إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [89]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، والقول بفناء النار مخالف لنصوص القرآن والسنة، ومسألة القول بحوادث لا أول لها أو تسلسل الحوادث أو القول بحلول الحوادث بذات الرب تبارك وتعالى، كلها أقوال وبدع محدثة لها لوازم وإيرادات، وكل هذه الأقوال ناتجة عن خلل في التصور وعدم فهم منهج السلف وضبط المصطلحات الشرعية.

    1.   

    الجنة والنار مخلوقتان وهما موجودتان الآن ولا تفنيان أبداً

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له).

    أما قوله: (إن الجنة والنار مخلوقتان) اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم ].

    هناك نصوص تدل على أن الجنة مخلوقة الآن، وكما سيقرر الشارح بعد قليل أن الجنة في أصلها موجودة، وكثير مما فيها موجود مخلوق، لكن قد يكون من بعض أنواع النعيم التي يعد الله بها عباده ما يتجدد خلقه، فالتسبيح الذي هو غرس الجنة، يغرس الله به للعباد جزاءهم، وكثيراً من الأعمال يتجدد جزاؤها في نعيم الجنة بحسب تجدد الأعمال.

    فوجود الجنة حقيقي، هذا أمر معلوم، وهي مخلوقة الآن، وكذلك النار مخلوقة الآن وموجودة، وكثير من أنواع النعيم فيها مخلوقة وموجودة، لكن بعض أنواع النعيم يخلق ويتجدد بحسب أعمال العباد كما ورد في النصوص.

    النصوص الواردة في إثبات وجود الجنة والنار الآن

    قال رحمه الله تعالى: [فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

    أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21].

    وعن النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً [النبأ:21-22].

    وقال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:13-15] ].

    القرآن جاء بلسان عربي مبين، والله عز وجل تكلم به ولا يتكلم الله إلا بالحق، والإعداد المذكور في الآيات هو الخلق والوجود السابق.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفي آخره: (ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك).

    وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة).

    وتقدم حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وفيه: (ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها...)، وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء .

    وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) ].

    هذه أحاديث صريحة بأن الجنة والنار موجودتان.

    أما قوله: (فأفرشوه من الجنة) أي: أن الميت إذا كان من أهل الصلاح والاستقامة يفرش له من الجنة، ويرى منزله من الجنة رؤية حقيقية؛ لأن هذه الأخبار حق، وتقع في زمن الدنيا، وإلا فأحوال البرزخ وأحوال القبر تختلف عن أحوال الدنيا، لكنها في زمن الدنيا الذي يعيشه الأحياء إذا مات الميت من هؤلاء الأحياء فإن كان من أهل الخير يرى منزله من الجنة، ويفرش له من الجنة، فتكون الجنة موجودة معاينة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم -وخبره الصدق والحق- في أثناء المعراج بما رآه، وكذلك أخبر صلى الله عليه وسلم حينما كسفت الشمس أنه رأى الجنة ورأى النار عياناً، كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وأن هذه الأخبار ليست أخباراً توهيمية تخييلية، كما يزعم الفلاسفة وأذناب الفلاسفة، ممن لا يؤمنون بالله ولا برسله.

    قال رحمه الله تعالى: [ وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط).

    وفي صحيح مسلم من حديث أنس : (والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار).

    وفي الموطأ والسنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة).

    وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.

    وفي صحيح مسلم والسنن والمسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك! لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها ثم رجع فقال: وعزتك! لقد خشيت ألا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك! لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك! لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها)، ونظائر ذلك في السنة كثيرة.

    وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها، فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف].

    شبهة القائلين بعدم وجود الجنة الآن والرد عليهم

    قال: [وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيها ويموت؛ لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88].

    كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185].

    وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، قال: هذا حديث حسن غريب.

    وفيه أيضاً من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) قال: هذا حديث حسن صحيح.

    قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى، قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11]؟ ].

