إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [90]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت استثناءات في القرآن الكريم تفيد عدم أبدية النار، وقد اختلفت كلمات السلف في فهمها وتعددت الآراء حول هذه المسألة، وإن كانت الأدلة التي استدلوا بها لا تقوى أمام الأدلة الكثيرة التي تفيد عدم فناء النار، فضلاً عن أن هذا هو قول جمهور أهل السنة، وقد حكى ابن القيم رحمه الله المسألة بالأدلة والتفصيل في كتابه (حادي الأرواح) وكتب فيها ابن تيمية رحمه الله رسالة مستوفاة.

    1.   

    الأقوال في أبدية الجنة

    قال رحمه الله تعالى: [ فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] أي: غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108].

    واختلف السلف في هذا الاستثناء:

    فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار، ثم أخرج منها، لا لكلهم.

    وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف.

    وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف.

    وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه.

    وقيل: (إلا) بمعنى (الواو)، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) فيكون الاستثناء منقطعاً، ورجحه ابن جرير ، وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت. أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.

    وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء:86] .

    وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:24] .

    وقوله: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ [يونس:16] ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

    وقيل: إن: (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء.

    وقيل: غير ذلك، وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه.

    وقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] محكم ].

    لا ندري ما المقصود بالاستثناء على سبيل الجزم، لكن حينما أورد ما بعد الاستثناء وهو قوله عز وجل: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] تبين أن الحكم هذا هو المقصود وهو يتضمن الأبدية، وأن الاستثناء راجع لأحد الأمور السابقة ما نستطيع أن نجزم بشيء من ذلك، ومع ذلك فإنه يدل على أن الله عز وجل فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، لكنه حكم وأخبرنا بحكمه بأن هذا العطاء للمؤمنين غير مجذوذ، يعني: لا ينقطع أبداً. فهذا هو الحكم النهائي؛ لأنه جاء بعد الاستثناء.

    قال رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54].

    وقوله: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد:35].

    وقوله: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48].

    وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى [الدخان:56] وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:108] تبين لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.

    والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت).

    وقوله: (ينادي مناد: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً).

    وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) ].

    الكلام في أبدية النار وفي دوامها وأقوال الناس فيها، والكلام أيضاً في انقطاع عذاب أهلها، وهل ينقطع العذاب وتبقى النار، أو تبقى النار ويبقى العذاب لمن حكم الله عليهم بالخلود؟ وهل هذا الخلود الأبدي يعني أن لا نهاية، أو أن الآباد لها حدود؟ هذه مسألة عويصة، وتعتبر من المشكلات، وكان الأولى ألا يخوض فيها الناس؛ لأن الأصل ما عليه جمهور السلف من القول بأبدية الجنة والنار، وأن نعيم الجنة لا ينقطع، وأن عذاب النار لا ينقطع أيضاً، وأن هناك طائفة من عباد الله عز وجل ينعمون إلى ما لا نهاية، وطائفة من عباد الله عز وجل يعذبون إلى ما لا نهاية، هذا هو الأصل، لكن وردت إشكالات نسبت إلى بعض الصحابة وإلى بعض التابعين في مسألة النار فقط، أما مسألة الجنة فلم ترد إشكالات عند من يعتد بقوله، بخلاف الفرق التي لا يعتد بقولها من الجهمية والفلاسفة والباطنية.. وغيرهم، إنما الكلام على من ينتسبون للسنة، فقد ورد عن بعضهم ما يشكل فيما يتعلق بعذاب النار أو بفنائها، أو بانقطاع عذابها، أو بخروج أهلها كلهم منها، فهذه مسائل كما قلت أشكلت، ووجدت أقوال لبعض أهل العلم قد تفهم خطأ، ونسبت لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيم أقوال لم يقولا بها، إنما ساقا أقوالاً لغيرهما في هذه المسألة، فظن بعض الناس أنهما يقولان بها. والله أعلم.

    وقبل أن نقرأ أحب أن أشير إلى أن مسألة الحديث عن أبدية النار لها جانبان:

    الجانب الأول: يتعلق بالنار نفسها هل تفنى وتزول بالكلية، أو أنها تبقى ويفنى عذابها؟

    الجانب الثاني: هل تبقى ويبقى عذابها، لكن يخرج منها أهلها؟ هذه المسألة في الحقيقة فيها خلاف كبير، وأغلب الناس خلط بين مسألة أبدية النار، وبين مسألة أبدية العذاب وهما مسألتان منفصلتان كما سيأتي بيانه فيما بعد.

    1.   

    الأقوال في أبدية النار

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال:

    أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة ].

    هذا القول تضمن صراحة القول بأبدية العذاب، ومن ثم القول بأبدية النار نفسها.

    إذاً: من قال بأبدية العذاب إلى ما لا نهاية، فلا شك أنه يقول بأبدية النار إلى ما لا نهاية.

