إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [78]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة خلف كل بر وفاجر من المسلمين صحيحة، كما أنه تشرع الصلاة على كل من مات من أهل القبلة دون السؤال عن معتقده أو امتحانه، فالصلاة خلف مستور الحال من المسلمين جائزة ما لم يظهر منه شرك أو بدعة مغلظة، والأفضل والأولى أن يصلي الإنسان خلف البر فهو أولى من الصلاة خلف الفاجر.

    1.   

    عقيدة أهل السنة في الصلاة خلف أهل القبلة

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم):

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل بر وفاجر) رواه مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة . وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضاً وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، بر أو فاجر، وإن هو عمل بالكبائر، والجهاد واجب مع كل أمير، بر أو فاجر، وإن عمل الكبائر).

    وفي صحيح البخاري رحمه الله: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي ، وكذا أنس بن مالك ، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً.

    وفي صحيحه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها ].

    صور الصلاة خلف الأئمة وأحكامها

    في بداية هذا المقطع أحب أن أشير إلى أن الصلاة خلف أئمة المسلمين لها عند السلف أحكام تفصيلية، ذكر منها الشيخ ثمان صور أو تسع صور كل صورة لها حكم، ويمكن أن نوجز هذه الصور بما يلي:

    فالصلاة خلف الإمام تختلف في حكمها بين الصلاة خلف الإمام الأعظم -الخليفة أو السلطان، أو من ينوبه-وبين الصلاة خلف الإمام الذي دون ذلك.

    فأكثر الأحكام التي توجب الصلاة مطلقاً خلف كل إمام براً كان أو فاجراً تتعلق بالصلاة خلف الإمام الأكبر، أو الإمام المعين من قبل السلطان والإمام الأكبر، فهذا لا يجوز ترك الصلاة خلفه بحال من الأحوال.

    ثانياً: أن من لم يعلم عنه البدعة -وهو مستور الحال- تجب الصلاة خلفه أيضاً مطلقاً، والسؤال عن حاله أو الشك في الصلاة خلفه بدعة.

    وكل هذه قطعيات ليس فيها إلا استثناءات نادرة جداً ينبغي ألا يعول عليها؛ لأن الاستثناءات ينبغي ألا تسبق القواعد، فتجب الصلاة خلف من لا يعرف عنه بدعة، وكذلك مجهول الحال، فضلاً عن أن يكون إماماً معتبراً هذا أمر بدهي.

    ثالثاً: صاحب البدعة غير المغلظة، وكذلك صاحب الكبيرة -كالظالم والفاسق- إذا كان والياً من ولاة المسلمين، أو معيناً من قبل أئمة المسلمين تشرع الصلاة خلفه إذا كان صاحب بدعة غير مغلظة، أو فاسقاً أو فاجراً أو ظالماً، سواءً كان سلطاناً أو عينه السلطان، فالصلاة خلفه مشروعة وواجبة إذا ترتب على البحث عن غيره مفسدة.

    وكذلك صاحب البدعة الذي لا يدعو إلى بدعته يدخل في هذا الحكم.

    رابعاً: صاحب البدعة المغلظة إن كان سلطاناً يصلى خلفه، وللسلف قولان في كونها تعاد أو لا تعاد، والراجح: أنها إذا كانت مغلظة مكفرة صلى خلفه، ثم تعاد الصلاة سراً.

    ولذلك قيل: إن بعض السلف كانوا يصلون خلف المأمون ثم يعيدونها؛ لأنهم يرونه صاحب بدعة مغلظة داعياً إلى بدعته؛ لأنه قال بخلق القرآن وانتصر لذلك ودعا إليه، فكان بعض السلف يصلون خلفه لأنه إمام المسلمين ثم يعيدون الصلاة.

    وهذه المسألة خلافية، ومبنى الخلاف على أن هناك من قال بأن المأمون لا يكفر بفعله؛ لأنه ملتبس عليه الأمر، والالتباس في تصرفاته واضح، يعني: لم يكن جازماً، وبعضهم يقول بأنه متأول، والمتأول لا يكفر وإن كانت بدعته مكفرة، فإذا كان كذلك فالأولى عدم إعادة الصلاة خلفه.

