إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [99]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة يتبرءون من طريقة الرافضة الذين نصبوا العداء لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يتجاوز بضعة عشر رجلاً، وبالمقابل يغالون في الاثني عشر إماماً الذين نصبوهم وهالوا عليهم الصفات القدسية والرتب العلية، ومن أحسن القول في الصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطهرات من كل دنس فقد برئ وسلم من النفاق.

    1.   

    موقف الرافضة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والرافضة يبرءون من جمهور هؤلاء ].

    يعني: من الخلفاء الثلاثة الراشدين ومن بقية العشرة، ومن أصحاب الحديبية وأهل بدر، بل يبرءون من سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيذكر الشارح.

    قال رحمه الله تعالى: [ بل يبرءون من سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من نفر قليل، نحو بضعة عشر رجلاً!

    ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم يجب هجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل:48] لم يجب هجر اسم التسعة مطلقاً، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196].. وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ [الأعراف:142].. وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2].

    وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان).

    وقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) يعني: عشر ذي الحجة ].

    شهد النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لعشرة، وهؤلاء عند الرافضة مرتدون، فأبغض الرافضة لفظة (عشرة)؛ لأنها تشير إلى العشرة المبشرين بالجنة، وهذا من أشد أنواع الحمق المعروف في البشر؛ لأنه لا علاقة بين هذا وذاك، حتى لو قدر أن هناك شيئاً من الأعداد يخص ما هو مبغض أو مكروه فلا ينبغي بغض العدد بذاته، وبغض إطلاقه على أي شيء، فهذه مسألة تدل على حمقهم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلاً في منهاج السنة.

    1.   

    الأئمة الاثنا عشر عند الرافضة الإمامية

    قال رحمه الله تعالى: [ والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة الاثني عشر إماماً، وهم: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويدعون أنه وصي النبي صلى الله عليه وسلم دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن رضي الله عنه، ثم الحسين رضي الله عنه، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثم محمد بن علي الباقر ، ثم جعفر بن محمد الصادق ، ثم موسى بن جعفر الكاظم ، ثم علي بن موسى الرضا ، ثم محمد بن علي الجواد ، ثم علي بن محمد الهادي ، ثم الحسن بن علي العسكري ، ثم محمد بن الحسن ، ويتغالون في محبتهم، ويتجاوزون الحد ].

    قبل أن نتجاوز ذكر الأئمة عند الرافضة، نود أن نبين أن الأخير الذين يدّعون أنه إمام هذا ليس له وجود، وإنما هو شخص وهمي لم يولد ولم يعرف له حال، وأبوه مات عقيماً لم يكن له ولد، ولم يعرف أنه ولد، وقصة ولادته أيضاً قصة خرافية، فقد جاءوا بقصة لا تستقيم عند العقلاء، فزعموا أنه فجأة كشف للناس في ليلة واحدة أن إحدى جواريه حامل بولده، وأنها ستضع تلك الليلة، ولما أخبر من حوله من أهل البيت أنكروا ذلك، وقالوا لا نرى من نسائك ومن جواريك من في بطنها ولد، فأحالهم على أوهام بزعمهم في القصة وقال سترون، وفي آخر الليل فوجئ أنه بشر الناس بأنه ولد له ولد دون أن يكون هناك حمل، ودون أن يعرف أن إحدى نسائه حامل، ولم يكن لذلك أي شيء من التمهيد، وهذا مما يدل على أن القصة مكذوبة ومخترعة ولا أصل لها.

    وأنا أعجب من المهمش الذي ترجم في رقم (3) في الهامش لمن يسمى بـمحمد بن الحسن العسكري، ولم يعلق على هذه القصة التعليق الكافي، بل قال: هو أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الأئمة الاثني عشر، الملقب عند الإمامية بـالحجة والقائم والمنتظر وصاحب الزمان ، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره، والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب.. إلى آخره.

