إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [30]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن رؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة مقطوع بها بنص التنزيل، حيث صرحت بها آيات قرآنية وفسرت بها أخرى، ونطقت بها الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أعظم نعيم أهل الجنة، ولم ينازع في إثباتها إلا عميان البصائر من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم، معتمدين في ذلك على زبالات العقول وتوهم دلالات النصوص، وكفاهم دحضاً لقولهم أن معول دليلهم المتكئ على آيتين من كتاب الله تعالى قد قطعت به يد استدلالهم، ولا غرو؛ فالسالك مثل مناهجهم لابد من أن تزل به قدم التسليم.

    1.   

    إثبات الرؤية لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قوله: ( والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه ):

    المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية ].

    يقصد المخالفين الذين نفوا الرؤية إطلاقاً، الذين كذبوا ما جاء في كتاب الله تعالى وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما الآيات فكذبوها تكذيب تأويل وتعطيل، وأما الأحاديث فردوها رداً صريحاً، ولم يتورعوا عن ردها.

    1.   

    منكرو الرؤية

    وأول من أنكر الرؤية من الفرق الجهمية، أما الأشخاص فإن أول من اشتهر عنه إنكار الرؤية الجعد بن درهم ثم الجهم بن صفوان .

    وقد نسب إنكار الرؤية إلى غيلان بن مسلم ، لكن لم يثبت عنه أنه أنكر الرؤية صراحة كما أنكرها الجعد بن درهم والجهم بن صفوان ، وإنكار الرؤية ناتج عن تعلق هؤلاء بالقواعد الفلسفية التي عليها فلاسفة اليونان وفلاسفة الصابئة الذين نهجوا نهج تقرير أمور الغيب وغيرها بالعقليات وجانبوا سبيل الأنبياء، فالفلاسفة في العموم الأصل فيهم عداوة الأنبياء وما جاءوا به من الحق والشرائع.

    والجهمية أتباع الجهم بن صفوان أبرز ما عندهم من الأصول إنكار الأسماء والصفات، وإنكار الرؤية، وإنكار كلام الله عز وجل، والقول بأن القرآن مخلوق، والمعتزلة تبع لهم في هذه الأصول، إلا أنهم يختلفون عنهم في التفصيلات، فالمعتزلة تنكر الصفات ولا تنكر الأسماء، لكنها تقول بنفي الرؤية وبخلق القرآن ونحو ذلك من أصول الجهمية.

    وقوله: [ ومن تبعهم من الخوارج ] يقصد بذلك أن كل الفرق التي أنكرت الرؤية أنكرتها اتباعاً للجهمية والمعتزلة، والإمامية يقصد بها الرافضة الإثني عشرية، وعموم الرافضة ينكرون الرؤية، لكن أشهرهم الإمامية، فهؤلاء في إنكارهم للرؤية تبع للجهمية والمعتزلة، ولم يأتوا بجديد حتى في أدلتهم العقلية، فما سموه بالأدلة العقلية من شبهاتهم، والأسلوب الذي ردوا به النصوص أو أولوها لا يخرجون في ذلك عن الجهمية والمعتزلة بشيء من الأشياء، والخوارج الذين أنكروا الرؤية ووقعوا فيما وقعت فيه الجهمية في سائر الأصول هم الخوارج المتأخرون الذين ظهروا في القرن الثاني وما بعده.

    أما الخوارج الأولون فلم يكن هذا مشهوراً عنهم، كما أنه لم يكن مشهوراً عن غيرهم، بمعنى أن أصول الخوارج الأولى ليس فيها إنكار الرؤية، لكن -كما هو معروف- تتجارى بجميع أهل الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم تستهويهم الأصول الفاسدة بسبب جدالهم للفرق الأخرى من الجهمية والمعتزلة، فيلزمونهم بأمور عقلية لا ينفكون عنها، وبسبب ما اتسموا به من المخالفة لأهل السنة، كان من عادتهم أن كل شيء يخالف أهل السنة يعتنقونه لوجود أصل المخالفة عندهم وتبييت هذا الأصل واستصحابه في كل حال.

