من أهل الصلاح ينصحك إذا أخطأت، ويردك إلى الصواب إذا شردت؛ فاعلم أن هناك آداباً وأحكاماً وأصولاً تتبع بين هؤلاء الأصدقاء.

    حسن الخلق

    ومن هذه الآداب: حسن الخلق، فيتخلق كل واحد لصاحبه بأحسن ما عنده من خلق، فهذا واجب لكل أخ على أخيه، ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: (ما خير ما أعطي المرء -أي: ما أعظم شيء يعطى المرء-؟ قال: الخلق الحسن).

    والخلق الرديء المذموم تنفر منه الطباع، حتى البهائم والحيوانات والحشرات تنفر من الخلق السيئ، فتجد الحيوانات تنفر من أصحابها إذا كانوا يكثرون ضربها، ولا يؤدون لها حقها من الطعام والشراب والمبيت وغير ذلك، وأنتم تعلمون قصة الجمل الذي أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتكلم بين يديه، وشكا صاحبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه سيء الخلق.

    حسن الظن

    ومن حقوق الأخوة: تحسين الظن؛ فإذا كان صالحاً فحقه عليه أن يحسن به الظن، ولذلك يقول ابن سيرين: احمل أخاك على أحسن الظن إلا أن تعذر، يعني: إلا ألا تجد في الخير محملاً، كأن يفعل فعلاً أو يقول قولاً ليس له فيه مخرج، فأما مادام هناك مخرج فلابد من حمله على أحسن المحامل حتى وإن كان في ظاهره قولاً سيئاً، وقل: إنما كان يقصد كذا، فمن حق الأخ عليك حمل عيوبه على التحسين لا على التقبيح، ولقد قال ابن المبارك: المؤمن يطلب معاذير إخوانه، يعني: دائماً يرى لهم العذر في أفعالهم وأقوالهم القبيحة، ويجد لها مخرجاً، بخلاف الفاجر والمنافق فإنه يطلب عثراتهم، وإن أخطئوا عفواً أو سهواً أو خطأ فإنه لا يغفر لهم هذا الخطأ وهذه الزلة قط، وأما المؤمن فإنه وإن كان هذا الفعل قبيحاً فإنه يحمله على محمل حسن.

    المعاشرة بالحسنى

    ومن حقوق الأخوة في الله: المعاشرة بالحسنى، ومعاشرة الموثوق بدينه وأمانته ظاهراً وباطناً، كما قال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ [المجادلة:22]، وعدد الله عز وجل في الآية كل ما يمكن أن يكون قريباً منه، فلا يمكن أن تكون هناك مودة قط بين رجل آمن بالله ورسوله وبين رجل لم يؤمن بالله ورسوله، ولو كان أقرب المقربين إليه.

    وحسن المعاشرة تكون مع الأكابر بالحرمة والخدمة والقيام بأشغالهم، وتكون مع الأقران ومن كان في عمرك وسنك بالنصيحة، وبذل الموجود الممكن لهم، ما لم يكن إثماً، وللصغار والأتباع بالإرشاد والتأديب والحمل على ما يوجبه العلم، وآداب السنة، وأحكام البواطن، والهداية، والتقويم بحسن الأدب.

    الصفح عن العثرات

    ومن حقوق الأخوة كذلك الصفح عن عثرات الإخوان، وترك تأنيبهم عليها؛ لأن المرء إذا أُنب على كل خطأ فلابد أن يمل، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى خطأ من بعض أصحابه نصح نصيحة عامة، ولا يخص الذي أخطأ بعينه، وإنما كان يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، ولا يقل: ما بال فلان بن فلان، أو فلانة بنت فلان، وإنما يقول: ما بال أقوام، فيصلح أمر المخطئ، ويعم بالنصيحة دون إحراج، لا يخص الذي أخطأ، فربما لا يدري الذي أخطأ أنه أخطأ أو أنه خالف الشرع، فالأولى أن يترفق به، ولا يؤنب في كل كبيرة وصغيرة، ويتوجه إليه بالنصيحة بلطف ورفق، وموافقة الإخوان والأصحاب والخلان خير من مخالفتهم الدائمة، ما لم يكن في هذه الموافقة إثم في مخالفة أمر أو ارتكاب نهي، والعفو عن زلاتهم وحمد الإحسان منهم أكبر عامل على دوام هذه الأخوة الإيمانية.

