إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [94]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أنه لا يكلف العباد ما لا يطيقون، بل لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه سبحانه رفع الحرج عن هذه الأمة ويسر لها الأحكام والتكاليف، وكل ما يجري في هذا الكون فهو يجري وفق حكمته وقدرته ومشيئته، لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، بل هو عدل حكم لا يظلم أحداً أبداً سبحانه وتعالى.

    1.   

    مفهوم التكليف والاستطاعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قوله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره.

    غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] ].

    هنا الإمام الطحاوي رحمه الله في هذه العبارة جارى الأشعري فيما خالف فيه السلف في بعض التعبيرات، لكن الطحاوي ربما يقصد معنى آخر غير ما يقصده الأشعري ، وتعلمون أن الأشعري رحمه الله حينما رجع إلى السنة بعد أن كان معتزلياً بقيت عنده بعض النزعات الكلامية، من ضمنها ما يتعلق بمسألة الكسب والاستطاعة، أو تكليف ما يطاق أو ما لا يطاق.

    فقوله: (ولم يكلفهم الله عز وجل إلا ما يطيقون) هذا كلام لا بأس به؛ لأن الله عز وجل يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] لكن العبارة الثانية فيها نظر، وهي قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فهذه فيها نوع من الفلسفة والتكلف، وهي من كلمات الأشعري ، ولا يؤيده عليها السلف بهذا الإطلاق، لا يقال: ولا يطيقون إلا ما كلفهم لأنه نوع من الجبر، قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن الله عز وجل بنى دينه على التيسير وعدم الحرج، وإلا لو كلف الناس بست صلوات لصلوا ست صلوات، لكن الله عز وجل يسر لهم، والله عز وجل فرض علينا خمسين صلاة، ثم خففت إلى خمس بأجر خمسين، وذلك من فضل الله.

    فقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذا هو مذهب الأشعري الذي يرى أن القدرة لا تكون إلا عند الإرادة، ويرى أيضاً أن إرادة العبد إرادة شكلية ليست إرادة حقيقية، يعني: تأتي بالصدفة مع إرادة الله.

    إذاً: فلا يصح أن يقال: (لا يطيقون إلا ما كلفهم)؛ لأنهم قد يطيقون أكثر مما كلفهم، لكن بمشقة وبحرج، والله عز وجل رخص لهم ورفع عنهم الحرج والمشقة، وبنى دينه على التيسير.

    أما تفسيره فيما بعد هو تفسير صحيح لا بأس به.

    قال رحمه الله تعالى: [ فقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [المؤمنون:62].

    وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فكان مأموراً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال ].

    الأصل أن السلف يكرهون الحديث في مثل هذه القضايا، كقول أبي الحسن الأشعري : إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً. هذه فلسفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (جائز) أو (غير جائز عقلاً) هذه سفسطة لا ثمرة لها، وجميع الأمور الاعتقادية أو التفصيلية التي تكلم فيها الناس، والتي لا أصل لها في الشرع، أو لا يترتب عليها عمل فالكلام فيها بدعة، ولذلك بدّع السلف من استعمل علم الكلام أو تحدث به أو تناوله؛ لأنه حديث عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة من ورائها، فما الفائدة من أن الإنسان يتفلسف ويجادل غيره في أن الله عز وجل يكلف ما لا يطاق أو لا يكلف، أو أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً أو غير جائز عقلاً؟ الله عز وجل حكم وشرع لعباده شرعاً بني على قدرات العباد ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وبني على التيسير وانتهى الأمر.

    ولو فرضنا أن العقل أجاز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فالنتيجة أن هذا أمر لا مصلحة فيه للعباد لا في دينهم ولا دنياهم، ولذلك مثل هذا الكلام يجب أن يجتنبه من يتقي الله ويتورع عن الدخول فيما لا يعنيه؛ لأنه ليس له تعلق بحياة الناس وبعلومهم الطبيعية أو علومهم الشرعية، بل مجرد فلسفة لا طائل تحتها، وعليه يقاس غيره من الأمور التي ليس وراءها لا أمر شرعي ولا مصلحة دنيوية طبيعية.

