إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [35]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول الدين وأساسياته التسليم بكل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم معارضة شيء من ذلك بعقل أو رأي أو خيال أو شبهة، كما يجب الاعتقاد بأن ما جاء به الرسول هو الحق والصدق المطلق، وما عداه مما يعارضه فهو باطل، فيجب قبوله والتسليم له، وما جهل منه أو أشكل فهمه رد علمه إلى الله تعالى وحرم الخوض فيه، والتقول على الله تعالى بغير علم؛ فإن ذلك هو الهلاك بعينه، وهو ما وقعت فيه الفرق الضالة التي سلكت مسالك أهل الكلام، فلم تفلح ولم تنجح.

    1.   

    توحيد المرسل ومتابعة الرسول أصلان لا نجاة بدونهما

    قال رحمه الله تعالى: [ فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول ].

    تسمية هذين الأصلين بأنهما توحيدان فيها نوع غموض أو لبس، مع أن المقصود واضح، فهو يقصد وجوب توحيد الله عز وجل بالعبادة، كما أنه لا يطاع غير الرسول صلى الله عليه وسلم في الدين، لكن تسميتهما بالتوحيدين فيها لبس، فالأولى أن يقال: هما أصلان: توحيد المرسل، يعني: توحيد الله عز وجل الذي أرسل الرسل وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا التوحيد هو الأصل، أما الثاني فهو توحيد المتابعة، بمعنى توحيد مصدر الدين، فلا يؤخذ الدين إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله.

    إذاً: فالأولى أن نسميهما أصلين، ولا نقول: توحيدان.

    1.   

    خطر الانحراف في التلقي لأمور الدين

    قال رحمه الله تعالى: [ فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً، فقال : نؤوله ونحمله ].

    هذا الانحراف في التلقي نجده واضحاً في كثير من الأمة، والانحراف في التلقي هو أخذ الدين عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم والتسليم لغيره عليه الصلاة والسلام، أو الرجوع عند التنازع إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا نجده واضحاً في عدة طوائف من الأمة، أولها: الفرق عموماً ابتداء من الخوارج والرافضة الشيعة، والشيعة الأوائل انقرضوا، وما بقي إلا الرافضة ومن تفرع عنهم، وكذلك القدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية والمشبهة والجبرية وأهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية ثم الفلاسفة والباطنية، كل هؤلاء وإن سلم بعضهم بالمبدأ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله إلا أنهم عند التنفيذ وعند تلقي الدين أو الأخذ به أو العمل به نجدهم يتلقونه ممن هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم بغير هدى ولا بصيرة، وفي الآونة الأخيرة ظهرت نزعات جديدة تميل إلى هذا الاتجاه، وهي رجوع أصحاب الشعارات إلى شيوخهم وإلى رءوسهم وقاداتهم.

    وأقصد بالشعارات الشعارات التي ينضوي تحت لوائها جماعة من الناس، تضع لنفسها مناهج وتضع لنفسها أصولاً تعقد عليها الولاء والبراء وتحكمها عند الخلاف وترجع إليها في بعض أمور دينها أو في أمور الدعوة ونحو ذلك، فهذه الشعارات واللواءات أيضاً وقعت فيما وقع فيه الأولون، فإذا جاء الخبر عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أرجعوه إلى أصولهم، فإن وافق أصولهم أخذوا به وإن خالف أصولهم سوغوا لمخالفته بتأول أو بتفسير شاذ أو باحتجاج بواقع أو بقول شيخ أو نحو ذلك.

    كما أن هناك طائفة ثالثة وقعت، لكنها أخف من غيرها، وهي متعصبة المذاهب، فمتعصبة المذاهب وقعوا في التلقي عمن دون الرسول صلى الله عليه وسلم والتحاكم إليه مع تسليمهم للمبدأ، فمتعصبة المذاهب أحياناً يأتيهم الدليل الذي يخالف مذهبهم ويثبت أنه صحيح وأنه غير منسوخ.. إلى آخر ذلك من القواعد المعروفة في ثبوت الدليل وثبوت دلالته، ثم يعرضون عنه، ويقولون: هذا لا يمشي مع القاعدة التي قال بها فلان، وأحياناً ينسبون القاعدة إلى إمام من أئمة الدين الذين لا يرضون هذا الأسلوب، كالإمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد .

