إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [96]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعاء من أقوى الأسباب لجلب المنافع ودفع المضار عن العباد، وهو مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك أحد إلا غلاة الفلاسفة، والدعاء أنواع منها دعاء العبادة الذي هو الخوف والخشية والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل والتوجه إلى الله، ودعاء المسألة الذي هو سؤال الله والتماس الإجابة منه وحده لا من أحد من المخلوقين. وقد تؤخر عن العبد الإجابة لأمور كلها خير ونفع له.

    1.   

    استجابة الله دعاء عبده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات).

    قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم: أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعداً أو قائماً، وإجابة الله لدعاء العبد مسلماً كان أو كافراً، وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم ونصره لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقاً، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضب عليه). وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:

    الرب يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب ].

    الدعاء مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا أناس أغلبهم ينتمون إلى فرق خارجة من الملة، فهؤلاء الذين شكوا في مشروعية الدعاء ينتمون إلى غلاة الجهمية وغلاة الصوفية وإلى الفلاسفة، يعني: الفلاسفة بالاعتبار العقدي، فعلى هذا نقول: إن الأصل في الدعاء هو العبادة، والله عز وجل جعل العبادة متضمنة للدعاء بكل أشكاله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة) لأن العبادة معناها: التوجه إلى الله عز وجل بالتعظيم والرغبة والرهبة والخشية والإنابة والتوكل، وكل ذلك إما أن يكون دعاء بذاته، وإما أن يكون وسيلته الدعاء، وعلى هذا لا يمكن أن تخلو عبادة من الدعاء، فيكون الدعاء هو العبادة التي شرعها الله عز وجل جملة وتفصيلاً، فلا ينبغي أن نتكلف في التماس الأدلة في مشروعية الدعاء، لكن علينا التماس الأدلة على نفع الدعاء؛ لأن بعض الناس قد يظن أن التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء مجرد عبادة فقط ليس وراءها منافع، في حين أن الأمرين متحققان في الدعاء: الأول: أن الدعاء عبادة وتوجه إلى الله عز وجل بالتعظيم والتقديس والإجلال والتوكل والإنابة والخشية والرجاء.. وغير ذلك، الثاني: أنه أيضاً طلب للنفع في أمور الدنيا والآخرة.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان:

    أحدها: الوجود، فإن ليس بموجود لا يُدعى.

    الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى.

    الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى.

    الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى.

    الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى.

    السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى ].

    هذا على سبيل التمثيل، وإلا فالدعاء يدل على جميع أسماء الله الحسنى، خاصة الصفات الفعلية التي هي متعلقة بمصالح العباد، فالدعاء يدل على جميع أسماء الله عز وجل بجملتها، وعلى صفاته مثل: الحي، القيوم، العظيم، الأعلى.

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي، ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعاً لا اختياراً، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء؛ ليبين كذب أهل الطبائع ].

    يشير الشارح هنا إلى الفلاسفة والدهرية والملاحدة وطوائف من غلاة المتكلمين، وكثير من العقلانيين في كل عصر، الذين يحكمون عقولهم في أمور الدين وفي كل شيء، فهؤلاء مذهبهم أن الدعاء يؤثر بالطبع وليس بقدرة الله عز وجل، وأن هذه الأمور من السنن اللازمة التي لا تأتي بتأثير الداعي، إنما قد يقترن وجود الدعاء بوجود المؤثر أو بوجود الأصل، فهم ينكرون أن يكون الدعاء سبباً في جلب المنافع ودفع المضار، ويعتبرون ما يجري في أحوال العباد أموراً طبيعية، تحدث في السنن الكونية فقط، دون أن يكون لله عز وجل مشيئة أو إرادة، أو يكون الدعاء سبباً مباشراً بما يحدث للعباد من مصالح أو مضار.

    وهذه فلسفة تشمل كثيراً من قضايا الدين في القدر وفي أفعال العباد وغيرها، ولذلك نتج عنها القول بالجبر، ونتج عنها مذاهب الصوفية الذين تركوا الأسباب، ونتج عنها أيضاً عدم الإيمان بصفات الله عز وجل الفعلية، ونتج عن هذا أيضاً التأول للصفات الفعلية إما بالإنكار وإما بالتأول، كل ذلك ناتج عن دعوى أن كل شيء يحدث بالطبع في السنن الكونية فقط، وليس للدعاء ولا للأسباب أي تأثير.