    إذاً: الأصل في علم الكلام النهي؛ لأنه لا فائدة فيه لا في دين الناس ولا في دنياهم.

    وهذه الأمور مما أخذت على الأشعري رحمه الله، ودخلت بسببه على كثير من أهل الفضل والعلم، دخلت على كثير من الأشاعرة والماتريدية.. وغيرهما، بل حتى أحياناً ممن ينتسبون إلى مذهب الإمام أحمد دخلوا في هذه الأمور، مع المهاترات والكلام والردود، وردود على الردود، مثل: الذي يحلم في منامه ينتهي إلى لا شيء.

    قال رحمه الله تعالى: [ والجواب عن هذا بالمنع، فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة ].

    هذا الرد المؤدب من الشارح على كلام الطحاوي رحمه الله، فهذا الجواب يرد قول الطحاوي : (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) لكنه ما أشار إلى أن الشيخ أخطأ في العبارة؛ لأنه حمل كلام الطحاوي على محمل طيب وعلى معنى حسن، وأنه لا يريد ما يريده المتكلمون، من أنه يستحيل أن يطيقوا إلا ما كلفهم، وهذا خطأ؛ لأنهم بنوا على أنه لا قدرة لهم، وهم أهل الكسب الأشعري وأتباعه.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ [البقرة:31]، مع عدم علمهم بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم)، وأمثال ذلك؛ لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز.

    وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286]؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفاً، بل يجوز أن يحمله جبلاً لا يطيقه فيموت، وقال ابن الأنباري : أي: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل، بحيث لو فعل يثاب ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع عادة دون الممتنع لذاته؛ لأن ذلك لا يتصور وجوده، فلا يعقل الأمر به بخلاف هذا.

    ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه، وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق؛ لكونه تاركاً له مشتغلاً بضده، بدعة في الشرع واللغة، فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه.

    وهم التزموا هذا لقولهم: إن الطاقة التي هي الاستطاعة وهي القدرة لا تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كل من لم يفعل فعلاً فإنه لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء، كما تقدمت الإشارة إليه عند ذكر الاستطاعة ].

    أكثر الخلاف في هذه المسألة هو من باب العبث بالألفاظ، فالذين أثبتوا التكليف بما لا يطاق أو الذين نفوه، كل منهم يفهم فهماً ويفهم الآخر غيره؛ ولذلك هذا يؤكد منهج السلف في النهي عن الدخول في هذه المتاهات، ونحن نجد أن تفسيرات السلف للنصوص هي الأقرب للفطرة والمعقول، فتوجيه السلف لقول الله عز وجل: رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286]، أن المقصود ما يصعب فعله لما فيه من كلفة ومشقة، وليس المقصود به لا تحملنا المستحيل؛ لأن هذا نوع من سوء الأدب مع الله عز وجل، ولا يليق أن نتصور أن الله يحمل عباده المستحيل، إنما يطلب العباد من ربهم ألا يحملهم ما فيه مشقة وصعوبة وكلفة وحرج، مثل ما كلف الله عز وجل به بني إسرائيل أن يقتل بعضهم بعضاً، هذا هو الذي لا تطيقه النفوس، ويصعب على الواحد أن يقتل أخاه أو جاره، فهذا هو معنى الكلفة التي أُمرنا بأن ندعو الله عز وجل بأن يعفينا ويعافينا منها.

    هذا هو التفسير الفطري اللغوي والشرعي الصحيح لمثل هذه المعاني، أما أن تصرف معاني كلام الله عز وجل إلى أمور لا تليق، فهذا لا ينبغي، ولا يتصور أن الله عز وجل بعدله وحكمه وحكمته أن يكلف العبد الضعيف بأن يحمل الجبل، هذا غير وارد، هذا نوع من العبث، والله عز وجل منزه عنه، لكن يمكن أن يكلف العبد بما فيه مشقة، فأمر العباد أن يدعوه سبحانه بألا يكلفهم ما فيه مشقة عليهم، وهذا هو الصحيح.

