إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [54]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل الواجب على العبد أن يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره كما جاء في الكتاب والسنة، ولا يرد شيئاً مما دلت عليه النصوص في هذا الباب، ويجب الحذر من الوسوسة وكثرة التفكير والخوض في هذا الأمر؛ فإن هذا فتح لباب الضلال والانحراف فيه، فالواجب هو الإيمان والتسليم بما ورد، ولا يجوز الاعتراض أو السؤال عن شيء قدره الله تعالى لم قدره؟ فإن هذا ضلال مبين؛ لأن القدر مما اختص الله تعالى بعلمه، ولم نعلم منه إلا ما ورد في النصوص فالواجب هو التسليم بذلك تسليماً مطلقاً.

    1.   

    ضرر التعمق والبحث في القدر بأكثر مما ورد في النصوص

    قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان) إلى آخره، التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء. والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان، والذريعة: الوسيلة، والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى.

    وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقارب المعنى أيضاً، لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر، والطغيان في مقابلة الاستقامة ].

    يقصد بذلك أن الكلام في القدر بأكثر مما ورد في النص والتمادي في إثارة الشكوك وإثارة الأسئلة والإشكالات في القدر لا يزيد الإنسان علماً ولا يقيناً ولا إيماناً، فالقدر سر الله في خلقه، ولابد من الوقوف على ما جاء فيه من النصوص في الكتاب والسنة، ثم إن القدر لا يمكن لأحد من الخلق أن يأتي فيه بجواب بأكثر مما ورد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فتطاول العقول وتعمق الأفكار والوساوس في القدر لا يزيد الإنسان إلا خذلاناً، ولا يزيده إلا غواية وضلالة وبدعة وشكوكاً، وربما يصاب بشيء من الوساوس التي تبقى في نفسه فلا تمحى إلا بصعوبة، وربما تهلكه، فعلى أي حال: يجب على المسلم أن يحذر كل الحذر من إثارة الأسئلة والإشكالات في القدر، وإذا ثارت الأسئلة في أمر عارض فإن على الإنسان أولاً أن يعود إلى مبدأ التسليم، ويحاول أن يصرف ذهنه عما يرد إليه من شكوك وإشكالات، فإن استطاع وإلا فليحاول تلاوة آيات القدر وأحاديث القدر لعله بذلك يشفى قلبه، فإن لم يستطع فليسأل أهل العلم، فإن لم يصل إلى نتيجة فليضرع إلى الله عز وجل بأن يشفيه ويعافيه.

    1.   

    وجوب الحذر من الوساوس والخواطر المتعلقة بأمور الغيب

    [ وقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة):

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان). رواه مسلم .

    الإشارة بقوله: (ذاك صريح الإيمان) إلى تعاظمهم أن يتكلموا به.

    ولـمسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان)، وهو بمعنى حديث أبي هريرة ، فإن وسوسة النفس ومدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان].

    يقصد بالوسوسة هنا الخواطر العابرة العارضة، فالوسوسة العارضة والأفكار العارضة والخواطر الطارئة قد لا يسلم منها الإنسان، لكنها ما لم تستقر في النفس لا تضر، وهي من محاولة الشيطان إغواء كل إنسان، فإن وجد الإنسان في نفسه يقيناً ودفعها فليعلم أنه بذلك حقق معنى الإيمان، وصريح الإيمان، بمعنى: أن مجرد الوسواس العارض لا يضره، والفارق بين الوسواس العارض والثابت أن الوسواس العارض يجد فيه الإنسان من نفسه نوعاً من الغرابة والإنكار، وشيئاً من النفرة، حيث تنفر منه النفس بالفطرة لاسيما الوساوس المقصودة هنا، وهي الوساوس التي تتعلق بأمور الغيب، بالقدر، أو بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأفعاله، ونحو ذلك، فإن هذه الخواطر ترد إلى الإنسان، فالمؤمن لابد من أن يجد في نفسه كراهية لهذه الخواطر ويحاول دفعها بما عنده من مبدأ التسليم لله عز وجل واليقين بالله واليقين بالحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وجد ذلك فليعلم بذلك أنه -إن شاء الله- حقق معنى الإيمان.

    إذاً: ليس المقصود بالوسوسة هنا الوسواس المستقر الذي هو بمثابة الشكوك، بل الوسوسة العارضة التي يسميها الناس أفكاراً وخواطر وخطرات تعرض، إما بسبب يرد إلى الإنسان من الأسباب المنظورة والمشاهدة والمحسوسة أو مما يسمعه من الناس، وإما من وسوسة الشيطان المحضة، لكنه إذا وجد في نفسه إنكاراً لهذه الوساوس فليعلم أن أصل الإيمان موجود عنده، وليحمد الله على ذلك.