    هذه الشبهات كلها قالها بعض المعتزلة والجهمية والفلاسفة، حتى ممن يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، ليس في الإسلام فلسفة وليس من المسلمين فلاسفة، لكن سموا إسلاميين؛ لأنهم يدّعون الإسلام، وإلا فأغلبهم ينزعون إلى الباطنية، فلذلك فإن الفلاسفة الإسلاميين كـابن سينا وابن رشد وابن الفارض وابن سبعين والسهروردي .. وغيرهم، هؤلاء أغلبهم من الباطنية، ومن لم يكن باطني الأصل، فهو لا يؤمن بكثير من أمور الإسلام، إنما هم على مذاهب الفلاسفة وإن ادعوا الإسلام.

    وقوله: (وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها) يعني: أن الجنة موجودة؛ لأن جنة آدم التي كان فيها جنة حقيقية، عاش فيها آدم جزءاً من عمره، ثم حدثت البلوى التي ابتلاه الله بها، وقصته مع الشيطان، ثم نزل إلى الأرض، وقصة آدم مع إبليس، وإنزال آدم من الجنة إلى الأرض، هذا دليل قاطع على أن الجنة كانت موجودة، وأنها لا تزال موجودة؛ لأن آدم نزل من جنته الحقيقية إلى هذه الدنيا، وهو قول السلف.

    وهذه الشبهات تلبس على من ليس عنده علم شرعي، وعلى من لم يكن عنده بصيرة في العلم الشرعي ولا يرجع إلى أهل العلم، فمن هذه الشبهات أولاً: أنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل وعد بفناء كل شيء، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، هذا أولاً.

    ثانياً: قولهم: إن الجنة لو كانت مخلوقة لما قيل: إن غراسها التسبيح، فهذا دليل على أنها تُنْشَأ فيما بعد؛ بسبب أعمال العباد. نقول: هذا دليل عليهم وسيأتي.

    وكذلك قولهم عن امرأة فرعون: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11]، قالوا: هذا دليل على أن الجنة غير موجودة، إذ لو كانت موجودة لما دعت امرأة فرعون بأن يبني لها الله عز وجل بيتاً في الجنة، ولكان البيت مبنياً من قبل، لكنها طلبت بناء البيت فيما بعد.

    هذه شبهات سيرد عليها المؤلف إجمالاً في الردود التالية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فالجواب أنكم إن أردتم بقولكم: إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أموراً أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر ].

    يعني: استدلالاتكم هذه لا تدل على أن أصل الجنة غير مخلوقة ولا موجودة، وإنما تدل على أن بعض نعيم الجنة يحدثه الله عز وجل على نحو ما ذكر وورد في النصوص؛ بسبب أعمال العباد التي وفقهم الله إليها، وبسبب أيضاً ما وعد الله به عباده يوم القيامة، إذا دخلوا الجنة أنه يحقق لهم كل ما يتمنونه من نعيم، فما يحققه الله عز وجل هو جديد، لكن أصل الجنة والكثير من نعيمها موجود ومخلوق الآن وقبل الآن.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما احتجاجكم بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم: أن المراد كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش فإنه سقف الجنة، وقيل المراد: إلا ملكه.

    وقيل: إلا ما أريد به وجهه.

    وقيل: إن الله تعالى أنزل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88]؛ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت، وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين النصوص الدالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار أيضاً، على ما يذكر عن قريب، إن شاء الله تعالى].

    1.   

    الأقوال في فناء الجنة والنار

    قال: [وقوله: (لا تفنيان أبداً ولا تبيدان).

    هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف، وقال ببقاء الجنة وفناء النار جماعة منهم من السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها.

    وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله بأصله الفاسد الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا ينتهي من الحوادث، وهو عمدة أهل الكلام المذموم، التي استدلوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخلُ من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم.

    فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل، فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي، وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال: بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة.

    وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف الناس في تسلسل الحوادث بالماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، وهو لم يزل رباً قادراً فعالاً لما يريد، فإنه لم يزل حياً عليماً قديراً، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعاً عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكناً لذاته من غير تجدد شيء، وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكناً له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعاً عليه، فهذا القول تصوره كافٍ في الجزم بفساده ].

    في هذا المقطع عدة أمور يحسن الوقوف عندها بإيجاز.

    حقيقة ما نسب إلى بعض السلف من القول ببقاء الجنة وفناء النار

    أولاً: ما يتعلق بما أشار إليه الشارح من أن هناك من السلف والخلف من قال ببقاء الجنة وفناء النار، فهذه مسألة يخلط فيها كثير من الناس، وبعضهم نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وإلى تلميذه ابن القيم القول بفناء النار، وعند تأمل هذه المسألة عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن سبقهما ممن نسب إليه القول من السلف في هذه المسألة، فالمتأمل يجد أن الناس يخلطون بين مسألتين: بين مسألة القول بفناء النار، والقول بانقطاع العذاب، وهما مسألتان منفصلتان.

    ثم إنهم يخلطون بين ما يسوقه أهل العلم وبين ما يقولون به، فالقول بفناء الجنة والنار فناء مطلقاً لم يقل به أحد من السلف، وما نسب إلى بعض السلف من القول في النار دون القول في الجنة، فهو القول بانقطاع عذاب النار لا بفنائها، وفرق بين الفناء وانقطاع العذاب، وانقطاع العذاب لا يعني انتهاء مادة النار، إنما يعني انتهاء صورة التعذيب لأهلها على نحو معين، فهم اجتهدوا في سياقه، واستدلوا بعمومات النصوص من أن رحمة الله تسبق عذابه، فلا بد في نهاية الأزمان والآباد التي لا تتناهى أن تسبق رحمة الله عز وجل عذابه، وتعم الرحمة جميع الخلق فتبقى الجنة، وهناك أيضاً من يبقى من أهل النار يعذبون آباداً لا تتناهى، لكن في النهاية يكون لها تناه أبدي، أو بعد سرمدية لا يعلمها إلا الله عز وجل، ويقصدون بذلك انقطاع العذاب.

    وهذا القول مرجوح ولا دليل عليه، إلا أدلة عامة ليست أدلة قطعية، فلذلك لا يلتفت إليه كما قال جمهور السلف، فجمهور السلف يقولون ببقاء النار وبقاء آبادها لمن قدر الله عز وجل أنهم لا يخرجون منها، نسأل الله العافية، فهؤلاء لا يخرجون منها ويبقى عذابهم أبد الآباد.

    فمن قال: ينقطع عذابها ولا تنقطع النار، إنما هو اجتهاد ليس عليه دليل، وقد ساق هذا الاجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية دون أن يذكر رأيه فيه، فحمّله بعض الناس هذا القول، وكذلك ساقه ابن القيم دون أن يجزم بشيء، بمعنى أنه لم يفنده في بعض المقامات، أو أنه حكاه مجرد حكاية، فظن الناس أنه قوله، لكن عند التحقيق نجد أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم هو قول السلف: أن الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان، وأن نعيم الجنة لا ينقطع، وأن عذاب النار لا ينقطع.

    وأن هناك طائفة من خلق الله عز وجل مخلدون في النار لا ينقطع عذابهم أبداً، ممن لم تشملهم رحمة الله عز وجل.

    هذا هو قول جمهور السلف ولم يخرج عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ابن القيم ، لكن -كما قلت- حكى كل منهما أقوالاً، وربما بعضهم يحكي القول كالمنتصر له في حين أنه يحكيه على لهجة من قالوه، هذا الذي يظهر لي من خلال تأملي لكلام شيخ الإسلام ، وله في ذلك رسالة مستقلة حققت وطبعت الآن من قبل الدكتور محمد السمهري ، وهي موجودة تباع في الأسواق، في مسألة فناء الجنة وفناء النار، فينبغي الرجوع إليها.