    إذاً: فالخوارج اعتنقوا القول بعدما اشتهر عن الجهمية والمعتزلة أثناء الحوار معهم، وعلى هذا فإن الخوارج من القرن الثاني وما بعده يقولون بإنكار الرؤية، ومن أشهرهم الإباضية، فالإباضية ينكرون الرؤية، والإباضية فرقة من فرق الخوارج الكبرى الأربع التي تشعبت عن الخوارج بعد سنة أربع وستين للهجرة، فالخوارج كانوا فرقة واحدة إلى سنة أربع وستين، فافترقوا إلى أربع فرق: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والإباضية، فالذين بقوا منهم في القرن الثاني من هذه الفرق الأربع كلهم قالوا بإنكار الرؤية ما عدا فئات قليلة منهم، وكذلك الإباضية، وإلى اليوم والإباضية تنكر الرؤية أو أكثرهم، ومنهم من يدعي الآن من مثقفيهم وبعض طلاب العلم فيهم أنهم لا ينكرون الرؤية، ويظهر لي أن هذا منطق جديد قال به بعضهم حينما رأوا قوة أهل السنة وقوة حجتهم، وإلا فالأصل في الإباضية إلى يومنا هذا أنهم ينكرون الرؤية وآخر ما قرأنا عنهم وسمعنا ما كتبه شيخهم أحمد الخليلي في كتاب له يقال له: (حق الدهر) أنكر فيه الرؤية، وساق أدلة الجهمية والمعتزلة في إنكار الرؤية.

    أما الإمامية فكذلك ما كانوا يعتقدون هذه الأمور -كإنكار الرؤية- إلا في القرن الثاني وما بعده في أثناء نقاشهم للجهمية والمعتزلة، وعلى هذا أخذوا بمبدأ إنكار الرؤية إلى اليوم، فأغلب الإمامية يقولون بإنكار الرؤية على نحو ما تقول به الجهمية.

    1.   

    الفرق بين السلف وأتباعهم وبين المتكلمين المنسوبين إلى السنة والجماعة في إثبات الرؤية

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة ].

    يقصد بطوائف الكلام المنتسبة لأهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية والكرامية والكلابية والسالمية ومن نحى نحوهم، فهؤلاء كلهم يقولون بإثبات الرؤية وكلهم من المتكلمين الذين ينتسبون للسنة والجماعة، لكن إثباتهم الرؤية فيه اضطراب شديد جداً يتمثل في أنهم أثبتوها بشروط زائدة على ما ورد في الكتاب والسنة، ومن هنا وقعوا في اضطراب شديد، حيث قالوا بأن الله يرى يوم القيامة أو يراه المؤمنون بأبصارهم لكن بلا جهة، فيقولون: نثبت الرؤية بلا جهة، أو لا إلى جهة، أو إلى غير جهة، ونحو ذلك من العبارات الفلسفية، فعلى هذا يعدون ممن لا يثبتون الإثبات التام الشرعي، فإثباتهم في المبدأ لكن عند التفصيل لا يثبتون كما يثبت السلف، بل لا يثبتون كما تثبت النصوص الشرعية، فيضعون للرؤية استثناء، وهذا الاستثناء أوقعهم في إشكال، فلا هم الذين قالوا بقول أهل السنة وسلموا، ولا هم الذين قالوا بقول المعتزلة واتضح رأيهم، فوقعوا في اضطراب كما سيأتي تفصيله.

    وممن وقع في الكلام في الرؤية الصوفية، وهذا لم يذكر، لكن ينبغي التنويه به في هذا المقام، فالصوفية قولهم بالرؤية على نحو قول أهل السنة في مبدأ الإثبات، لكنهم في النهاية يلحدون في الرؤية كما يلحدون في كثير من أمور التوحيد، بمعنى أنهم يقولون بالرؤية حتى بالعين الباصرة في الدنيا، فغلاة الصوفية يقولون: إن الرؤية تثبت في الدنيا قلبية أو بصرية، وإن الولي إذا وصل إلى درجة الفناء أو الحلول أو الاتحاد أو الوحدة؛ فقد يرى ربه بعينه، وهذا ما صرح به ابن عربي صاحب وحدة الوجود، فيرى أن المرئي هو الله، وأن الإنسان لا يرى إلا ربه في هذا الكون، وحينما يرى نفسه فإنه يرى ربه، وحينما يرى ربه فإنما يرى نفسه، وهذه فلسفة، لكنه أراد بها الخروج عن مقتضى الشرع والقول بقول غلاة الصوفية وغلاة الفلاسفة الذين يزعمون أنهم يرون ربهم عياناً كما يرونه بقلوبهم، فعلى هذا نتحصل في أصل مبدأ الرؤية على أربعة أقوال:

    الأول: الإثبات كما ورد في الشرع، وعليه أهل السنة والجماعة.

    والثاني: الإثبات لكن بشروط زائدة بدعية، وعليه أهل الكلام، يقولون: نثبت الرؤية لكن بلا جهة.