    إذاً: لا بد من الإشارة إلى أن هذه خرافة، بل حتى الرافضة الآن متنازعون، ويوجد من علمائهم قديماً وحديثاً وإلى اليوم من يشير إلى أن هذه القصة خرافة، وهناك الآن كتاب خرج من كاتب وباحث مشهور أظن اسمه أحمد الكاتب ، أضاف الشكوك على هذه القصة، وذكر بالمنهج العلمي الدقيق أنها لا تصح، وأن فيها نظراً.

    فالمهم القول بأن للعسكري ولداً هذه خرافة ولا أصل لها، لم يولد له ولد أبداً.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرَّجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: (دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كلهم من قريش).

    وفي لفظ: (لا يزال الإسلام عزيزاً باثني عشر خليفة).

    وفي لفظ: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة).

    وكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية ، وابنه يزيد ، وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز ، ثم أخذ الأمر في الانحلال.

    وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسداً منغَّصاً، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود! وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزاً في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر.

    1.   

    البراءة من النفاق بحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق) ].

    كلمة (المقدسين) فيها نوع من التجاوز؛ لأن القداسة لا تكون إلا لله عز وجل، فوصف الذريات بأنهم مقدسون فيه نوع تجاوز وتساهل، وهو لفظ لا ينبغي إطلاقه، لو قال: وذرياته المنزهين أو المبرئين كان أولى.

    أما قول القائل: قدس الله روحه، أو قدس الله روحها، فهو من باب الدعاء وليس من باب الوصف، فمعنى قولهم: قدس الله روحه، يعني: يرفع الله درجته في الملأ الأعلى، والملأ الأعلى هم عند روح القدس، فربما يؤخذ من هذا التساهل في هذه العبارة: قدس الله روحه، ومع ذلك عند التحقيق فيها نظر، لكن قالها من أهل العلم من هو قدوة، ومن هو مأمون على مثل هذه الأمور، وأما ما ذكر المؤلف فقد يكون من باب التساهل في التعبير، أو عدم الفطنة إلى مغزى العبارة، وتبقى كلمة: قدس الله روحه، أسهل من وصف إنسان من الناس أو أحد من البشر بأنه مقدس؛ لأن المقصود من عبارة: قدس الله روحه أن يرفع الله روحه إلى أعلى عليين، أو إلى الملأ الأعلى الذين عند روح القدس.

    قال رحمه الله تعالى: [ تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بماء يُدعى خماً، بين مكة والمدينة، فقال: أما بعد: ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثاً).

    وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ارقبوا محمداً في أهل بيته.

    1.   

    أصل الرفض من منافق زنديق

    وإنما قال الشيخ رحمه الله: (فقد برئ من النفاق)؛ لأن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق؛ قصْدُه إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلامَ، أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسُّك، ثم أظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتلِه، ثم لما قدم علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له؛ ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك علياً فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيسا، وخبره معروف في التاريخ.

    وتقدم أنه من فضَّله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري ].

    مسألة إرجاع الرفض إلى النفاق، هذا أمر صحيح، لا شك أن الرفض منشؤه النفاق والمنافقون؛ لأن الرفض في الحقيقة عبارة عن ديانات كثيرة تقمصت مذاهب التشيع، هذه الديانات منها: اليهودية، ومنها: الصابئية، ومنها: المجوسية، وهي الأغلب، ومنها: النصرانية؛ ولذلك وجدت سمات هذه الديانات في الرافضة، فصارت الرافضة خليطاً من ديانة المجوس أولاً؛ لأن أغلب سمات الرافضة مجوسية في عقائدها، وفي عباداتها، وفي عاداتها وفي عوائدها، وفي مظاهر أعيادها، كما أنها مجوسية من حيث النزعة الشعوبية، أو النزعة العنصرية، فالرافضة مجوس قديماً وحديثاً، وينزعون إلى نصرة المجوس، وهم في أي وقت تقوم لهم دولة ينصرون تقاليد المجوس، ويتمسكون بآداب المجوس، حتى في أنماط إدارة الأمور، حتى في الشئون السلطانية، كما أنهم يقدسون المجوس تقديساً واضحاً، فعندهم العرق المجوسي هو العرق الأول المفضل.