    إذاً: هناك نوع من الوسواس غير ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، وهو الشكوك، سواء كان منشؤها الأمور العارضة الخارجة عن إرادة الإنسان أو الخارجة عن تفكير الإنسان بذاته، كما يحدث مما يقرؤه بعض الناس أو يسمعونه، أو ما يحدث من شبهات الفلاسفة والمتكلمين والدهريين وغيرهم، فهذا النوع إذا ورد على الإنسان فإن كان عنده شيء من الإيمان وقوة اليقين بالله عز وجل والفقه في دين الله؛ فإن ذلك لا يضر، وإن ضعف إيمانه وقل فقهه فربما تؤثر فيه الشبهات الواردة التي ترد من الناس أو ترد مما يسمعه أو يراه.

    كما أن من الشكوك ما يثيره أهل الشكوك أنفسهم من الفلاسفة والدهريين والعقلانيين والكفار والمشركين والمنافقين، فهذه شكوك ثابتة في أنفسهم وليست عارضة، وتكون من أسباب تماديهم في الضلالة، وقد تؤثر هذه الشكوك على بعض مرضى القلوب من المسلمين إذا ضعف إيمانهم وقل علمهم.

    ولذلك يجب على المسلم أن يحذر من قراءة الكتب التي تثار فيها هذه الإشكالات، ويجب ألا يتمادى في سماع ما يرد إلى سمعه من هذه الشكوك من الناس أو عبر الوسائل التي ترد فيها هذه الشكوك، كما أنه ينبغي أن يحصن نفسه ابتداء بمعرفة أصول الإيمان بالقدر؛ لأن الإنسان ضعيف، والواردات إلى ذهنه من خارج ذهنه أو من وساوس الشيطان في داخله كثيرة، فإذا وافقت ضعفاً في الإيمان وقلة في الفقه والعلم وعدم رسوخ في العقيدة فربما تؤثر على الإنسان، بل ربما يعتقد عقيدة باطلة من خلال هذه الوسوسة أو من خلال هذه الشكوك وهو لا يشعر.

    1.   

    نشأة الوساوس في القدر ونحوه من أمور الغيب

    قال رحمه الله تعالى: [هذه طريقة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف سودوا الأوراق بتلك الوساوس التي هي شكوك وشبه، بل وسودوا القلوب وجادلوا بالباطل؛ ليدحضوا به الحق ].

    أول من فعل ذلك صنفان من الناس: أناس كانت عندهم هذه الوساوس بمثابة النزعات الفردية، وقد لا ترجع إلى أصول عقدية ذات قواعد أو إلى فرق أو نحل، وهذه كانت مصيبتها أسهل، وكان السلف الأوائل لهم منها مواقف قضت على هذه النزعات، كما حدث من بعض المشككين من أمثال صبيغ بن عسل التميمي ، وذلك الشاب الذي جاء إلى ابن عباس وكان قد تمادى في الوسوسة في القدر، فجاء به أبوه إلى ابن عباس فأعطاه ابن عباس رضي الله عنهما درساً في ذلك حتى رجع واستقام، ومثلما حدث من بعض أهل الذمة، كـقسطنطين بطريرك النصارى في الشام الذي سلم مفاتيح بيت المقدس لـعمر ، فقد حدثت منه تلك الحادثة بينما كان عمر يخطب بالجابية، فاعترض على القدر وهدده عمر بن الخطاب ، وما حدث من بعض الخوارج كذلك، وما حدث من ابن الكوى وأمثاله.

    فإن هذه الأمور كانت نزعات فردية لم تكن أصولاً فلسفية، ولا ترجع إلى فرق، فهذه النزعات كانت بمجرد أن تبدو وتظهر يقضى عليها بسرعة وبقوة وبحزم، وتنتهي إما بالقوة وإما بإقناع أصحابها بالدليل والبرهان.

    الصنف الثاني: فرق سودت الكتب وظهر كلامها على شكل أصول، وأول ما ظهرت بعد سنة ستين للهجرة، وظهر كلامها على شكل اعتراض مقنن في مسائل القدر، يعني: كان كلامهم في القدر يحمل أصولاً وقواعد مستمدة من أهل الكتاب ومن الصابئة ومن المجوس، وكلهم تتشابه أقوالهم في القدر، وكان أصحاب هذا القول -أي: الفرق القدرية الأولى- عندهم نوع من التقعيد لمقولتهم، وهو تقعيد عقلاني وفلسفي، ولذلك لما ظهروا فتن بهم طوائف من أبناء المسلمين الذين قل فقههم في الدين ثم لما واجههم السلف كانوا مستعدين بالحجج العقلية والفلسفية، وأولهم معبد الجهني ، ثم غيلان الدمشقي ، ثم بعد ذلك تلقف هذا الاتجاه المعتزلة وصار أصلاً من أصولهم، وسموا بالقدرية فيما بعد.