    والقول الثالث: قول الذين يثبتون الرؤية لكنهم يزعمون حصول الرؤية لبعضهم في الدنيا بالعين الباصرة وبالقلب، وهذا ضلال مبين وكفر.

    والقول الرابع: هو قول الذين أنكروا الرؤية إطلاقاً بدون تفصيل، وهم الجهمية والمعتزلة ومتأخرة الخوارج والرافضة ومن نحا نحوهم من الفرق التي غلت وسلكت طريق الجهمية.

    1.   

    فساد طريقة مؤولي نصوص الرؤية

    قال رحمه الله تعالى: [وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون.

    وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وهي من أظهر الأدلة.

    وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلاً فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص ].

    يقصد بذلك أن الذين أنكروا الرؤية وقفوا من نصوص الرؤية، مثل قوله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، ومثل قوله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، ومثل قوله عز وجل: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، ونحو ذلك من الآيات الصريحة في الرؤية، وقفوا منها موقف المؤولة، فأولوها وردوا النصوص الأخرى التي في الأحاديث.

    ونقف عند مسألة التأويل، فهو يقصد بالتأويل أن الجهمية والمعتزلة لا يجرءون على إنكار آيات القرآن ولا على ردها؛ لأنها لم تأت بإسناد، إنما هي وحي، والله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه، فلم يجرءوا على الإنكار الصريح للآيات، وإن كان بعضهم قال قولاً يؤدي إلى ذلك، مثل قول بعضهم: إني أود أن أحك الآية الفلانية من المصحف، فهذه مجرد عواطف، لكنهم لم يجرءوا على الإنكار، وإنما جرءوا على التأويل، فهذه الآيات قالوا: ليس المقصود بها النظر إلى الله عز وجل. وأتوا بأقوال كثيرة في المقصود بها ولم يتفقوا في المقصود، إنما فتحوا باب التأويل.

    فهنا يقول لهم: إذا فتحتم باب التأويل في هذه المسائل المتعلقة بالله عز وجل والتي لا سبيل إلى القول بتأويلها؛ فتأويل غيرها مما يتعلق بالغيبيات الأخرى والسمعيات الأخرى أهون وأسهل، وإذا قلتم بتأويل الرؤية سهل على الناس أن يؤولوا حتى ما يتعلق بالجنة والنار والبعث واليوم الآخر والحساب ونحو ذلك من أمور السمعيات كالصراط والميزان، فيقول: إذا فتحنا باب التأويل فتحنا لكل مبطل -بل ولكل كافر- أن يتأول هذه النصوص على مزاجه ويقول: المقصود بالآية الفلانية كذا؛ لأن باب التأويل هو فتح لباب الظنون في الغيب، وإذا فتحت باب الظنون في الغيب لم تنغلق؛ لأن كل إنسان له ظنه، وكل إنسان يظن ويتوهم ويخطر على باله من الأوهام ومن الأشياء الظنية أشياء كثيرة، فلذلك لا يمكن أن يقال بتأويل هذه النصوص؛ لأن التأويل باطل أصلاً، وقول بالظنون والأوهام في أمور الغيب، وأمور الغيب لا مجال للظنون والأوهام فيها، ولا مجال للتخرص ولا للعقليات ولا للاجتهاد والرأي فيها؛ لأنها غيب، ولو علمها الناس وظنوا فيها ظنوناً لما كانت غيباً.

    الأمر الثاني: أن من أول في أمر غيبي لزمه أن يؤول في الأمور الأخرى، ولو لم يلتزم احتج بتأويله غيره، فلذلك لما أولت المؤولة أفعال الله تعالى قال لهم الذين أولوا الصفات: إذا أولتم في الأفعال جاز لنا نؤول في الصفات، ولما أولوا الصفات قال لهم الجهمية: ما دمتم أولتم الصفات فمن حقنا أن نؤول الأسماء، فلما وصلوا إلى هذا الحد جاءت الباطنية فقالوا: ما دمتم فتحتم باب التأويل فنحن نؤول الدين كله، فالدين له ظاهر وباطن، حتى ما يتعلق بأركان الإسلام وأركان الإيمان! وهكذا انفتح باب التأويل، وهذا ما أراده الشيخ.

    يقول: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل؛ لأن من تأول ما يتعلق بأفعال الله وأسمائه وصفاته ورؤيته ونحو ذلك فقد جرؤ على الله وتأول ما يتعلق بالله، فجرأته على ما يتعلق بالمخلوقات من باب أولى حتى الغيبية منها.