    مسألة القول بوجود حوادث لا أول لها

    ثانياً: ما يتعلق بحوادث لا أول لها في الماضي، فهذه فلسفة في الحقيقة تكلف فيها المتكلفون وتكلم بها المتكلمون قديماً وحديثاً، وهم ليسوا على شيء، ورد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية برد قوي عقلي مفحم، ولذلك ألزموه بلازم باطل لا يصح، اتهموه بأنه يقول: بأن هناك حوادث لا أول لها ولا آخر لها، واتهموه بأنه يقول بالتسلسل في الحوادث، واتهموه بأنه يقول بحلول الحوادث بذات الله سبحانه. وهذا كله باطل لم يقل به، إنما ألزموه به.

    وشيخ الإسلام حينما قال بالتسلسل أو بمنع التسلسل، فإنه فرق بين أمرين: فرق بين الحوادث المتعلقة بأفعال الله عز وجل سبحانه، وبين الحوادث التي هي المخلوقات، وهذا التفريق لم يفهمه كثير من الناس الذين قرءوا كتب شيخ الإسلام ، وأكثر خصومه لم يفهموه، أو فهموه؛ لكنهم نظراً لأنه يخالفهم ألزموه بما لم يتكلم به.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية قال في مسألة حوادث لا أول لها أو بالتسلسل في البداية والنهاية في أفعال الله عز وجل، قال: هذه أزلية لا حد لها لا في البداية ولا في النهاية؛ لأن الله عز وجل فعال لما يريد منذ الأزل وإلى الأبد إلى ما لا نهاية. لكن الجهمية وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية ينكرون الأفعال لله، فلذلك منعوا هذا وقالوا: إن ابن تيمية قال بحوادث لا أول لها ولا نهاية لها، مع أنه لم يقل ذلك، وإنما قال: إن قصدتم بالحوادث أفعال الله، وهو أن الله يفعل من الخلق والإحياء والإماتة والكلام والنزول والمجيء والرضا والغضب.. ونحو ذلك فصحيح؛ لأن أفعال الله لا أول لها ولا نهاية لها، سواء سميتموها حوادث أو لم تسموها، بدليل أن الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومن ذلك أفعاله سبحانه، فهو قادر على الخلق حتى قبل أن يخلق الخلق، وقادر على الرزق حتى قبل أن يوجد المرزوقين، وهو سبحانه فعال لما يريد منذ الأزل، كما أنه الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو قادر على الأفعال إلى ما لا نهاية، يتكلم متى شاء سبحانه، ينزل متى شاء سبحانه، يخلق متى شاء، يحيي ويميت متى شاء، لا نهاية لأفعاله ولا بداية.

    فهم قالوا: إن هذا قول بتسلسل الحوادث، وألزموا شيخ الإسلام بما لم يلتزم به.

    أما الجانب الثاني: وهي أفعال العباد أو هي المخلوقات، فقال شيخ الإسلام : هذه المخلوقات المحدثات لا شك أن لها بداية؛ لأنها مخلوقة، ولها نهاية؛ لأنها تفنى، فهو فرق بين الحوادث التي هي أفعال الله، وبين الحوادث التي هي المحدثات المخلوقات.

    إذاً: من عرف هذه المسألة وعرف التفريق فيها أدرك صحة قول شيخ الإسلام ابن تيمية وأقوال السلف؛ لأن شيخ الإسلام ذكر أقوال السلف وساقها منذ عهد الصحابة إلى عصره، فلم يكتف بقوله، بل ساق أقوال السلف.