    ترك الحسد

    ومنها: ترك الحسد، فهو من أعظم عوامل تآلف القلوب، واحتفاظها بالود القائم بينها، ولو علم عن صاحب أنه يحسد ويستكثر نعمة الله عز وجل على إخوانه وأصحابه فسينفضون عنه وينفرون منه، فترك الحسد أعظم عامل على دوام الصحبة وبقائها، فعلى المرء أن يفرح بذلك ويحمد الله على ذلك، كما يحمده إذا كانت هذه النعمة عليه هو، والله تعالى ذم الحاسدين على ذلك بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، فهو فضل الله عز وجل، والحاسد لم يؤمن بقضاء الله وقدره المقدر قبل خلق السماوات والأرض؛ لأنه لو آمن بهذا القدر لبارك لإخوانه ما آتاهم الله تعالى من فضله، وحمده تبارك وتعالى على ما أنعم به عليه، أو صبر على ما وقع به من بلية وكرب، فإن من العباد عباداً فقراء لو أغناهم الله تبارك وتعالى لكفروا بهذه النعمة، وإن من العابد عباداً لو أفقرهم الله لكان الفقر سبباً في هلاكهم بل وفي كفرهم، فالله عز وجل حكيم يضع نعمه حيث شاء، فإذا وضع نعمة المال أو الصحة أو العافية أو الفراغ عند عبد فإنما وضع ذلك لحكمة عظيمة، وإذا نزع ذلك من عبد فإنما نزعه لحكمة عظيمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كاد الحسد أن يغلب القدر). وهو حديث فيه ضعف إلا أن معناه صحيح.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تحاسدوا). والنهي هنا للتحريم.

    البشاشة في وجوه الأصحاب

    كذلك من حقوق الأخوة الإيمانية: إظهار الفرح والبشاشة، وأعظم من يتحلى بهذه الصفة هم أهل العلم، وأكثر الناس تخلياً عن هذه الأخلاق هم العباد؛ لأن العباد يعتبرون أن البشاشة والتبسم كبيرة من الكبائر، ومنقصة، ومذهبة لبهاء عبادتهم، والشيطان يعلم أن العالم خير من ملء الأرض من العباد، وإن العالم ليمزح مع إخوانه وطلابه، وفي مزحه معهم غيظ ودحر للشيطان.

    وبشاشة الوجه ولطف اللسان وطلاقته وسعة القلب وبسط اليد وكظم الغيظ وترك الكبر وملازمة الحرمة وإظهار الفرح بما زرق من عشرتهم وأخوتهم أمر ممدوح في كل شريعة نزلت من عند الله عز وجل.

    مصاحبة أهل العلم والصلاح

    ومن حقوق الأخوة: ألا تصاحب إلا عالماً، أو عاقلاً فقيهاً حليماً؛ لأن صحبة الجهال لا تثمر إلا نكداً، وصحبة أهل العلم والصلاح والديانة فيها ثمرات يانعة، وخيرات عظيمة جداً، فإنهم إذا رأوك على معصية قومك ونهوك، بخلاف الجاهل الفاسق فإنه إذا وجدك على طاعة استهزأ بك، وسخر منك، حتى تشعر بضعف إيمانك وقلة علمك بالله عز وجل، حتى تشعر بأنك أقل منه، ثم تفقد الإيمان شيئاً فشيئاً حتى تكون على منهجه وأخلاقه وسلوكه، والمرء على دين خليله.

    قال ذو النون رحمة الله عليه: ما خلع الله على عبد من عبيده خلعة أحسن من العقل، ولا قلده أجمل من العلم، ولا زينه بزينة أفضل من الحلم، وكمال ذلك كله تقوى الله.

    سلامة القلب للصاحب ونصيحته

    ومنها: سلامة القلب، وإسداء النصيحة من علامات صحة الصحبة، وحسن العشرة، والله تعالى يقبل ذلك منه، لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89]. فلابد أن يكون قلبك سليماً في معاشرتك لإخوتك وخلانك، وأما إذا كان القلب فاسداً ممتلئاً بغضاً وحقداً وحسداً وغلاً وغشاً وخيانة لرفيقك في الطريق أو لجارك أو لمن يصلي بجوارك بالمسجد فكيف تسمي هذه العلاقة صحبة؟!

    وقال السقطي رحمة الله عليه: من أجل أخلاق الأبرار سلامة الصدر للإخوان والنصيحة لهم. وكل حرف من هذا يحتاج إلى ضبط، إلا أننا نجمل المعاني اتكالاً على أن معاني هذا الكلام معلومة لدى السامع.

    فمن أجل أخلاق الأبرار والصالحين سلامة الصدر والنصيحة للإخوان، وإن رأى الناصح في أخيه منقصة نصحه بلطف.