    إذاً: لا شك أن الذين بذروا الرفض هم المنافقون من شتى الديانات، وأغلبهم أصحاب الديانات المشهورة، أولاً: الصابئة المجوسية، ثم اليهودية، ثم الصابئة، ثم النصرانية، وكل هذه الديانات موجودة في الرفض، وأصولها واضحة من خلال أصول الرافضة المشهورة.

    أما الأمر الآخر فيما يتعلق بهذا الموضع، هو القول بأن ابن سبأ هو الذي بذر بذور الرفض، هذا الأمر عند التحقيق العلمي قد يكون محتملاً، ولا سبيل إلى الجزم به؛ لأنه لا يلزم من إرجاع الرفض إلى أصوله الكفرية أن يكون من رجل واحد عمل ما عمل، مع أن الراجح أن ابن سبأ فعل ذلك، وإن لم يكن في وقت تصرفاته تلك مشهوراً بـابن سبأ ، وإنما كان مشهوراً بـابن السوداء ، وبعضهم يلقبه بـعبد الله بن وهب ، ولا يقصدون عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي ، إنما يقصدون عبد الله بن وهب الحميري السبائي ، وله أسماء أخرى نظراً لتقلبه في كل بلد، فهو في كل بلد يظهر بشكل، فلقب بألقاب، وأهم صفاته التي اشتهر بها في عهد الصحابة أنه كان يسمى: ابن السوداء ، وهذا يجرنا إلى الحديث عما ورد عند بعض الباحثين المتأخرين من إنكار أن يكون ابن سبأ حقيقة، ودعواهم أنه أسطورة.

    وإنكارهم هذا مبني على تعليق الأحداث بلفظة عبد الله بن سبأ ، لكن لو رجعنا إلى ألقابه وأوصافه الأخرى لوجدنا له أصولاً، ورواة الرافضة وعلى رأسهم سيف بن عمر هم الذين أشهروا قصص عبد الله بن سبأ ، وأكثرها عن طريقهم، لكن لا يعني أن القصة غير صحيحة؛ لأنهم يروون الصحيح وغير الصحيح، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن شهرة الاسم كانت متأخرة، فقد كان يسمى: ابن السوداء ، ويسمى بأسماء أخرى، ولا شك أن علي بن أبي طالب طارد رجلاً فعل هذه الأفاعيل، وادعى هذه الدعاوى، وبذر بذور الإلحاد والكفر الصريح، وادعى عند قوم أن علياً إله... إلى آخر القصة، وقام بنشر الرفض الغالي، وهذا معلوم، وقيل: إن علي بن أبي طالب تمكن منه، وقيل: إنه لم يتمكن منه، وقيل: إنه جلده، وقيل: إنه قتله، لكن لا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا أصل الحدث والعبرة منه، وهو أن الرفض من صنع المنافقين، ولا يلزم أنه يرجع إلى رجل، ولذلك لما بذرت بذور التشيع دخلها كل كائد للإسلام، ولا يلزم أن يكون من خلال ابن سبأ أو تتلمذ على يده، ومن الطبيعي أنه إذا وجدت أفكار تشق عصا المسلمين، وتفارقهم في العقائد، فإن هذه الأفكار يعتنقها أناس كثيرون، ممن يضمرون الكيد للإسلام والمسلمين، أيضاً هذه الأفكار تتناسب مع أناس لهم ديانات معينة، ويحبون أن يبثوا دياناتهم من خلال هذه الأصول الكفرية أو الأصول البدعية، كما أن الذين وضعوا هذه الأصول لا شك أنهم ليسوا بشخص واحد، قد يكون بدأها شخص واحد، لكن لما بدأها توافرت جهود آخرين من الزنادقة والمنافقين، فكل وضع ما يناسب، ولذلك تجدون تطور الرفض من خلال العصور، حتى بعد ابن سبأ ، فقد جاء على حسب رغبات الشعوب، وعلى حسب التأقلم مع الديانات الموجودة داخل العالم الإسلامي، فجاءوا بأصول تلك الديانات وصاغوها بقوالب إسلامية، من أجل أن يعتنقها طائفة ممن ادعوا الإسلام، أو دخلوا في الإسلام فعلاً، وأغلب ما ركز هؤلاء الزنادقة على أحمق الشعوب وأحمق الأمم، وأكثرها كذباً، وأقلها عقولاً وهم الرافضة، كالفرس، فأدخلوا أصول الفرق كلها من خلال الرفض؛ من أجل أن يعيدوا هذا الشعب الفارسي إلى أصوله المجوسية، تحت شعار الإسلام، وهذا حاصل ليس من ابن سبأ فقط وحده، بل من صناع الرفض الذين جاءوا بعده، وإن كان قد بدأها بأصول، ورسم أصوله الأولى، لكن لا يعني أنه هو الفاعل الوحيد، بل من جاءوا بعده كانوا أشد نكاية على الأمة.

