إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [64]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة، فيجب الإيمان بهم، وبأنهم موكلون بأمور وقضايا وكلهم الله بها، وهم أعظم جنود الله ومخلوقاته، وقد اختلف في تفضيلهم على جنس البشر بناءً على اختلاف الأدلة في ذلك، وهذه المسألة في جملتها من المسائل التي لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولا خير ولا شر، ولكن بحثها في علم العقيدة جاء عرضاً ضمن باب الملائكة.

    1.   

    الخلاف في المفاضلة بين الملائكة وجنس البشر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولاً، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصل تفصيلاً آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، والشيخ رحمه الله لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي ولا إثبات، ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصداً، فإن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه وقف في الجواب عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى، فإنه ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب، وعد منها: التفضيل بين الملائكة والأنبياء، وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصاً، وقد قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، وفي الصحيح: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها)، فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفياً وإثباتاً والحالة هذه أولى، ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة على ما أشير إليه إن شاء الله تعالى، وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم! يعنون الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة للأدب.

    والتفضيل: إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده، وليس هذه المسألة نظير المفاضلة بين الأنبياء، فإن تلك قد وجد فيها نص، وهو قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55]، وقد تقدم الكلام في ذلك عند قول الشيخ: (وسيد المرسلين) يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

    والمعتبر رجحان الدليل، ولا يهجر القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه، بعد أن تكون المسألة مختلفاً فيها بين أهل السنة.

    وقد كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله.

    والأدلة في هذه المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل، لا على الأفضلية، ولا نزاع في ذلك ].

    قصده فضل بعض الأفراد أو بعض الأجناس، لا الأفضلية المطلقة، يعني: ما ورد من بعض النصوص التي تدل على فضل الملائكة يعني فضلاً مقيداً بأشخاص، والنصوص التي وردت في تفضيل بعض البشر ورد في سياقها على أنها تدل على تفضيل بعض الأشخاص -كالنبي صلى الله عليه وسلم- على الملائكة، أو تفضيل جنس من البشر، لا تفضيل عموم البشر.

    إذاً: الأدلة التي وردت في المسألة -سواء في تفضيل الملائكة أو في تفضيل البشر، أو في تفضيل بعض الملائكة، أو في تفضيل بعض البشر- أغلبها يدل على خصوصية الفضل لا على الأفضلية المطلقة من كل وجه، ويقصد بذلك: أنه ليس عندنا من النصوص التي وردت ما يدل على أن الملائكة كلهم أفضل من جميع البشر، ولا ما يدل على أن البشر كلهم أفضل من جميع الملائكة، بل ليس هناك دليل يدل على أن الملائكة أفضل من طائفة من البشر، ولا على أن البشر أفضل من طائفة من الملائكة، إنما قد يرد في بعض الأفراد أو في بعض الحالات ما يدل على التفضيل، وليس من كل وجه.

    قال رحمه الله تعالى: [ وللشيخ تاج الدين الفزاري رحمه الله مصنف سماه: الإشارة في البشارة في تفضيل البشر على الملك، قال في آخره:

    اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كثير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه عن ضعف واضطراب. انتهى ].

    أدلة القائلين بتفضيل الأنبياء على الملائكة وردود مخالفيهم عليها

    قال رحمه الله تعالى: [ فمما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وذلك دليل على تفضيله عليهم، ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62].

    قال الآخرون: إن سجود الملائكة كان امتثالاً لأمر ربهم، وعبادة وانقياداً وطاعة له، وتكريماً لآدم وتعظيماً، ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالاً لأمر ربهم.

    وأما امتناع إبليس فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول، وكلتا المقدمتين فاسدة.

    أما الأولى فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة، وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ونفع آدم عنصره في التوبة والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب المغفرة، فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك فيه، ضد النار.

    وأما المقدمة الثانية -وهي: أن الفاضل لا يسجد للمفضول- فباطلة؛ فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد، وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله، قالوا: وقد يكون قوله: هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62]بعد طرده لامتناعه عن السجود له، لا قبله، فينتفي الاستدلال به.

    ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع؛ كانوا بذلك أفضل.

    وقال الآخرون: يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة وتحمل العبادة وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول مدة عبادة الملائكة.

    ومنه: أن الله تعالى جعل الملائكة رسلاً إلى الأنبياء، وسفراء بينه وبينهم.

    وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل، واستدلالهم به أقوى، فإن الأنبياء المرسلين إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن الرسول الملكي يكون رسولاً إلى الرسول البشري.

    ومنه: قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]... الآيات.

    قال الآخرون: وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى بكونه علم ما لم يعلمه موسى، وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر وتزودا لذلك، وطلب موسى منه العلم صريحاً، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله ... إلى آخر كلامه، ولا الهدهد أفضل من سليمان عليه السلام بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان علماً.

    ومنه: قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75].

    قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد صلى الله عليه وسلم، فإن قلتم: هو من ذريته، فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة إذا قيل لآدم: ابعث من ذريتك بعثا إلى النار، يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة.

    فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط.

    ومنه: قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

    فالشأن في ثبوته، وإن صح عنه فالشأن في ثبوته في نفسه؛ فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات.

    ومنه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الملائكة قالت: يا ربنا! أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) . أخرجه الطبراني ، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم أنه قال: أخبرني الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الملائكة قالوا) الحديث ، وفيه: (وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: لا ، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا) .

    والشأن في ثبوتهما، فإن في سنديهما مقالاً، وفي متنهما شيئاً، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله تعالى مرات عديدة وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون؟!

    وهل يظن بهم أنهم بأحوالهم متشوقون إلى ما سواها من شهوات بني آدم؟! والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟! وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو وهو من الباطل؟!

    قالوا: بل الأمر بالعكس؛ فإن إبليس إنما وسوس إلى آدم ودلاه بغرور؛ إذ أطمعه في أن يكون ملكاً بقوله: وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20]، فدل أن فضيلة الملك أمر معلوم مستقر في الفطرة، يشهد لذلك قوله تعالى حكاية عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤية يوسف: وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31]، وقال تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50] ].

    كل هذا الكلام في سياق أدلة فريقين:

    الفريق الأول: الذين يقولون بأن من البشر -ومنهم الأنبياء- أفضل من الملائكة، وهذا القول هو الذي عبر الشارح عن أدلته بقوله: ومنه ومنه.

    الفريق الآخر: الذين يرون تفضيل الملائكة مطلقاً.

    فقوله: (قال الأولون) يعني: الذين يقولون بتفضيل بعض البشر على الملائكة.

    وسياق الأدلة يدل على ذلك، لكن مع طول الفاصل قد تغيب عن الذهن هذه المسألة.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال الأولون: إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفوس أن الملائكة خلق جميل عظيم مقتدر على الأفعال الهائلة خصوصاً العرب؛ فإن الملائكة كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا: إن الملائكة بنات الله! تعالى الله عن قولهم: علواً كبيراً.

    ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران:33] ].

    كأنهم يرون أن كلمة (العالمين) تشمل الملائكة والإنس والجن.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال الآخرون: قد يذكر (العالمون) ولا يقصد به العموم المطلق، بل في كل مكان بحسبه كما في قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70]، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165]، وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32] ].

    قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] أي: ليكون نذيراً للإنس والجن، وقوله تعالى: قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70] يعني: البشر، وكذلك: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165] يعني: من البشر، وكذلك قوله تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32] ربما احتمل الإنس والجن أو البشر فقط.

    قال رحمه الله تعالى: [ ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7]، والبرية: مشتقة من البرء بمعنى: الخلق، فثبت أن صالح البشر خير الخلق.

    قال الآخرون: إنما صاروا خير البرية لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات، والملائكة في هذا الوصف أكمل؛ فإنهم لا يسأمون ولا يفترون، فلا يلزم أن يكونوا خيراً من الملائكة، هذا على قراءة من قرأ: ( البريئة ) بالهمز وعلى قراءة من قرأ بالياء إن قلنا: إنها مخففة من الهمزة، وإن قلنا: إنها نسبة إلى البرى -وهو: التراب، كما قاله الفراء فيما نقله عنه الجوهري في الصحاح- يكون المعنى: أنهم خير من خلق من التراب، فلا عموم فيها -إذاً- لغير من خلق من التراب.