    واليوم أصبحت النصيحة آخر العهد بين الصاحبين، فما دام أنه نصح فقد وقف على فضيحة ومنقصة فيه، فيسد هذا الباب تماماً؛ لأنه كل قليل سيرى أنه أرفع منه، وأصبح من يقبل النصيحة الآن قلة جداً، بل إن الواحد يطلب النصيحة فإذا نصح وقيل له: إن فيك كيت وكيت قال: وأنت أيضاً فيك كيت، ويرد النصيحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يرى أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه). والمؤمن مرآة أخيه، فهو يرى أدق العيوب التي عند صاحبه وأصغرها وأحقرها، وهذا الصاحب عنده عيوب كبائر وعظائم، ولكنه لا يراها، وهو غافل عنها، فإذا ذكر بها قال له: وأنت عندك مصائب، فإذا قلت: إن هذه التي تذكرني بها قد تبت منها إلى الله عز وجل، قال: وأنا لن أنساها لك، فلن أنسى أنك في يوم كذا زنيت، وفي يوم كذا سرقت، وفي يوم كذا قطعت الطريق، وفي يوم كذا غششت، وفي يوم كذا خنت، ولو تبت من هذا كله فلن أنساه، فما دام أنك تكشف ستري فأنا أيضاً سأكشف سترك. وهو الذي قال له أولاً: انصحني. فلا أحد يقبل اليوم النصيحة بصدق وإخلاص لله عز وجل، فإذا نصحك ناصح وأغلظ لك في النصيحة فاقبلها منه واشكره عليها، وقد كان عمر بن الخطاب -الذي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الذين شهدوا بدراً والعقبة، وهو من خيار الصحابة- يقول: ما أبقت لي النصيحة صاحباً.

    إن سلامة القلب وإسداء النصيحة من ألزم حقوق الأخوة، ولكن وسع صدرك من أجل أن يصلح حالك، واطلب النصيحة من أجل الاستقامة، والنصيحة ثقيلة على القلب، فعلى من يطلبها أن يوسع قلبه وصدره لقبولها وليجاهد نفسه على ذلك.

    الوفاء بالوعد

    ومن حقوق الأخوة أيضاً: عدم إخلاف الوعد، يقول عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث وذكر منها: إذا حدث كذب) فلا يمكن مصاحبة من اشتهر عنه الكذب؛ إذ كيف يصدق هذا؟! فهو كلما تكلم كذب، فكلامه لا يؤمن، وهذه الصحبة ستكون في منتهى الحذر، إذ كل ما يقوله يلزم التحقق منه، فمثل هذا لا يمكن مصاحبته. (وإذا وعد أخلف)، أي: لا يكاد يفي بوعد إذا وعد. (وإذا اؤتمن خان).

    وقال الثوري رحمه الله: لا تعد أخاك وتخلفه فتعود المحبة بغضاً.

    وقد أنشدوا فيمن اعتاد خلف الوعد:

    يا واعداً أخلف في وعده ما الخلف من سيرة أهل الوفا

    ما كان ما أظهرت من ودنا إلا سراجاً لاح ثم انطفا

    صحبة أهل الوقار ومن يستحيا منه

    ومنها: صحبة أهل الوقار، ومن يستحيا منه؛ ليزجره ذلك عن المخالفات، وأما صحبة أهل اللهو واللعب فإنها تعلم اللهو واللعب، وصحبة أهل السمت والوقار والسكينة والرجولة والجد والصبر عليها تعلم الوقار والسكينة والحلم والجد وترك اللهو والهزل، وقد قال علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه. فكأن الحياء هذا يموت ويحيا، وحياته بمصاحبة من يستحيا منه.

    وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشمه، أي: من لا أستحي منه، وهذا مثل الشخص إذا خلا بنفسه واستشعر أن الله تعالى مطلع عليه ويراه فإنه لا ينتهك محارم الله قط.

    وقد سألني سائل أنه لا يقوى على ترك الاستمناء، فقلت: أتستمني أمام أبيك؟ قال: لا، قلت: وأمام أمك؟ قال: لا، أمام أحد من الناس؟ قال: أحياناً أستمني مع أصحابي، أراهم ويرونني، فقلت له: إذا كنت لا تستمني وتستحي من والديك ومن أصحاب الوقار وأهل العلم والصالحين فكيف لا تستحي من الله عز وجل إذا خلوت؟! فأقسم بالله ألا يعود إليها قط مهما بلغت به الشهوة، فقلت له كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن تصدق الله يصدقك). فلو كنت صادقاً في هذا العهد مع الله عز وجل فلابد وأنه سيصرف عنك هذا الشر.

    الإخلاص لله في الصحبة

    ومنها: أن تكون الصحبة قائمة على الإخلاص لله عز وجل، فلا تصحب أحداً لمصلحة، ولا لغرض، ولا لحيازة متاع، وإنما ترعى في الصحبة صلاح الإخوان لا مرادهم، يعني: لا تراعي صاحبك هذا في ماذا يريد منك فتفعله، وإنما صاحبه لأجل صلاحك وصلاحه، لا لأجل هواه، سواء كان هذا الهوى مخالفاً أو موافقاً للشرع، فإن هذا من سوء العشرة والصحبة، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). والعبد يحب لنفسه الصلاح والتقوى، ولا يكون العبد على غير ذلك إلا إذا كان العبد منكوس الفطرة معكوس الهداية، وقد قال أحد الحكماء: صفوة العشرة للخلق رضاك عنهم بمثل ما تعاشرهم به.

    وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله: اطلب الفضل بالإفضال منك، فإن الصنيعة إليك كالصنيعة منك. يعني: لابد أن تحب لهم ما تحب لنفسك، وهذا الذي عبر الله تبارك وتعالى عنه بالإيثار في قوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    ولو أن رجلاً يقدم إخوانه على نفسه في ماله فهذا إخلاص في الصحبة، وأعظم ما تجد الإيثار في النوازل والملمات وأوقات الضيق، مثل السجون، فتجد الواحد يأتي لزيارة السجون ومعه الملابس والطعام والأموال والأدوية، فيتصدق به المسجون على بقية إخوانه ويؤثرهم؛ لأنه في خلوة بين هذه الجدران الأربعة مع الله عز وجل، فهو يرجع ويتوب ويراجع نفسه في كل قولة وحركة وسكنة فهو قريب من ربه، والعبد غالباً ما يقترب من ربه ويستشعر قرب ربه منه إذا نزلت به بلية، فإذا انغمس في مجتمع الشهوات والحيوانات تناسى ما كان عليه من إخلاص وقرب وإيثار لإخوانه.

    المودة

    ومنها المودة، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث يصفين لك ود أخيك)، يعني: إذا فعلت ثلاثاً مع إخوانك صفا لك ودهم، (أن تسلم عليه إذا لقيته)، فلو قابلك أخ ولم يسلم عليك وهو يراك وترك السلام متعمداً فإنك تغضب منه، ولو سلم بتحية غير تحية الإسلام فإنك تغضب أيضاً، فلو قال لك: صباح الخير، لقلت: هذه تحية الإفرنج، والسلام أين ذهب؟ وفي نفسك ألا ترد عليه، وأما السلام فهو يزيد في المحبة، ويقرب الود ويثبته، ويقويه في القلب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).

    ترك الغل والضغينة ولزوم الصفح والعفو

    ومنها: ترك الغل والضغينة وأمراض القلب، ولزوم الصفح والعفو عن الإخوان، قال هلال بن العلاء : جعلت على نفسي ألا أكافئ أحداً بشر ولا عقوق؛ اقتداء بهذه الأبيات:

    لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من غم العداوات

    فأول نتيجة للعفو والصفح أنه يريح النفس من الرد على هذا.

    إني أحيي عدوي حين رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات

    وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنه قد حشا قلبي مسرات

    وأنشد أحمد بن عبيد عن المدائني :

    ومن لم يغمِّض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب

    ومن يتتبع جاهداً كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب

    يعني: لن يسلم لك صاحب ليس عليه عتاب ولا عيوب، فهو بشر جبل على النقص والعيب، ولو أنك التمست صديقاً لا عيب فيه فلن تجد، وستكره حتى نفسك بعد هذا؛ لأن فيك عيوباً.

    والنبي عليه الصلاة والسلام كان حسن الخلق جداً حتى مع عبدة الأصنام والأوثان، بل ومع المنافقين الذين أطلعه الله عز وجل على ذواتهم، وأسمائهم، وقد (استأذن رجل على رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: من؟ فقال: فلان، فقال: ادخل بئس أخو العشيرة، فلما دخل هش في وجهه، فلما خرج قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! قلت كذا وكذا، فلما دخل هششت وبششت في وجهه! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن هؤلاء أقوام تبغضهم قلوبنا، وشر الناس من يتقى لفحشه). فهذا إنسان فاحش، وأنا أتجنب فحشه بطلاقة وجهي وبشاشتي في وجهه، وهذا يسميه أهل العلم المداراة، وهو ليس نفاقاً.

    حفظ العهد

    ومنها: حفظ العهد.

    ملازمة الأخوة والمداومة عليها

    ومنها: ملازمة الأخوة، والمداومة عليها، وترك الملل منها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، أي: وإن كان قليلاً، ولكن صاحبه مداوم عليه، فهذا خير وأحب إلى الله من عمل كثير منقطع.

    وقال محمد بن واسع : وليس لملول صديق ولا لحاسد غنى.

    إقلال العتاب والإغضاء عن بعض العيوب

    ومنها: إقلال العتاب والإغضاء عن الصديق في بعض المكاره.

    قال الشاعر:

    صبرت على بعض الأذى خوف كله ودافعت عن نفسي بنفسي فعزت

    أي فأصابها العزة.

    فيا رب عز ساق للنفس ذلها ويا رب نفس بالتذلل عزت

    ترك الاستخفاف بالإخوان

    ومنها: ترك الاستخفاف بالإخوان، ومجالس الفساق كلها استخفاف واستهزاء وضحك لا قيمة له، وقلة عقل وتفاهة في الأسلوب والنقاش والتفاهم، وكل ذلك من أردأ أنواع الخلق، فاعرف كل واحد منهم لتكرمه على قدره؛ لأن الإسلام أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وكل واحد له في الإسلام منزلة، فلا يساوى في الإكرام وفي المنزلة بين العزيز وبين الذليل، ولا بين صاحب الطاعة وبين من خلط طاعته بمعصية، فكل له قدره، والاستخفاف بأهل العلم ليس كالاستخفاف بغيرهم، قال ابن المبارك : من استخف بالعلماء ذهبت آخرته؛ لأن العلماء هم الذين يدلونك على الآخرة، فإن استخففت بهم خزنوا عنك علمهم، فخضت في العماية والجهالة والحيرة، حتى لا تدري أين تضع قدمك.

    وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من خيار التابعين، وكان في خلقه حدة، وقد كان تلميذاً لـابن عباس ولكنه كان يغلظ له، فلما مات ابن عباس وبرز سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وغيرهما من تلاميذ ابن عباس الذين عرضوا القرآن عليه مرات ورأى ذلك أبو سلمة قال: سبحانك ربي! لو أني رفقت بـابن عباس لاستخرجت منه علماً كثيراً. ولكن حدته وسوء خلقه ضيعته عن شيخه، فخزن عنه العلم، ولذلك ورد عن كثير من السلف التحذير من ذلك، وذكر ذلك ابن عبد البر والخطيب البغدادي في كتبهم التي تكلمت عن أحكام الرواية وآدابها، كجامع بيان العلم، والفقيه والمتفقه، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وذكروا أبواباً كثيرة في الآداب التي يتحلى بها الطالب مع شيخه، وكيف يستخرج ما عند شيخه من علم بحسن الأدب والسمت والهدي والذل والأخلاق، أبو سلمة ندم ندماً شديداً على أنه لم يتأدب مع ابن عباس .

    يقول مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير، كل منهما يقول: وإني كنت أحصل على المسألة من ابن عباس ولو أذن لي أن أقبل قدمه لفعلت. فانظروا وقارنوا بين موقف هذين وبين موقف أبي سلمة .

    ولذلك كان كثير من السلف إذا دخل في المجلس من يكرهه يقول: إما أن تنصرف، وإما ألا أحدثكم اليوم ولا غداً.

    وكان إسماعيل بن أبي عياش والفضيل ورجاء بن حيوة وابن عون ومالك والشافعي وابن عيينة والثوري يهابون في مجالس العلم أعظم من هيبة الأمير، حتى كان لا يبرى قلم، ولا تقلب ورقة، ولا يضحك ولا يبتسم في مجالسهم، ولذلك ورد عن الأعمش أنه كان يملي في مجلس فإذا قال: حدثنا فلان سمع همهمة فقال: السماء تمطر؟ قالوا: لا، فيسكت ثم يقول: حدثنا فلان، فيسمع همهمة، فالكل يحدث بعضهم بعضاً: حدثنا فلان ويسكت، فيسمع من مجموع الأصوات كأن السماء تمطر فيقول: السماء تمطر؟ فيقولون: لا، فيقول: بل تمطر. فينظر كل واحد منهم إلى سقف المسجد فيقولون: لا تمطر يا شيخ! فيقول: إذا سمعت مطر السماء قمت عنكم لا أرجع إليكم إلا بعد شهر.

    ورجاء بن حيوة لما ضحك أحد في مجلسه قال: أتطلب العلم وأنت تضحك؟! فقال: يا إمام! أليس الله تبارك وتعالى قال: أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43]؟ يعني: يريد أن يقول له: الضحك هذا بقدر الله عز وجل، فهو الذي أضحكني، فيقول له: إذاً: ابك، فقد قال الله: أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43]. ثم انطلق رجاء ولم يعد إليهم إلا بعد شهر بشفاعة الشافعين. فهناك آداب ينبغي أن يتحلى بها الطالب؛ حتى يحصل على العلم.

    عدم مقاطعة الصديق بعد مصادقته

    ومنها: ألا تقاطع صديقاً بعد مصادقته، ولا ترده بعد قبول، ولذلك قال الشاعر:

    لا تمدحن امرأً حتى تجربه ولا تذمنه من غير تجريب

    فإن حمدك من لم تبله سرف.

    يعني: مدحك لمن لم تخبره وتعرف أخلاقه من الإسراف.

    وإن ذمك بعد الحمد تكذيب.

