إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [38]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الكلام علم لا فائدة منه؛ مؤداه إلى الحيرة والاضطراب والتذبذب، وينتهي أمره إلى الإفلاس والضلال في دين الله تعالى، وقد عرف هذا الأمر أساطينه الكبار، ولذلك رجع بعضهم في آخر أمرهم إلى منهج السلف لما انتهوا إلى الحيرة والاضطراب، وعليه فمن المحال أن يحصل بهذا العلم هدى وعلم ويقين، ومن رام ذلك فلن يجده إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وجوب اعتماد كلام الله ورسوله وترك آراء أهل الكلام وأصولهم

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن المحال ألا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين ].

    يقصد بهم أهل الكلام؛ لأنه لا يزال الحديث عن المتكلمين، والمتكلمون هم الذي يخوضون في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته عز وجل، وفي مسائل العقيدة وسائر أمور الغيب والأخبار ونحوها، يتكلمون عنها بمجرد الظنون والأوهام والفلسفات والعقليات، ولا يلتزمون ما ورد في النصوص الشرعية.

    قال رحمه الله تعالى: [ بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم قُبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد.

    وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يختصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أُخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل.

    مثال ذلك في التركيب، فقد صار له معان:

    أحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك ].

    الطبائع الأربع في عرف المتقدمين هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركباً بهذا المعنى المذكور.

    الثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب.

    الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة.

    الرابع: التركيب من الهولي والصورة، كالخاتم مثلاً، هيولاه الفضة وصورته معروفة ].

    الهيولى هنا المقصود بها المادة الأساسية الأولية للشيء في عرف الأولين، أو ما يسمى بالمادة الخام في عرفنا.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه.

    والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه.

    الخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة.

    ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً؛ فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً؛ لم يحرم بهذه التسمية.

    السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟! هذا محال.

    فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟! ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك، وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل.

    وسبب الضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة.

    وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس.

    وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12].

    وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:80]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً ].

    1.   

    قياس أهل الكلام ما يتعلق بالله على عالم الشهادة من أسباب خوضهم المذموم

    خلاصة هذا المقطع: أن أهل الكلام الذين خاضوا في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته عز وجل وخاضوا في أمور الغيب؛ كان من أهم أسباب خوضهم في هذه الأمور أنهم قاسوا أفعال الله وصفاته وذاته على ما يعرفونه من عالم الشهادة، أي: من المخلوقات، فلذلك جاءوا بمسألة التركيب والجسمية والتحيز والجوهر والجهة.

    ويقصد بذلك أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، أو الذين عطلوها وأولوها لهذه العلل؛ فزعموا أن بعض ألفاظ أسماء الله عز وجل أو صفاته تدل على التركيب فنفوها أو أولوها.

    وبعضهم زعم أنها تدل على الجسمية، فبعض أسماء الله وصفاته قالوا فيها: هذه تدل على الجسمية، أو تشعر أو توهم -بتعبيرات مختلفة منهم- فنظراً لذلك تنفى عن الله عز وجل أو تؤول، وكذلك التحيز والجوهر والجهة والعرض وغيرها من الألفاظ.

    فالمقصود: أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته -كالجهمية- أو الذين أولوها -كالمعتزلة- ثم الذين ورثوا التأويل عنهم -وهم الأشاعرة والماتريدية- إنما نفوا أسماء الله وصفاته وعطلوها وأولوها بدعوى أنها تنطبق على هذه المصطلحات، وهذا كله رجم بالغيب، بل هو قول على الله بغير علم، فإذا جاز أن تنطبق هذه الأمور على ألفاظ صفات المخلوقات؛ فلا يجوز ذلك في حق الله عز وجل؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

    فأسماء الله وصفاته وأفعاله تثبت له تعالى على ما يليق بجلاله، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن توهم المشابهة؛ لأن حقائقها تختلف، بل تغاير كل المغايرة حقائق خلق المخلوقات.

    والطبائع الأربع التي ذكرها هنا هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة، ويقصدون بذلك أن هذه الصفات يتكون منها الحيوان، سواء الإنسان والحيوانات الأخرى ذات الأرواح.

    وزعموا أن كل صفة تدل على عضو أو توجد في المخلوق فإنها صفة مركب، فمن هنا نفوها عن الله عز وجل بدعوى أنها تفيد التركيب، كاليد والعين.. إلى آخره.

    1.   

    موقف الغزالي وابن رشد من الفلسفة وعلم الكلام

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً): (يتذبذب): يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله تعالى حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟! ].

    (تهافت التهافت) رد به ابن رشد على الغزالي ، فـالغزالي الملقب بحجة الإسلام عاش في أول نشأته مع الفلسفة والفلاسفة وأعجب بهم، ثم ترك الفلسفة واعتنى بعلم الكلام على مذهب المتكلمين، وفي هذه الأثناء رد على الفلاسفة بكتاب اسمه (تهافت الفلاسفة)، فرد عليه ابن رشد الحفيد بكتاب سماه (تهافت التهافت)، انتصاراً لمذهب الفلاسفة، وكل من الرجلين ترك الفلسفة وأعرض عنها، بل ترك حتى علم الكلام وأعرض عنه، فـابن رشد الذي كان ينتصر للفلاسفة ترك الفلسفة، وأعرض عنها وحذر منها، والغزالي الذي كان فيلسوفاً ترك الفلسفة، وبعد أن انتقل إلى علم الكلام وعاش فيه فترة من عمره تركه ونزع إلى التصوف، ثم لما تعمق في التصوف وجد فيه زلات كباراً، وأدرك أن فيه ما قد يوصل إلى الكفر، فأعرض عن هذه المذاهب كلها، وسلم تسليم العجائز، ومات على هذا المذهب.

    أما ابن رشد الحفيد فقد أكب على الفقه والعلوم الشرعية، وترك الفلسفة، ولم يكن يوماً من الأيام متكلماً، بل كان يرد على المتكلمين في حياته الأولى الفلسفية، وفي حياته الثانية عندما كان فقيهاً ينزع إلى الفقه، لكن مع ذلك يقول ببعض مذاهب المتكلمين في الصفات وغيرها، بما يخالف أصول المتكلمين التي قننوها وأصلوا فيها بدعهم في التأويل والتعطيل.

    وله في ذلك رد عظيم جداً وجيد لا يكاد يوجد عند غيره، حتى كان شيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده كثيراً ما ينقلون عن ابن رشد في رده على أهل الكلام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية : أنه ما رئي أقوى في رد علم الكلام والرد على أهله من كلام ابن رشد .

    والكلام هنا ممتد، وبعضه مرتبط ببعض، لكن سنستعرض بعض المسائل، ولعلنا نعيد الدرس مرة أخرى، فأرجو ألا ننسى؛ لأنه مترابط يحتاج إلى وقت طويل.

    والكلام على المتكلمين أمر يحتاج إلى الرجوع إلى أصول أهل السنة والجماعة، وما خالفها من أصول المتكلمين؛ لإثبات التذبذب والشك والحيرة والوسواس والتكذيب والجحود الذي وقع فيه المتكلمون وأشار إليه الشارح هنا.

    ومن أراد أن يستفيد ويستعجل الفائدة فليرجع إلى درء التعارض لشيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الأول صفحة (159) وما بعدها، فسيجد العجب العجاب، فما هذا إلا خلاصة موجزة جداً مما وجد في ذلك الكتاب.

    1.   

    تذبذب أهل الكلام وانتهاء أمرهم إلى الإفلاس

    قوله: (يتذبذب بين الكفر والإيمان) هذا أحسن وصف لحال المتكلمين كما ذكر الشارح؛ لأن المتكلمين يزعمون أنهم على السنة، وهم يختلفون عن الفلاسفة الخلص كـابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم ممن لا يتورعون عن إظهار احتقار الشريعة، واحتقار الأنبياء، فهم كالمستشرقين، فالفيلسوف يعترف بجوانب العظمة في الرسالة النبوية، وبما يبهر ظاهراً، ويقوله ويعتز به، لكنه لا يخضع للوحي ولا يسلم له، ويحصر الشرائع في أنها ظواهر تصلح لعامة الناس، وليست على مستوى العباقرة والمفكرين والعباد الكبار، هذا فهم الفلاسفة للإسلام وللدين والوحي.

    فهم يعتبرون الوحي مفيداً، والشرائع مفيدة وهامة، لكنها لعامة الناس؛ لأن الأذكياء أمثالهم -كما زعموا- والعباقرة وكبار العباد وكبار الصوفية يستغنون عن الشرائع، وهؤلاء أرقى عند الفلاسفة من الأنبياء، ومذاهبهم أرقى من النبوة، وسلوكهم أرقى من الشريعة، ويصرحون بذلك، وليس عندهم في ذلك أي تحفظ، كـابن سينا وابن رشد وابن الفارض والفارابي والسهروردي وكذلك ابن عربي ، وابن عربي من أفصحهم في هذه المسألة في كتبه التي كتبها في هذه الأمور.

    أما أهل الكلام -وهم محل الحديث هنا- فإن عندهم شيئاً من اللبس، فهم يقدسون الشرع ويقدسون الوحي ويقدسون الدين، ويعتبرون للأنبياء منزلتهم، ويعترفون بمبدأ الخضوع للشرع وللدين، لكنهم يزعمون أن الشرع لابد أن يأتي بما يوافق العقل، أي: يضعون للعقل الاعتبار الأول، فمن هنا إذا جاءت بعض المسائل أو النصوص أو القضايا التي يرون أن العقل لا يستوعبها وقفوا فيها حائرين، فلا يثبتونها كما أثبتها الوحي، ولا يستطيعون أن ينفوها نفي التكذيب والجحود كما فعلت الجهمية وغلاة الفلاسفة، فيقفون حائرين؛ إذ لا يعترفون بالنص لأنه يخالف قواعدهم العقلية؛ ولا يستطيعون رده لأنه يخالف عقائدهم في الشرع من حيث إنه عندهم حق وصدق، فمن هنا وقعوا في الاضطراب.

