إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [108]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وقع الاختلاف في الأمة بين من يقرون بالكتاب في أمرين: اختلاف على تنزيله، فضلت في ذلك طوائف ممن أنكروا صفة الكلام لله، فقالوا بأن الكلام معنى قائم بالنفس، وأن القرآن عبارة عن كلام الله، أو هو حكاية، واختلاف آخر وقعوا فيه وهو الاختلاف على تأويله، والمتضمن للإيمان ببعضه دون بعض، وكان الصراط القويم والسبيل المستقيم في ذلك ما انتهجه السلف الصالح في ذلك، من تأويل القرآن بالقرآن، أو تأويله بالسنة الصحيحة، ثم تأويله بفهم الصحابة الكرام، ثم تأويله بفهم الأئمة الأعلام.

    1.   

    اختلاف التضاد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والاختلاف الثاني: هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الأخرى ].

    الاختلاف الثاني هو اختلاف التضاد واختلاف الافتراق.

    قال رحمه الله تعالى: [ كما في قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة:253].

    وقوله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19] الآيات.

    وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة -من القسم الأول- وكذلك إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي، في قوله: إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213]؛ لأن البغي مجاوزة الحق، وذكر هذا في غير موضع من القرآن؛ ليكون عبرة لهذه الأمة.

    وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم).

    فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللاً بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية ].

    1.   

    الاختلاف في الكتاب

    قال: [ ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يقرون به على نوعين:

    أحدهما: اختلاف في تنزيله.

    والثاني: اختلاف في تأويله، وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض ].

    الاختلاف في تكلم الله بالقرآن وتنزيله

    قال: [ فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، وطائفة قالت هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكنه مخلوق في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ].

    هذا الكلام كله ليس بصحيح على إطلاقه، يعني: اختلافهم في تكلم الله عز وجل بالقرآن وتنزيله، قالت طوائف من المعتزلة وبعض الجهمية: إن كلام الله حصل بقدرة الله عز وجل، لكنه مخلوق في غيره فلم يقم به.

    وقالت الكلابية ومن سلك سبيلهم من الأشاعرة والماتريدية: إن كلام الله هو صفة قائمة بذاته، ليس بمخلوق، لكن البعض قال: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وهؤلاء هم الكلابية ومن سلك سبيلهم.

    فالكلابية هم أول من قال هذا القول، زعموا أنهم أرادوا التوسط به بين قول المعتزلة وبين قول أهل الحديث، فهؤلاء زعموا أنهم أثبتوا كلام الله عز وجل، وأن كلامه صفة قائمة بذاته وأن الكلام ليس بمخلوق، لكنهم نفوا أن يكون كلام الله متعلقاً بقدرته ومشيئته، وهذه بدعة.

    والحق أن كلام الله عز وجل صفة لله قائمة بذاته، وأنه متعلق بقدرة الله ومشيئته، ولا يحد من مشيئته للكلام شيء، ولا يجوز أن يقال: إن كلام الله هو معنى قائم بالنفس، ولا يجوز أن يقال: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، ولا عبارة عن كلام الله، بل كلام الله عز وجل متعلق بمشيئته، فكما أنه موصوف بالكلام دائماً وأبداً، فكذلك أيضاً موصوف بأنه يتكلم متى شاء سبحانه، وقد ثبت أنه كلم آدم وكلم موسى وكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يكلم الناس يوم القيامة ويناديهم ويناجيهم، وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء.

    إذاً: كل من القولين فيه خطأ وصواب، فالصواب عندهم أنهم أثبتوا كلهم أن الله متكلم، لكن الأولين أخطئوا في قولهم بأن القرآن مخلوق في غيره لم يقم به، أي: أن الله لم يتكلم بحرف وصوت على ما يليق به سبحانه، والآخرون وهم الكلابية ومن سلك سبيلهم أيضاً أصابوا في قولهم: إن الكلام صفة لله قائمة بذاته، وأنه ليس بمخلوق، لكنهم أخطئوا حينما قالوا: بأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولذلك اضطروا بأن يقولوا: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، أو عبارة عن كلام الله، وهذه بدعة؛ لأن الحكاية والعبارة مثل الترجمة لا تعتبر كلاماً، بل لا بد أن تنسب إلى غير الله؛ لأنه إذا كان الحاكي بالقرآن والمعبر عن القرآن غير الله لم يصر كلامه إلا من باب المجاز، والمجاز لا يعبر عنه بالكلام الحقيقي، ولذلك يفرق بين من يتكلم حقيقة، وبين من لا يتكلم حقيقة، ولله المثل الأعلى، الإنسان القادر على الكلام يقال له: متكلم، بخلاف الأخرس لا يقال له: متكلم، مع أنه يمكن مجازاً أن يسمى تعبيره بالإشارات كلاماً، فهو حكاية وعبارة عن كلام الأخرس، لكنه لا يسمى كلاماً حقيقياً عند العقلاء، ولله المثل الأعلى، مع أن الله عز وجل يتكلم كما يشاء، وليس كلامه ككلام المخلوقين، فليس كمثله شيء، لكن نقصد أصل إثبات الصفة، ولا مانع من ضرب الأمثال في أصل إثبات الصفة لله لا في كيفيتها، ولله المثل الأعلى.