    وهذا كما فعل اليهود مع عبد الله بن سلام ، فقد كان عبد الله بن سلام حبراً من أحبار اليهود، ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسمع بمقدمه أتاه فقال: يا محمد! إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي، فسأله ثلاثة أسئلة فلما أجابه النبي عليه الصلاة والسلام قال: أشهد أنك نبي ودخل في الإسلام، ففرح النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامه فرحاً شديداً جداً؛ لأنه حبر كبير من أحبار اليهود، وقد كان يمثل المرجعية لليهود، كالبابا شنودة اليوم يمثل المرجعية للنصارى، فتصور شنودة أسلم -وذلك ليس ببعيد على الله عز وجل- فما موقف النصارى في مصر؟ ولو أن بابا الفاتيكان أسلم فما موقف أمة النصارى؟ والنبي عليه الصلاة والسلام لما وجه الرسالة لـهرقل قال له: (أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين). مرة على الإسلام، ومرة على الأريسيين -أي: على الفلاحين- الذين معه، فلو أسلم لأسلم من معه، ولو بقي على الكفر لأعطى لهم مصداقية ومشروعية لما هم عليه من كفر. فأهل العلم يستفاد منهم في كل قولة وحركة وسكنة، ولو أخطئوا فهم بشر، ولابد من احتمال الخطأ منهم، وقد كان السلف قبل أن يذهبوا إلى المجلس يتصدقون عن شيوخهم وعلمائهم، ويقولون عند الصدقة: اللهم استر عيوب شيوخنا، ونحن في هذا الوقت نذهب نتلمس عورة الشيوخ وأهل العلم وتصبح فضيحة، وهذا ليس من خلق الإسلام أبداً.

    ولما سرق رجل مصري في الأردن سنة خمس وثمانين سرقة عظيمة يقام عليها الحد اجتمع هناك الإخوة والمشايخ والعلماء وفضحوه فضيحة عظيمة، وهذا الذي سرق ولد صالح، ولكن وقع في السرقة، هذه مثلما وقع ماعز الأسلمي في الزنا ووقعت المرأة الغامدية في الزنا، فلا حرج عليه إن تاب، وأرسل أحد الشيوخ هناك لوالد الولد هنا رسالة طويلة عريضة جداً يبين له أن ولده سرق وقد انتشر الخبر في كل بقاع الأردن بل وغير الأردن من البلاد المجاورة كالسعودية وغيرها، فرد والد الولد على ذلك الشيخ برسالة لطيفة جداً كلها تنضح أدباً، فقال: أيها الشيخ الفاضل! إذا كان ولدي سرق فهو بين أمرين، إما أن تقيموا عليه الحد إن وسعكم، وإما أن تستروا عليه وهذا يسعكم، ولا يوجد غير هذا، فإما أن يؤدب بأدب الشرع، وإما أن يستر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لـهزال الذي كان ماعز في حجره: (ويحك يا هزال -يعني: يا ويلك- لو سترته بثوبك لكان خيراً لك).

    وإذا صفا لك من الدنيا صديق واحد فقد رضي الله عنك، وقد كتب عالم إلى عالم مثله أن: اكتب لي بشيء ينفعني في عمري، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، استوحش من لا إخوان له -يعني: من ليس له أصدقاء فإنه في وحشة وضيق- وقد فرط المقصر في طلبهم، وأشد منه تفريطاً من ظفر بواحد منهم فضيعه، فوجد الكبريت الأحمر أيسر من وجدانه. أي: أن وجد الكبريت الأحمر أيسر من وجدان الصديق المخلص، أي: أن وجدان الصديق المخلص أشد عزة وندرة من وجدان الكبريت الأحمر، والناس ثلاثة: معرفة، وأصدقاء، وإخوان، فالمعرفة بين الناس كثيرة، فأنا أعرف فلاناً وفلاناً وفلاناً، ولكن ليس بيني وبينهم صداقة، والصداقة عزيزة، والأخ قلما يوجد، يعني: الصديق عزيز جداً ومناسب جداً، وأندر منه الأخ الذي أنت وهو سواء.

    التواضع وعدم الكبر

    ومن حقوق الأخوة كذلك: التواضع وعدم التكبر، قال النبي عليه الصلاة والسلام : (إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد). وقيمة التواضع أنه ينجي من الفخر بين الناس، والبغي عليهم، فمن كان صاحب تواضع وإخبات وذل فليعرف أن هذه نعمة الله عز وجل أداها إليه ولو شاء لسلبه إياها ومنحها آخر، فيصبح متعالياً على الناس ومفسداً في الأرض بهذا المال ومتكبراً على عباد الله، فإن كان الآخر من أهل الصلاح استصحب التواضع، فكان المال بين يديه محموداً، بخلاف الأول الذي كان المال بين يديه مذموماً؛ لأنه استخدمه في الكبر والفخر والخيلاء والغطرسة والتعالي على إخوانه وعدم أداء حقوق الله عز وجل في هذا المال، بخلاف الرجل الصالح الذي يعرف حق الله وحق العباد فيما رزق من مال، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم المال الصالح للرجل الصالح). فقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام المال بالصلاح مع أن المال في ذاته لا يوصف بالصلاح ولا الفساد؛ لأن المال يصلح أو يفسد بسبب مالكه، وإنما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاح؛ لأنه لا يستخدم إلا في أوجه الصلاح، والذي يستخدمه هو ذلك العبد الصالح.

    جوامع العشرة

    وجوامع العشرة قول ابن الحسن الوراق وقد سأل أبا عثمان عن الصحبة، قال: هي مع الله تعالى بالأدب، أي: حسن الصحبة مع الله عز وجل أن تتأدب معه عز وجل وتعرف ما له عليك. ومع الرسول عليه الصلاة السلام بملازمة العلم واتباع السنة.