    فهذا الرد يرد به أهل السنة على كل من تأول حتى ولو في مسألة صغيرة، يقال له: إذا فتحت التأويل فما الذي يمنع غيرك من أن يزيغ، ثم الثالث يوسع التأويل، ثم الرابع يجعل الدين كله له تأويل، فلا ينغلق باب التأويل، وليس هناك ضابط شرعي ولا عقلي قاطع يوقف الناس عند حد في التأويل، فإذا فتحوا الباب أول كلٌ على مزاجه، كالحال في أدلة الرؤية.

    1.   

    التأويل الفاسد وضرره على الدين والدنيا

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين ، والحرة، وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟! ].

    توسع الشارح في مفهوم التأويل الفاسد، ويحق له ذلك، ويقصد أن التأويل إذا بدأ انفتح الباب لأهل الأهواء لتأويل كل شيء من الدين ومن مناهج السنة ومن سبيل المؤمنين، وضرب أمثلة تبدو وكأنها بعيدة في المعنى، ولكنها في الحقيقة أمثلة واقعية لمعنى التأويل على بابه الواسع، ليس في الصفات وفي العقائد فحسب، بل حتى فيما يتعلق بمناهج السنة، فضرب مثالاً بقتل عثمان رضي الله عنه، فالذين قتلوا عثمان حججهم الظاهرة لا تستهدف عثمان رضي الله عنه بشخصه، فليسوا ممن قصدوا العدوان أو التشفي الشخصي من عثمان ، إنما تأولوا، وتأولهم أنهم زعموا أنه أخل بما كان عليه أبو بكر وعمر ، وأنه أخل بمبدأ توزيع الأموال شرعاً، وأنه أخل بمبدأ توزيع المناصب والولايات، ثم بدءوا يعمقون هذه النقمة في القلوب حتى أغاظوا قلوب الناس على أمير المؤمنين من باب التأول وقالوا: إن أردنا إلا الإحسان وإن أردنا الخير وإن أردنا إلا الإصلاح، وكانت نهاية هذا التأول قتل عثمان رضي الله عنه وإباحة دمه على أن هذا دفع للمنكر.

    ثم بعده ما جرى يوم الجمل وصفين، وهي الفتنة التي حصل فيها خلاف بين المسلمين، فكل ما حدث فيها من إراقة دماء ونحو ذلك كان بتأول، فالذين قتلوا الزبير بن العوام أو الذين قتلوا طلحة أو الذين قتلوا علي بن أبي طالب بعد ذلك متأولة يقولون: أردنا أن نريح الأمة من هؤلاء؛ لأن اختلافهم أدى لافتراق الأمة واختلافها، وهكذا الفتن أصحابها دائماً يتأولون.

    ثم مقتل الحسين ، ومقتل الحسين حدث فيه تأول من جهتين:

    الأولى: جهة أن الرافضة الذين خذلوه تأولوا أنهم يجوز لهم أن يخرجوا به على السلطان زعماً منهم أنهم بذلك يقرون الحق في الإمامة له، وأنهم بذلك يدفعون الشرور والمظالم التي كان عليها بنو أمية.

    والثانية: أن الحسين رضي الله عنه بنفسه تأول في جواز خروجه بأنه يستجيز ذلك لمصلحة المسلمين، لكن هذا التأول أدى إلى غير المصلحة كما هو معلوم.

    كذلك قصة الحرة، والحرة المقصود بها ما حدث من قيام أحداث وشباب أهل المدينة ضد يزيد بن معاوية مع أن شيوخهم وكبارهم نهوهم، وبعضهم كان معهم؛ لأن الفتنة إذا حدثت عمت الصالح وغير الصالح والكبير والصغير، لكن في أول أمرها لم يشارك فيها إلا بعض حدثاء الأسنان وبعض الغيورين وبعض أصحاب العواطف دون العلماء، فالعلماء نهوهم، فلما واجهوا جيش الدولة الأموية وحدث أن انهزموا انتهكت المدينة ووقع من الشر والفساد في دين الناس ودنياهم وفي أعراضهم وفي أموالهم وفي عقائدهم ووقع من الفتن والافتراق والأهواء بعد هذه الوقعة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، حتى قال بعض السلف: إن المدينة منذ وقعة الحرة لم تعد هي المثال الذي يقتدى به في السنة، كان الناس يقولون في ذلك الوقت: إذا اختلف أهل العلم في شيء فانظروا ماذا يفعل أهل المدينة. إلى أن وقعت الحرة، وبعد وقعة الحرة ذهبت ريحهم وأعمت الصالح والطالح ومن شارك فيها ومن لم يشارك، وقتل الأبرياء وانتهكت الأعراض ونهبت الأموال وفسد دين الناس ودنياهم، وما ذلك إلا بالتأول الفاسد من قبل الذين كانوا يقولون: إن يزيد بن معاوية فاجر وظالم، ويحدث منه كذا، ويبذر بالأموال ويفعل ويفعل، ولا يسعنا إلا أن نقوم ضده وأن نزيل المنكر، فالذي حصل ما حصل إلا بالتأويل الفاسد.