    ولذلك وجد في شواذ المذاهب ما يخالف الإسلام أصلاً، وسبب ذلك أن طائفة من متأخري أتباع المذاهب حكموا القواعد ولم يحكموا النصوص أحياناً، وعلى سبيل المثال وليس على سبيل القدح أذكر مثالاً لطائفة وهو مثال واضح من أوضح الأمثلة، وقد يوجد نحوه في كل مذهب، لكن أجده في أحد المذاهب واضحاً جداً، خاصة من بعض المنتسبين إلى هذا المذهب المتعصبين له، وهو مذهب الأحناف، والمذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة وفي أتباعه وفي شيوخه خير كثير، وكثير منهم من أئمة الإسلام، لكن وجد عند المتأخرين تعصب شديد، فالمثال هو وجود طائفة منهم الآن نراهم في الحرم وفي غيره لا يتمون الركوع أبداً، بل ركوعهم كبعض الرافضة إذا رفع رأسه من الركوع لا يكاد يتم الرفع، مجرد إشارة إلى فوق ثم يهوي ويسجد، فلا يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يستكمل الدعاء ولا يعتدل كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رجعنا إلى أصل هذا العمل وجدناه يرجع إلى قواعد في المذهب الحنفي، ولا يرجع إلى نص شرعي صحيح؛ والصلاة من أعظم شعائر الدين التي تواتر نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا يمكن لأحد أن يخفى عليه شيء من واجباتها وأركانها، فالصلاة من أعظم شعائر الإسلام التي بقيت كما كانت في المسلمين إلى اليوم إلا من حرف وبدل، فهذا مثال لمتعصبي المذاهب.

    1.   

    وجوب المبادرة بقبول خبر رسول الله والعمل به واجتناب الخوض فيما جهل علمه

    قال رحمه الله تعالى: [ فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحال، بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يسوغ له أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟!

    بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلغى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول قوله على موافقة فلان دون فلان كائناً من كان.

    قال الإمام أحمد : حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرة، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، وإنما يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) ].

    هذا فيه إشارة إلى قاعدة في التعامل مع النصوص أرى كثيراً من الناس -بل حتى بعض طلاب العلم في هذا الزمان- لا يتأدبون بأدبها، وهي في المراء والخوض في المسائل العلمية غير البينة أو التي تحتاج إلى الاجتهاد بشروطه والكلام فيها بغير علم مع ضرب النصوص بعضها ببعض، أقول: كثير من الناس اليوم يتساهل، فقد تذكر أحياناً أحاديث أو مسائل علمية في بعض المجالس فتجد كل واحد من الحاضرين ينتزع دليلاً من القرآن أو دليلاً من السنة ويضربون الأدلة بعضها ببعض بدون أدب مع كتاب الله تعالى ومع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدون اعتبار لأصول الاجتهاد وأصول الأخذ بالنصوص، ودون تورع عن القول على الله بغير علم، مع أن مثل هذه المسائل كثيراً ما تؤدي إلى الخصومات والمراء والجدل والنزاع، وأحياناً تؤدي إلى التشاحن، فابتداء الأمر بهذه الصورة خطأ فضلاً عن أن نهايته تؤدي إلى الإثم، فعلى هذا ينبغي أن يناصح الناس وتثار هذه المسألة كثيراً بين طلاب العلم، فيتواصون بعدم التساهل في أخذ المسائل العلمية بغير نهج سليم وفي ضرب الأدلة بعضها ببعض، فتجد أن كثيراً من الناس من السهولة عنده بمكان أن يأخذ آية ويستدل بها على أمر يراه هو مجرد رأي دون أن يعرف هل وجه الاستدلال صحيح وهل الآية تدل على المراد أم لا، وهل هي ناسخة أو منسوخة، ثم هل هو ممن يملك الاجتهاد ويعرف المسائل والأدلة وكيف يجمع بينها.. إلى آخره، كل ذلك لا يراعى في كثير من أحاديث الناس اليوم.