    وأنت إذا نظرت إلى الصحبة مع الله عز وجل تجد الكثير جداً من الأمة لا يحسنون صحبة الله عز وجل؛ لأن الكل يسخر بالله وبأسمائه وصفاته وكتابه وأنبيائه ورسله، ويكتبون سخريتهم على صفحات الجرائد والمجلات، ويسخرون أيضاً بأهل العلم والفضل، وحسبنا أن الكلمة النافعة تمكث في الأرض وتبقى ويكون لها الجذور، وينتفع بها من وفقه الله عز وجل للخير، ولذلك قال الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17]، وقد ضرب الله عز وجل للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة مثلاً بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة، فهذه تثمر وتورق، ويعم خيرها بخلاف الأخرى، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للمسلم بالشجرة الطيبة، فقال: إن مثل المسلم مثل شجرة، فضرب الناس في أشجار البوادي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما هي؟ قال عبد الله بن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة -لأنها تثمر رطباً وبلحاً، وتغذي أصحابها وطالبيها-، ولكن منعه أن يتكلم صغر سنه، فلما أخبر بذلك أباه، قال: لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها. فالمرء يحب لولده الخير أكثر مما يحبه لنفسه.

    ولو نظرنا إلى التأدب مع الله عز وجل في هذا الزمان لوجدنا أمراً عجباً جداً، والأعجب منه أنه يسب الله تعالى، ويسب كلامه ويعترض على الله عز وجل في كل آية، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث، ويدعي من يفعل ذلك أنه مسلم، وهذا أمر محير؛ إذ كيف يكون مسلماً وهو يرد على الله عز وجل معظم كلامه، ولا يتعامل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا من منطلق ضحالة عقله، فما وافق العقل أخذه وما خالفه رده؟ فهو ينسب العيب لدين الله عز وجل ولشرعه ولا ينسبه لنفسه أبداً، فكيف يكون هذا إيمان ودين؟! فالأدب مع الله في هذا الزمان قليل، بل هو أقل من القليل، فكل يوم يظهر شخص يسب النبي صلى الله عليه وسلم، ويسب الله عز وجل ويسب الدين، وفي هذا الوقت أصبح سب الإله بين أطفال المسلمين مثل مضغ اللبانة، وحتى في مجتمعات الكفر لا تجد سب الدين إلا من المسلمين أيضاً، وحتى الكفار أنفسهم لا يسبون الدين، ولم يعهد ذلك إلا في بلاد المسلمين وخاصة في مصر.

    فحسن الصحبة مع الله عز وجل هي بالتأدب معه عز وجل، والتأدب مع كلامه، ومع أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى.

    والتأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام بملازمة العلم واتباع السنة، والخطاب بالسنة إذا كنت طالب علم.

    ومع الأولياء بالاحترام والخدمة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، يعني: من آذى ولياً من أولياء الله عز وجل فبدلاً من أن تكون الحرب بينه وبين ذلك الولي تنتقل مباشرة إلى حرب بين الله تعالى وبين هذا الذي آذى عباد الله وأولياءه، ومن يطيق محاربة الله له؟ فالخلق بأسرهم أضعف من أن يدخلوا مع الله عز وجل في كيد أو في حرب.

    وكذلك مع الإخوان بالبشر والانبساط وترك وجوه الإنكار عليهم، أي: ترك الإنكار عليهم في كل صغيرة وكبيرة، إنما تنكر عليهم ما لا يسعك السكوت عنه، ولم يكن فيه خرق شريعة أو هتك حرمة، كما قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199].

    والصحبة مع الجهال بالنظر إليهم بعين الرحمة، فالجاهل إذا وقع في معصية بجهله فإنه يحتاج إلى صبر، والكلام هذا يلزمنا نحن أكثر مما يلزم العوام؛ لأننا نقابل هؤلاء الجهال، وهم لا علم لهم، بل ولا خلاق لهم، فمثلاً الرجل الذي دخل المسجد فبال فيه، لو تصورنا أن شخصاً جاء الآن وبال على جدار المسجد من الخارج من جهة الشارع فإننا سنقوم عليه قومة رجل واحد، فإما أن ينجو إن قدر على الهرب وإما أن يهلك، وكل واحد سيجد لفعله مسوغاً بأنه بال على بيت من بيوت الله، وهناك من سيقول له: يا كافر! وآخر سيقول له: يا فاسق! وثالث سيقول له: يا جاهل!