    وما من متكلم من المتكلمين الكبار هذا مبدؤه إلا وينتهي أمره بالحيرة وإعلان الإفلاس، والخضوع للشرع الخضوع المطلق، لكن بعد فوات الأوان؛ لأنهم تشبعت أفكارهم وعقولهم بعلوم وافدة طارئة محدثة، فلما أرادوا تصحيحها لم يتمكنوا، فسلموا تسليم العجائز كلهم، الرازي ، والغزالي ، والجويني ، والشهرستاني ، والخسروشاهي وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم، كلهم ينتهون بالتسليم الفطري، أو تسليم العجائز الذي ليس فيه قدرة على إدراك التفاصيل.

    1.   

    ضرر التشبع بما يخالف الكتاب والسنة من العلوم

    وقد يقول قائل: كيف وهم أذكياء وعباقرة، وأخذوا علوماً منها العلوم الشرعية وتبحروا فيها، كيف لا يدركون تفاصيل العقيدة ويستوعبون ما جاء عن السلف؟

    والجواب: أن المتأمل لحالهم يجد أنهم هم وأمثالهم ممن تشبع بعلم يخالف الكتاب والسنة قبل أن يستوعب العقيدة السلمية ويستوعب نصوص الشرع على نهج سليم، وتشبع بأفكار تخالف الكتاب والسنة أياً كانت، سواء كانت فلسفية أو أدبية أو تاريخية أو فكرية أو ثقافية أو غير هذا، يجد أنهم لابد من أن تؤثر تلك العلوم في أفكارهم وسلوكهم، حتى ولو استقاموا وتابوا، وأن تبقى آثارها فيهم إلى أن يموتوا، إلا النادر، والنادر لا حكم له، مع أن النادر استثناء؛ لأن الله عز وجل على كل شيء قدير.

    أما التاريخ فلم يثبت لنا أن أحداً ممن تشبع بعلم غير الكتاب والسنة، ثم رجع الكتاب والسنة بقي سليماً أبداً، ولنأخذ مثالاً واحداً:

    فمن أصدق من رجعوا عن مذاهبهم الباطلة إلى الكتاب والسنة وأبلوا في ذلك بلاء حسناً أبو الحسن الأشعري رحمه الله، من أصدق من قرأنا له، وسمعنا عنه وعرفناه في التاريخ، واعترف له السلف بصدق رجعته، فقد كان معتزلياً تشبع بالاعتزال حتى الثمالة، وفجأة تاب من الاعتزال وتصدى للمعتزلة وأفحمهم، ويعتبر هو الرجل الثاني بعد الإمام أحمد رحمه الله في قمع الجهمية والمعتزلة.

    ومع ذلك بقيت عنده آثار كلام المعتزلة إلى أن مات، بقيت في مذهبه حتى إنها صارت تكأة للأشاعرة، فدخلوا من سم الإبرة ووسعوه حتى كان أوسع من الباب، وظهر ذلك في نزعته في أفعال الله عز وجل، وكلام الله عز وجل موافقاً في ذلك ابن كلاب ، وكذلك نزعته في علم الكلام، حيث قال: إن علم الكلام قد يفيد في رد شبهات المبطلين فقط.

    فهو يرفض أن يقرر الدين بعلم الكلام رفضاً قاطعاً في كتاب (الإبانة) و(الرسالة إلى أهل الثغر) وغيرهما، فإنه كان يرفض علم الكتاب رفضاً قاطعاً، لكن يقول: إنه قد يفيد في رد شبهات المبطلين.

    وقد خالفه السلف حتى في هذه، فقالوا: لا يجوز تعلم علم الكلام وإن كان قد يفيد، لا يجوز أن نضع قاعدة أو فتوى في تعلم علم الكلام، أو أنه مشروع تعلمه.

    وهو خالف في هذه المسألة، ورأى أنه يمكن أن يتعلم علم الكلام من أجل الرد على المتكلمين، وحصل له في ذلك موقف مشهور حينما عارضه في ذلك إمام السنة في ذلك الوقت البربهاري مع ضعف القصة المشهورة، فضيق عليه وطرد من بغداد بسبب إصراره على أن علم الكلام قد يفيد، مع أنه يرى من حيث الاعتقاد أن علم الكلام كله باطل.

    أقول: هذا شاهد على أنه لا يعرف أن أحداً تشبع بعلم غير الكتاب والسنة ثم رجع إلى الكتاب والسنة، وتاب من ذلك وسلم من أثر وغوائل العلم الذي تشبع به.

    وهذا هو السبب الذي جعل هؤلاء الكبار من المضطربين، مع أن بعضهم من البحور في العلوم الشرعية الأخرى، تجد الواحد منهم في الفقه وأصول الفقه والتفسير إماماً، بل بعضهم أئمة في الحديث، ومع ذلك تجد فيه نزعة الكلام، فإذا رجع عن علم الكلام لا يهتدي إلى مذهب أهل السنة، لنقاوته وصفاوته ووضوحه وبيانه؛ لأنه قد يكون ذلك -والله أعلم- نوعاً من العقوبة على البدعة، وإن تاب وصلحت حاله.