    وكذلك الخوارج استحلوا دماء المسلمين جميعاً بتأويل فاسد، حيث أخذوا النصوص وطبقوها على غير وجهها واحتسبوا بذلك عند الله عز وجل، فكانوا يقتلون الصحابة تديناً، وكذلك المعتزلة ما فعلوا ما فعلوه إلا من باب التأول؛ لأنهم قالوا: علماء المسلمين لم يكن عندهم من العلم وإدراك الحقائق العقلية والفلسفية، ولم يكن عندهم من إدراك ما عليه أصحاب الملل والنحل ما يجعلهم يدفعون عن الإسلام، فقاموا بمنهج كلامي زعموا أنهم ينصرون به الدين وينصرون الحق، وكذلك الرافضة وبقية الفرق.

    1.   

    الآيات القرآنية الدالة على الرؤية

    قال رحمه الله تعالى: [ وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، وإن عدي بـ ( في ) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:185] وإن عدي بـ ( إلى ) فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ [الأنعام:99]، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟!

    وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] قال: من البهاء والحسن إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، قال: في وجه الله عز وجل).

    عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فُنُضِّرت بنوره.

    وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، قال: تنظر إلى وجه ربها عز وجل.

    وقال عكرمة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] قال: من النعيم، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]قال: تنظر إلى ربها نظراً. ثم حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث.

    وقال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك رضي الله عنهما: هو النظر إلى وجه الله عز وجل.

    وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة).

    ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر معناها أن الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل، وكذلك فسرها الصحابة رضي الله عنهم، روى ابن جرير عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة ، وأبو موسى الاشعري ، وابن عباس رضي الله عنهم.

    وقال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، احتج الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي .

    وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]؟ فقال الشافعي : لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا ].

    1.   

    الرد على المعتزلة بإثبات الرؤية فيما استدلوا به على نفيها من النصوص

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، وبقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]فالآيتان دليل عليهم، أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه:

    أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال ].

    المتكلمون يقولون: لا يجوز عليه كذا ويجوز منه كذا، ويقصدون بالجواز هنا الإمكان أو الوجود الذي هو الوقوع، فقولهم: (لا يجوز) يعني: لا يقع أو لا يليق ولا يحصل، فالمؤلف هنا أراد أن يقول: إنه لو كانت الرؤية مستحيلة كما يزعم المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم فإنه لا يعقل ولا يقع من موسى عليه الصلاة والسلام -وهو أعرف الناس بربه في وقته- أن يسأل ما لا يقع ولا يمكن، أو ما يكون مستحيلاً؛ لأن الأنبياء معصومون فيما هو دون ذلك، فكيف بهذا الأمر؟ فلا يظن بكليم الله -وهو موسى عليه السلام- أن يسأل ما لا يمكن أو أن يسأل المستحيل، لاسيما أنه متعلق بالله عز وجل، وهو من أعرف الناس بالله، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما سأل موسى هذا السؤال، ولعصمه الله عز وجل من أن يسأل سؤالاً غير لائق بالله عز وجل؛ لأنه سأل سؤالاً متعلقاً بذات الله.

    قال رحمه الله تعالى: [ الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح عليه السلام ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] ].

    هذا معناه أن الله عز وجل أنكر على نوح عندما سأل نجاة ابنه، مع أن هذه المسألة لا تتعلق بذات الله ولا بصفاته، ومع ذلك أنبه الله عز وجل ووبخه، كيف يسأل نجاة ابنه وهو يعلم أنه كافر بالله؟! بمعنى أن نبياً من الأنبياء وعظه الله أن يسأل مثل هذا السؤال ونهاه، فلو كان موسى عليه السلام سأل أمراً لا يليق بالله وهو الرؤية، وكانت الرؤية مستحيلة ولا تصح لنبهه الله عز وجل على أن هذا لا يجوز، كما نبه نوحاً على ألا يسأل ما هو دون ذلك.

