إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [55]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اللوح والقلم حق ثابت بالكتاب والسنة، فيجب الإيمان بأن الله تعالى كتب بالقلم في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق إلى قيام الساعة، وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب القدر، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، ولا يعني هذا التوكل على المكتوب سابقاً وترك العمل، بل لابد من العمل والتقوى والخشية لله تعالى، وليعلم العبد بعد ذلك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

    1.   

    الإيمان باللوح والقلم

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم):

    قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21-22].

    وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق لوحاً محفوظاً، من درة بيضاء، صفحاتها ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لفظة، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل، ويفعل ما يشاؤه) ].

    هنا قبل أن نبدأ بالشرح أحب أن أنبه إلى أن الكلام عن اللوح والقلم امتداد للحديث عن القدر، وهو يمثل المرتبة الثانية من مراتب القدر؛ فالمرتبة الأولى هي العلم الكامل المطلق لله عز وجل، والمرتبة الثانية هي الكتابة التي وسيلتها القلم، وهناك قلم عام وهو القلم الذي يكتب به في اللوح المحفوظ، وهناك أقلام تعددت تلازم الكتابات، فكل كتابة كتابة فيها أقلام، فالكرام الكاتبون يكتبون بأقلام، والذين يكلفون بالصحف الخاصة لكل إنسان عند نفخ الروح فيه يكتبون بأقلام، والتقدير السنوي الذي يكون ليلة القدر يكتب بأقلام، وهكذا، فهذه الأقلام -والله أعلم- ليست هي القلم الأول الذي يكتب به في اللوح المحفوظ.

    فالمهم أن الكتابة هي المرحلة الثانية من مراحل القدر.

    قال رحمه الله تعالى: [ اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) ].

    ذكر الخلاف في القلم والعرش أيهما خلق أولاً

    قال رحمه الله تعالى: [ واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمذاني ، أصحهما: أن العرش قبل القلم؛ لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء).

    فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم؛ لحديث عبادة هذا.

    ولا يخلو قوله: (أول ما خلق الله القلم) إما أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة -وهو الصحيح- كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له: (اكتب)، كما في اللفظ: (أولَّ ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب) بنصب (أول) و(القلم)، وإن كان جملتين، وهو مروي برفع (أول) و(القلم) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان؛ إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم، وفي اللفظ الآخر: (لما خلق الله القلم قال له : اكتب) ].

    أنواع الأقلام

    قال رحمه الله تعالى: [ فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها، وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1].

    والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم ].

    هذه العبارة فيها نظر، وأظن أن التعبير فيه نوع من التجوز، فكون أصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم بهذا التعبير فيه نوع من القرب من مصطلحات الصوفية والباطنية الذين يزعمون أن هناك من يدبر الكون مع الله، وكذلك الفلاسفة الذين ينسبون تدبير الكون إلى بعض الأجرام السماوية أو الأرواح أو الملائكة، أو غير ذلك من القوى أو العقول، فجملة (أصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم) ينبغي أن تحرر بأحسن من هذه العبارة.

    قال رحمه الله تعالى: [ والأقلام كلها خدم لأقلامهم، وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي ].

    هذا المقطع يتعلق بالقدر بعد الحديث عن اللوح والقلم، واللوح والقلم هما من وسائل الكتابة، والكتابة هي المرحلة الثانية من مراحل القدر.

    وبعد الحديث عن اللوح والقلم ذكر الطحاوي رحمه الله بعض أمور القدر، وهي عموم الخلق وعموم مشيئة الله عز وجل، وأن الخلق لا يستطيعون أمراً قدره الله عز وجل إلا ما أقدرهم عليه ومكنهم منه.

    1.   

    العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير وذكر أنواع الأقلام ومراحل الكتابة

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه غير كائن ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) ].

    من المعلوم أنه يقصد بذلك ما لم يقدرهم الله عليه، فإن العباد جعل الله لهم شيئاً من القدرة في حدود معينة لا يتعدونها، وما يقدرون عليه لا يخرج عن تقدير الله عز وجل، وما يفعلونه لا يخرج عما كتبه الله عز وجل وسطره في اللوح والقلم.

    فقصده: أنه لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله أنه كائن ليخالفوا ما قدره الله ما استطاعوا، لكن ما قدر الله أن يفعلوه فعلوه، وما قدر الله لهم أن يختاروه يكون اختيارهم على ضوء ما اختاره الله لهم، بمعنى: أن لهم إرادة ولهم قدرة، لكنها محدودة ولا تخرج عما قدره الله وأراده.

