إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [37]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الناس في علم الكلام، ومذهب السلف الصالح رحمهم الله والأئمة أنه بدعة وحرام لا يجوز تعلمه ولا تعليمه، وذلك لأن الصحابة تركوه ولم يأخذوا به مع قيام الحاجة إليه في عهدهم، ولكثرة شره ومفاسده، وإضاعة الوقت فيه بلا فائدة، وإثارته للشكوك والشبهات في عقائد المسلمين، ولهذا فإن أساطين علم الكلام والذين خبروه قد حذروا منه ومن تعلمه، بعدما تبين لهم فساده وبطلانه، كالإمام الغزالي رحمه الله وغيره.

    1.   

    ما قاله الغزالي في حكم تعلم علم الكلام

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم الدين، وهو من أجل كتبه -أو أجلها-: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف ].

    قبل أن يفصل الغزالي أحب أن أنبه إلى أنه رحمه الله اضطرب اضطراباً شديداً كعادة المتكلمين الذين لا يستقرون في عقائدهم على شيء، وإن كان أنصف في كلامه هنا، لكنه اضطرب، فكلامه يشعر بوصف مذهب السلف بأنهم غلوا في رد علم الكلام أو أنهم أسرفوا في رده، ثم بعد ذلك رجح قول السلف في رد علم الكلام، ثم يرجع عن ذلك مرة أخرى في بعض عباراته، وكأنه لا يريد أن يستقر على رأي، وإن كان في الجملة -خاصة في آخر حياته، وكما هو ظاهر من غالب كلامه الذي سنقرؤه الآن- قد رجع عن علم الكلام، ورأى أن مذهب السلف هو الصحيح وهو الأسلم والأعلم والأحكم، لكن مع ذلك بقيت عنده لوثات كلامية جعلت نفسه تتعلق بعلم الكلام بعض التعلق.

    قال رحمه الله تعالى: [ فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات؛ فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله.

    قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف. وساق ألفاظاً عن هؤلاء.

    قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم- إلا لما يتولد منه من الشر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون)، أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء.

    واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم طريقه ويثني على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر، إلى أن قال: فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام.

    قال: فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد المبتدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل ].

    قبل أن نعرض كلامه في منفعة علم الكلام نحب هنا أن نستجلي أدلة السلف على تحريم علم الكلام من خلال ما ذكره الغزالي وغيره بإيجاز.

    ويظهر أن الغزالي رجح أن قول السلف هو الصحيح، لكنه استثنى استثناءً كما سيأتي، بمعنى أنه يرى أن علم الكلام مضرته أكثر من منفعته، والاستثناء الذي سيورده منقوض بكلامه هو.

    1.   

    موقف السلف من علم الكلام وبيان مجمل ما استخدموه في مناظراتهم من ألفاظ كلامية

    نرجع إلى قول السلف وأصل هذا القول وأدلته؛ فالسلف رحمهم الله كلهم يحرمون علم الكلام، فلا يظن أحد من الناس أن هناك من أهل السنة من سلف الأمة أئمة الدين وأهل الحديث من يبيح علم الكلام أبداً بإطلاق.

    وقد نجد من أقوال أئمة أهل السنة ما يشعر أحياناً باستخدام علم الكلام عند الضرورة، وهذا لا يعد دليلاً على إباحة علم الكلام، بل يعد من اللجوء للضرورة، كاستباحة الميتة عند الضرورة.

    وهذا أمر لا يتعلق به واجب أو مندوب، بمعنى أننا لا نستصدر له حكم، بل ولا ينبغي أن نستثنيه بقاعدة فنقول مثلاً: علم الكلام محرم إلا عند الضرورة؛ لأن الضرورة يتفاوت الناس في تقديرها، وقد يتذرع طالب علم أو متعلم بأنه وجد ضرورة لعلم الكلام، كأن يدافع عن العقيدة، ويرد شبهات المبطلين، ثم يدخل في علم الكلام فلا يخرج إلا كما خرج أساطينه بشبهات وشكوك ومرض قلوب وفساد اعتقاد.