    فينبغي أن تتواصوا بهذا الأمر؛ لأنه بدأ يستفحل ويكثر في الناس، حتى إنه تجرأ على ذلك العوام والشباب الصغار والنساء؛ لكثرة تعلم الناس وكثرة القراء فيهم وقلة الفهم، فأخذوا يضربون الآيات بعضهما ببعض والنصوص بعضها ببعض، وكل يأتي وينتزع الدليل على هواه، وأحياناً يستدلون بطرق غريبة جداً لا تتناسب مع فهم العربية فضلاً عن أصول الاستدلال.

    وتجدهم يفسرون الآيات على أهوائهم، وينقلون الحديث ثم يفسرونه على أهوائهم، وهذا مشهور وواقع، تتبناه بعض الصحف وتنشره علانية، وهذا نوع من انتشار هذه الظاهرة عند الصحافة والصحفيين، حيث ظهرت الجرأة على أحكام الله تعالى وعلى أحكام الشرع، وعلى قضايا الأمة الخطيرة وما هو من أمور العلم الشرعي، وما الصحافة إلا مظهر من مظاهر ما يحدث في المجتمع، وإن كانت الصحافة في الغالب مجروحة العدالة أصلاً وابتداء، لكن الناس الأصل فيهم العدالة، ونحن ننصح الناس، وأما الصحافة فينبغي أن تردع الصحافة ينبغي أن تردع من قبل الولاة عن الجرأة على دين الله تعالى وعلى أحكامه.

    1.   

    قواعد من الفقه في الدين

    تحريم القول على الله بغير علم

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل خالفه أو وافقه لكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه؛ فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول.

    وقد يكون علم عن غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية، مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية؛ فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير ].

    في هذا المقطع قرر قاعدة من قواعد الفقه في الدين، وهي قاعدة عظيمة، وتشمل عدة مسائل:

    المسألة الأولى: تحريم القول على الله بغير علم، وهذا يعني: أن من تكلم في أصول الدين وفي مسائل الحلال والحرام وفي الأمور الشرعية فإنه قائل على الله، فإن كان كلامه عن علم وعن دليل وافق الحق وأصاب، وإن كان كلامه عن غير علم ولا دليل فقد أخطأ في قوله وإن أصاب أو وافق الحق، فحينما يوافق الحق تخرصاً لا ينفعه ذلك، فهو قول على الله بغير علم، ولا يجوز القول على الله بغير في مسائل الدين ولا في غيرها، لكن مسائل الدين هي مقصوده هنا، فلا يجوز القول بأن هذا حق أو باطل، أو بأن هذا حلال أو حرام، أو بأن هذه هي العقيدة أو بأن هذا مراد الله إلا بعلم.

    ومن وسائل العلم بالنسبة للمسلم: أن يعرف الدليل ووجه الاستدلال.

    ومن ذلك: أن يكون الأمر مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كتحريم الكذب مثلاً وتحريم الزنا وتحريم الربا ونحو ذلك، فهذا كله معلوم من الدين بالضرورة، حتى لو لم يستحضر الإنسان الدليل؛ لأنه نقل بالإجماع والتواتر.

    ومن ذلك نقله عن إمام هدى وعالم يقتدى به، فلا مانع من أن يقول: قال العالم أو قال الشيخ، فمن هنا تبرأ الذمة ويسلم الإنسان من القول على الله بغير علم.

    أما بغير هذا فإنه إذا قال في مسألة من الأمور الشرعية: إن الله أراد كذا أو حرم كذا أو أحل كذا، أو هذا هو الحق دون أن يكون صادراً عن الدليل مع فهم الدليل، أو عما هو معلوم بالضرورة، أو عن قدوة؛ فإنه بذلك يخطئ.

    وجوب اعتقاد أن ما جاء به الرسول هو الحق والصدق المطلق

    المسألة الثانية: أنَّه يجب على الإنسان المسلم أن يعتقد أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق والصدق مطلقاً، وما عداه من سائر كلام الناس يعرض على هذا الحق والصدق، فإن وافقه فهو كذلك حق وإن لم يوافقه فليس بحق.