    قال الأولون: إنما تكلمنا في تفضيل صالح البشر إذا كملوا ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، وحباهم الرحمن بمزيد قربه وتجلى لهم ليستمتعوا بالنظر إلى وجهه الكريم.

    قال الآخرون: الشأن في أنهم هل صاروا إلى حالة يفوقون فيها الملائكة أو يساوونهم فيها؟ فإن كان قد ثبت أنهم يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة سلم المدعى، وإلا فلا.

    ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172].

    وقد ثبت من طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يكون خادماً للملك، ولا الشرطي أو الحارس، وإنما يقال: لن يستنكف الشرطي أن يكون خادماً للملك ولا الوزير.

    ففي مثل هذا التركيب يترفع من الأدنى إلى الأعلى، فإذا ثبت تفضيلهم على عيسى عليه السلام ثبت في حق غيره؛ إذ لم يقل أحد: إنهم أفضل من بعض الأنبياء دون بعض ].

    أدلة القائلين بتفضيل الملائكة وردود مخالفيهم عليها

    قوله: [ ومما استدل به على تفضيل الملائكة ] بدأ يقلب به المسألة في الاستدلال، حيث بدأ يستدل للفريق الآخر الذي يقول بتفضيل الملائكة على البشر، ومن هنا يكون قوله: (أجاب الآخرون) مراداً به الأولون الذين قالوا بتفضيل بعض البشر على الملائكة، خاصة الأنبياء.

    قال رحمه الله تعالى: [ أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها -أو من أحسنها-: أنه لا نزاع في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى عليه السلام لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقاً، ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه.

    ومنه قوله ].

    أي: من أدلة الذين قالوا بأفضلية الملائكة.

    قال رحمه الله تعالى: [ ومنه قوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:31]، ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك.

    أجاب الآخرون: بأن الكفار كانوا قد قالوا: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:7]، فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة.

    ومنه ما روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا تقاربها.

    قال الآخرون: الظاهر أن المراد المؤمن من البشر- والله أعلم - فلا تدخل الملائكة في هذا العموم.

    ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه عز وجل قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) الحديث، وهذا نص في الأفضلية.

    قال الآخرون: يحتمل أن يكون المراد (خيراً منه) للمذكور لا الخيرية المطلقة.

    ومنه ما رواه ابن خزيمة بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا جالس إذ جاء جبرائيل فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداهما وقعدت في الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس السماء مسيت، فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله علي) .

    قال الآخرون: في سنده مقال؛ فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته.

    وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة رحمه الله في الجواب عنها كما تقدم، والله أعلم بالصواب ].

    هذه المسألة: تكلم عنها بعض أهل العلم، وممن أفاض فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، ومن المواضع التي فصلت فيها في المجلد الرابع من الفتاوى، ومع ذلك لم يجزم شيخ الإسلام بقول، ولم يجزم برأي، وإن كان بين بعض الآراء الغريبة والشاذة، وبين بعض الآراء التي قد تقتضيها ظواهر الأدلة، لكنه لم يجزم بشيء.

    إذاً: فالخلاصة في هذا الكلام أنه لا طائل تحته وليس من أمور الاعتقاد، لا سيما أنه لم يرد فيه نص قاطع من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ما ورد من نصوص إنما تتعلق بأفراد من الفريقين من البشر أو من الملائكة، أما جملتهم فلم يرد فيها نصوص قاطعة، والله أعلم.

    1.   

    الإيمان بالأنبياء والمرسلين

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلاً سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم.

    فعلينا الإيمان بهم جملة؛ لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78] ].