    فإذاً: ترجع أصول الرفض إلى ديانة الفرس بالدرجة الأولى، ثم الديانات الأخرى، وهذا لا شك فيه، ولذلك بعض المحققين من العلماء القدامى، ما يعدون الرافضة ولا الباطنية من فرق المسلمين، وإنما من فرق المجوس، يقولون: من فرق المجوس الرافضة، وهذا هو الصحيح، خاصة بعدما كشفوا عن أصولهم الآن، وخرجوا من عزلتهم، وبدءوا يتكلمون عبر كتبهم وأشرطتهم ومقالاتهم بما كانوا يتهمون به، أصبحوا يؤكدونه، كان بعضهم قديماً حين يواجههم أهل السنة يقول: أبداً هذه مبالغات منكم، وأخيراً تبين أنهم في حوزاتهم الخاصة، وفي معابد المجوس التي يعملونها الآن، يقولون كل ما كان يقول به أسلافهم، وزيادة من الإغراق في البدعة والضلالة وما لا يعقل، ويؤكدون الأصول التي كانوا يتهمون بها.

    قال رحمه الله تعالى: [ وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة الخوارج من الحرورية والشيعة ].

    يعني: السبئية الأولى، فبعدما كسر علي بن أبي طالب رضي الله عنه شوكة الرفض في وقته، خمدت أصول الرفض، وتوقف كثير من الرافضة عند الدعوة إليها؛ لأنهم نكبوا من قبل من يزعمون له القداسة، ولذلك من الأشياء التي تحرج الرافضة، أن أشد الناس في تاريخ الأمة حرباً للرفض والرافضة هو علي بن أبي طالب ، ثم بعد ذلك يليه أئمة آل البيت، فأغلب هؤلاء الأئمة الاثني عشر من أشد الناس نكاية بالرافضة، وتحذيراً منهم، وتبرؤاً منهم، وألفاظ البراءة المسندة عن هؤلاء الأئمة من الرافضة صحيحة وثابتة وكثيرة جداً، وأنهم ابتلوا بهم أشد البلوى، وكانوا يتعوذون منهم، ويحذرون الناس منهم، فهذا فيه دلالة على أن علي بن أبي طالب أخذهم بالقوة، فبقيت في نفوس المبطلين خمائر السبئية الأولى من هذه البدعة، بقيت كامنة، حتى قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم ظهرت الفتن الأولى، وجاءت قصة مقتل الحسين ، بعد ذلك بدءوا يظهرون الرفض من خلال المآتم والبكاء على الحسين .

    قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا كان الرفض باب الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب عن الباطنية ].