    إذاً: التكليف بما لا يطاق أو عدمه أو كذا فلسفة لا طائل تحتها، ومن الأمور التي يجب ألا يتكلم فيها طلاب العلم، وأن يصرفوا أنفسهم إلى الأمور العملية أو الاعتقادية التي ينبني عليها ثمرة في الدنيا والآخرة، والتي تقررت في الكتاب والسنة منها منفعة للمسلمين في حياتهم العامة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما ما لا يكون إلا مقارناً للفعل، فذلك ليس شرطاً في التكليف، مع أنه في الحقيقة إنما هناك إرادة الفعل، وقد يحتجون بقوله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [هود:20].

    إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67].

    وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل، فإن الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع، ولو أراد بذلك المقارن، لكان جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع! فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى، ولكن هؤلاء لبغضهم الحق وثقله عليهم -إما حسداً لصاحبه، وإما اتباعاً للهوى- لا يستطيعون السمع، وموسى عليه السلام لا يستطيع الصبر لمخالفة ما يراه لظاهر الشرع، وليس عنده منه علم وهذه لغة العرب وسائر الأمم، فمن يبغض غيره يقال: إنه لا يستطيع الإحسان إليه، ومن يحبه يقال: إنه لا يستطيع عقوبته؛ لشدة محبته له لا لعجزه عن عقوبته، فيقال ذلك للمبالغة، كما تقول: لأضربنه حتى يموت، والمراد الضرب الشديد، وليس هذا عذراً، فلو لم يأمر العباد إلا بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون:71].

    معنى قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به)

    وقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم به) إلى آخر كلامه. أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و(لا حول ولا قوة إلا بالله) دليل على إثبات القدر.

    وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: (لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].

    وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28].

    وقال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ففي العبارة قلق فتأمله.

    1.   

    الفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي وكذلك الأمر والإذن والكتاب وغيرها

    وقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره) يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونياً وشرعياً، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات.. ونحو ذلك.

    أما القضاء الكوني ففي قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12].

    والقضاء الديني الشرعي في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

    وأما الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: (ولا يكون إلا ما يريد).

    وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وكذا قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16]، في أحد الأقوال وهو أقواها.

    والأمر الشرعي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].

    وأما الإذن الكوني ففي قوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102].

    والإذن الشرعي في قوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر:5].

    وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:11].

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    والكتاب الشرعي الديني في قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].

    وأما الحكم الكوني ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب عليه السلام: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف:80].

    وقوله تعالى: قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [الأنبياء:112].

    والحكم الشرعي في قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1].

    وقال تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:10].

    وأما التحريم الكوني ففي قوله تعالى: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26].

    وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95].

    والتحريم الشرعي في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3].

    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23].

    وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا [الأعراف:137].

    وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر).

    والكلمات الشرعية الدينية في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124].

    1.   

    عدم ظلم الله عز وجل لعباده بأي وجه من الوجوه

    وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً) الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة.. ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون ].

    هذه العبارة لو قيدت لكان أحسن، وهي قوله: (فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً) لو قال: ليس كل ما كان من بني آدم ظلماً.. إلى آخره، لكان أفضل؛ لأن هناك أشياء قبيحة تكون ظلماً ولا تجوز في حق الله عز وجل، كما لا تجوز في حق العباد، لا من باب القياس، لكن من باب أنها مما ينزه الله عنها؛ لأن الكامل ليس كالناقص، فالعباد ليس لهم سلطة على العباد، فكل تحكم في الآخرين يعتبر منهم ظلماً، أما الله عز وجل إذا تحكم في عباده فإنما يتحكم في ملكه سبحانه.

    فهذا هو الفارق، فالله عز وجل يفعل في خلقه ما يريد، ويفعل في خلقه ما يشاء؛ لأنهم خلقه وملكه، لكن العباد لا يملك منهم أحد ملكاً حقيقياً، فلذلك تحكم العباد بالعباد ظلم إذا كان بغير حق، أما تحكم الله عز وجل بالعباد على ما يشاء فليس بظلم؛ لأنه هو ربهم وهم ملكه، وبيده مقاليد السماوات والأرض سبحانه، ويفعل بملكه ما يشاء.