    ثم انتقلت هذه الأصول إلى كثير من الفرق فيما بعد، فدخل القول في القدر إلى الرافضة، ودخل إلى الجهمية، ثم قالت به الفرق الكلامية المتأخرة من الأشاعرة والماتريدية، أي: أنها قالت في بعض مسائل القدر بقول يخالف أصول أهل السنة والجماعة، وإن كانت في الأصول الكبرى في القدر تقول بقول أهل السنة، لكن عندها بعض المسائل التي تخالف فيها أهل السنة، مثل مسألة الاستطاعة ومسألة الحكمة والتعليل لأفعال الله عز وجل ونحو ذلك، وبعد ذلك صار القول بالقدر أصلاً من أصول كثير من الفرق إلى يومنا هذا.

    1.   

    نصوص في ذم الخوض في القدر والبحث فيه

    قال رحمه الله تعالى: [ ولذلك أطنب الشيخ في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه.

    وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم. قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده). ورواه ابن ماجة أيضاً.

    وقال تعالى: فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة:69]، الخلاق: النصيب، قال تعالى: وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200] أي: استمتعتم بنصيبكم من الدنيا كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم، وخضتم كالذي خاضوا، أي كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا ].

    معنى (الذي خاضوا) أي: الذين خاضوا في الكلام في دين الله عز وجل بغير علم، وأول ذلك القدر، فكل الأمم -سواء الأمم الكتابية والأمم غير الكتابية- ضلت في القدر، أما الأمم الكتابية فقد ضلت بعد الهدى اليهود والنصارى، وأما الأمم غير الكتابية فمن الطبيعي أنها لم تهتد إلى الحق أصلاً، فقد قررت مسائل القدر بعقولها، فكل الأمم المنحرفة والضالة خاضت في القدر على نحو يختلف ويتناقض، وأخذوا في مسألة القدر مسالك شتى متناقضة ينقض بعضها بعضاً.

    فالله عز وجل في هذه الآية ينهانا وينهى الأمة كلها عن أن تخوض كما خاض الذين سبقوا؛ لأن الخوض في مسائل القدر هو مفتاح الخوض في جميع مسائل الاعتقاد، وما خاض أحد في القدر إلا ضل؛ لأن القدر مبناه على التسليم.

    وكذلك سائر أمور الغيب، لكن القدر هو أكثر أمور الغيب إعضالاً، والقدر يستهوي الحديث فيه النفوس، وأكثر الناس يجيد الخصام في القدر؛ لأن إثارة الشكوك فيه تقوم على الألغاز، فمن هنا يستهوي كثيراً من الناس الذين يصابون بمرض الثرثرة والكلام، فالمهم أن الأمم التي ضلت كان من أعظم من أسباب ضلالها الخوض في القدر، وقد نهينا أن نخوض في القدر، وكذلك غير القدر من أمور الغيب الأخرى.

    قال رحمه الله تعالى: [وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إما في العمل وإما في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات، والثاني من جهة الشبهات].

    1.   

    مشابهة هذه الأمة لأهل الكتاب في الافتراق وبيان نصيب القدر من ذلك

    قال رحمه الله تعالى: [وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتأخذن أمتي مآخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك).

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي). رواه الترمذي .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني: الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة).

    وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: مسألة القدر، وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع ].

    لذلك كانت كل الفرق التي انحرفت عن السنة والجماعة عندها مخالفة في القدر، بمعنى أنها تتفق على الخروج عن السنة في مسألة القدر إما خروجاً جزئياً وإما خروجاً كلياً، فأولها القدرية الخالصة، وآخرها: أهل الكلام المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية، فقد خالفوا السنة في بعض مسائل القدر.

    إذاً: الخروج عن السنة والخروج عن الحق في مسألة القدر قاسم مشترك بين جميع أهل الأهواء، فهو من المسائل التي تتفق عليها فرق الضلال وإن تفاوتت أقوالهم، مع أنها قد تختلف في المسائل الأخرى من مسائل الاعتقاد، أي أن بعضها قد يكون له قول صحيح في بعض مسائل الاعتقاد.