    قال رحمه الله تعالى: [ والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي .

    الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:80-81] .

    الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد ].

    وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب، وليس فيه تصريح بفناء النار أو عدمه، أي: أن أصحاب هذا القول يقولون ببقاء النار وبانقطاع عذاب المعذبين فيها، وأنهم يخرجون منها كلهم.

    قال رحمه الله تعالى: [ الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم ].

    هذا القول أيضاً قال بفناء النار بنفسها، وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب في الضرورة أيضاً، هذا القول عكس القول الأول تماماً يتضمن القول بانقطاع العذاب بالضرورة، لأنه إذا كانت تفنى فلا شك أنه ينقطع عذابها، وهذا أيضاً قول باطل.

    قال رحمه الله تعالى: [ السادس: تفنى حركات أهلها، ويصيرون جماداً لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم.

    السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه ].

    هذا القول أيضاً تضمن القول بانقطاع العذاب، لأن من قال بفناء النار لا شك أنه يقول بانقطاع عذابها، لكنه يرى أن أهل النار يخرجون على درجات، منهم من يخرج بعد تطهيره من ذنوبه وهم أهل الكبائر، ومنهم من يبقى إلى أن تفنى، وبالضرورة سينقطع عذابها عنهم، لكن هذا القول فيما يظهر لي أنه يتضمن القول بأن أهل النار يعودون إلى الجنة، وإن كان ليس فيه تصريح بذلك، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر ضمنه هذا القول وفصله.

    قال رحمه الله تعالى: [ الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ رحمه الله.

    وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما ].

    قوله: (وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما) يشير فيه إلى أن من أهل السنة من قال بالقول السابع، أما القول الثامن فهو قول الجمهور، وهو القول الذي تقوم عليه ظواهر الأدلة، والقول الثامن هو الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل يخرج من النار من يشاء من أهل الكبائر.. وغيرهم بالشفاعات، وبرحمته سبحانه كما ورد في السنة، وأنه يبقى فيها الكفار، وأن عذابها يبقى ويبقى أهلها مخلدين فيها، نسأل الله العافية.

    إذاً: هذا القول هو قول جمهور أهل السنة والجماعة، وهو القول الصحيح.

    أما القول السابع فقد أثر عن بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ونسب إلى بعض الصحابة وإلى بعض كبار التابعين، وحكاه بعض الأئمة على أنه قول لبعض أهل العلم المعتبرين، وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وحكاه ابن القيم أيضاً.

    وفي بعض المواضع التي حكاه فيها شيخ الإسلام ابن تيمية نجد أنه سكت عنه لم يؤيد ولم يعارض، ولذلك فهم بعض الناس أنه يقول بهذا القول، وهذا من باب الإلزام الذي لا يلزم، وشيخ الإسلام له في ذلك رسالة مشهورة موجودة مكتوبة وقد حققت مستقلة.

    ذكر في هذه الرسالة شيئاً من الأقوال التي ستأتي بعد قليل وأدلتها، لكن جملة القول الذي حكاه أو ساقه هو أن هناك من أهل العلم من الصحابة وغيرهم من قال بأن عذاب النار ينقطع، وليس هناك تصريح بفنائها بذاتها؛ لأن الآباد مهما تكررت لها نهاية، ولأن رحمة الله عز وجل سبقت عذابه، ولأن الأصل في عذاب المعذبين هو بسبب ذنوبهم، وأن الذنوب مهما تكاثرت تنتهي.. إلى آخره من الأمور التي ذكرها ولم يعلق عليها، فهو إنما ذكرها أدلة للقائلين بانقطاع العذاب، ففهم بعض الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد هذا القول، مع أنه لم يؤيده ولم يعارضه؛ إلا أنه في المقامات الأخرى والمواضع الأخرى يذكر أقوال جمهور السلف، ويبدع من يقول بفناء النار.

    وهذا أمر واضح جداً في كلامه، وكثيراً ما يأخذ على الجهم هذا القول، ويأخذ على كثير من الاتحادية والدهرية وغيرهم هذه الأقوال ويكفرهم بها، فعلى هذا يجب أن يحمل كلامه على كلامه الآخر، فلا يؤخذ من بعض المواطن التي ذكر فيها قول القائلين بفناء النار أو بانقطاع عذابها على أنه يؤيده، وإن حشد له الأدلة كما حصل في هذه الرسائل.

    أدلة القائلين بفناء النار دون الجنة

    قال رحمه الله تعالى: [ فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:128].

    وقوله تعالى. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:106-107].

    ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] .

    وقوله تعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ:23].

    وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد .. وغيرهم رضي الله عنهم.

    وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ:23] قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق، كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (تغلب غضبي) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام:15] وأَلِيمٌ [الأعراف:73] وعَقِيمٍ [الحج:55] ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم، وقد قال تعالى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    وقال تعالى حكاية عن الملائكة: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7] ].

    في الإشارة إلى اليوم في قوله: (عذاب يوم..) هنا يقصد أنه يوم لا بد أن يكون له نهاية في دلالته اللغوية، وحتى في الدلالات الاصطلاحية للغة، فاليوم سواء كان من أيام الدنيا أو من أيام الآخرة فإنه محدود بحد زمني معين، فالإشارة إلى أن العذاب في يوم يدل على أنه ينقطع، ولذلك لم يرد نص في نعيم الجنة بأنه يوم، وهذا دليل على أنه لا ينقطع، هذا من أدلتهم.

    واليوم هو يوم القيامة عند الحساب، ولا شك أن الحساب له يوم معين ويوم الجزاء له وقت معين أيضاً.

    أما ما ورد في قول الله عز وجل: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55] فالمقصود به يوم القيامة عند الحساب قبل دخول الجنة. أما نعيم الجنة فلم يوصف بأنه يوم.

    قال رحمه الله تعالى: [ فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.

    قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.

    ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [التوبة:68] ].

    هذه أدلة الفريق الأول ممن ينسبون إلى أهل السنة والجماعة، أو أنهم من أهل السنة والجماعة إن صح القول عنهم، وذكر أدلة شرعية وأدلة عقلية وقواعد عامة، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلاً كما ذكرها ابن القيم أيضاً في (حادي الأرواح) وكذلك في (الصواعق المرسلة).

    وكلام ابن القيم قريب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، وبعضه منقول عنه، لكن ليس فيه ما يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم قالا بهذا القول صراحة.

    1.   

    أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها ].

    قوله: (ببقائها وعدم فنائها) فيه نوع من الغلو؛ لأن بعض أصحاب القول الأول ما قال بفناء النار، وإنما قال بانقطاع عذاب أهلها، فتداخلت الأقوال، ولذلك القول بفناء النار بنفسها قول شنيع عند الجميع بالإجماع، وإن نسب إلى بعض أهل العلم والفضل، لكن ربما من زلة العالم أو من التوهم أو الاجتهاد الخاطئ، بينما القول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار منها بعد أبد الآباد هذا قول أخف من القول بنفائها بنفسها، والقول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار بعد آباد وآماد طويلة لا يلزم منه القول بفناء النار بنفسها.

    وهنا سرد أدلة القائلين ببقائها، وبعضها لا يتضمن القول ببقاء النار، إنما يتضمن فقط القول ببقاء عذاب أهل النار، وعدم انقطاع عذاب أهلها.

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [التوبة:68].

    وقوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75].

    وقوله: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ:30].

    وقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23] .

    وقوله: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48] .

    وقوله: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] .

    وقوله: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40] .

    وقوله: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] .

    وقوله: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65] أي: مقيماً لازماً.

    وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.

    وقوله: وخلق لهما أهلاً، قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأعراف:179].

    وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة ؟ إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي .

    وقال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:2-3] والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك بإرادته، فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره.

    ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع:

    نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة.

    ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين.

    ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان، ثم جعله ثلاثة أصناف:

    صنفاً يغلب إيمانُه ومعرفتُه وعقلُه هواه وشهوتَه، فيلتحق بالملائكة.

    وصنفاً عكسه، فيلتحق بالشياطين.

    وصنفاً تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم.

    والمقصود أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني، والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته سبحانه وتعالى.

    وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه).. إلى آخره. مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112] وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]؟

    وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لكن إذا منَّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، لا يمنعه موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلاِنتفاء سببه، وهو العمل الصالح.

    ولا ريب أنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله. وأما المسببات بعد وجود أسبابها فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسباباً صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضي، أو لوجود المانع.

    وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك ابتداءً حكمة منه وعدلاً، فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإنه تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

    وكما قال تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53] ونحو ذلك. وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى ].

    هذه المسألة هي جزء من الحديث عن القدر، فالهداية والإضلال بيد الله عز وجل، وما ذكره هنا الشارح هو شيء من عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإضلال والهداية، لكن هناك حلقة أخرى ينبغي أن تربط بهذا الأصل؛ ليتضح معنى كون الله عز وجل يهدي من يشاء بفضله ونعمته، ويذل من يشاء ويعاقبه بعدله وحكمته.

    وهذه الحلقة هي مسألة الاختيار للإنسان، وأن الله عز وجل هداه النجدين يعني: طريق الخير وطريق الشر، بل خلق سبحانه الجن والإنس وبين لهم طريق الخير، وأرشدهم إليه، وأقدرهم عليه، وأمرهم باتباعه، ووعدهم بالجزاء الحسن، وهذا أمر واضح يدركه كل عقل.