    فالرجل دخل المسجد فبال فيه قائماً، والصحابة فعلوا مثل ما كنا سنفعل نحن بالضبط، فقد قاموا عليه قومة رجل واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، أي: لا أحد يفزعه، والرجل واقف يبول ولم يمنعه حتى الحياء، وبعد أن فرغ من بوله أتى وسأل: أين محمد؟ وهذه جلافة وسقطة ثانية، قال: ها أناذا، قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً. وهذه سقطة ثالثة، والنبي صلى الله عليه وسلم رد على هذه فقط، فقال: (لقد حجرت واسعاً). فرحمة ربنا وسعت كل شيء، فالناس الذين آمنوا أين ستأتي بهم؟

    يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: والحكمة النبوية اقتضت هذا؛ فلو أنهم قاموا وأزرموه وفجعوه فربما جرى في السجد كله فنجسه جميعاً، وربما نجس ثوبه وبدنه، والخطورة هنا أعظم، ولكنه لو بال في مكان واحد لسهل تطهير هذا المكان، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (اهرقوا عليه دلواً أو سجلاً أو ذنوباً من ماء). ولم يقل له: عقوبة لك على بولك في المسجد أن تنظفه، بل قال لأصحابه: نظفوا المسجد بذنوب ماء، وانتهت المسألة.

    وانظر إلى مسألة العطف على الجاهل والتلطف معه والرحمة به، فقد جعلته يتمنى ألا يرحم الله أحداً إلا هو ومن رحمه، هو لأنه يحب نفسه، ومن رحمه لأنه رحمه، وهكذا ينبغي على أهل العلم والدعاة وطلاب العلم أن يتعاملوا مع المدعوين من باب التلطف والرحمة بهم، واللطف والرحمة يجدان طريقهما إلى القلوب مباشرة، والله تبارك وتعالى أمرنا بهذا الأسلوب في الدعوة إليه، فقال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    حفظ المودة والأخوة

    ومنها: حفظ المودة والأخوة أمر مطلوب أيضاً، فقد دخلت امرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدناها، فقيل له في ذلك، فقال: (إنها كانت تأتينا أيام خديجة)، يعني: دخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم فأكرمها، فتعجب الصحابة رضي الله عنهم لاهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بها، فقال: (إنها كانت تأتينا أيام خديجة). وهذا الموقف قد وقع في بيت عائشة رضي الله عنها، فقد كان لـخديجة أخت صوتها مثل صوت خديجة ، فلما ماتت خديجة وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة سمع صوت أختها على الباب تنادي عليه صلى الله عليه وسلم، وكان رأسه في حجر عائشة وعليه إزاره، فلما سمع بصوت أخت خديجة قام مسرعاً وضم إزاره إلى حقوه، وخرج مسرعاً إليها وقال: هذه أخت خديجة ، فغارت عائشة غيرة شديدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غارت أمكم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ ود خديجة رغم أنها قد ماتت، لما كان بينهما من ود وإخاء ومحبة وخدمة وغير ذلك، ومن أوفى في البشر بعهده من النبي عليه الصلاة والسلام؟

    ما ذاقت النفس على شهوة ألذ من حب صديق أمين

    من فاته ود أخ صالح فذلك المغبون حق اليقين

    صحبة السلامة

    وصحبة السلامة، وهي كما عرفها أبو عثمان الحيري وقد سئل عنها فقال: أن يوسع الأخ على أخيه من ماله، ولا يطمع في ماله، وينصفه من نفسه، ولا يطلب الإنصاف منه، ويستكثر قليل بره، ويستصغر ما منه إليه. وهذا عظيم جداً، فعليك أن تحفظ ود أخيك بعدة أشياء: أن توسع عليه من مالك، فإذا كان في حاجة فاصرف عليه، ولا تحوجه إلى السؤال، فإن الحياء يقطع مالك، وإذا كنت صاحب مال فاعلم أن الله تعالى افترض في مالك حقاً لذلك الفقير، ولا تطمع في ماله.

    وأن تنصفه ولا تطلب الإنصاف منه، يعني: أن تنصفه من نفسك ولا تقل له: أنا أنصفتك من نفسي، فأنصفني أنت أيضاً، واترك هذه له هو، فطالما أنك أديت له حقه فلابد وأنه سيعطيك حقك.

    واستكثر قليل بره، يعني: إذا أعطاك هدية صغيرة فقل: لقد كلفت نفسك، وما كان لك أن تفعل هذا قط، وهذا أمر فوق الطاقة، ونحن لا نستحقه، وقد أتيت لنا بالدنيا بأسرها، وتشعره بأنه أعطاك جبلاً من الخير، ولا تستكثر ما أعطيته له، بل استكثر ما قد أتاك منه ولو كان هيناً ولا قيمة له.

    معرفة حقوق الفقراء والقيام بحوائجهم

    حفظ أسرار الإخوان

    ومنها: حفظ أسرار الإخوان، فإذا أردت إظهار سر فأطلع عليه شخصاً آخر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود). وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إفشاء السر خطراً عظيماً جداً، وصاحبه فيه خصلة من خصال المنافقين، فمن علامات المنافق أنه (وإذا خاصم فجر)، يعني: أنه يظهر كل عيوبك ونقائصك بعد الخصومة ويفشيها.