إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [36]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكلام في دين الله تعالى بغير علم خطره عظيم، وقد جاء التحذير من ذلك في آيات وأحاديث كثيرة، تدل بمجموعها على تحريم هذا الأمر، وبيان شناعته وعظيم خطره على الدين، ومما ينتج عن ذلك معارضة الشريعة بالأهواء الفاسدة والسياسات الجائرة، والأذواق والأقيسة الباطلة، وكلها تصب في قالب رد النصوص اتباعاً للهوى والضلالة.

    1.   

    خطر التكلم في الدين بغير علم

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان):

    هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين -بل وفي غيرها- بغير علم، قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج:3-4]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:8-9]، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50]، وقال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.

    وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف:58]) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)، خرجاه في الصحيحين ].

    1.   

    حصول الفساد بمعارضة الشريعة بالسياسات والأذواق والأقيسة الفاسدة

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا شك أن من لم يسلم للرسول صلى الله عليه وسلم نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول، فإنه قد اتخذ في ذلك إلهاً غير الله، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23] أي: عبد ما تهواه نفسه، وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى عليه:

    رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

    وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

    وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

    فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله.

    وأحبار السوء -وهم العلماء الخارجون عن الشريعة- بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده وتقييد ما أطلقه ونحو ذلك.

    والرهبان -وهم جهال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع- بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس ].

    هذا الكلام تفسير لقوله: إنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، وهذا لا يعني أن الفساد لا يحدث إلا من هذه الثلاث، لكن ابتداء الفساد في الأمم في الغالب أنه يبدأ من هذه الأصناف الثلاثة.

    الفساد الحاصل من معارضة الملوك للشريعة بسياساتهم الجائرة

    الصنف الأول: الملوك والسلاطين أصحاب الجور والظلم، فهؤلاء يشرعون ما لم يشرعه الله، فيفتنون الناس عن دينهم ويحدث منهم ما يحدث من السياسات الجائرة كما ذكر.

    الفساد الحاصل من أحبار السوء

    والصنف الثاني: أحبار السوء الذين هم علماء السوء، العلماء الذين يسيرون في علمهم على أهواء السلاطين وغيرهم، أو يسيرون على أصول فاسدة كأصول الكلام وأصول الفلسفة وغيرها، فأحبار السوء هم علماء السوء، ولفظ (علماء السوء) يشمل أصنافاً:

    الصنف الأول: العلماء الذين يفتون بغير علم أو يفتون عن هوى، فإما أن يتابعوا الظلمة في ظلمهم أو يسايروا الناس فيما يريدونه من الشهوات والملذات، أو يطاوعوا أنفسهم، فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون.

    والصنف الثاني: الذين يتلقون العلم من غير مصادره الشرعية، ويزعمون أن ذلك علماً شرعياً وينسبونه للإسلام، وهؤلاء في هذه الأمة طوائف:

    أولها: الذين أخذوا علم الفلاسفة وزعموا أنه علم يفوق علم الكتاب والسنة، أو يحكم فيما يرد من الكتاب والسنة، وأحياناً يجعلونه هو العلم الفاضل الذي يتطلع إليه العقلاء، ومن هذا الصنف من يضعون القواعد العقلية من عند أنفسهم أو ما يسمى بالرأي أو المعقولات ويجعلونها أصولاً يُرجِعون إليها نصوص الكتاب والسنة ويجعلونها هي المحكمة فيهم.

    الفساد الحاصل من جهة العباد الجهلة

    والصنف الثالث: الرهبان، والمقصود بهم العباد الجهلة، وإنما عبر بالرهبان؛ لأن أفسد العباد الذين ظهروا في الأمم هم عباد النصارى، فقد أفسدوا الدين والدنيا، كما أنه عبر عن الفرقة الثانية بالأحبار؛ لأن أحبار اليهود هم أفسد من ينتسب للعلم من أتباع الأنبياء.

    فالرهبان المقصود بهم العباد المتنسكة الذين يعبدون الله على غير هدى، يعبدونه بشرائع وضعوها لأنفسهم وتعبدوا بما لم يتعبدهم الله به، بترك أشياء لم يأمر الله بتركها، أو بفعل أشياء لم يأمر الله بفعلها، فلذلك تركوا ما لا يستقيم بدونه دين الناس ولا دنياهم، سواء رهبان النصارى وغيرهم من رهبان الهندوس والمجوس وغيرهم، وكذلك عباد هذه الأمة الأوائل الذين انبثق منهم المتصوفة، فإن هؤلاء وضعوا لأنفسهم من العبادات ما لم يشرعه الله من الصيام والصلاة والأذكار وغيرها، ثم إنهم أيضاً تركوا ما شرع الله فحرموا على أنفسهم وعلى غيرهم الحلال، بل تركوا ما لا تستقيم الحياة إلا به، وأعرضوا عن العلم الشرعي، بل عن العلوم كلها، وتعبدوا الله بالجهل، وظنوا أن هذا هو الصراط المستقيم، فبذلك ضلوا وأضلوا، فتعبدوا الله بترك الزواج مثلاً، وهذا مما تفسد به الحياة، ولو أن الناس كلهم تركوا الزواج لانقطعت الحياة، وتركوا مخالطة الناس بدعوى الانفراد لعبادة الله عز وجل؛ مع أن مخالطة الناس وجهادهم ودعوتهم إلى الله عز وجل والصبر على الأذى في هذه الدعوة هو الحق الذي أراده الله، فاعتزلوا الناس بدعوى أن ذلك للعبادة، فكان في اعتزالهم شر عليهم وعلى الأمة، فتركوا الجهاد وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتركوا تعليم الناس والتعلم من الناس، وغير ذلك من الأمور التي أدخلها الرهبان والتي أوجدتها الطرق الصوفية التي هيمنت اليوم على أكثر الأمة الإسلامية وأوقعتها في الذل والهوان والانتكاس والجهل والبدع والخرافات، والمتصوفة قرينة الرافضة، تجتمعان على أصول كثيرة من الجهل والحمق والتعبد بغير ما شرعه الله وترك ما شرعه الله وغير ذلك مما هو معروف.