    1.   

    دلالات في أحاديث الافتراق

    الجزم بحصول الافتراق في الأمة

    ثم إن في هذه الأحاديث دلالة على أمور سبق التنويه عليها متفرقة، ولكن تحسن الإشارة إليها الآن، وأقول: إن أحاديث الافتراق دليل قاطع على إن الافتراق لابد واقع في هذه الأمة، وأن وقوعه أمر كتبه الله عز وجل، لكن وقوع الافتراق لا يعني ضياع الحق، فقد صح في الأحاديث المتواترة أنه تبقى في هذه الأمة طائفة على الحق ظاهرة ومنصورة إلى قيام الساعة، هذا أمر.

    الأمر الآخر: أن وقوع الافتراق لا يعني الرضا به، إذ هو في كتاب الله عز وجل وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم جاء على نوعين: جاء على طريق الإخبار وجاء على طريق التحذير من الوقوع في الأهواء، وذلك من باب تنبيه الأمة حتى لا تقع في الأهواء؛ لأن الأهواء لابد واقعة، ولذا فإن وقوع الافتراق يعني أن المسلم لابد له من أن يحذر في كل أموره من أن يقع في الهوى أو أن يزل أو أن يضل أو أن يتبع أحداً في الدين غير أهل السنة والجماعة.

    بقاء الافتراق والاختلاف إلى قيام الساعة

    ثم إن في هذه الأحاديث أيضاً دلالة على أن الافتراق باق إلى قيام الساعة، وبهذا نرد على الذين يزعمون -وهم كثيرون- من المفكرين والعصرانيين والعقلانيين في هذا العصر الذين ينتسبون إلى الإسلام أن دعوى الافتراق دعوى ليست صحيحة، وأن الأمة كلها على الحق، وأن ما يحدث بينها هو أمور خلافية مما يسع فيه الاجتهاد، وأنه لا يجوز أن ندعي أن الأمة مفترقة أو أنها جماعات ينابذ بعضها بعضاً... إلى آخره.

    وهذه دعوى -وإن كانت بينة العوار والخطأ- قد أثرت في طائفة من شباب الأمة ومفكريها ومثقفيها، فكان لابد من التنبيه على ذلك، لاسيما أن الذين قالوا بهذه المقولة وزعموا أن هذه الافتراقات ما هي إلا اختلاف في وجهات النظر، وما هي إلا نزاع في أمور اجتهادية بعضهم من المتبوعين الذين يحملون رايات تنتمي إليها جماعات من شباب الأمة، لذا يلزم التنويه بهذه المسألة والتنبيه عليها والتحذير منها.

    الفرق المخالفة المتوعدة غير خارجة من الملة

    ثم إن هناك أمراً آخر يتعلق بمن ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم من المفارقين من الثنتين والسبعين الذين فارقوا السنة والجماعة، فهم أولاً متوعدون بالنار، وهذا صريح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن توعدهم بالنار لا يعني بالضرورة أنهم من الخالدين فيها، بل اتفق جمهور السلف على أن الفرق المفترقة التي لا تزال في ضمن المسلمين الأصل فيها أنها من أهل الوعيد، وليست من الكفار الخلص أو من المرتدين، ولذلك كان السلف إذا حكموا على أحد من أهل الأهواء بالردة أو الكفر الصريح أخرجوه من الثنتين والسبعين وقالوا: لا يعد هذا من فرق المسلمين، وهذا يكاد يكون محل اتفاق بينهم، فمثلاً: أغلب السلف لا يعدون غلاة الجهمية من فرق المسلمين، ولا يعدونهم من الثنتين والسبعين، ولا يعدون غلاة الرافضة من الثنتين والسبعين، ولا يعدون الباطنية من الثنتين والسبعين، بل يعدونها من ملل الكفر التي لا تنسب إلى الإسلام وإن انتسبت.

    إذاً: ففرق المسلمين الثنتان والسبعون التي خرجت عن السنة والجماعة لاشك في أنها ضالة وأنها مبتدعة، ويجب على المسلم أن يتبرأ من مناهجها ومن أهلها، لكنها ليست داخلة في صنف الكفار الخلص ولا في أهل الخلود في النار، إنما تدخل في أهل الوعيد من هذه الأمة.