    فمن هنا نقول: إن كلاً من الطائفتين أخطأتا، وإن أصابتا في الأصل أو في بعض الأصل، والحق في هذا أن الله عز وجل متكلم موصوف بالكلام، وكلامه قائم بذاته سبحانه، وأيضاً كلامه متعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء وكيف شاء كما يليق بجلاله، وكلامه بحرف وصوت، ويسمى نداء، ويسمى قولاً، ويسمى كلاماً.. إلى آخره.

    أما القول بأنه أقيمت الحجة على من قال: بأن كلام الله حكاية، أو أن القرآن عبارة عن كلام الله، أو أن الكلام معنى قائم بالنفس، فيكفر، فهذا غير صحيح؛ لأن أصل نزعة القول هذه ناتجة عن تأول، وإن كان يلزم من ذلك الكفر، لكن ما دام لا يلتزم، حتى لو كان في عدم التزامه شيء من المغالطة، أو البعد عند العقلاء، وعند أهل العلم والفقه في الدين، فما دام يتأول فإنه سيبقى مبتدعاً ولا يكفر.

    الاختلاف في تأويل القرآن المتضمن للإيمان ببعضه دون بعض

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا).

    وفي رواية: (يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضاً، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به).

    وفي رواية: (فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر) وهو حديث مشهور مخرج في المسانيد والسنن.

    وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: (هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب).

    وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه، إما أن يتأولوه تأويلاً يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه، وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5].

    وقال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه، وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القران فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) فامتثل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ].

    قرر الشيخ في هذا المقطع قاعدة عظيمة من قواعد السلف، وهي من القواعد التي خالفت فيها جميع الفرق، وهي: أن السلف ومن تبعهم في مسألة تأويل القرآن وتفسيره يأخذون بأصول الاستدلال على وجهها الصحيح، فيستدلون في تأويل القرآن بتأويل القرآن بالقرآن، ثم تأويل القرآن بالسنة، ثم تأويل القرآن بفهم الصحابة، ثم بفهم السلف، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، وما ورد من نصوص القدر، أو نصوص العقيدة، أو غيبيات أو في أمر مشتبه عليهم، فما علمه المسلمون واستنبطوه عملوا به وآمنوا وقرروه، وما لم يتبين لهم معناه من أدلة العقائد والأحكام سلموا به، وهذه القاعدة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، منها: (ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا).

    ومنها: (ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به)، وهذه قاعدة عظيمة، بمعنى سلموا بالمتشابه؛ لأنه حق، وإنما قصرت أفهامكم عن إدراكه.

    1.   

    أنواع العقائد والأحكام المتعلقة بفهم الناس لها

    إن نصوص الشرع سواء ما يتعلق منها بالعقائد أو الأحكام على درجات وأنواع:

    الأول: ما يفهمه جميع الناس، مثل: آقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فهذا يفهمه جميع الناس، وطلبه سهل ما يحتاج إلى آلة العلم أو التفقه.

    النوع الثاني: ما يعرفه عامة طلاب العلم والعلماء، وهو أغلب نصوص الشرع، الغالبية العظمى من نصوص الشرع مما يدركه العلماء وعامة طلاب العلم.