    الإيمان الإجمالي معناه أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن بأن الله عز وجل أرسل أنبياء ورسلاً، وأن عددهم كثير، وأن الله أرسل في كل أمة رسولاً، وأقام الحجة إما برسول، وإما بدين جاء به هذا الرسول حتى لو لم يكن حياً بين ظهراني أمته، بمعنى أن إرسال الرسول لا يعني: أن يكون حياً بين أمته، بل قد تبقى رسالته وتبقى شريعته ويكون هذا بمثابة إقامة حجة، وقوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24] قال بعض أهل العلم: إن المقصود به: النبي والرسول، وبعضهم قال: المقصود به النبي والرسول أو من يحمل الرسالة الباقية التي لم تغير ولم تحرف من المنذرين والمصلحين، وهذا الاستدلال الثاني لا ينافي الأول، وهو الذي يدل عليه واقع الأمم والبشر؛ فإن هناك من الأمم من بقيت فيهم شرائع الأنبياء حتى بعد موتهم، فإن شريعة موسى بقيت بعده حجة على قومه وعلى البشر الذين سمعوا برسالته.

    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت رسالته لا تخضع للقاعدة؛ لأن الله جعل له عموم الرسالة من ناحية؛ ولأن الله أبقى دينه محفوظاً إلى قيام الساعة، لكن مع ذلك فإنه بعد موته بقيت رسالته حجة، وما جاء به حجة.

    إذاً: لابد من الإيمان بأن الله عز وجل أقام الحجة بالرسل على جميع البشر وجميع الأمم، وبأنه ذكر طائفة من هؤلاء الأنبياء والرسل ولم يذكر غيرهم وهو تعالى أعلم بهم، وقد ورد في ذلك حديث حسنه كثير من أهل العلم، وقال بعضهم بأنه يصل إلى درجة الصحيح لغيره، وهو حديث أبي ذر وأبي أمامة الذي فيه ذكر عدد الأنبياء وعدد الرسل، فهذا الحديث إن صح وجب اعتقاد ما ورد فيه من عدد النبيين وعدد المرسلين، ففيه أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد النبيين فذكر أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وسأله عن عدد المرسلين فقال له بأنهم ثلاثمائة وبضعة عشر، وفي بعض الروايات: ثلاثة عشر، وبعضها: خمسة عشر، وإذا ثبت هذا الحديث فإنه نص على عدد النبيين والمرسلين، فيدخل في باب الإيمان بالأنبياء والرسل على جهة الإجمال، أما على جهة التفصيل فالمقصود: أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن ويجزم ويصدق بكل نبي ورد ذكره في كتاب الله عز وجل أو صح ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ورد وصفه ولو لم يرد ذكره، فلابد من الإيمان به من خلال وصفه.

    بيان معنى الإيمان بالرسل عامة وبمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه خاصة

    قال رحمه الله تعالى: [ وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه، قال تعالى: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:81-82]، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:12].

    وأما أولو العزم من الرسل فقد قيل فيهم أقوال، أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]، وفي قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13].

    وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالاً وتفصيلا.

    وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى ].

    ويضاف إلى ما ذكر في القرآن الكريم صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

    قال رحمه لله تعالى: [ وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء، قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136] إلى قوله: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:136]، وقال: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2]، إلى قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:4]، وقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285]، وقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها وأنها نزلت من عنده، وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو.

    وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة:213]، وقال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41-42]، وقال: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ:6]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44]، وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ].

    1.   

    الأسئلة

    توجيه لمن يسأل عن المفاضلة بين الملائكة والبشر

    السؤال: قد نسأل عن مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر، فهل نجيب بما هو موجود في كتاب شرح العقيدة الطحاوية كما قرأنا، أم نصرف الناس عن الجواب في هذه المسألة؟

    الجواب: الأولى صرف الناس عن هذه المسألة بإقناع، بأن يقال: هذه المسألة ما تعبدنا بها، وهي أمور غيبية وليس فيها نص قاطع، وينبغي للمسلم أن لا يسأل عن أمور لا يحاسب عليها يوم القيامة، ولا يحتاج في ذلك إلى كثير كلام.

    الدليل على إنزال الله تعالى الكتب على رسله

    السؤال: ما الدليل على أن الله تعالى أنزل كتباً؟

    الجواب: لله تعالى كتب أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى كما قال الشارح، وهذا يفهم من عموم النصوص، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.