    أقول هذا؛ لأنه اشتهر عند بعض الباحثين المتأخرين القول بأن الفرق الثنتين والسبعين خارجة من الملة، وأنها مخلدة في النار، وأنها تترتب عليها أحكام الكفار الخلص، وهذا خطأ، ورأيت في هذا الأمر بعض المؤلفات التي ظهرت أخيراً، كما أنه بالعكس ظهرت مؤلفات أخرى تزعم أن الفرق الثنتين والسبعين ليست من الفرق الضالة كلها، إنما هي من الفرق المختلفة في أمور اجتهادية، كالمذاهب الأربعة في الفقه، وهذا كله ضلال، لا هذا ولا ذاك، فالقول الوسط قول أهل السنة والجماعة أن الافتراق واقع، وأن الفرق المفارقة للسنة والجماعة ضالة ومبتدعة وخارجة عن السنة، ويجب على المسلم أن يتبرأ منها ومن عقائدها، لكنها غير خارجة من الملة إلا من خرج منها من الملة، وهي متوعدة بالنار، وحكمها حكم أهل الكبائر، والله أعلم.

    1.   

    قيام مبنى العبودية والإيمان على التسليم وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأمر والنهي والشرع

    قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين):

    اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك، كما في الإنجيل: يا بني إسرائيل! لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا.

    ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم، فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأموراً به بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته، فإن ظهرت له فعله وإلا عطله، فإن هذا ينافي الانقياد ويقدح في الامتثال.

    قال القرطبي ناقلاً عن ابن عبد البر : فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونفي الجهل عن نفسه باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به؛ فشفاء العي السؤال، ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره.

    قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد، قال: فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ونشدت من مظانها، والله يفتح وجه الصواب فيها. انتهى.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، رواه الترمذي وغيره، ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له بين له الصواب؛ ليرجع إليه، فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله):

    قوله: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود):

    الإشارة بقوله: (فهذا) إلى ما تقدم ذكره مما يجب اعتقاده والعمل به مما جاءت به الشريعة، وقوله: (وهي درجة الراسخين في العلم) أي: علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلاً، نفياً وإثباتاً، ويعني بالعلم المفقود: علم القدر الذي طواه الله عن أنامه ونهاهم عن مرامه، ويعني بالعلم الموجود: علم الشريعة أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئاً مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين، قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27] الآية.

    وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]، ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها ولا انتفاؤها جهلنا حكمته، ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات التي لا يعلم منها إلا المضرة لم ينف أن يكون الله تعالى خالقاً لها؟! ولا يلزم ألا يكون فيها حكمة خفيت علينا؛ لأن عدم العلم لا يكون علماً بالمعدوم].

    1.   

    أنواع العلم المفقود الذي لا يسع المكلف طلبه

    هنا قسم العلم إلى مفقود وموجود، فالمفقود -كما أشار الشارح- يمكن أن يلخص في ثلاثة أمور: أولاً: القدر، فالقدر كله علم لا صلة للبشر به، ولم يتعبدوا بالبحث عنه أبداً، إنما تعبدوا بالتسليم به مطلقاً، ونصوصه محكمة، بمعنى أنه لا سبيل إلى الزيادة عليها ولا النقصان.

    الأمر الثاني: الغيبيات عموماً، سواء ما يتعلق بالله عز وجل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يتعلق بأخبار الغيب الأخرى، وهي التي تسمى بالسمعيات، كأحوال الآخرة وأحوال المستقبل، وعالم الشهادة الذي لا نراه ولا تتناوله حواسنا ومداركنا، فإن هذا كله داخل في العلم المفقود الذي يجب على الإنسان ألا يتطلع إليه، ولا يبحث عنه، وبحثه من التكلف والإثم.

    الأمر الثالث: بعض حكم التشريع، فحكم التشريع نوعان: نوع قد يدركه عامة الناس أو يدركه طلاب العلم أو يدركه الراسخون، وبعضه قد لا يدرك إلا بذكاء وفطنة، وبعضه يدرك بالبديهة.

    النوع الثاني من حكم التشريع: ما لا يدرك أبداً، فيبقى سراً من أسرار الله عز وجل وحكمه الخفية.

    إذاً: فحكم التشريع ليست كلها خفية، فما يدرك عند الناس هو درجات، وما لا يدرك داخل في العلم المفقود، فليس للإنسان أن يكلف نفسه في البحث عن علل التشريع لا في جزئياتها ولا في كلياتها، نعم يلتمس العلل من باب قوة اليقين ومن باب الاستزادة من الحكمة ومن معرفة نعم الله عز وجل على عباده، فهذا أمر طيب، لكن لم نتعبد بمعرفة حكم التشريع كلها، بل ليس أصل البحث عن الحكمة مطلوباً شرعاً، لكن الإنسان قد يجد في البحث عن الحكمة أحياناً نوع استزادة من الإيمان أو من تعظيم الله عز وجل.