    الرد على من يزعم عدم فائدة الدعاء

    قال رحمه الله تعالى: [ وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء، وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين، ويجعل الدعاء عليه في مقام الخواص ].

    يعني: أن الخواص يتحكمون في القدر لا على سبيل الدعاء، لكن الدعاء يعتبر إشارة أو علامة للتأثير في الأمور الكونية.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا من غلطات بعض الشيوخ ].

    لأنهم يزعمون أن الخواص يدبرون الكون! تعالى الله عما يزعمون؛ ولذلك قسموا الكون ووزعوه على من يقدسونه، فقالوا: القطب والغوث هذا هو المتحكم الأول في الكون، ثم من دونه طبقات بحسب التسمية، مثل: الأوتاد ومن دونهم، فقالوا: إن هؤلاء كل منهم له جزء في التصرف الكوني، فعمموا هذا حتى على مسألة الدعاء، فزعموا أن دعاء هؤلاء الخواص أمر ونهي، أي: تحكم في الكون، ليس مجرد طلب من الله عز وجل، لكنه إشارة أو دليل على تصرفه في الكون، فكأن صاحب الخصوصية عندهم إذا دعا فإنه يأمر الأسباب بأن تتصرف كما يريد.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا من غلطات بعض الشيوخ، فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر اتفقت عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، هذا وهم مشركون ].

    هذا هو الذي يعتقده فلاسفة الصابئة، فهم يزعمون أن الأفلاك مؤثرة، وبعضهم يزعم أن الدعاء مؤثر فيما تعقده الأفلاك، فجعلوا تأثير هذا في هذا كله من دون الله عز وجل، وهم لا يقصدون ضجيج الأصوات بالدعاء المشروع، ولذلك نجد عند الصابئة وعند كثير من الديانات الوضعية التي تأثرت بالفلاسفة فيها أدعية تتضمن شركيات، وتنسب التأثير إلى غير الله عز وجل، وتطلب النفع والضر من غير الله سبحانه، ويزعمون أن هذا مما يؤثر على تدبير الأفلاك في الكون.

    فالفلاسفة ما قصدوا الدعاء بمعناه الشرعي، إنما قصدوا مجرد توجه العباد إلى من يزعمون أو يدّعون حصول النفع منهم، ونحن نعرف أن الداعي لغير الله عز وجل قد يتحقق له طلب من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يدعو غير الله مما لا يقدر على شيء مما يُدعى إليه وقد يتحقق للداعي دُعاءه من باب الابتلاء، فيكله الله عز وجل إلى هذا المخلوق، فيقع في الشرك، وقد ينتفع في دنياه وفي بدنه، لكنه يقع في الشرك، وهذا كثير، ولذلك بعض الناس قد يفتن إذا رأى دعاة أهل القبور قد ينتفعون ببعض الأشياء، قد ينتفعون من دعائهم لأصحاب القبور في بعض الأشياء فيفتن، ويكون عنده شيء من الريب والشك، وما جرى من هذا الشرك ابتلاء، مع أنه لا يتحقق له الطلب في الغالب، لكن إن تحقق طلبهم فلأنهم لجئوا لجوءاً صادقاً من حيث التوجه، لا لإخلاص العبادة، لكن من حيث الاضطرار، فالله عز وجل يجيب المضطر ولو كان كافراً.

    إذاً: المسألة تحتاج إلى إيضاح؛ لئلا تلتبس على الناس؛ لأني أرى كثيراً من الناس، خاصة مع كثرة إقبالهم على الرقى والأدعية غير المشروعة، وضعف توكلهم على الله عز وجل، تعلقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، وحصل لهم نفع، فظنوا أن هذا النفع الذي حصل يدل على مشروعية العمل، وأن الله عز وجل ما حقق على أيديهم النفع إلا لأنهم على حق، وهذه مسألة فيها شرك، فنبين للناس أن الله عز وجل يبتليهم، قد يأتي إنسان ويذهب إلى دجال ويحصل منه على أمر دنيوي من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يجاب دعاؤه من باب العقوبة له والفتنة، والشيطان أيضاً أحياناً يتلبس بأمور كثيرة، وكذلك شياطين الجن قد يكون لهم أثر في ذلك، قد يجلبون لبعض الناس بعض النفع ويدفعون عنهم بعض الضر، مما أعطاهم الله عز وجل من قدرات، فيكون هذا من باب الوقوع في الإثم والشرك، ويكون من باب الفتنة والابتلاء، ولا يعني: أن استجابة الدعاء على الوجه الشرعي.