    فإن قيل: ما الفرق بين ابن أبي دؤاد وبين المأمون وبدعتهما واحدة؟

    فالجواب: أن ابن أبي دؤاد جهمي معتزلي خالص، والمأمون كان معتزلياً في هذه المسألة، وليس في أصول المعتزلة كلها، فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا يقول بالتوحيد، ولا يقول بالعدل، وإنما كان يقول بخلق القرآن، ومع ذلك كان متردداً، حتى إنه رجح قول المعتزلة ترجيحاً، لكن أثناء المناظرات ظهر تردده والتباس الأمر عليه، فهو متأول، ففرق بين المأمون وابن أبي دؤاد ، فـابن أبي دؤاد رأس ضلالة ورأس بدعة ومعتزلي خالص، وكان جهمياً تالفاً.

    أما المأمون -وإن كان مبتلى بهذا الكلام عفا الله عنا وعنه- فإنه مع ذلك إمام المسلمين ومن أهل السنة، وليس بدعياً خالصاً، بمعنى: أنه لا يعد من أهل الاعتزال الخلص، ولا من الجهمية الخلص.

    وقد كان الإمام أحمد يستغفر للمأمون ، ولاشك أن الإمام أحمد عامل المأمون على أنه إمام مسلم ويجب عليهم السمع والطاعة له، ويصلى خلفه، هذا مما لا شك فيه، ومن خالف في شيء من هذا فلا يعني أنه خالف في الأصل، فالأصل عند أهل السنة واضح.

    خامساً: أن صاحب البدعة وصاحب الكبيرة إذا لم يكن سلطاناً أو معيناً من قبل الولاة؛ فإن وجد من هو أفضل منه فيجب العدول عنه إلى الأفضل، ما لم يترتب على ذلك مفسدة.

    ففي أحيان كثيرة يكون الإمام عادياً يختاره جماعة، ولا تعلم السلطة، كما يحصل في بعض البلاد الإسلامية، فهذا هو الذي يجب فيه العدول عن المفضول إلى الفاضل.

    وفي واقع حالنا الآن أغلب الأئمة يعينون من قبل جهة رسمية، فلا بد من اعتبار ذلك، فهم معينون من قبل ولي الأمر؛ لأن تعيين الإمام يكون من قبل الجهة المختصة من الوزارة المختصة بالمساجد ووزارة الشئون الإسلامية، وعلى هذا فأغلب الأئمة المعينون من قبل ولاتهم لا يتأتى العدول عن واحد منهم إلا بالتفاهم مع الجهات المسئولة، لكن الشخص إذا لم يرغب في الائتمام بأحدهم فهناك مساجد كثيرة، يعني: لا حرج عليه إذا رأى كبيرة ظاهرة في إمام من الأئمة أن يعدل عنه إلى إمام آخر ما لم يترتب على ذلك فتنة، فهذا أمر عادي ليس فيه حرج، لكن ليس لأحد أن ينصب دون ولاة الأمور، فما دام هناك جهات مسئولة فلا بد من الرجوع إليها.

    ونحن نعلم أنه -بحمد الله- في هذا البلد يختار الأئمة بشكل جيد، ويندر أن يكون في بعضهم الصفات المحذورة، فلا بدع ولا كبائر، إلا النادر والنادر لا حكم له.

    مجمل القول في صلاة المرء خلف الإمام

    قال رحمه الله تعالى: [ اعلم -رحمك الله وإيانا- أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال ].

    لا يجوز امتحان الأئمة، بمعنى أنه يكون مستور الحال فتمتحنه وتسأله في العقيدة، فهذه بدعة، فما دام أنه يصلي في جماعة يعرفونه، وألفوه ورضوه؛ فلا يجوز أن تمتحنه، إلا أن تكون من أهل الحسبة أو من أهل الولاية ممن لهم سلطة.

    ويلحق بهذه المسألة التوقف والتبين كما يفعل جماعة التوقف والتبين الذين بدءوا يظهرون بدعهم، يقول أحدهم: أنا أتوقف في الصلاة خلف أي إمام حتى يتبين لي الحال، حتى إن بعضهم يعد في البلد الواحد الكبير أو في المدينة الكبيرة أربعة أو خمسة أشخاص يصلي خلفهم، والبقية لا يعرف حالهم، وهذه بدعة من بدع الخوارج.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه -كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك-؛ فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر؛ فهو مبتدع عند أكثر العلماء.

    والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف ، وكذلك أنس رضي الله عنه كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً، ثم قال: أزيدكم؟! فقال له ابن مسعود : ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة!

    وفي الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان : إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟! فقال: يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.

    والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.

    ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إماماً للمسلمين؛ فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه؛ فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم الجمعة ولا الجماعة ].

    كل هذا لا يتأتى إلا للمطاعين من الأئمة الكبار والعلماء المعتبرين، فلا يأتي طويلب علم ويطبق هذه القاعدة وهو مجهول مغمور، فلا ينفع فعله هذا بل قد يضر؛ لأن بعض الناس قد يجتهد ويقول: أنا أترك الصلاة خلف هذا الرجل من أجل أن يعرف الناس أنه صاحب بدعة وكذا وكذا، فنقول: إذا كنت إماماً متبوعاً وكلمتك مسموعة، وعملك هذا لا يؤدي إلى فتنة، فهذا لا حرج فيه.

    إذاً: يشترط في مثل هذا أن يكون من إمام متبوع يطاع ويعتبر فعله وقوله وتصرفه، ويؤدي فعله هذا إلى نتيجة ولا يؤدي إلى فتنة ولا مفسدة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة؛ فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم.

    وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الأفضل أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه ].

    يعني: كأن توليه السلطة أو الدولة، فلا يجوز للفرد أن يغيره إلا عن طريق الجهة المسئولة.

    قال رحمه الله تعالى: [ لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر؛ فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة ].

    هذه قواعد عظيمة يجب أن يدركها طلاب العلم، خاصة في الأزمان التي يقل فيها فهم هذه الأمور، فيجب أن تدرك وأن تشهر للناس؛ لأن الناس في وقتنا هذا بدأ خلطهم في هذه الأمور، واضطرابهم وعدم إدراكهم لفقه القواعد الشرعية، وهذه قواعد عظيمة عليها عمل السلف، حتى وإن وجدت بعض الشذوذات تخالفها، فلا اعتبار بذلك.

    أعني: من أراد أن يتلقف من أقوال السلف وأفعالهم ما يخالف هذا فسيجد، لكنها أفعال قليلة، ومفسرة بأمور تتعلق بأحوال خاصة، ثم باجتهاد هذا الإمام، أو بحال يعلمها هو ولا يعلمها غيره، أو بأمر آخر غيبي لكن تبقى المناهج مناهجاً والأصول أصولاً، وأقصد بالمناهج مثل هذه الأمور التي ذكرتها والتي ذكرها الشارح.

    هذه مناهج وأصول يجب اعتبارها في كل زمان، والناس الآن أحوج إليها من أي زمان مضى.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر ].

    هذه أيضاً قاعدة.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر؛ فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد. وموضع بسط ذلك في كتب الفروع ].

    1.   

    الأسئلة

    حكم العدول عن الصلاة خلف المقصر في الالتزام بالشعائر

    السؤال: يوجد في بعض الأحيان مساجد لها أئمة متفاوتون في الالتزام بالشعائر، مثل: إعفاء اللحى وغير ذلك، فهل الأفضل العدول عمن كان كذلك إلى مسجد قريب؟ وكذلك لو كان في المسجد الآخر بعض المظاهر التي تذهب الخشوع، مثل صغر المسجد وكثرة الصبيان ونحو ذلك؟

    الجواب: هذه الأمور إذا ما كانت متعلقة باعتقاد باطل فلا حرج؛ لأن المساجد كثيرة، فإذا كان هناك مسجد ليس ببعيد، ويرى أن الصلاة فيه أفضل باعتبارات، كالخشوع، أو لقلة المصلين، أو قلة الفوضى، أو البعد عن الشوارع العامة التي فيها الحركة والفوضى، أو لأمر يفضل فيه هذا الإمام على الإمام الآخر فيما يتعلق بزيادة إيمانه، وزيادة يقينه، وزيادته في الخير؛ فلا حرج في ذلك ما لم يترتب على هذا مفسدة.