    وكذلك بين لهم طريق الشر، وأقدرهم عليه، ونهاهم عنه جملة وتفصيلاً، وتوعد من فعل الشر بالجزاء. وكل عاقل يدرك الفرق بين الأمرين، ويدرك القدرة على سلوك أحد الطريقين، ولذلك من لم يستطع يرفع عنه التكليف، فلا يعاقب الله عز وجل من ليس له قدرة على فعل شيء، مثل: من اختل عقله، فإنه يسمى غير مكلف وغير مستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    إذاً: هذه الحلقة لا بد من الإشارة إليها عند الحديث عن مسألة الهداية والإضلال؛ لئلا يظن ويتوهم السامع أن مسألة الهداية والإضلال جاءت بدون بيان، وبدون إعطاء اختيار من الله للعبد، وصاحب الفطرة السليمة مجبول على الخير والنفرة من الشر، ثم إن الله عز وجل بين للعبيد في الشرع تفصيلاً طريق الخير وطريق الشر، وأرشدهم وأمرهم بفعل الخير وترك الشر، ورتب على هذا وهذا الجزاء.

    ومع ذلك فإن الله عز وجل قبل هذا وبعده يفعل في ملكه ما يشاء، فالعباد كلهم في ملكه، وداخلون في ربوبيته وتدبيره، وهم خلقه وعبيده، وله أن يفعل فيهم ما يشاء، لكنا نجزم أن فعله لا يكون فيه ظلم، ولا يقوم إلا على العدل، ولا بد أن يكون بحكمة، فإذا تصور المسلم هذه الأصول، فإنه لا يلتبس عليه الأمر بإذن الله.

    نقف عند موضوع الاستطاعة؛ لأنه موضوع مستقل، وأنا تذكرت مسألة عرضت لها في الدرس الماضي، حينما أورد شارح الطحاوية في الدرس الماضي أن الله تعالى لم يخبر في موضع واحد عن نعيم الجنة أنه نعيم يوم على وجه التحديد، وورد السؤال عن قوله عز وجل: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55] وهذا سؤال جيد، وقد أجبت عليه بأن المقصود باليوم هو يوم الحساب، وهو خلاف قول الجمهور، والصحيح أن المقصود بذلك اليوم هو ما بعد الحساب، أي: بعد عرصات القيامة ومشاهد القيامة، حينما يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فإن ذلك وصِفَ بأنه يوم، والمقصود به فيما يظهر - والله أعلم - وصف الحال، لا تحديد اليوم الاصطلاحي، وصف حال أهل الجنة إزاء حال أهل النار، فالوقت الذي يعذب فيه أهل النار هو اليوم بمعناه العام يكون أهل الجنة على تلك الحال من النعيم، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة.

    فلذلك أستدرك وأقول: الراجح عند جمهور السلف أن اليوم المنصوص عليه هنا هو ما بعد الحساب، وبعد عرصات القيامة.

    أما ما ذكره ابن القيم في كتاب (الروح) مما ليس عليه دليل، فإنه ساق أقوالاً بما فيها أقوال الفلاسفة، وأقوال الأمم، وأقوال الناس، وأقوالاً متناقضة، وبعضها قد ينسب لبعض أهل العلم من العلماء المعتبرين، فما ذكره ابن القيم مما ليس عليه دليل لا ينبغي أن يعتقد أو يزكى، بمجرد أن يكون قال به رحمه الله؛ لأنه لم يلتزم ألا يقول إلا ما هو صحيح، بل هو ذكر أقوالاً، وألف كتاباً ذكر فيه كل ما قيل، وقد يرجح أحياناً ويستدل، أو يذكر الأدلة لهؤلاء وهؤلاء.

    إذاً: ما جاء به ابن القيم في كتاب (الروح) لا يعني أنه لا بد أن يكون صحيحاً، بل أغلب ما ورد فيه من الأمور التي لا أصل لها، إنما هي حكايات أو ظنون وتخرصات، ولذلك يعد هذا الكتاب من أضعف كتب ابن القيم رحمه الله وأكثرها خلطاً، ولا يعيبه ذلك؛ لأنه ذكر الرواة والقائلين.

    وكنت قد وعدت في الدرس الماضي أن أحضر كتاباً حول قضية فناء الجنة وفناء النار، والكتاب كان عندي، لكن بعد البحث عنه ما وجدته، لكنه فيما أعلم هو موجود في السوق، وقد التزم أحد الإخوان أن يأتي به، فإن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله نقرؤه، والكتاب هو رسالة في هذا الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وأظنه طبع بعنوان: (رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من قال بفناء النار) أو نحو هذا العنوان، أو رسالة كذا في رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من قال بفناء النار.

    وهذا الكتاب من تحقيق الدكتور محمد السمهري ووضع له مقدمة جيدة، وإن شاء الله سنقف على أهم ما فيه في الدرس القادم.