    ومع ذلك فإن الغالب أن من دعا الله خالصاً مخلصاً وبعيداً عن الشرك والدجل أنه يستجاب لهم، والغالب أن من دعا غير الله لا يستجاب لهم، لكن يستجاب للبعض وهذا ابتلاء وفتنة، والله أعلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ وجواب الشبهة بمنع المقدمتين: فإن قولهم عن المشيئة الإلهية، إما أن تقتضيه أو لا.

    ثم قسم ثالث: وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد بالوطء، والزرع بالبذر، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب، فقول هؤلاء كما أنه مخالف للشرع فهو مخالف للحس والفطرة.

    ومما ينبغي أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء يتألف من موجوب التوحيد والعقل والشرع ].

    هذه قاعدة شرعية عظيمة من قواعد الدين، ومن أصول عقيدة السلف: أن التعويل على الأسباب واعتبارها هي المؤثرة من دون الله عز وجل شرك، وهو بحسبه، يعني: إذا كان الإنسان قد جعل السبب هو المؤثر المباشر والأول من دون الله عز وجل فهذا شرك خالص، وإن اعتبر السبب دون ذلك، كأن يقول: الله عز وجل هو المؤثر، لكن السبب أيضاً له شيء من التأثير الذي يستقل به، فهذا قد يكون قدحاً في التوحيد.

    فإذاً: الاعتماد على الأسباب على أنها هي المؤثرة من دون الله شرك، لكن اعتبار الأسباب مؤثرة بإذن الله هذا هو حقيقة التوحيد، ولذلك شُرع بذل الأسباب المشروعة؛ لأنها مؤثرة بإذن الله عز وجل، فقد تؤثر وقد لا تؤثر، فإن أثرت الأسباب في جلب نفع أو دفع ضر على الوجه المشروع، فذلك إنما هو من تيسير الله عز وجل ورحمته لعباده، ومن تقديره سبحانه، وإن لم تؤثر الأسباب فإن الله عز وجل هو الذي منعها التأثير.

    كذلك ترك الأسباب بالكلية تعبداً كفر؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحياة، أما من ترك الأسباب تورعاً، أو ترك الأسباب لأمر يرجع إلى وضعه الشخصي هو، دون أن ينكر تأثير الأسباب فهذا أمر قد يكون معصية، وقد يكون نقصاً في الإيمان، وقد يكون أيضاً مشروعاً لشخص دون شخص، لكن إذا تعبد بترك الأسباب بالكلية واعتبر الأسباب من الاعتماد على غير الله، أو اعتبر الأسباب من الأمور غير المشروعة، أو حرّم الاعتماد على الأسباب، وحرّم طلب الرزق، وحرّم طلب العلم.. فهذا قد يصل إلى الكفر إذا تعبد بذلك ودعا إليه، وعلى أقل الأحوال فهو بدعة مغلّظة، كما فعل السلف تجاه العباد الأوائل النساك الذين هم أصول الصوفية وجذورها، فهؤلاء حينما تركوا الأسباب بدّعهم السلف وعنّفوهم، وكفّروا من جعل ذلك ديناً يدعو إليه، أما من جعل ذلك من باب الزهد ومن باب قوة التوكل، فهذا يكون مخطئاً، وعمله زلة، وأحياناً يكون بدعة، لكن لا تصل البدعة إلى الكفر.

    قال رحمه الله تعالى: [ وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، ورجاؤه، والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل، ولا بد له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر.

    وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء! قلنا: بل قد تكون إليه حاجة من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة.

    وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه، فلا فائدة فيه! قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار، كما نبّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما يعجّل للعبد من معرفته بربه وإقراره به، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العلية، والأحوال الزكية، التي هي من أعظم المطالب.