    إذاً: لا يقال: ما يكون ظلماً من العباد يكون ظلماً من الله من كل وجه، فالتقييد يكون أضبط وأولى.

    قال رحمه الله تعالى: [ وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكناً فهو منه -لو فعله- عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، فإن قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112].

    وقوله تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29].

    وقوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76].

    وقوله تعالى: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وقوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:17]، وذلك يدل على نقيض هذا القول.

    ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).

    فهذا دل على شيئين:

    أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك.

    الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه.

    وأيضاً: فإن قوله: فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، قد فسره السلف بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    وأيضاً فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، حتى يؤمّن من ذلك، وإنما يؤمّن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: فَلا يَخَافُ [طه:112]، علم أنه ممكن مقدور عليه، وكذا قوله: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق:28]، إلى قوله: وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29]، لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه، ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم، فعلى قول هؤلاء: ليس الله منزهاً عن شيء من الأفعال أصلاً، ولا مقدساً عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له!

    والقرآن يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له، ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء، والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء، والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]، فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثاً، وأنكر على من حسب ذلك وهذا فعل، وقوله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35].

    وقوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28]، إنكار منه على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا.

    وكذا قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]، إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه، وروى أبو داود والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم).

    وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة، ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل.

    وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة الله تعالى وجلاله قدر نعم الله على خلقه، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم إما عجزاً، وإما جهلاً، وإما تفريطاً وإضاعة، وإما تقصيراً في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه، فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وتكون قوة الحب والإنابة والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء جميعها متوجهة إليه ومتعلقة به، بحيث يكون القلب عاكفاً على محبته وتأليهه، بل على إفراده بذلك، واللسان محبوساً على ذكره، والجوارح وقفاً على طاعته.

    ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه، وإن أتى به من وجه آخر. فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله، وما يحبه منه؟ ومن الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات؟ فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالماً لهم.

    وغاية ما يقدّر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محضُ فضله وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالماً، ولو قدر أنه تاب منها، لكن أوجب على نفسه بمقتضى فضله ورحمته أنه لا يعذب من تاب، وقد كتب على نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل به الجنة، كما قال أطوع الناس لربه، وأفضلهم عملاً، وأشدهم تعظيماً لربه وإجلالاً صلى الله عليه وسلم: (لن ينجي أحداً منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، وسأله الصديق رضي الله عنه دعاء يدعو به في صلاته فقال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقاً بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته، وما ينبغي له وما يستحقه على عبده ومعرفة تقصيره، فسحقاً وبعداً لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه، ولا يكون به حاجة إليها!

    وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية، فإن لم يتسع فهمك لهذا فانزل إلى وطأة النعم، وما عليها من الحقوق، ووازن من شكرها وكفرها، فحينئذٍ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ].

    هذه القاعدة عظيمة، وهي: أن الناس لا يشغلون أنفسهم فيما يتعلق بأفعال الله عز وجل، فهو سبحانه فعال لما يريد، ولا يقيسون أفعال الله عز وجل بأفعال العباد، هذه القاعدة حاكمة على أكثر القواعد الجزئية في القدر، وهي أن الله عز وجل له أن يفعل في ملكه ما يشاء ولا معترض عليه.

    والله عز وجل منزه عن الظلم مع أنه فعال لما يريد، يفعل في ملكه ما يشاء، وينبغي أن نعلم قطعاً أن الله برحمته وحكمته لن يظلم العباد، لكن ليس عجزاً كما يقول أهل الباطل، يقولون: يجب أن يفعل كذا، ويجب ألا يفعل كذا، نقول: هذا لا يمكن أن يقال في حق الله عز وجل؛ فهو سبحانه قادر على كل شيء، إنما كتب على نفسه الرحمة وهو ليس بظلام للعبيد، ومع ذلك يفعل في ملكه ما يشاء لو فعل، فلا راد لقضائه، ولا معطل لحكمه سبحانه، وهذا هو معنى تعظيم الله عز وجل وإجلاله، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010938977

    عدد مرات الحفظ

    722053136