    إذاً: فلا نُعرِّض المسلمين لما يسمى بالضرورة، وإنما ترد الضرورة في أمر يلجأ إليه العالم دون تبييت مسبق؛ كما حدث لكثير من الأئمة، فـالشافعي ناظر بعض المتكلمين واضطر إلى أن يستعمل عبارات كلامية في موقف لم يبيته من قبل.

    والإمام أحمد رحمه الله استعمل بعض الحجج الكلامية وإن كانت قليلة جداً ونادرة، فقد كان وقافاً على النص، لكن استعملها من باب ضرورة الدفع لشبهة يخشى أن تنطلي على العامة، أو على الناس، أو على الحاضرين أثناء المناظرة.

    فكان يدفع شبهتهم بأسلوب كلامي لضرورة طارئة ما بيتها الإمام أحمد من قبل، فقاعدته سالمة وباقية لم ينقضها إلا لضرورة طرأت.

    كذلك من جاء بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد أكثر من استعمال الأساليب الكلامية ورد علم الكلام بأصول أهله، ورد قواعد المتكلمين بعضها ببعض، وهذا أيضاً ضرورة لم تلجئ الإمام ابن تيمية ولا غيره إلى أن يجعلها فتوى، إنما اضطر إليها حينما احتسب وقته وجهده وعلمه في هذا السبيل، ولم يبح ذلك للناس أو يفتحه كقاعدة أو فتوى.

    إذاً: فيبقى الأصل عند السلف وأئمة أهل السنة قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا أن علم الكلام حرام، والاطلاع على كتبه حرام، ولا يلجأ إليه بدعوى الضرورة إلا من متخصص في موقف يعرض له، فيستعمل أساليب كلامية، أو يطلع على كتب أهل الكلام للرد عليها، فهذا أمر يقدره العالم المتمكن، ولا يكون بمثابة الفتوى أو المنهج الذي يقرر كما يميل إلى ذلك بعض طلاب العلم عن جهل في عصرنا الحاضر.

    1.   

    أدلة السلف على تحريم علم الكلام

    سكوت الصحابة وإعراضهم عن علم الكلام مع قيام داعي الحاجة إليه

    نرجع إلى أدلة تحريم السلف لعلم الكلام، ونبدأ بما ذكره الغزالي :

    أولاً: قالوا: لأن هذا الأمر سكت عنه الصحابة، مع أنهم كانوا بحاجة إليه، ولا يظن ظان أن الصحابة لم يحتاجوا إلى علم الكلام، بل احتاجوا إليه إبان الفتوح، واحتاجوا إليه قبل ذلك في جدال اليهود والنصارى والمنافقين، يعني: حدثت أمور تقتضي استعمال علم الكلام فلم يستعملوه، فأقوال النصارى في القدر كانت حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلموا بها، وكان القرآن يتنزل في الرد عليها دون استخدام أساليب كلامية، وكذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين ومع اليهود ومع النصارى من المحاجة كان يلتزم فيه أصول الشرع والوحي، ثم ما فعله الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك في آخر عهد الخلفاء الراشدين واجه المسلمون أمماً كلها عندها فلسفات، وعندها قواعد كلامية، وكان من مقتضى الواقع أن يفتحوا لأنفسهم باب علم الكلام فيجادلوا اليهود بأصولهم الكلامية والنصارى بأصولهم الكلامية، والمجوس بأصولهم الكلامية، والصابئة بأصولهم الكلامية، لكن لم يفعلوا ذلك، إنما كانوا يقيمون الحجة الشرعية، ولا يجادلون إلا بحدود تلتزم بالضوابط الشرعية، ولا يتعمقون في رد أقوال الخصم، بل يردون أقوال الخصم بالأدلة الشرعية والأدلة العقلية المبنية على الأدلة الشرعية؛ لأن الأدلة الشرعية جاءت بالأدلة العقلية كما ذكر أهل العلم، وليست الأدلة الشرعية خالية من الأدلة العقلية، فما من شبهة رئيسة في الأمم قديماً وحديثاً إلا ونجد في القرآن رداً عقلياً عليها، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة.