    أبو بكر بن الطيب هو الباقلاني المشهور، من أوائل الأشاعرة، وله في الرد على الرافضة وكشف خباياهم جهود مشكورة، في وقت لم يكن الناس يعرفون حقيقة الرافضة، وإن كان الشعبي تكلم قبله بكلام مجمل وجيد، لكنه انغمر في أحداث التاريخ التي تلت بعد ذلك، وحينما دخل الرافضة في دين الجهمية والمعتزلة، وتلاقحت الفرق، ظهر الرفض برايات أخرى وتحت شعارات أخرى، وانتصرت له دول، فقامت الدولة العبيدية، والدولة البويهية، والصفوية، والحمدانية.. وغيرها، فمنها: ما كان رفضاً خالصاً، ومنها: ما كان تشيعاً ونصراً للرفض، فهذا أدى إلى ظهور البدع كالمزارات وغيرها بشكل جلي، لكن عقائدهم بقيت كامنة وخافية، فما كانوا يكشفون عنها إلا عند خواصهم، فكان أول من كشفهم كشفاً مفصلاً: الباقلاني .

    قال رحمه الله تعالى: [ كما حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب عن الباطنية، وكيفية إفسادهم لدين الإسلام، قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلماً، أن تجعل التشيُّع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لـعلي ، وقتلهم الحسين ، والتبري من تيم وعدي وبني أمية وبني العباس، وأن علياً يعلم الغيب، يفوَّض إليه خلق العالم! .. وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم! .. إلى أن قال: فإذا أنِسْت من بعض الشيعة عند الدعوة إجابةً ورشداً، أوقفتَه على مثالب علي وولده رضي الله عنهم، انتهى ].

    يعني: أن الباطنية الخلص لا يحترمون حتى علي بن أبي طالب ، بل الباطنية الخلص يخرجون الإنسان من كل مقتضيات الدين، حتى من الإيمان بالله عز وجل، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فالباطنية إذا تدرجوا مع الشخص ثم سلم لهم الأمر تسليماً مطلقاً، أخرجوه من كل شيء، حتى إنهم أيضاً يعدون عيوباً لـعلي ويخرجونه من الإيمان، فضلاً عن الإيمان بـعلي ، رغم أنهم يبدءون دعوتهم بالتشيع لـعلي وذريته؛ لأن التشيع في الحقيقة مدخل عاطفي لكثير من العجم، وللفرس بصفة خاصة؛ ولذلك نجد الباطنية الخلص والرافضة الخلص أغلبهم من الفرس إن لم يكن كلهم، وإذا دخل معهم غيرهم فمن أصحاب المخالفة والشهوات، تلاحظ في سير الباطنية الخالصة أنها موجودة في الفرس، ولذلك مذاهب الباطنية موجودة قبل الإسلام بهذه الأصول التي ذكرها أهل العلم، ليست من صنع أناس صنعوها في تاريخ الإسلام، إنما هي امتداد للإلحاد والزندقة، وأكثر ما يوجد المذهب الباطني في الفرق الفارسية.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا شك أنه يتطرق مَن سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء الفاعلين الضالين ].

    1.   

    وجوب موالاة المؤمنين والتحذير من معاداتهم

    قوله: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل).

    قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر.

    وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:

    أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

    والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.

    والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ ].