    فإن قيل: إذا كان إعطاء الله معللاً بفعل العبد، كما يُعقل من إعطاء المسئول للسائل، كان السائل قد أثّر في المسئول حتى أعطاه!

    قلنا: الرب سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه، فهذا الخير منه وتمامه عليه، كما قال عمر رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا أُلهمت الدعاء فإن الإجابة معه، وعلى هذا قوله تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5] فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بالتدبير، ثم يُصعد إليه الأمر الذي دبره، فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء، ويجعلها سبباً للخير الذي يعطيه إياه، كما في العمل والثواب، فهو الذي وفّق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفّقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفّقه للدعاء ثم أجابه، فما أثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو جعل ما يفعله سبباً لما يفعله.

    قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد أئمة التابعين: نظرت في هذا الأمر فوجدت مبدأه من الله، وتمامه على الله، ووجدت ملاك ذلك الدعاء.

    الحكمة في أن الداعي قد لا يعطى شيئاً أو لا يعطى غير ما سأل

    وهنا سؤال معروف: وهو أن من الناس من قد يسأل الله شيئاً فلا يُعطى، أو يُعطى غير ما سأل، وقد أُجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة:

    أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقاً، وإنما تضمنت إجابة الداعي، والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟). ففرّق بين الداعي والسائل وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بالعموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص، وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فُسِّر قوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب، وقوله بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60]يؤيد المعنى الأول ].

    أحب أن أشير إلى أن كثيراً من قضايا الدين ترد في نصوص مجملة، ثم إن كانت من أمور العقائد تفصل بإيضاح وبأخبار، وإن كانت من أمور العبادات تفصل بأوامر ونواه، ولا شك أنه ورد في النصوص الصريحة الصحيحة في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن الله يجيب دعوة الداعي في نصوص مجملة، لكن هناك نصوص أخرى صحيحة تُفسّر معنى الدعاء وحقيقة الدعاء الذي يُجاب؟ ومتى يُجاب؟ وكيف يجاب؟ وهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله دخل الجنة) هذا نص مجمل، لكن هناك نصوص مفسرة لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومبينة للوازم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهذه اللوازم ضرورية.

    ووردت نصوص: أن من فعل كذا قبلت صلاته، من فعل كذا قبل صيامه، لكن للصيام ضوابط ووقت معين وشروط وواجبات، وكذلك للصلاة شروط وواجبات لا بد منها، فكذلك الدعاء ورد في نصوص مجملة: أن الله يستجيب الداعي إذا دعاه، لكن هناك نصوص أخرى مفصّلة تضع للدعاء المقبول المُجاب شروطاً، وتوضح أن هناك موانع قد تمنع إجابة الدعاء.

    هذه قاعدة ينبغي أن يترسمها طالب العلم دائماً في كل ما يتعلق بقضايا الشرع العامة، والنصوص المجملة التي هي عبارة عن قواعد، وهذه النصوص مربوطة بالنصوص الأخرى، ولا بد من ضبطها بالأوامر والنواهي والشروط والواجبات، ولا بد من فهم الموانع أو المفسدات التي تتعلق بالأمر إن كان عبادة، أو تتعلق بالخبر إن كان عقيدة، لا بد من الرجوع في كل نص عام إلى ما يقيده ويفسره، ومن ذلك الدعاء، ورد للدعاء إجابة، لكن للإجابة شروط ولها موانع، ينبغي فهم هذه الشروط وتحقيقها، وفهم الموانع والابتعاد عنها.

    قال رحمه الله تعالى: [ الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين المسئول، كما فسّره النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعجِّل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله إذاً نُكثر؟ قال: الله أكثر) فقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلاً، أو مثله من الخير مؤجلاً، أو يُصرف عنه من السوء مثله.

    الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل قد يحصل غيره، وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة، المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، تختلف باختلاف قوته وما يعينها، وقد يعارضها مانع من الموانع، ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر من هذا الباب، وكثيراً ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكراً لحسنته، أو صادف وقت إجابة.. ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي.

    وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب، فكان غالطاً.

    وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر فيُجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار، وصدق اللجأ إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى.

    فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً، والساعد ساعداً قوياً، والمحل قابلاً، والمانع مفقوداً حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.

    فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر ].