    وإن كان هذا الشخص الذي ينتقل إلى مسجد أبعد من مسجده يعتبر عمدة في المسجد، أو له اعتبار، أو ينظر الناس إلى تركه لهذا المسجد بسوء الظن في الإمام، أو كان انتقاله سيؤدي إلى الشك، أو إلى أمر فيه مفسدة، كاختلافهم مع الإمام ونحو ذلك؛ فهذا لا ينبغي في الحقيقة، وإن كان ليس هناك أي شيء يترتب على هذه الأمور؛ فيبقى الأمر باعتبار الأصلح في حق الشخص نفسه.

    ومع ذلك أرى أن هذا نادر جداً، يعني: أن يكون الإمام على ما ذكره السائل، ويجب أن ينصح.

    حكم تكفير الحجاج ومدى صحة قتله لسعيد بن جبير

    السؤال: ما حكم تكفير الحجاج ، وهل ورد من بعض السلف تكفيره وهل صح ما نسب إليه من قتل سعيد بن جبير وغيره؟

    الجواب: ما أعرف أن أحداً من السلف كفر الحجاج ، فقد يطلق على بعض أعماله الكفر، وهذا معروف، فبعض الأعمال قد يفسرها بعض السلف بأنها كفر، ولا يعني ذلك أنهم أطلقوا عليه أنه كافر، بل هو كفر معصية.

    أما قتله لـسعيد بن جبير فمعروف، فـسعيد بن جبير رضي الله عنه اجتهد فخرج مع عبد الرحمن بن الأشعث ، وخرج كثير من الأئمة في وقته فناصحوه، خاصة الأئمة الكبار أمثال: الحسن البصري ، ومطرف وغيرهم من الأئمة الكبار، نصحوا سعيد بن جبير ونصحوا غيره، لكن لله الأمر من قبل ومن بعد، فخرج فاتخذ الحجاج في خروج سعيد بن جبير ذريعة لقتله، ولا شك أن قتله كان بعدما انتهت الفتنة، وبعد العهد بها، فقتل الحجاج له بعدما رجع واختفى معناه أن سعيد بن جبير قتل مظلوماً، لكن الذريعة التي اتخذها الحجاج هي خروجه عليه، مع أن سعيد بن جبير ما خرج على عبد الملك بن مروان ، إنما تأول في ضرورة دفع ظلم الحجاج ، فتأوله ما وافقه عليه غيره هو ومن شاركه، ما وافقهم السلف على ذلك، بل إن بعد هذه الفتنة -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ، والذهبي - عرف السلف أنه لا جدوى من استعمال القوة لدفع الظلم، وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرورة الصبر والمناصحة أمر قاطع لا محيد عنه، وأنه لا يجوز لمن ليس له ولاية أن يحمل السيف على الوالي وإن كان ظالماً وفاجراً، والحجاج كان والياً، لكنه كان ظالماً جباراً كما هو معروف.

    فـسعيد بن جبير رحمه الله تأول وأخطأ، والأئمة الذين سلموا بعد الفتنة وبقوا أحياءً رجعوا عن ذلك وتابوا وعرفوا أنهم أخطئوا، وإن كان الحجاج ظالماً جباراً، وفرق بين هذا وهذا.

    فالخروج لا يسوغ بمثل هذه الأمور مهما كان الظلم والجبروت من الوالي، فلا يجوز الخروج بحال ما يحل الأمر بالطرق الشرعية، ولا يصيب الناس من هذه الأمور شيء من الظلم والجور إلا بذنوبهم، ولو استقاموا وأصلحوا ما بينهم وبين ربهم لما ولى عليهم والياً ظالماً أبداً.

    حكم الخروج على الحاكم لعمله الكفري

    السؤال: هل العمل الكفري يسوغ الخروج؟

    الجواب: العمل الكفري لا يسوغ الخروج؛ لأن أغلب الأعمال الكفرية كبائر، هذا شيء.