    قال رحمه الله تعالى: [ تقدم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما استقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير).

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح.

    وفي رواية غير الترمذي : (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

    وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة، فدل ذلك على أن للمقادير أقلاماً غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ.

    والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة، وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ذكره:

    القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح.

    القلم الثاني: حين خلق آدم عليه السلام، وهو قلم عام أيضاً، لكن لبني آدم، ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم.

    القلم الثالث: حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.

    القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة ].

    ويتصل بالحديث عن الأقلام الحديث عن الكتابة، فكما أن الأقلام أربعة، فكذلك مراحل الكتابة أربع:

    الأولى: الكتابة العامة، وهي الكتابة بالقلم العام في اللوح المحفوظ.

    والكتابة الثانية: الكتابة التي قدرها الله عز وجل وكتبها حين خلق آدم بالقلم الثاني.

    والكتابة الثالثة: هي التي يكتب بها الملك ما يقدره الله عز وجل على كل إنسان حينما تنفخ روحه.

    والكتابة الرابعة: الكتابة التي تلازم المكلف منذ بلوغه إلى أن يتوفاه الله عز وجل، فعلى هذا تصحب مراحل الكتابة الأقلام، وهناك أمور وسيطة بين هذه المراحل لا شك أنها داخلة في المقادير الأربعة، وداخلة في الأقلام الأربعة وفي مراحل الكتابة الأربع، مثل التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر.

    1.   

    ما تقتضيه معرفة العبد أن كل شيء بيد الله من إفراد ربه بالخشية والتقوى

    قال رحمه الله تعالى: [ وإذا علم العبد أن كلاً من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى، قال تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41]، وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:52]، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:56]، ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة، ولابد لكل عبد أن يتقي أشياء؛ فإنه لا يعيش وحده، ولو كان ملكاً مطاعاً فلابد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته، فحينئذ فلابد لكل إنسان أن يتقي، فإن لم يتق الله اتقى المخلوق، والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم ].

    يعني: لا تتفق رغباتهم، فلو أراد إنسان مثلاً أن يرضي الخلق لم يستطع لكنه أمر أن يرضي الله سبحانه، أما الخلق فإنه لا يستطيع أحد أن يرضيهم؛ لأن رغباتهم تتفاوت، بل تتعارض، فإرضاء الناس كلهم لا يمكن، فالناس لا يتفقون على حب شيء ولا على بغض شيء.

    قال رحمه الله تعالى: [ بل الذي يريده هذا يبغضه هذا، فلا يمكن إرضاؤهم كلهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه فلا تعانه. فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور ].

    هذه قاعدة عظيمة، فإرضاء الخلق لا يقدر عليه ولم يأمر الله به، وكونه لا يقدر عليه، بمعنى: لا يمكن لأحد أن يرضي جميع الناس، فهذا يستحيل، كما أن الله عز وجل لم يأمر بذلك، ومع ذلك فإن هناك من العباد من يسعى إلى إرضاء المخلوقين ولن يستطيع، ولا يسعى إلى إرضاء الله عز وجل ولا يمتثل أمر الله، في حين أن العكس هو الصحيح؛ وهو أن رضى الله عز وجل ممكن بطاعته سبحانه وبتقواه، كما أنه مأمور به، فالعاقل من أدرك هذا وعمل به، نسأل الله التوفيق والسداد للجميع.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأيضاً: فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئاً، فإذا اتقى العبد ربه كفاه مئونة الناس، كما كتبت عائشة إلى معاوية رضي الله عنهما مرفوعاً -وروي موقوفاً عليها-: (من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً).

    فمن أرضى الله كفاه مئونة الناس ورضي عنه، ثم فيما بعد يرضون؛ إذ العاقبة للتقوى، ويحبه الله فيحبه الناس، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)، وقال في البغض مثل ذلك.

    فقد بين أنه لابد لكل مخلوق من أن يتقي: إما المخلوق وإما الخالق، وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة، وتقوى الله هي التي يحصل بها سعادة الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل للتقوى، وهو أيضاً أهل للمغفرة، فإنه هو الذي يغفر الذنوب، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجاً مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللاً، فليستغفر الله وليتب إليه، ثم قال تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3]، أي: فهو كافيه لا محوجه إلى غيره ].

    1.   

    التوكل على مقدر الأمور لا ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب ].