    هذه جملة من أصول الأعذار التي يعذر بها المخطئ المجتهد، أو العالم إذا زل، فإذا زل العالم فلا نتبعه على زلته، بل ينبغي أن يحذر الناس من زلة العالم، لكن لا نلغي قدره واعتباره وإمامته في الدين، كما يفعله كثير من قليلي الفقه، من أصحاب العواطف، الذين إذا زل العالم أو زل طالب العلم ألغوا اعتباره وجرحوه، وهجموا عليه، وسلخوه من الأمة، هذا خلل شديد، بل فيه أحياناً خروج عن سبيل المؤمنين، أي: عدم إعذار العالم المجتهد إذا زل، لكن لا يتابع على زلته، كما أشار الشارح هنا في شرحه لكلام الطحاوي في قوله: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) هذا تقرير أصل من أصول السلف أهل السنة والجماعة، يجب أن يعيه طالب العلم جيداً، وهو أن سبيل المؤمنين هو جزء من الدين، والمقصود بسبيل المؤمنين أي: المناهج التي عليها أئمة الهدى: المناهج في الدين، المناهج في المصالح العظمى، المناهج فيما يتعلق بوسائل الاجتهاد، المناهج فيما يتعلق بأصول تعامل الناس مع بعضهم، تعامل الناس مع علمائهم، تعامل الناس مع ولاة الأمر منهم، تعامل الناس مع المصالح العظمى، أو الأضرار الكبرى التي تتعرض لها الأمة، هذه كلها تسمى: سبيل المؤمنين، هذا السبيل أصله هو نهج العلماء من خلال استنباطهم لفقه الكتاب والسنة، ولذلك يعتبر سبيل المؤمنين جزءاً من العقيدة التي نعبر عنها بمناهج السلف، فمنهج أهل السنة والجماعة هو سبيل المؤمنين، ليس فقط في العلم والاعتقاد كما يظن بعض الناس، لكن أيضاً في العمل والتعامل، وهذه نقطة مهمة؛ لأن كثيراً من الذين ينتسبون لأهل السنة والجماعة، تجدهم من المتضلعين في العلم والاعتقاد، لكنهم في العمل وفي التعامل يكسرون مناهج السلف كسراً، ويصادمونها صدماً، بل ربما أحياناً يعملون بما يشوهها، ويعملون بضدها.

    وهذه مسألة مهمة وقع فيها كثير من المنتسبين للسلفية، والمنتسبين لأهل السنة والجماعة، تجدهم في الناحية العلمية النظرية لعقائد السلف من العالمين الراسخين في هذا الجانب، لكن في جانب التعامل هم في واد والسلف في واد آخر، ولذلك أقول: إن العلم هو الاعتقاد، والعمل به هو سبيل المؤمنين، ولا يختلف هذا السبيل وينفصل بعضه عن بعض، وإشارة المؤلف هنا والشارح تدل على أن المقصود توجه علماء الأمة ونهجهم في أمر من الأمور، سواء كان من أمر الدين، أو كان من أمر الدنيا الذي استقر فيه صالح الأمة، فإن نهجهم وما يتفقون عليه أو ما يتفق عليه جملتهم هو سبيل المؤمنين، ومن حاد عنهم فهو متوعد بالوعيد الذي ذكره الله عز وجل في الآية، فلذلك يجب أن يحذر طالب العلم من مخالفة نهج العلماء، أو الازدواجية في النظرة إلى العلماء، فتجده يأخذ ما يحلو له من الأمور العلمية، ويقول: العلماء في الجوانب العلمية والاعتقادية على العين والرأس، لكن في العمل، وفي تقدير مصالح الأمة، وفي النظرة إلى الأحداث ليسوا قدوة، أقول: هذه مصادمة لمنهج السلف في اتباع سبيل المؤمنين، وربما يقع فيها كثير من الناس وهو لا يشعر، وربما يتعذر بمعاذير هي من زلات العلماء، ولذلك نبه الشارح إلى هذه المسألة، قد يخالف سبيل المؤمنين عالم راسخ، لكن لا يكون عمله حجة، إنما نلتمس له العذر ولا نتابعه، وأمثلة ذلك كثيرة من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا، كثير من الراسخين في العلم يجتهد اجتهاداً يخرج به عن سمت العلماء، وقد يكون له أحياناً موقف عملي هو مخالف لسبيل المؤمنين، فيجب ألا نتبعه؛ لأن المواقف العملية أخطر من الاجتهادات، لكن قد نعذره، فلذلك أشار إلى المعاذير.

    فالعلماء يعذرون إذا أخطئوا في أمر اجتهدوا فيه، لكن لا يتابعون، وهذه من سمة السلف التي تميزوا بها عن بقية أهل الأهواء، أهل الأهواء إذا زل إمامهم زلوا معه، ولذلك تجدون عبر التاريخ كثيراً من الأهواء بدأت بزلات بسيطة يسيرة، وبزلات سخيفة؛ لكن نظراً لأن أصحاب الأهواء يتبعون شيوخهم، فإذا زل واحد آخر بعد زلة الأول تبعوه، وإذا زل الثالث تبعوه، وإذا زال الرابع بعد ذلك تبعوه، فتجد انحرافهم عبر أجيال، ولذلك تعمق الفرق في الانحراف ناتج عن تبعيتهم لشيوخهم الذين كلما ازدادوا انحرافاً تبعوهم.