    ومن فرق في هذه المسألة عرف شناعة قول خصومه الذين شنعوا عليه، وقالوا: إنه قال بقيام الأفعال به سبحانه، وأنه قال بحوادث لا أول لها، وأنه صحح التسلسل في الحوادث إلى ما لا نهاية، وإلى ما لا بداية.. إلى آخره، فهم ألزموه بما لم يلتزم به؛ لأنهم ينكرون أفعال الله، بينما هو يقصد أن الحوادث مستمرة منذ الأزل، وإلى ما لا بداية لها ولا نهاية في أفعال الله، والله عز وجل يحدث من خلقه وتدبيره وأمره ما يشاء متى شاء، ولا يقال بأنها تسلسل، ولا يجوز أن نسميها حوادث، لكن ما دام أنهم سموها بذلك فنحن نقول: إذا قصدتم بالحوادث أفعال الله، فأفعال الله لا نهاية لها ولا بداية، ولكن لا نسميها حوادث، وإن قصدتم بالحوادث المخلوقات فلا شك أن المخلوقات لها بداية ونهاية، لكن هذا ليس هو محل النزاع بيننا وبينكم، وليس هو محل النزاع بينكم وبين السلف، أنتم موهتم على الناس، ألزمتم السلف بألفاظ لم يقولوا بها، فالسلف غاية ما يقولون: إن أفعال الله -التي تسمونها الحوادث خطأ وزوراً- لا حد لها لا في البداية ولا النهاية.

    وأظن المسألة واضحة، وإذا طبقتموها على كثير من مسائل الخلاف في هذه القضية عرفتم وجه الصواب ووجه الخطأ في كثير مما يقوله الناس.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قول أبي هريرة: (حفظت وعاءين عن رسول الله بثثت أحدهما وأمسكت عن الآخر)

    السؤال: جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين بث أحدهما وأمسك عن الآخر، وقال: لو بثثت الآخر لقطع مني هذا وأشار إلى حلقه) السؤال: ما المقصود بهذا؟ وهل هذا إشارة إلى الفتن التي تكون في الأمة؟

    الجواب: تضمن السؤال شيئاً من الجواب، نعم جاء عن أبي هريرة وعن بعض الصحابة ما يشير إلى ذلك؛ لأن الأحاديث التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في عموم الدين على نوعين: نوع يدركه عامة الناس، ونوع لا يدركه إلا بعض الناس، وهم الراسخون في العلم، أو يكون من باب الإخبار عن أحوال شخص ائتمن الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة عليه، أو يكون متعلقاً بالفتن التي لم تتحقق، والإخبار عنها يوجد في قلوب عامة الناس شيئاً من الرعب والرهبة وشيئاً من اليأس والقنوط، فيحدث الصحابة بها طلاب العلم والعلماء، ولا يحدثون بها العامة، ولذلك كان الصحابة يعتبون على القصاص أن يتحدثوا بكل شيء، القصاص والوعاظ الذين ليس عندهم فقه في الدين، لكنهم يحفظون النصوص، وعندهم عاطفة، ويحبون الخير، فتجد الواحد منهم يعظ بما يعرف وبما لا يعرف، بما يدرك وبما لا يدرك، فلامهم الصحابة على ذلك، حتى إنهم لما كثر منهم الوعظ في عهد علي رضي الله عنه انبرى لهم هو وغيره ومنعوهم، حتى كان ابن عمر وعبد الله بن الزبير وغيرهما يخرجونهم من المساجد بقوة، مع أنهم يقولون: قال الله قال رسوله، ويتحدثون ببعض الإسرائيليات التي يجوز الحديث عنها، لكن كانوا يحدثون الناس بما لا يعرفون، مثل: أحاديث الصفات عند العامة، ومثل: أحاديث الفتن.. وغير ذلك، فهذه الأمور تشكل على العامة.

    يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ يعني: أنتم لا تقولون الكذب، لكن أتيتم بأشياء لا يستوعبها الناس.

    إذاً: الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعضها ربما يكون خاصاً ببعض الناس، أو يكون خاصاً ببعض الفتن، أو لا يدركها إلا الراسخون في العلم، أو لا يستطيع أن يحدث بها إلا عالم يستطيع أن يبين للناس وجه الحق، ويزيل عنهم الالتباس، فالذي قال فيه أبو هريرة هذا القول هو من هذا النوع، والله أعلم.