    وجوب التوقف فيما لم يتبين الحق فيه من الباطل

    المسألة الثالثة: أن المسلم إذا أشكلت عليه مسألة من المسائل فلم يعرف هل هي حق وتوافق الحق أم هي باطل؛ وبذل وسعه وتكلف في البحث عن الدليل وسأل أهل العلم، فلم يتبين له وجه الحق؛ فإنه يتوقف، ويسعه التوقف والإمساك، فلا يثبت ولا ينفي ولا يحلل ولا يحرم، ولا يقول: هذا حق ولا باطل؛ بل يقول: الله أعلم، أو: لم يتبين لي وجه الحق. وهذا منهج السلامة الذي عليه أهل الحق، إذاً: لا يتكلم إلا بعلم، والعلم لا يكون علماً إلا إذا قام على الدليل، وهذه قاعدة عامة.

    علم الرسول هو العلم النافع الذي تضبط به علوم الدنيا

    المسألة الرابعة: أن النافع من العلوم الشرعية هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أما العلوم الدنيوية فإنها تضبط في عموماتها بالشرع في كونها غايات أو وسائل، وكونها -مثلاً- تفيد أو لا تفيد.. إلى آخره، فهذه تضبط بضوابط الشرع، لكنها أمور علمية مبنية على عالم الشهادة، وليست من الأمور التي وردت فيها نصوص الشرع تفصيلاً، وإنما وردت فيها نصوص الشرع على وجه الإجمال، فالعلوم الطبيعية والعلوم المادية ليست محكومة بنصوص جزئية، إنما تحكم بغايات الشرع وقواعد الشرع ونصوص الشرع العامة.

    ثم إن هناك من العلوم الدنيوية ما يكون فيه نوع اشتباه بالعلوم الشرعية، تختلط مسائله وأصوله وقواعده وجزئياته بالعلوم الشرعية، وهذا لابد أن يكون للشرع فيه رأي حتى في بعض تفصيلاته، وهو ما يسمى بالعلوم الإنسانية، وبعض المفكرين أو بعض المثقفين حتى من المسلمين يزعم أن العلوم الإنسانية لا دخل للشرع فيها، كعلوم الاجتماع وعلوم السياسة وعلوم الاقتصاد وعلوم التاريخ والحضارة وسائر العلوم الإنسانية، وأنها إنما تحكم بقواعدها عند المتخصصين، وهذا خطأ فادح انبنى عليه في العصر الحاضر أخطاء كثيرة في مفاهيم المسلمين وأعمالهم دولاً وشعوباً وترتب عليه أخطاء قد يصعب علاجها إلا بعد سنين، وسبب ذلك عزل العلوم الإنسانية عن علوم الشرع، فالعلوم الإنسانية ليست كالعلوم الطبيعية والمادية، بل لابد من أن تحكم بالشرع جملة وتفصيلاً، ولابد من أن تنطلق من منطلقاته الأساسية في قواعدها وفي أصولها وفي أهدافها وفي مسائلها الجزئية وفي أحكامها وفي تطبيقاتها، لابد أن تنظم بأصول الشرع والفقه الإسلامي، والفقه ثري بهذه الأمور، بل أغلب الفقه الإسلامي -إذا استثنينا منه العبادات- وجله في العلوم الإنسانية، كعلوم الاجتماع وأحكام الأسرة وعلوم الاقتصاد والبيع وعلوم السياسة، والأحكام السلطانية وغيرها، فالعلوم الاجتماعية في عصرنا الآن مفصولة عن أحكام الشرع التفصيلية، وعزلها عن الفقه يعتبر كارثة أوقعت المسلمين في كثير من الأخطاء والمفاهيم الخطيرة التي أدت إلى الوقوع في انحرافات يصعب علاجها إلا بعد حين.

    1.   

    موقف العقل من الشرع هو التسليم والاستسلام

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام):

    هذا من باب الاستعارة؛ إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي: لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه.

    روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وهذا كلام جامع نافع.

    وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير؛ فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً، ولا يمكن للعالم أن يصير نبياً رسولاً، فإذا عرف العامي المقلد عالماً فدل عليه عامياً آخر، ثم اختلف المفتي والدال؛ فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له بأنه مفت ودللت عليه؛ شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطئ ].