    والغالب -وهذا أيضاً من العجب- أن أكثر الذين يزلون من رءوس الأهواء، إذا رجعوا عن زلتهم لم يتبعهم أهل الأهواء، إذا زل زلوا معه، وإذا تاب لم يتوبوا معه، وهذا كثير جداً، بل هو القاعدة لمجموعة من أهل الأهواء، والله أعلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    1.   

    الأسئلة

    الحكم على كتاب (الشيعة والتشيع) لموسى الموسوي

    السؤال: قصة محمد بن الحسن العسكري تكلم عنها الكسروي الشيعي الذي رجع إلى السنة نوعاً ما في كتابه الشيعة والتشيع، تحقيق الدكتور القفاري والعودة ؟

    الجواب: هذا الكتاب أو غيره فيه حجج من الشيعة الذين كتبوا عليهم، لكن ومع ذلك لا يلزمنا أن نحتج على الرافضة ببعضهم، بقدر ما يلزمنا أن نحقق المسألة علمياً أولاً، فإذا حققناها علمياً وأشهرناها عند الباحثين والعلماء، سنجد من الرافضة من يستفيد من هذا البحث العلمي أو التحقيق العلمي، أما وجود التناقض بين أقوال الرافضة فلا شك أنها موجودة، وما يكتبه بعضهم من الرجوع أو التراجع عن التشيع ينبغي ألا ننخدع به، فدعوى رجوع مثل الموسوي أو غيره هذه مسألة لا تعدو -والله أعلم- أن تكون عبثاً ولعباً على الذقون، شيعي أنكر على شيعي آخر، لكن لا يعني هذا أنه ترك التشيع، فلا نقع في السذاجة المتناهية، لكن نضرب قول بعضهم ببعض، هذا جيد، ومن أساليب السلف أنهم ينقضون بحجة بعضهم على بعض.

    حكم إنكار شخصيات مشهورة في كتب التاريخ

    السؤال: ينكر بعض الكتَّاب ثبوت شخصيات من التاريخ مثل: عبد الله بن سبأ وبعض الصحابة مثل: القعقاع ؟

    الجواب: المسألة ينبغي أن تبحث علمياً.

    حكم الجماعات الحزبية ومن ترفع شعار السلفية وغير ذلك من الجماعات

    السؤال: هل الجماعات الموجودة الآن من الفرق الثنتين والسبعين؟ وهل من انتسب إلى السلفية يعتبر على سبيل المؤمنين، أم هو أقرب، أم هو من التحزب المنهي عنه شرعاً؟

    الجواب: هذا سؤال كبير، وكثير من المشايخ تكلموا في هذه الأمور بكلام جيد بين وواضح، وقعّدوا لها بقواعد، يستطيع طالب العلم من خلالها أن يستبين منها الحق.

    وعلى أي حال فالجماعات الموجودة الآن إن قصد بها الجماعات الحزبية ذات الشعارات والمناهج، فأغلب هذه الجماعات ترجع إلى أصول بدعية أصلاً، حتى وإن ادعت السنة؛ لأنها خرجت من منابت بدعية، هذا شيء، الشيء الآخر أننا لا نعرف من منهج السلف أن هناك تحزبات أو جماعات، هذا مخالف لنهج السلف، وبمجرد أن توجد الحزبية فالمنهج غير سلفي إطلاقاً، بل يعتبر نوعاً من الافتراق، حتى وإن ادعى صاحبه أنه على مذهب أهل السنة، وحتى وإن كان نظرياً وعلمياً على مذهب أهل السنة والجماعة، أو عقيدته العلمية على مذهب أهل السنة، فإذا تحزب ورفع شعاراً غير السنة والجماعة، وأوجد مناهج في الدين والدعوة مخالفة لمنهج السلف، فهذا خروج عن السنة.