    إذاً: فلا يقال: إن الصحابة لم يواجهوا الفلسفات فيستعملوا علم الكلام، بل واجهوا الفلسفات، لكنهم سدوا باب الكلام والمراء والجدل إلا بالتي هي أحسن وبالأصول الشرعية.

    إذاً: فما سكت عنه الصحابة يلزم المسلمين السكوت عنه إلى قيام الساعة، خاصة في الأمور الغيبية العقدية، وقبل ذلك ما سكت عنه الشارع، ما سكت عنه القرآن والسنة، مع أن الصحابة أعرف بالحقائق، يعني: حقائق الوحي، سواء ألفاظه ومعانيه، فالصحابة ليسوا كما يظن كثير من الناس أنهم إنما انشغلوا بالفتوح وليس عندهم تعمق في العلميات، ولا عندهم تعمق في المعارف، هذا ليس بصحيح، بل عندهم من القدرة العقلية والقدرة على التعمق ما ليس عند غيرهم، لكنهم وقفوا حيث أمروا أن يقفوا، والله عز وجل أمرهم ألا يسألوا عن أشياء، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا عن أشياء من ضمنها هذه الفلسفات وهذه الكلاميات، فهم أعرف بالحقائق -أي حقائق كلام الله وحقائق الوحي- وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم.

    جناية الشرور والمفاسد من علم الكلام

    الدليل الثاني: ما يتولد عن علم الكلام من الشر، كالشكوك والشبهات والاستهانة بكلام الله عز وجل، وتعريض الوحي لكثرة الخوض فيه ممن ليسوا من أهل العلم من المجادلين المماحلين والمرائين، ثم ما ينتج عن ذلك من تلويث قلوب الناس بالشكوك والشبهات والريب في دين الله عز وجل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون).

    وهذا أمر ثابت، وهو أن التنطع في الدين لا يجوز، ومن التنطع البحث والاستقصاء في أمور الغيب، وأمور الدين وعلل الشرع، ونحو ذلك مما لا يدركه أحد أو لا يدركه إلا الراسخون في العلم.

    انقطاع صلة علم الكلام بالدين لترك الأمر به

    الدليل الثالث: أن بحث المسائل الشرعية بقواعد عقلية وفلسفية لو كان من الدين لأمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون من لوازم الدين، ثم لا يبين لنا ولا نؤمر بالأخذ به، فكيف وقد نهينا عن الأخذ به أشد النهي؟!

    إضاعة أوقات المسلمين وفتح أبواب الشبهات

    وأخيراً: ثبت بالاستقراء التاريخي -وهذا أمر قاطع-: أن علم الكلام لم يأت بخير، فمنذ أن بدأ أهل الأهواء يشتغلون بعلم الكلام فتحوا على المسلمين أبواباً من الشر:

    أولاً: من حيث إدخال الشبهات والشكوك على طوائف المسلمين، فضلوا وخرجوا عن السنة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

    ثانياً: أشغلوا أهل العلم بما هو أولى، فكم من الطاقات والجهود -جهود أهل العلم- قد بذل! بل إن مما بذلوه أموالهم وأرواحهم في سبيل حماية العقيدة، والتصدي لأهل الكلام وأهل الباطل وأهل الهوى؛ الأمر الذي صرف المسلمين عما هو أهم من تأصيل العقيدة ونشرها، والاهتمام بتربية المسلمين وإعدادهم، والاهتمام بالجهاد، وغير ذلك.

    فالطاقات التي أهدرت في سبيل دفع هذه الشرور من علم الكلام وغيره من السلف وأئمة المسلمين لا تكاد تتصور، فبعض العلماء قد يكون أفنى عمره إلا القليل في سبيل التصدي لهذه الآفات، وهذه المصائب التي جرها علم الكلام على المسلمين.