    أظن أن المثل -إن شاء الله- واضح، وخلاصته: أن العقل مع الشرع كالعامي مع العالم، وذلك أمر في نظري أنه بدهي، فإن الشرع هو الذي يسمى علماً، والعقل لا يعدو أن يكون وسيلة للعلم، وليس هناك إنسان يشتمل على العلم دون تعلم ودون تعقل.

    إذاً: فالعقل لا يتصور إلا أن يكون وسيلة للعلم، بدليل أن غير العاقل لا يعلم شيئاً، وأن الناس علومهم بقدر عقولهم، ثم إن العقل ليس بذاته يشتمل على العلم، إنما هو -كما قلت- وسيلة إلى العلم، وهذا أمر يدركه كل عاقل، فالعقل نفسه يقول ذلك، فالعاقل لا يولد عالماً، إنما يولد بعقله مستعداً للعلم، وهذا الاستعداد يعتبر وسيلة، فإذا وجد علماً حصله، وإذا لم يجد علماً فلا يمكن لعقله أن يكون عالماً، فالعقل لو لم يجد معلومات ما صار عالماً، ولو لم يجد أيضاً وسائل تعينه -من تفكير وبصر وسمع ولمس وغير ذلك من أنواع الإدراكات- ما استطاع أن يعلم شيئاً.

    فالله عز وجل جعل العقل آلة ووسيلة، فإذا كان العقل وسيلة، والشرع والوحي من كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يتأتى أن يجهل أحد من الناس هذا الأمر، وهو أن الشرع هو العلم وأن العقل وسيلة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتأتى أن تكون الوسيلة أقوى وأقدم وأهم من الأصل نفسه، فتقديم العقل على الشرع عند المتكلمين إنما هو انتكاس في الفطرة ووهم جرهم إليه الفلاسفة، والفلاسفة دائماً إنما يعيشون أوهاماً، فالفلاسفة لا يعيشون عالم الواقع، فالكلام في الواقع لا يعد فلسفة، وإن تجاوز بعض الناس وسماه فلسفة، بل الفلسفة أوهام وخيالات، فلذلك لما خضعوا لهذه الأوهام والخيالات خالفوا البدهيات وقالوا: إن العقل مقدم على الشرع، فلما قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأنا لا نعرف الشرع إلا بالعقل. فيقال لهم: الشرع شرع، وهو علم، سواء وجد العقل أم لم يوجد، لكن العقل لا يستطيع أن يدرك بدون الشرع علماً حقيقياً يتوصل به إلى عالم الغيب وإلى أصول الدين وإلى الحق الذي يريده الله عز وجل ويرضاه، فالعقل قد يدرك المدركات في أمور الدنيا ومع ذلك يخطئ فيها ويقع في أخطاء شنيعة قد تهلك البشر، فكيف بأمور الغيب والدين؟!

    إذاً: فتقديم العقل على الشرع في أمور الدين أمر يعد مناقضاً للعقل السليم ولمقتضي الفطرة، وما هو إلا من خبالات وخيالات الفلاسفة التي تأثر بها المتكلمون.

    قال رحمه الله تعالى: [ والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره ].

    يقصد هنا العقل السليم، وإلا فهناك عقول منكوسة قد لا تسلم بالوحي، لكن العقل السليم إذا رزقه الإنسان أدرك بالضرورة أنه يجب التسليم لخبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مثال لمقدمي دلالة العقل على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول..].

    هنا سيضرب مثالاً بحال المتكلمين الذين زعموا أنهم يسلمون للوحي وللقرآن، ثم بعد ذلك وضعوا قواعد يردون بها القرآن ومعاني الوحي.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول صلى الله عليه وسلم: هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان ذلك قدحاً فيما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدى ولا علماً، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد ألا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوساوس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به، وقد قال تعالى: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة:99]، وقال: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:35]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:4]، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15]، حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:1-2]، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1]، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111]، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن.

    فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا؟ والثاني باطل، وإن كان قد تكلم على الحق بألفاظ مجملة محتملة؛ فما بلغ البلاغ المبين! وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين؛ فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم ].