    النوع الثاني: العلم الموجود، وهو ما كان في متناول الإنسان، كاستنباط الأحكام من الأدلة، فهذا في متناول الإنسان، وقد تعبدنا به شرعاً، ومن الواجبات التي يجب أن تقوم به الأمة، وكذلك سائر الأمور الاجتهادية، سواء في علوم الدين أو في علوم الدنيا، فهذا علم موجود وقد تعبدنا بالبحث عنه، ولا تقوم مصالح العباد إلا به، بل لا تؤدى عبادة الله عز وجل على الوجه الشرعي السليم إلا به، فهذا العلم الموجود هو الذي أمرنا بطلبه وتعبدنا به، وهو الذي وردت النصوص بفضله وفضل طالبه، خاصة العلم الشرعي.

    وأما قول الشارح: [ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] ففيه اضطراب في الحقيقة، فالمحقق حينما نصب (جهلنا) ربما اجتهد، وقد أخطأ في نظري؛ لأن العبارة مضطربة، ولا نجزم بأن الجهل هو المنفي هنا، ومع ذلك يمكن أن نلتمس للعبارة معاني:

    المعنى الأول: أن قوله: [ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] مرادف لقوله: [ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها]؛ أي: أن خفاء الحكمة علينا لا يلزم أنها غير موجودة، فحكمة الله موجودة فعلاً، ومعلومة بالضرورة، سواء علمت أو خفيت، وأظن العبارة الثانية مرادفة لها، فالعبارة الثانية: [ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] معناها أننا إذا جهلنا فلا يلزم من جهلنا عدم الحكمة، وهذا مرادف في المعنى للأول.

    المعنى الثاني: أن انتفاء قدرتنا على الحكمة لا يعني أننا لا نقدر على شيء منها أبداً، بمعنى أنا قد نقدر على بعضها، إنما لا ندرك كل الحكمة، بل قد ندرك بعض الحكم، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    ثمرة الخلاف في كيفية حصول الميثاق

    السؤال: ما هي ثمرة الخلاف في مسألة الميثاق؟ وهل يترتب عليها أحكام عقدية؟

    الجواب: الخلاف في العقائد على نوعين: نوع له ثمرة عملية وعلمية، أي: اعتقادية، ونوع ليس له ثمرة عملية، لكن لابد أن يكون له ثمرة اعتقادية، فكل خلاف في العقائد لابد أن يكون له ثمرة عقدية علمية، وقد يكون له ثمرة عملية، فمسألة الميثاق ليس وراءها ثمرة تتعلق بسلوك الناس وأعمالهم في الدنيا، لكنها من أمور العقيدة؛ لأنها تتعلق بالخبر عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الإشارة إلى الميثاق في القرآن وجاء ذكره صراحة في السنة.

    إذاً: فهو من أمور الاعتقاد كما صح؛ لأنه من أمور الغيب، ومن هنا نقول: ثمرة الخلاف في مسألة الميثاق هي العلم والاعتقاد.

    صور الميثاق عند الشيخ حافظ الحكمي

    السؤال: ذكر الشيخ الحكمي في معارج القبول نوعاً ثالثاً من صور الميثاق، وهو إرسال الرسل، فهل هذا يدخل في أنواع الميثاق؟ أم هو مسألة أخرى منفصلة؟

    الجواب: الشيخ الحكمي رحمه الله ذكر في معارج القبول أنواعاً كثيرة جداً من صور الميثاق في الدنيا، وأشار إلى أن الميثاق له صورتان: صورة تتعلق بوقوعه في الأزل قبل أن تظهر للخلق علامات ودلائل وجود الله عز وجل ودلائل حكمته وتوحيده، وصورة تكون في الدنيا، وصورة ثالثة تكون في الآخرة.

    فالشيخ الحكمي عندما ذكر صور الميثاق في الدنيا ذكر منها أشياء كثيرة، ذكر منها الآيات الكونية كالسموات والأرضين وغيرها، وذكر منها الآيات في الأنفس، وذكر منها آيات الفطرة والدلائل العقلية، وذكر منها الدلائل السمعية، وذكر منها إرسال الرسل والحجة التي قامت بهم على الخلق، وذكر صوراً كثيرة لا تكاد تحصى، بمعنى أن الشيخ رحمه الله عدد أنواع الدلائل والبراهين السمعية والعقلية المرئية والمشهودة والمسموعة والمدركة بسائر الحواس، واعتبرها كلها دلائل على الميثاق.