    إذاً: هذه الأصناف الثلاثة تشمل جميع فرق الأهواء، وهي الأسباب الرئيسة الأولى في انحراف الأمم عموماً وانحراف هذه الأمة على وجه الخصوص، سياسات جائرة من السلاطين، ثم أحبار السوء الذين يزينون الشر للسلاطين وللناس ويصدون عن الخير باسم الشرع، ثم المتعبدة الرهبان الذين لبسوا على عوام المسلمين وعلى كثير من أبنائهم بما يظهرونه من زهد وتورع، وهو زهد كاذب وتورع كاذب.

    وجه الإفساد الكائن من ملوك الجور وأحبار السوء وأصحاب الذوق والوجد

    قال رحمه الله تعالى: [ فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة! وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف ].

    هذه قواعد لهؤلاء تعتبر فعلاً خلاصة مناهجهم، وقد ذكر الشارح رحمه الله هنا بأسلوب بين جلي وفي إيجاز بالغ مناهج هذه الأصناف الثلاثة، فالأولون أصحاب السياسات الجائرة قد يدعون أنهم يحكمون بشرع الله عز وجل، لكن إذا تعارضت السياسة مع الشرع قدموا السياسة، وهذا أمر واقع فيه أكثر السلاطين الجورة قديماً وحديثاً، خاصة في عصرنا، فإن أغلب الأمة الإسلامية تحكمها أنظمة وتحكمها سياسات تأخذ بهذا المبدأ، وإن اعترف بعضها بالإسلام فإنما يأخذ بهذا المبدأ، وهو مبدأ تقديم السياسة وما يسمونه بمصالح البلد والوطن، وما يسمونه بمصالح الدولة أو بمسايرة الأمم أو بمسايرة أحوال الناس.. إلى آخره ويقدمونه على الدين وعلى الشرع.

    فهذه قاعدة عند الساسة الجورة الذين لا يأخذون بدين الله عز وجل ولا يحكمون شرع الله إلى اليوم، بل هي اليوم قاعدة واسعة أكثر من ذي قبل، فإذا كان هذا الكلام كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم ثم أخذه ابن أبي العز في ذلك الوقت؛ فكيف بوقتنا هذا.

    والصنف الآخر: الذين يقوم منهجهم على اعتماد العقل مصدراً من مصادر التلقي، فإذا تعارض مع الشرع أخذوا بالعقل وجعلوا الشرع محكوماً عليه بأحكام العقل الناقص المحدود.

    والفئة الثالثة: أصحاب الذوق الذين هم المتصوفة ومن نحا نحوهم كما ذكرنا، فإنهم أدخلوا في مصادر الدين ما لم يشرع، فأفسدوا الدين بهذه المصادر، وهذه المصادر هي الذوق والكشف ونحو ذلك من المصادر التي زعموا أنها تكون هي المرجع عندما تأتيهم النصوص أو الآثار عن السلف، بل إنهم قد لا يعملون بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويعملون بما يقول به شيوخهم وما يقول به سادتهم ومن يسمونهم بالأولياء حينما يهذون بهذيان قد يفسد الدين والدنيا، والعجيب أن المتصوفة حتى اليوم لا يناقشون ما يصدر عن شيوخهم، سواء كان حقاً أو باطلاً، بل ينفذونه مهما كان، حتى لو كان يتضمن الأمر بالفواحش فعلوه وتأولوا، وإذا جاءتهم الآيات لووا أعناقها وصرفوها إما برد وإما بتأول وإما بدعوى أن لها مفهوماً يرجعون فيه إلى شيوخهم.

    وكذلك إذا جاءتهم الأحاديث وآثار السلف وقفوا منها هذا الموقف، فإما أن يردوا الأحاديث والآثار، وإما أن يؤولوها، وإما أن يرجعوها إلى شيوخهم ويقولون: لا نعمل بهذا الحديث أو الآية حتى نرجع إلى الشيوخ، فيكون المعول عندهم على الذوق والكشف، والذوق يتضمن أشياء كثيرة، والكشف يتضمن أشياء كثيرة، منها: الرؤى والأحلام، ومنها الهذيان عند الرقص وما يسمونه بالسماع، حتى إن بعضهم يأخذ بهذيان المخبولين، فبعض الناس يكون عندهم شيء من ضعف العقول، وهم عقلاء المجانيين أو مجانيين العقلاء، الذين عندهم نوع من الهلوسة، فهؤلاء عند الصوفية لهم خصيصة، ويزعمون أنهم لا يتكلمون إلا بحق ولا يقولون إلا حقاً، وفي مصر وفي بعض مناطق السودان يسمونهم المجاذيب، وهم أناس فيهم نوع من الجنون أو نوع من خفة العقل، فهؤلاء يتعلقون بهم ويقدسونهم فالمهم أن هؤلاء يعطون الرجال من القدر والاعتبار أكثر مما يعطون الشرع.