    1.   

    الاتجاهات العقلية الحديثة وريث للاتجاه الكلامي

    هذا إلزام واضح لأصحاب الاتجاهات الكلامية التي نسميها الآن في العصر الحديث الاتجاهات العقلانية، فالاتجاهات العقلية على مذهب المتكلمين تماماً في موقفهم الإجمالي من الدين، ولا أقصد بهم أولئك الذين تزندقوا وخرجوا عن الإسلام إلى تيارات وأفكار لا تنتسب للإسلام، إنما أقصد كثيراً ممن يسمون بالمفكرين الذين يحسبون على المفكرين الإسلاميين، وربما كان بعضهم من رواد الحركات الإسلامية الحديثة، فأصحاب هذا الاتجاه العقلاني هم على مذهب المتكلمين الذين يرد عليهم الشيخ هنا، ورد عليهم أهل السنة في مسألة الموقف من الدين ثم تحكيم العقل والتسليم له حينما يظهر عندهم التعارض بينه وبين الشرع، فهناك الآن مواقف واضحة من أمثال هؤلاء تجاه كثير من قضايا الدين، سواء النصوص أو الأصول الشرعية أو مناهج السلف في العقيدة والولاء والبراء وغير ذلك، فأكثرهم إذا جاء ما يصادم تفكيره أو معلوماته من أمور الشرع -سواء كان في الآيات أو الأحاديث- قال: هذا لا يعقل، ومن ثم يذهب بعضهم إلى التأويل المتكلف، وبعضهم ربما يرد النص ولا يبالي، ومن هنا نادى بعض الذين يسمون بالمفكرين الإسلاميين المعاصرين بوضع موازين جديدة للنظر إلى النصوص الشرعية غير الموازين التي عمل بها السلف، خاصة في الأحاديث، وقالوا: ينبغي أن نعيد النظر في تصحيح الأحاديث وتقويمها، ومن الضوابط التي يقترحونها لتقويم الأحاديث أنهم قالوا: إن ما لا يوافق العقل ولا يستقيم عند أهل الفكر من الأحاديث يرد، وضربوا لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة المقطوع بها في البخاري ومسلم وغيرهما.

    فجعلوا العقل هو المحكم، ولربما كان المتكلمون الأوائل أتقى وأورع وأكثر أدباً مع النصوص الشرعية من المعاصرين؛ لأن الأوائل تكلموا في معارضة العقل فيما يخفى على بعض من تنطمس فطرهم أو يتأثرون بالفلسفة، ولم يخوضوا في معارضة الواضح الجلي من نصوص الشرع.

    أما المعاصرون فقد عارضوا الواضح الجلي من نصوص الشرع، واخترعوا أساليب ووسائل للأخذ بالدين غير الأساليب والوسائل التي ارتضاها النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته ثم نقلت عن الصحابة جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا.

    إذاً: فالعقلانيون الذين رفعوا لواء تقديم العقل في العصر الحاضر هم امتداد للمتكلمة التي تقدم العقل على الشرع، لكن وسعوا الهوة وجروا هذه الاعتراضات حتى على الأحكام، أما الأوائل فلم يكن عندهم اعتراض على الأحكام، وإنما تكثر مسائلهم في الأمور العقلية.

    أما هؤلاء الذين يعيشون الآن بين ظهراني المسلمين فقد ردوا كثيراً من الأحكام المتعلقة، خاصة ما يتعلق بالمرأة وما يتعلق بالولاء والبراء مع الكفار والفساق وأهل البدع وما يتعلق ببعض الأخلاقيات، فاعترضوا على ذلك بدعوى أن هذا لا يستقيم مع أحوال البشرية اليوم، أو لا يساير المدنية الحديثة أو نحو ذلك، وكل ذلك اعتراض عقلي على نصوص الشرع وأمور الدين.

    والخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يزال في الأمة، إلا أنه الآن أكثر ضرراً وأوسع في تخطيه لأصول الدين من المذاهب القديمة، وربما تأتي المناسبة -إن شاء الله- للحديث عن بعض هذه الاتجاهات في مقام آخر.