    معنى الإيمان بالقدر خيره وشره

    السؤال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، فهل التسليم بالشر كالتسليم بالخير؟

    الجواب: التسليم بالشر بمعنى أن الله عز وجل قدره، وأنه كتبه على العباد، وأنه من ضمن المصائب اللي تحدث على العباد حق، ولابد للمؤمن من أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله عز وجل قدر الخير والشر، بمعنى: علمه وكتبه وشاءه.

    لكن للشر جانبان: جانب من حيث تقديره، وآخر من حيث وقوعه، فالمعاصي والمعايب التي تحدث من العباد يحاسب عليها الإنسان، ومع ذلك يؤمن بها إذا وقعت، والإيمان بها لا يعني إقرارها ولا التسليم بها، ولا يعني أيضاً عدم الإنكار، ولا أن تكون حجة للعبد على ربه، ولا على ترك شرع الله، إنما وقوعها من العبد عيب يلام عليه، وتقديرها من الله عز وجل حكمة، فالمهم أن المؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله عز وجل قدر الخير والشر.

    معنى الاستحسان في الأحكام الفرعية وحكمه

    السؤال: عارض الفلاسفة شرع الله بعقولهم، فهل سن الأحكام والاستحسان الذي فعله بعض الأئمة يدخل في ذلك؟

    الجواب: إذا كان يقصد بالأئمة أئمة الهدى فقهاء الإسلام المقتدى بهم في الدين فلا، فهؤلاء ما وقعوا في شيء من ذلك، وما قالوه في الاستحسان في الفقه ما خرجوا به عن مقتضى النصوص، ولهم في ذلك أدلة، والاستحسان لا يعني معارضة الشرع بالعقل، وإنما يدخل في الأحكام الاجتهادية المستمدة من النصوص الشرعية.

    أما في العقيدة فليس هناك شيء اسمه استحسان في العقائد والأصول والقواعد القطعية، إنما الاستحسان الذي قرره أهل الفقه يدخل في الأحكام الاجتهادية، وينبني على الاستنباط من النصوص، فهم لا يستحسنون شيئاً بدون أن يرتبط بنص، إنما الاستحسان يدخل في الترجيح، ويدخل في الاستنباط من النصوص والتفريع على القواعد الشرعية المبنية على النصوص.

    فالعلماء يقررون الأحكام الاجتهادية بأصولها كما ذكرت، والاستحسان لا يعنون به ترك الشرع، إنما الاستحسان وجه من وجوه الترجيح، ولا يعد تقديماً للعقل على الشرع، إنما العقل وسيلة لفهم الشرع ووسيلة لفهم النصوص، ولا يمكن أن يستغنى عن العقل في فهم النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام، بل لا يستغنى عن العقل في فهم نصوص العقيدة، لكن نصوص العقيدة يسلم بها تسليماً وتقر على حقائقها التي تفهما العقول السليمة، أما نصوص الأحكام فيجتهد فيها لاستنباط الأحكام الجزئية المتعددة منها، وعلى هذا فالاستحسان لا يعد تقديماً للعقل، إنما هو وسيلة من وسائل الاجتهاد المبنية على النصوص، ولا يعد ذماً، ولا وجه للمقارنة بين الفلاسفة في تفضيلهم العقل على الشرع وبين الفقهاء الذين جعلوا الاستحسان من وسائل الاستنباط وبيان الأحكام.

    توجيه احتجاج علي وفاطمة بكون أنفسهما بيد الله في نومهما عن الصلاة

    السؤال: في الحديث الصحيح: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على علي وفاطمة وهما نائمان فقال: ألا تصليان؟! فقالا: إن أنفسنا بيد الله، إن شاء أمسكها وإن شاء أطلقها، فتولى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول -يعني: كالغاضب-: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54])، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أليس هذا منهما احتجاجاً بالقدر؟ وكيف توجه الحديث؟

    الجواب: بالنسبة لـعلي وفاطمة لم يكن قصدهما الاحتجاج بالقدر، لكن قصدا أن هذا الأمر لم يكن عندهما فيه تفكير سابق، بمعنى أنهما ما عزما على القيام، ولو استيقظا لقاما، لكن ما استيقظا، فذلك الأمر بيد الله.

    ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهما ذلك واعتبره خصومة وجدلاً، لأن علياً وفاطمة في ذلك الوقت ما كانا يجهلان أن ذلك ليس بحجة، وأن المسلم عليه أن يبذل الأسباب ليقوم، فالجواب على الإشكال موجود في الحديث نفسه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ما رضي بهذا الجواب، ولا اعتبر التسليم بالقدر حجة على عدم فعل الخيرات والمسابقة إليها.