    الشيء الآخر: قد يقصد بالعمل الكفري الشرك أو نحوه، لكن هذا لا يحكم به على المعين، قد يصدر من كثير من الناس أعمال كفرية، ولاة وغير ولاة، لكن لا يكفرون بذلك ولو كانت أعمالهم كفرية؛ لأنه فرق بين الحكم بالكفر، وبين تكفير المعين، ولا يجوز الخروج بالسيف على من ظهر منه الكفر العملي أبداً.

    فلذلك ينبغي أن تحرر هذه الأمور جيداً، وأن تعرف مذاهب السلف ومقاصدهم في هذه الأمور.

    إرجاء عمر بن ذر

    السؤال: ما نوع الإرجاء عند عمر بن ذر ؟ وهل هو من الوعاظ؟

    الجواب: عمر بن ذر قال بمثل قول أبيه بأن الإيمان قول، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وإرجاؤه هو إرجاء الفقهاء المشهور الذي كان عليه أبو حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان ، فإرجاؤه إرجاء الفقهاء وهم المرجئة الأوائل الذين يقولون بأن الإيمان هو القول، أو التصديق والقول، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

    وجه الاستدلال بقوله تعالى: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) على زيادة الإيمان

    السؤال: ذكر الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في كتابه: (أعلام السنة المنشورة) قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:7] مستدلاً به على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه ذلك؟

    الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لو كان الإيمان التصديق فقط لما كان محبباً ومزيناً في القلب؛ لأن التصديق أمر لا يقبل أكثر من مجرد الإقرار، فإذا قبل أكثر من الإقرار مثل التحبيب والتزيين فإنه يكون قابلاً للزيادة والنقص؛ لأن المحبة أمر زائد على التصديق، وأيضاً: تزيين الإيمان في القلب أمر زائد على التصديق، هذا ما يظهر لي، والله أعلم.

    بيان درجة الزيادة على ما ثبت عن رسول الله من نوافل العبادة في الأفضلية

    السؤال: يروى عن بعض السلف أن الواحد منهم كان يصلي في الليل أكثر من ثلاثمائة ركعة، وقد يقرأ القرآن في اليوم مرتين، فهل لمثل هذا العمل أثر في الولاية، أم ينبغي للإنسان المحافظة على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: السؤال تضمن الجواب، فلاشك أنه ينبغي أن يحافظ على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما اجتمع عليه أصحابه من الاعتدال في العبادة وفي كل شيء، ومن ذلك الصلوات وقراءة القرآن والقيام والصيام، وقد يكون بعض الناس عنده ميل إلى الزيادة في بعض العبادات، وربما يكون عنده من الظروف ما يجعله يعمل ببعض العبادات نظراً لأنه -مثلاً- قد لا يقدر على الكسب، أو في بعض أمور حياته يحتاج إلى إشغال وقته بمزيد من الطاعات، فهذه أمور خاصة، لكن الإنسان السوي المعتدل ينبغي أن يوازن بين أموره في دينه ودنياه.

    فلا بد أن يسهم في أمور الدنيا بما ينفع الأمة، كما أنه ينبغي أن يأخذ من العبادة بالقدر الكافي الذي يوافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا نجد أن عامة الصحابة كانوا على الاعتدال، لكن قد يوجد إنسان عنده مزيد من الوقت والفراغ لأمر معذور فيه، فقد يكون من المعذورين في الجهاد، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نحو ذلك، فإذا كان عنده شيء من هذا مما يقعده أو يعجزه عن أن يقوم بواجباته التي تقوم بها حياة الأمة؛ فقد يعذر في شغل وقته بالعبادة من صيام أو قيام أو قراءة قرآن أو لزوم صلاة أكثر مما هو معهود في السنة؛ لأنه ما دام لم يتعبد بذلك ولم يوجبه على الآخرين، وإنما أراد مجرد التطوع والنافلة؛ فهذا لا حرج عليه.

    أما الإنسان السوي الذي عنده من المواهب والقدرات ما يستطيع أن يعمل به لدينه ودنياه؛ فيجب أن يوازن بين الأمرين، ولذلك نجد أفاضل الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل الاعتدال والاستقامة كان عندهم شيء من الموازنة بين الأمور، والله أعلم.