    ذكر مراتب دخول المؤمنين الجنة

    السؤال: هل قول من قال: إن المؤمنين يدخلون الجنة على طوائف: طائفة يدخلون الجنة بلا عذاب ولا حساب، وطائفة يدخلون الجنة بعد الصراط والفصل، وطائفة يدخلون الجنة بعد أن يمحصوا في النار وهم أهل الكبائر هل هذا القول صحيح؟

    الجواب: نعم، هذا تقسيم صحيح، ولا شك أن هناك من يدخلون الجنة بلا حساب، وهناك من يدخلون الجنة بعد تجاوز الصراط والمحن التي يمر بها العباد، وطائفة يدخلون الجنة بعد أن يطهروا وهم أهل الكبائر، هذا ورد في النصوص، وإن كانت هناك تقسيمات أكثر من هذه، فيمكن أن نقول: طائفة يدخلون الجنة دون أن يردوا الحوض، وهذا إذا قيل: إن الحوض بعد الصراط، أما على القول بأن الحوض قبل الصراط فربما يكونون من هؤلاء الذين يذادون، وربما يكونون من أهل الكبائر، فالله أعلم، ليس فيها نص صريح.

    وربما يقال أيضاً: إن الذين يدخلون الجنة ثلاثة أصناف، ويكون الصنف الرابع هم الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وأنهم تفتح لهم أبواب الجنة، ومنهم من لا يدخلون الجنة إلا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن تفتح لهم أبوابها.

    إذاً: هذه أحوال كلها وردت وكلها صحيحة.

    شرح بيتين لابن القيم فيهما ذكر الأشياء التي لا تفنى

    السؤال: هناك بيتان لـابن القيم يقول فيهما:

    ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم

    هي العرش والكرسي ونار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

    فما هو شرح هذين البيتين؟

    الجواب: ذكر أهل العلم بعض هذه الأشياء، وبعضها ثبتت في النصوص وبعضها ليس هناك دليل قاطع على بقائها وعدم فنائها، وقال بعضهم: إنها تفنى بصورة أخرى، يعني: تتحول من حال إلى حال.

    أما العرش والكرسي فلا شك أنه لا يشملهما العدم، وكذلك النار والجنة، وعجب الذنب كذلك ورد أنه أيضاً لا ينعدم، بمعنى: أنه يبقى عظماً، لكن لا يعني ذلك عدم الموت، فهذه مسألة خلافية، فالعظم الذي يكون في عجز الإنسان ويبقى فبقاؤه لا يعني عدم الموت؛ لأن الموت محكوم به على الإنسان نفسه، والإنسان قد تأكله الأرض كله وقد تبقى أجزاء منه، وقد وجد من بعض أجسام الأنبياء والشهداء من لم تمسه الأرض إلى الآن.

    فعلى هذا يبقى جسمه، لكن الفناء الذي هو الموت حصل، وكون بعض العظام تبقى لا يعني عدم الحكم بالموت، والتحول من خلق إلى خلق قد يسمى فناء وقد يسمى موتاً أيضاً، فالإنسان قد يأكله سبع، وقد يسقط في الماء وتأكله الحيتان، وقد يحترق، ومع ذلك تبقى ذرات جسمه على شكل رماد أو فضلات.. أو نحو ذلك.

    وكذلك اللوح والقلم والأرواح، أما الأرواح فالخلاف فيها راجع إلى طبيعة هذه الأرواح، هل هذه الأرواح أجسام؟ هل هي أعيان، أو هي أمور معنوية.. أو نحو ذلك؟ فالخلاف مبني على حقيقة هذه الأرواح وكيفيتها، والله أعلم.

    وقد ذكر كثير من أهل العلم ما ذكره ابن القيم من أن هذه الثمانية الأشياء لا تفنى.

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية العرش والكرسي والنار والجنة وبين أنها لا تفنى، وأن هذا قول جمهور السلف، وأنها مستثناة. أما البقية فليس عندي فيها جزم، والله أعلم.