    الموقف من اجتهادات المعتزلة ونحوهم في المسائل الفرعية

    السؤال: بعض الطلاب في بعض الكليات ينقلون عن بعض الأساتذة أنه يقول: نحن نأخذ بآراء المعتزلة في الفقه ونوافقهم على ذلك إذا كان ذلك صحيحاً، ولكن لا نوافقهم في العقائد؟

    الجواب: هناك قاعدة عامة عند السلف، وهي أن الحق يؤخذ من مصادره من الكتاب والسنة ومن آثار السلف الصالح، وأن هذا الحق قد يوافقه أهل الباطل فيأخذون به، فيؤخذ الحق لا لأنه منهم، لكن لأنه جاء من مصدره الصحيح وهو الكتاب والسنة، فعلى هذا قد يوافق قول أهل السنة قول المعتزلة أو بعض المعتزلة في الأحكام الاجتهادية، ولا يضر ذلك بقول أهل السنة والجماعة، ولا ينبغي أن يؤدي بهم إلى أن يعدلوا عن القول الحق بمجرد أن قاله المعتزلي، هذا أمر.

    الأمر الآخر: أنه قد يكون اجتهاد كثير من المعتزلة في الأحكام موافقاً لاجتهاد السلف في مسائل الأحكام في الفقه وأصول الفقه واللغة وغيرها، وموافقتهم لهم لأنهم أخذوا بمصدر صحيح، وهو التلقي عن الكتاب والسنة، وقد يوافقون الحق قدراً، ومع ذلك لا يرد الحق لكونه جاء عن المعتزلة.

    إذاً: الصحيح من هذا أنا قد نأخذ بالآراء الصائبة التي جاءت بأدلة صحيحة وإن قال بها المعتزلة، لكن لا نأخذها على أنها عنهم، بل نأخذها على أنها جاءت في الكتاب والسنة.

    ثم إن هناك أمراً آخر يجب التنبه له، وهو أنه ما من حق قال به أهل الأهواء إلا وقد سبقهم إليه أهل السنة، وهذه قاعدة، فلا يمكن أن ينفردوا بقول حق، فأهل الأهواء قد يقولون الحق في كثير من الأمور الاجتهادية ويوافقون الحق، فإذا قالوا بالحق ووافقوه فلا يعني أنهم انفردوا به، بل لابد أن يكون موجوداً عند أهل السنة مثله وزيادة.

    وهذه قاعدة من تصورها يسلم من مثل هذه الإشكالات، فعلى هذا أظن أن قول هذا الأستاذ صحيح إذا أحسنَّا الظن وأخذنا بالسلامة الأصلية في مشايخنا ومعلمينا، فصحيح أنا قد نوافق القول الحق عند المعتزلة إذا كان قولهم مبنياً على دليل صحيح يوافق ما كان عليه السلف في أمور الأحكام، أما في أمور العقائد فالمعتزلة الأصل فيهم الانحراف والابتداع، ولا تصح موافقة ما هم فيه؛ لأنه مخالفة للحق، إلا في بعض الجزئيات، فإنهم قد يوافقون الحق، وهذا لا يعد اكتشافاً منهم وانفراداً منهم بالحق، إنما هو اتباع اتبعوا به الحق عن قصد أو غير قصد.

    ذكر بعض ما يطيب به خاطر المصاب من القول

    السؤال: ما هو الذي يصح أن يطيب به خاطر من أصيب ببلاء في بدنه أو ماله ونحو ذلك؟

    الجواب: قد نقول لمن أصابه كسر: قد يكون هذا الكسر الذي أصابك مانعاً لك من الموت فيما لو لم تصب به، ولكن لا داعي لهذا التفصيل، بل يمكن أن يطيب خاطر من أصيب ببعض المصائب فيقال له: احمد الله على أنه لم تكن المصيبة أعظم من ذلك، وهذا أمر طيب لا بأس به.

    فالإنسان يذكر بنعمة الله عز وجل أنه لم تكن المصيبة في دينه أولاً، وهذا من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين، ألا تكون المصائب في دينهم.

    فالإنسان يعزى بأنه مهما بلغت المصائب في بدنه فإن ذلك له فيه أجر، وعليه أن يصبر، وأن ذلك لا يساوي شيئاً لو كانت المصيبة في دينه لا قدر الله.

    ثم إن المصائب في البدن تتفاوت، وأعظم مصيبة هي الموت، فما كان دون الموت لا مانع من أن يقال لمن أصيب به: يجب أن تحمد الله عز وجل على أنك لم تصب بما هو أعظم من ذلك، وهذا مشروع.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.