    فنحن هنا نحكم على الجماعات ذات الطابع الحزبي بأنها خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة خروجاً كلياً وجزئياً، لكن أهم من هذا كله وهو ما ذكرته في أول حديثي، وأؤكده الآن، ليكون واضحاً أن الجماعات التي خرجت في العالم الإسلامي جماعات أصولها بدعية أصلاً؛ لأنها خرجت من منابت أحسن ما فيها أنها خرجت من منابت أهل الكلام الأشاعرة والماتريدية، وخرجت من منابت صوفية، ومنابت قبورية، ومنابت عقلانية، ومنابت اعتزالية، ومنابت جهمية، فالمسألة واضحة، لكن لا يعني ذلك الحكم على الأفراد، وإنما الحكم من حيث الجملة.

    أما ما ذكره السائل من وجود بعض الشعارات السلفية، فأقول: السلفية ليست شعاراً، ومن ادعى السلفية فيعرض أمره على الكتاب والسنة، أو على نهج السلف، فإن سلم من التحزب، وسلم من وضع مناهج منحرفة في الدين، وسلم من البراء من غيره ممن هم من أهل السنة، وهذه مشكلة أكثر السلفيين يتبرءون ممن يخالف منهجهم الخاص، فوقعوا في الحزبية من حيث لا يشعرون، فإذا تبرءوا ممن لا يكون على منهجهم الخاص، ولم يغفروا له زلته، ولم يعذروه بالمعاذير الشرعية، وقعوا فيما وقع فيه الحزبيون، وهذه الحزبية ربما تكون أضيق من الحزبية العامة الموجودة عند الجماعات، وإن كان هذا قليلاً، لكن مع ذلك أحذر من ذلك، كما هو معروف عن أهل العلم ومشايخنا الذين لهم بصر ومعرفة بهذه الأمور، فإنهم بينوا للناس أن هناك بوادر تحزب عند بعض من يرفعون شعارات السلفية، لكن لا يعني ذلك: أن كل من رفع شعار السلفية نتهمه، لا، بالعكس.

    إذاً: غالب الجماعات ترجع إلى الثنتين والسبعين فرقة، بطبيعة الحال، من خلال المنشأ والمنابت والمناهج التي وضعوها.

    وهنا أحب أن أؤكد على عمل آخر؛ لكي لا يفهم الكلام على غير وجهه، وهو أن بعض الأساليب والوسائل في الدعوة إلى الله عز وجل يسميها كثير من الناس: حزبيات وجماعات، فمثلاً: وجود مراكز إسلامية لا تضع مناهج تخالف السلف، ولا تعلن ولاءات، ولا تعلن حزبيات، وإنما هي عبارة عن وسائل تعليم مثل: المدارس، المراكز، والمؤسسات مثل: مؤسسة الحرمين، وما كان على شاكلتها، هذه وسائل وأساليب في خدمة السنة، لا تُعَدُّ جماعات، بعض الناس حكم عليها على أنها تجمع وتحزب، وهذا غير صحيح، وفيه جناية، وأيضاً فيه حجر للأمة؛ لكي لا تعمل ولا تنشط، فالعمل المؤسسي مشروع، وأهل السنة أولى به من غيرهم، وكذلك بقية الوسائل، ولذلك أعجب من الذين يقولون: إن وسائل الدعوة توقيفية، فمن وسائل الدعوة الشريط، والكتاب، ومن وسائل الدعوة: استعمال الحاسبات، ومن وسائل الدعوة: استعمال الآلات والمصنوعات الحديثة في خدمة الدين، فهل هذه توقيفية؟ وأنا لا أدري لماذا تثار هذه الضجة حول وسائل الدعوة؟!

    فالخلاصة أن استعمال هذه الأساليب والوسائل، التي تخضع لضوابط السلف ومناهج السلف لا تدخل في الافتراق، ولا تدخل في الجماعات ولا الحزبيات.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.