    ولنستعرض على سبيل المثال أنموذج الإمام أحمد في أعظم محنة امتحن بها في حياته، وهي أعظم محنة في تاريخ الإسلام بعد محنة الصحابة، وهي المحنة في قضية خلق القرآن، فهي قضية باطلة من منشئها، وابتليت الأمة بها بلوى عظيمة، فأشغلتهم عن الجهاد، وأشغلتهم عن العلم الشرعي، وأشغلتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشغلتهم عن تحقيق أمر الله ووعده، ووقع بذلك من الشر العظيم ما بقي جراحاً في الأمة إلى يومنا هذا.

    ومثال آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ما أعطاه الله من طاقات ومواهب، فقد قضى تسعين في المائة من عمره وحياته في الرد على أهل الأهواء، وقد جاهد الجهاد العملي بعض الوقت، لكن شغله جدال أهل الكلام والتأليف فيهم، والتصدي لأهوائهم، وشغل أكثر وقته، حتى نسي نفسه ونسي شيئاً من الأمور الضرورية، ولو انشغل بتأصيل العلم الشرعي -مع أن الله نفع به في التأصيل نفعاً عظيماً- لأثمر ثمرة عظيمة، مع أنه بذل خيراً، لكن أقصد أن هذا الخير الذي بذله كان في سبيل صد تيارات الشر التي ملأت الدنيا في ذلك الوقت.

    1.   

    بيان الغزالي أن علم الكلام عديم النفع طريق إلى الضلال

    قال رحمه الله تعالى: [ قال: وأما منفعته؛ فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات؛ فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف.

    قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا ].

    وبهذا تعلم أن عدداً كبيراً ممن تلوثوا بشيء من علم الكلام في حياتهم بقيت هذه اللوثة في عباراتهم وفي أحكامهم، فـالغزالي رحمه الله مع أنه رجع عن علم الكلام والفلسفة والتصوف، وسلم بمذهب السلف في آخر حياته، إلا أنه بقيت عند هذه اللوثة.

    ويلحظ هنا الاضطراب في هذه العبارات، فهو حينما قال: (وأما منفعته)، يظن أنه سيأتي بمنفعة لعلم الكلام، ولم يأت بمنفعة، بل رد هذه المنفعة وأبطلها.

    ثم إنه ذكرها بصيغة التمريض، أو صيغة التضعيف، فقال: (فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها)، وهذا مما يدل على أنه جازم في قرارة نفسه بأنه ليس في علم الكلام منفعة، لكن نظراً لأنه قضى أكثر عمره في علم الكلام بقي عنده شيء من الاضطراب.

    ثم إن قوله هنا: (وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي) من لمز المتكلمين لأهل السنة، وكنا نظن مثل الغزالي حينما تراجع عن قوله في الكلام، وسلم لمذهب السلف ألا يستعمل هذه العبارة التي يستعملها خصوم السلف.

    فكلمة حشوي تطلق من قبل خصوم السلف على أهل الحديث أهل السنة والجماعة، ويقصد بها الذين أطلقوها أولاً أن أهل الحديث أهل حشو، ليسوا أهل تعمق ولا تفكير، إنما يهمهم حشو الآثار وحشو الحديث، وحشو الكلام!

    وهذا ظلم واعتداء وخلل في التصور، فأهل السنة أهل العلم وأهل الحديث ليس فيهم حشوي ليس عنده تعمق في العلم والمعرفة، بل هم أعمق الناس معرفة، لكنهم يتحاشون الفلسفات والمراء والجدل، فلذلك ظن خصومهم أن هذا ناتج عن قصور أو عن تقصير، أو عن غفلة، والأمر ليس كذلك، إنما هو عن تورع ووقوف عند أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تحذير من خبير بعلم الكلام

    قال رحمه الله تعالى: [ فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق ].

    فناقض نفسه هنا.

    قال رحمه الله تعالى: [ وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه الله ].