    هنا يحسن التنبيه على المفاهيم الخاطئة حول الرقى الآن، وكلكم يعرفها، لكن أحب أن أشير إلى خطأ معين كثر بين عامة الناس، وقد يكون الأمر واضحاً عند طالب العلم، لكن من خلال ما يدور في مجالس الناس وفي أحوالهم نرى أن هناك أخطاء حول مشروعية الرقية أو عدم مشروعيتها، والناس الآن على طرفين في الرقية، والمعتدل منهم قليل فيها، فمنهم من يستهين بأمر الرقية ويعتبرها ضمن الدجل وضمن الشعوذة، وهذا ساد عند طائفة من الناس، وسبب ذلك أنهم رأوا من بعض الرقاة ما لا يجوز شرعاً، وما لا تقره العقول السليمة، فحكموا على الرقى كلها بعدم المشروعية، بسبب تجاوزات وتصرفات بعض الرقاة غير الشرعية.

    1.   

    غضب الله ورضاه

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين).

    كلام حق ظاهر لا خفاء فيه، والحين، بالفتح: الهلاك.

    قوله: (والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى).

    قال تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [المائدة:119].

    لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18].

    وقال تعالى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة:60].

    وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93].

    وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61]. ونظائر ذلك كثيرة.

    ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض.. ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى.

    كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام.. وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين).

    وانظر إلى جواب الإمام مالك رضي الله عنه في صفة الاستواء كيف؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.

    وروي أيضاً عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفاً عليها، ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك قال الشيخ رحمه الله فيما تقدم: (من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه). ويأتي في كلامه: (أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل).

    فقول الشيخ رحمه الله: (لا كأحد من الورى) نفي التشبيه، ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط لما أراده.

    ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب والرضا الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه من الغضب، ويقال له أيضاً: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده، ومفتقر إليه، يزداد بوجوده، وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك.

    فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.

    قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كانت كل منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله؛ إذ العقول مختلفة، فكل يقول: إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر!

    وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئاً لله تعالى على خلاف ما يعهده، حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدراً مشتركاً، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة، لم يجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه، فغضب الله أولى ].

    نقف عند هذه النقطة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم ترك تطعيم الأطفال بحجة أن ذلك نقص في التوكل

    السؤال: أحد الإخوة لا يرى عمل التطعيمات الخاصة بالأطفال، فهو لا يطعم أولاده؛ لأنه يرى أن هذا نقص في التوكل على الله، وأن كبار السن لم يعملوا هذه التطعيمات عندما كانوا صغاراً، والناس في هذه الأزمنة قد تعلقوا بهذه الأسباب، فما رأيكم في هذا؟

    الجواب: من يترك هذا تورعاً في حق نفسه لا حرج، لكن أن يترك أولاده لا يجوز له؛ لأن التطعيمات من الأسباب التي بإذن الله تبرأ بها الأمراض، وتجنب المرض قبل وقوعه مشروع، وحماية الناس من الأمراض قبل وقوعها مشروعة، سواء كانت حماية فردية أو جماعية.

    وكل فرد عليه أن يرعى من هم تحت ولايته، من أطفال وغير أطفال، وإذا وجد وسائل مشروعة لدرء الخطر عنهم فينبغي عليه أن يأخذ بهذه الوسائل، بما في ذلك التطعيمات.

    والتطعيمات مشروعة ولا حرج فيها، لكن على الناس أن يعلموا أن التطعيمات أسباب، وأن الله عز وجل هو الواقي.

    والوقاية قبل العلاج من الأسباب المشروعة، ونحن نعلم أن كثيراً من الأمراض انقطعت بإذن الله بسبب التطعيمات، كالجدري، والحصبة.. وغيرهما، وهذه الأمراض موجودة سابقاً ومن أشد الأمراض فتكاً بالناس، ولا تزال آثارها في بعض كبار السن.

    وكبار السن من آبائنا الذين هم أصفى توحيداً، وأعرف بقواعد الشرع بحكم أنهم على الفطرة، ويتلقون العلم الشرعي صافياً، لو أن أحد هذه الأسباب كانت موجودة في عهدهم فما أظن أن يتوقفوا في استعمالها، لكن ما وجدوا.

    حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة

    السؤال: ما حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة من قبل بعض المنتسبين للعلم أو غيرهم، وهل هذا مأثور عن أئمة السلف؟

    الجواب: الأصل في الرقية أنها مشروعة، وهي نوع من الدعاء الذي أمرنا به، وهو جزء من العبادة.

    وأيضاً الأصل في الرقية أن تكون من كتاب الله عز وجل، أو مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الألفاظ الثابتة، أو ما يشبه ذلك من الأدعية الصحيحة السليمة، التي ليس فيها شرك، وليس فيها بدع، وليس فيها ظلم أو عدوان، وليس فيها ألغاز أو استعانة بغير الله عز وجل، كالاستعانة بالجن.. ونحو ذلك.

    أما مسألة التفرغ للرقية من قبل طالب العلم، بحيث يجعل مهنته رقية للناس، سواء كان ذلك بأجر أو بغير أجر، فلم يرد عن السلف أن أحداً منهم تفرغ من أجل الرقية، بل كانوا يرقون أنفسهم ويرقون غيرهم، ويقرون من يرقي غيره، لكن لا على سبيل جعل الرقية مهنة يتفرغ لها الإنسان، وما يفعله كثير من طلاب العلم هذا فيه نوع من تجاوز الأصل الشرعي، ويستتبع ذلك وضع مكان ثابت يجتمع فيها حشد كبير من الرجال، أو حشد من النساء، ويقرأ عليهم قراءة جماعية بشكل يومي منتظم، وحدد لذلك أجوراً معينة، وتباع من خلال هذا الأمر أنواع من الأدوية والمياه بأكثر من قيمتها الحقيقية.. إلى غير ذلك من الوسائل التي في التوسع فيها نظر، ولذلك أقول: إن هذه الظاهرة إذا زادت ربما تتأصل وتكون من البدع التي يصعب علاجها فيما بعد.

    أما كون الإنسان يحتسب الرقية ويرقى الناس ويفيدهم فهذا لا حرج فيه، لكن أن يجعل ذلك مهنة فهذا فيه نوع من التجاوز ولا بد من التنبيه على ذلك.

    قد يرد إشكال وهو أن الناس بحاجة إلى الرقية الشرعية، والدليل على هذا أنه ما من راق يشتهر إلا ويتكدس عليه الناس بالعشرات والمئات والآلاف، نقول: هذا حق، لكن كلما زاد الناس من التعلق بهذا الأمر وضع الله عز وجل عليهم من الأصار والأغلال ما يجعلهم أيضاً يزيدون أكثر؛ لأنهم يلجئون إلى غير الله عز وجل فيكلهم الله إلى عباده، والذي ينبغي أن يعوّد الناس كيف يحمون أنفسهم بالأوراد الشرعية، وبالتزام الطاعة وأعمال البر، والمواظبة على الذكر والاستغفار.. وغير ذلك من المحصنات الشرعية التي بإذن الله تقي الناس من كثير من الأمراض والأوهام، التي تسبب لهم اللجوء إلى الرقاة، هذا شيء.

    الشيء الآخر: أن الناس لو عودوا أن يرقوا أنفسهم أو يرقيهم أمثالهم والأقربون منهم من الجيران وجماعة المسجد ونحوه؛ لكان هذا أولى، ولما ظهرت هذه الظواهر التي أصبحت الآن من الظواهر التي دخلت من خلالها بعض البدع، والله أعلم.

    معنى قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) وإثبات صفة الوجه لله عز وجل

    السؤال: ما معنى قوله عز وجل: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] يعني: هل يبقى الوجه فقط أم سائر الذات؟ وهل فيها إثبات صفة الوجه لله؟

    الجواب: هذه المسألة معروفة عند أهل العلم، وهي مسألة إثبات صفة الوجه لله عز وجل على ما يليق بجلاله، أما معنى الآية في كونه لا يبقى إلا وجه الله، يعني: لا يبقى إلا ذاته؛ لأن العرب تعبر عن الذات بالوجه، هذا معروف في لغة العرب، وليس بغريب، وليس فيه تكلف، نثبت الوجه، ومع ذلك نثبت أنه لا يبقى إلا الله عز وجل، ويستثنى من ذلك من كتب الله له من المخلوقات عدم الفناء، مما ذكره أهل العلم.