    النوع الثالث: ما لا يدركه إلا الراسخون، وهذا مما يجب أن ترجع فيه الأمة إلى الراسخين، ويبحث عند الإشكال فيه عن أهل الرسوخ والاختصاص، وقد يدرك الراسخ شيئاً ويخفى عليه شيء، وقد يكون أهل الرسوخ في العلم لكل منهم اختصاص وجانب من الإبداع والإجادة ما لا يجيده الآخر، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الصحابة بأوصاف متباينة، وأسند لهم بعض الأمور فيما يتعلق بالعلم الشرعي، فمنهم من تميز بالقضاء، ومنهم من تميز بالفتوى، ومنهم من تميز بالمواريث.. إلى آخره، وكل من الصحابة الذين خصهم النبي صلى الله عليه وسلم أو أشار إلى علمهم.. ونحو ذلك، هؤلاء كلهم علماء، ولا يعني: أنهم لا يجيدون إلا ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عند كل واحد منهم مزية في جانب معين، وإلا فلا يكون العالم عالماً ولا الراسخ راسخاً إلا إذا كان علمه موسوعياً، لا يمكن أن يكون عالماً ترجع إليه الأمة وإن لم يكن متخصصاً في كل شيء، لكن لا يمكن أن يكون جاهلاً بأصول الحديث أو بأصول التفسير، أو جاهلاً بقواعد الفقه الأساسية وقواعد الاجتهاد، أو يكون جاهلاً باللغة العربية جهلاً يخرجه عن أهل العلم، هذا لا يمكن، وهذا الصنف هو الذي يدرك كثيراً مما لا يدركه الآخرون، ومع ذلك قد تبقى بعض مسائل الدين لم يدركها حتى الراسخون في العلم، ومنها ما يسمى أو بمشكل الآثار، كما سماها كثير من أهل العلم، بمعنى أنه لم يجزم أحد بشيء منها، وعلى هذا فهذه الأمور لا يتعلق فيها تكليف، فالأمور التي بقيت محل إشكال هي ليست من أمور العبادات، ولا من أمور العقائد القطعية، ولا من الأمور التي يتعلق بها أحكام الناس، التي فيها مصالحهم في دينهم ودنياهم، إنما هي من الأمور التي ابتلى الله بها الأمة؛ لينظر من يسلم ويذعن ممن لا يسلم ولا يذعن، وهي مسائل معدودة قليلة، لا يصل فيها الراسخون في العلم إلى جزم ويقين، ومع ذلك تبقى أنموذج لوجوب التسليم لله عز وجل، فما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فيها حق، لا بد من التسليم به.

    ومع ذلك أيضاً قد تمر أحياناً أجيال لا يدركون شيئاً في بعض المسائل، فيخرج واحد من أهل العلم فيدرك شيئاً لم يدركه الأولون، وهذا ليس فيه مانع تصوراً وشرعاً، وإن كان هذا لا يعرف في مسائل الدين الكبرى جزماً، كالمسائل العظمى، ومسائل مصالح الأمة، وما يتعلق بقضايا العقيدة الأساسية، ليس هناك شيء يكتشف بعد، لكن ما يتعلق بالجزئيات، في الأحكام، قد توجد في أهل عصر دون الآخر، إما لأن الحاجة لم تحدث إلا في وقت معين، كبعض المستجدات التي انطبقت عليها النصوص في وقتنا، هذا لم تنطبق عليه النصوص قبل هذا الوقت.

    إذاً: أمور الدين هي على هذه الأنواع: منها ما يدركها جميع المسلمين عامة.

    ومنها ما يدركها عامة العلماء وطلاب العلم.

    ومنها ما لا يدركها إلا الراسخ في العلم.

    ومنها ما لا يدرك، وهذا لا يدخل في هذه الأصناف، لكن يبقى مما يجب التسليم به على أي حال، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    وجه جعل الشارح للخلاف الذي يئول إلى الاقتتال من خلاف التنوع

    السؤال: قول الشارح: (وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول) فهو جعل من القسم الأول الذي هو التنوع وقوع سفك الدماء وغير ذلك فكيف ذلك؟

    الجواب: قصده أن أغلب الخلاف بين أصحاب المذاهب الفقهيه، أو بين أهل السنة وغيرهم في الخلافات التي لا تخرج عن الملة أو ليست من البدع المغلظة، أغلبها من النوع الأول من اختلاف التنوع، لكن لما دخل في اختلاف التنوع البغي والهوى والحسد اشتد فيه المتخاصمون، حتى وقع بينهم تقاتل وولاء وبراء.. ونحو ذلك، مع أنه من النوع الذي لا يجب أن يكون فيه تقاتل وولاء وبراء.