    في الحقيقة هذا كلام عظيم، والرائد لا يكذب أهله، وكنا نتمنى أن يعي هذه النصيحة أهل الكلام الآن من إمام من أئمتهم ممن رجع عن الكلام وتاب منه، وهذا الكلام حقيقة يكتب بماء الذهب، أعني كلام الغزالي ، وليت الذين يتمسكون الآن بعلم الكلام ويمدحون أهله، ويستحسنون سبيله كبعض الكتاب المتأخرين الذين ينتصرون للمؤولة وأهل الكلام؛ ليتهم يعون مثل هذا الحكم الذي حكم به الغزالي بعد تجربة طويلة، عاش فيها غمار الكلام وخاض بحاره، بل أسهم في تأسيسه وتأييده، وبذل من الجهود والأوقات الشيء العظيم في الانتصار لعلم الكلام، ثم ينتهي بهذه النتيجة المؤلمة بالنسبة له.

    فقوله: (فاسمع هذا ممن خبر الكلام) يقصد به نفسه (ثم قلاه) يعني: اختبره أتم الاختبار (بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل) في علم الكلام (إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك أيضاً إلى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام)، وهو التصوف وما يتفرع عنه، ثم الفلسفة أيضاً، فقد تعمق في الفلسفة، وجمع كل الوسائل التي تفيد في تأسيس علم الكلام، (وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود)، فليتهم يعون.

    وليس هذا كلام الغزالي فقط، بل قاله -كما قلت سابقاً- أكابر المتكلمين الذين أسسوا علم الكلام الذي يعيش عليه المتكلمون الآن من الأشاعرة والماتريدية، كلهم قالوا بهذا النتيجة.

    والعجيب أن أسلوبهم يكون في الغالب أسلوباً مؤلماً ومؤثراً ومحزناً، أسلوب الذي أضاع عمره وأشفق على الأمة أن تضيع عمرها في مثل ما فعل، كما سيأتي بعد قليل من كلام الجويني ومن كلام الرازي وكلام الشهرستاني وغيرهم، كلهم يتكلمون بحرقة وحسرة، وبكلام الناصح المشفق.

    ولو تأملنا كلامه لوجدنا فعلاً أنه كلام الذي أراد النصيحة لقومه في وقته وبعد وقته، ولكن هل يعون؟!

    قال رحمه الله تعالى: [ وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق.

    ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة، وما فيه من علوم صحيحة فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريراً، وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:

    لولا التنافس في الدنيا لما وضعت كتب التناظر لا المغني ولا العمد

    يحللون بزعم منهمو عقداً وبالذي وضعوه زادت العقد

    فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك ].

    1.   

    من أحسن ما رد به على أهل الكلام

    أحسن ما قرأت في الرد على المتكلمين بعد كتاب الله عز وجل وبعد ما عليه السلف من ردود عامة الناس الذين ليس عندهم تعمق، وهو رد فطري يمكن أن يستعمل دائماً في الرد على المتكلمين؛ هو رد تلك العجوز التي رأت الرازي وهو يمشي مع تلاميذه من المغترين به الذين يكتبون ما يقوله من هذيان الفلاسفة، فلما رأته وكانت جالسة بباب بيتها عجبت، وقالت: من هذا؟ قالوا: ألا تعرفينه؟! قالت: أهو السلطان؟! قالوا: لا، قالت: أهو الوزير؟!.. إلى آخره، تصورته من أصحاب الوجاهة الذين يكون معهم مواكب، فقالوا: هذا الذي يملك على وجود الله ألف دليل! فقالت: تعس وخسر، والله إن كان ذلك فعنده ألف شبهة أو ألف شك، أفي الله شك؟!

    فالمسألة معناها: أنه تكلف في الشكوك ثم تكلف الرد عليها، وقد قال بنفسه في كتابه (التفسير الكبير)، بأن أكثر معضلات أهل الكلام لا يمكن الرد عليها، وإن ردوا عليها فيستطيع الراد أن ينقض رده.

    ولذلك كثيراً ما يورد بنفسه شبهة ثم يرد عليها ثم ينقض ردها، ويقول: ويرد على هذا كذا وكذا، ويشكل على قولنا هذا كذا وكذا، فيقف ولا يرد، مع أن أكثر الشبهات لا يرد عليها ابتداء، لكن إن رد أوقع القارئ في مشكلة أو معضلة، وشك في رده، ثم انتهى إلى الحيرة، وأخيراً اعترف بما سيأتي.