    يشير بهذا إلى طوائف من العباد والنساك الأوائل، ثم إلى أكثر الصوفية الطرقية في العصور المتأخرة، فإن منهم من يزعم -بل أكثرهم يزعم- أن التوكل ينافي فعل الأسباب، بمعنى: أن الإنسان إذا سعى وحرص على فعل الأسباب نقص توكله، وأن مقتضى التوكل أن يستسلم الإنسان للكسل والخمول ويقعد، وأنه سيأتيه رزقه، نعم قد يأتيه رزقه، لكن بمنة الناس، فالله عز وجل قد كفل الرزق، لكن لا يعني ذلك أن الله عز وجل تعبدنا بترك الأسباب، بل العكس هو الصحيح في كل شيء، ليس فقط فيما يتعلق بتحصيل الرزق وبتحصيل العيش، بل في كل الأسباب التي تهم الناس في دينهم ودنياهم، فالعلم لا يمكن تحصيله إلا بالجهد وبالصبر وببذل الأسباب، والعيش لا يمكن تحصيله على وجه تقوم به أحوال الأمة وشئونها إلا ببذل الأسباب، بل تحقيق ما أمر الله به من إقامة الفرائض والسنن والنوافل وغيرها لا يمكن أن يتأتى للإنسان إلا بالجهد وبذل الأسباب.

    إذاً: لابد للعبد أن يجمع بين التوكل على الله عز وجل وبذل الأسباب، وأن يعلم أن من مقتضى التوكل -بل من لوازم التوكل- أن يبذل الإنسان الأسباب المأمور بها شرعاً، لكن لا يجعل الأسباب هي المراد عنده وهي الغاية، ولا يتعلق قلبه بالأسباب، إنما يتعلق قلبه بالله عز وجل الذي أمر بفعل الأسباب، من هنا يكتمل إيمانه ويسدد ويوفق.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين؛ يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:7]، ولهذا تجد كثيراً ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون ذلك من مكاس، أو والي شرطة أو نحو ذلك، وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر.

    وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في تفسير قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39].

    وأما قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] قال البغوي : قال مقاتل : نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً. قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق، ويعز قوماً ويذل آخرين، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً.. إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء ].

    1.   

    لزوم التسليم بما يقع من الأقدار لا ينافي الأخذ بأسباب طلب النافع منها وتفادي ما سواه

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه).

    هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل:

    ما قضى الله كائن لا محالة والشقي الجهول من لام حاله

    والقائل الآخر:

    اقنع بما ترزق يا ذا الفتى فليس ينسى ربنا نملة

    إن أقبل الدهر فقم قائماً وإن تولى مدبراً نم له ].

    يقصد بقوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) التسليم لأقدار الله بعد وقوعها، لكن لا يعني ذلك عدم الأخذ بأسباب تفادي الأقدار، فإن الأقدار منها ما هو سار ونافع، فيجب على العباد أن يبذلوا الأسباب للحصول على السار النافع وعلى أقدار الخير، ومنها ما هو ضار وشر، فيجب على العباد أن يسعوا إلى بذل الأسباب التي تمنع من الضرر والشر قبل وقوعه، بمعنى أنه لا يشرع للإنسان أن يسلم للأمر قبل وقوعه فيترك بذل الأسباب، بل لابد من بذل الأسباب، فإذا وقعت المقادير بعد بذل الأسباب فلابد من التسليم، فإذا وقعت المقادير على ما يحب العبد؛ فليحمد الله على ذلك وليشكره، وإذا وقعت على غير ما يحب العبد؛ فليعلم أن ذلك من حكمة الله عز وجل وتقديره وخيرته التي اختارها للعبد، وليسلم بهذا، وأن ما أصابه من هذه المقادير لم يكن ليخطئه ما دام قد حصل، فلا يقول: لو أني فعلت كذا لتفاديت هذا السبب أو هذه المصيبة أو هذا الحدث، أو لو أني لم أفعل كذا لحصل كذا، فلا داعي للتحسر على أمر مضى، فإذا وقع المقدور فلا يجوز للإنسان ولا ينبغي له أن يتحسر وأن يندم على أمر لم يفرط فيه، أما إن فرط فليندم على التفريط فقط، وليستأنف تفادي ما حصل في الماضي في الأمور المستقبلة، أما الأمور الماضية فإن ما أخطأ العبد فيها لم يكن ليصيبه ما دام قد أخطأه، وكذلك ما أصابه لم يكن ليخطئه مهما بذل من الأسباب ما دام قد حدث.

    إذاً: على العبد أن يسلم بالماضي وأن يسعى في المستقبل إلى ما يصلح أموره في دينه ودنياه على أمر الله وشرعه وعلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فيبذل الأسباب ولا يقعد عنها، وبعد ذلك يعتمد على الله ويتوكل عليه.