    وأهل السنة والجماعة عموماً يتجنبون الخلاف خلاف تضاد، فهذا لا يقع فيه إلا معاند أو صاحب هوى صريح في هواه، فلذلك تجد أن أهل السنة يكرهون الجدل فيه، لكن فيما يتعلق بالخلاف السائغ فالخلاف فيه كثير جداً، حتى في عهد الصحابة وما بعدهم، وما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم كان من الخلاف السائغ، لكن أوجب ما حدث من تلك الفتنة الكبرى والعظمى، ثم بعد ذلك أيضاً بقيت أكثر الخلافات التي أثارت الفتن بين المسلمين، الفتن التي استوجبت أن بعضهم يتكلم في بعض من أهل العلم وأهل الحق والعدل.

    إذاً: النوع الأول هو الخلاف الاجتهادي السائغ، لكنه انضاف إليه شيء من الهوى والبغي أو الجهل بما عند الطرف الآخر، أو سوء الظن، أو الحسد، أو التعصب.. إلى آخره، والله أعلم.

    نوع الاختلاف في كلام الله بين أهل السنة وغيرهم

    السؤال: قول الشارح: وقريب من هذا الباب، ثم ذكر حديث أبي هريرة ، ثم بعده مباشرة ذكر أنواع الاختلاف، وذكر منها الاختلاف في كلام الله، فمن أي الأنواع جعل الاختلاف في كلام الله؟

    الجواب: الشيخ رحمه الله قسم خلاف أهل الأهواء مع أهل السنة جميعها إلى نوعين: خلاف تأول وهو الأغلب، كخلاف أهل السنة مع المرجئة، وخلاف أهل السنة مع الأشاعرة المتكلمين، وهم الأكثرية عدداً، ويرى أن هذا الخلاف يدخل في النوع الأول ولا يدخل في النوع الثاني، أما خلاف أهل السنة مع الجهمية ومع الرافضة ومع غلاة المتصوفة وغلاة الفلاسفة فهو داخل في خلاف التضاد، هذا ما يبدو لي، وهذا الكلام منقول عن كتاب (الاقتضاء) لـشيخ الإسلام ، وفي سياق الشيخ في الاقتضاء أنه لا يعد كل ما بين أهل السنة وبين أهل البدع من خلاف التضاد، بينما يرى الشاطبي أن جميع الخلاف مع أهل البدع خلاف تضاد، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيرى أن أنواعاً كثيرة من الأمور التي خالف فيها أهلُ البدع أهلَ السنة تدخل في باب التأول، وهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد.

    هذا فيما يظهر لي، والمسألة تحتاج إلى مزيد تحقيق، لعله ينظر فيها إن شاء الله.

    معنى ظل الله في حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله..)

    السؤال: جاء في الحديث عند البخاري : (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله) فهل هذا الظل هو ظل العرش أو يقال: من ظل الله العرش؟

    الجواب: لا يجوز أن يقال: إنه ظل العرش، وإنما يثبت كما جاء عن الله عز وجل.

    والسؤال عن مثل هذه الأمور الأصل فيه أنه بدعة، كما ثبت عن مالك بن أنس وغيره من الأئمة، لكن سؤال طالب العلم لا حرج فيه، لكن بشروط: أن يكون بينه وبين المسئول، وأن يوجد للسؤال مبرر، يعني: من دفع شيء في نفسه، أو يكون هذا السؤال قد أثير في مجلس أو أثير كشبهة في بعض المناسبات، فيريد أن يرد على هذه الشبهة فلا حرج.

    أما ما ينقدح في الذهن فيجب على المسلم وعلى طالب العلم بخاصة أن يتورع عن مثل هذه الأسئلة ويتقي الله عز وجل، فلا يسأل إلا لحاجة، بأن يجد في نفسه ضرورة، يريد أن يدفع شيئاً في نفسه.

    أما مجرد الترف العلمي، وأن يعلم لمجرد العلم فينبغي له ألا يسأل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، بل يجب على طالب العلم في الأمور الغيبية التسليم، إلا فيما يتعلق بأصل إثباتها فله أن يسأل، أو إذا كان الإنسان لم يفهم المعنى فله أن يسأل عنه، أما حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) من حيث المعنى والحقيقة فهو واضح في أذن السامع، لكن تبقى الكيفية الله أعلم بها، والقول بأنه ظل العرش، أو ظل بعض خلق الله، أو ظل يحدثه الله، هذا كله من القول على الله بغير علم، ومن التأويل الذي لا أصل له، بل من اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.