    قال رحمه الله تعالى: [ الثالث: أنه تعالى قال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، ولم يقل: إني لا أرى، أو: لا تجوز رؤيتي، أو: لست بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاماً فقال: أطعمنيه فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل. وأما إذا كان طعاماً صح أن يقال: إنك لن تأكله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى عليه السلام لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى.

    يوضحه الوجه الرابع: وهو قوله: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟! ].

    معنى هذا أن الجواب الذي أجاب الله به سؤال موسى يدل على الإمكان، بمعنى أنه يمكن في الآخرة، لكنه في الدنيا غير وارد، فالجواب يدل على إمكان الرؤية في الآخرة، بدليل أن الله عز وجل حينما سأله موسى الرؤية ما قال: إني لا أرى، أو: لا تمكن رؤيتي، أو: لا تصح ونحو ذلك، إنما قال: (لن تراني)، ومعنى هذا أنه لن يراه بطاقته الموجودة؛ إذ ليس عنده القدرة والاستعداد في الدنيا للرؤية، ولم يقل: إني لا أرى، ولو قال: لا أرى لتحقق هذا في الدنيا والآخرة؛ ولأن (لن) تأتي مؤقتة بحسب الحال، فإذا تغير الحال تغير الجواب.

    وضرب الشارح لذلك مثلاً في الفرق بين (لن) و(لا)، فلو أن إنساناً في كمه تفاحة ولقيه إنسان جائع فقال: أطعمني مما معك، وليس في نيته أن يطعمه أبداً؛ فالجواب على أحد احتمالين: إما أن يقول: لن تأكله. بمعنى أنه ما جاء الجواب على أنه لا يؤكل، إنما جاء الجواب على أنه منعه لعارض آخر، إما لحاجة وإما لغيرها.

    لكن لو قال: الذي معي لا يؤكل فالجواب غير صريح وغير جيد وغير مناسب؛ لأنه يكون كذب عليه، فإذا قال: لن تأكله فربما أطمعه، فلو كان فيه القوة لاغتصبه وأخذ الذي معه؛ لكن إذا قال: لا يؤكل فربما يتصور أنه حجر أو نحو ذلك.

    فالمقصود أن الفرق بين (لن) و(لا) في مثل هذا الجواب أن (لن) يعني الامتناع لأي عارض، و(لا) في مثل هذه الحالة لا تعني الامتناع لعارض، فلذلك لم يأت الجواب بـ(إني لا أرى) أو نحو ذلك، إنما جاء بلفظ (لن تراني).

    قال رحمه الله تعالى: [ الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء ].

    هذه الجملة فيها غموض، وكل كلام المتكلمين فيه غموض ومحارات وألغاز وأوهام، لكن أحياناً قد يضطر بعض أهل العلم إلى أن يخوضوا بمصطلحات المتكلمين للرد عليهم بها، أو رد شبهاتهم، وإلا فمن غير اللائق أن تكون مثل هذا العبارات ومثل هذه الأمثال في كتب أهل السنة والجماعة.

    فالشارح في الوجه الخامس أراد أن يحتج على المعتزلة والجهمية القائلين بنفي الرؤية على قاعدتهم، والسلف لا يستعملون هذه الحجج ولا يلجئون إليها، يكفيهم ما ورد في الكتاب والسنة، لكن لرد الحجة العقلية بالحجة العقلية يضطرون إلى استعمال سلاح المتكلمين للرد عليهم.

    فهو يقول في الوجه الخامس: إن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، والله عز وجل لا يعجزه شيء، لكن الله علق الرؤية بالجبل على حاله الذي هو عليه، ما أعطاه قدرة زائدة، فلما علق الرؤية على حالة الجبل الموجودة لم يتحمل الجبل التجلي من الله عز وجل، وهذا من باب إعطاء الدرس لموسى، كأنه قال له: إذا كان هذا الجبل على قوته وصلابته لم يتحمل تجلي الله عز وجل؛ فمن باب أولى أن لا تتحمل ذلك أنت ببشريتك ما لم يعطك الله قدرة لا تكون إلا في الآخرة، وقد علق الرؤية باستقراره، ولو كانت محالاً لكان ذلك نظيرة عبارة: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، تعالى الله عز وجل عن ذلك.

    فهو يقول للجهمية والمعتزلة: فإذا كانت الرؤية عندكم مستحيلة فكل هذا الجواب الذي أجاب الله به موسى يكون نوعاً من العبث، تعالى الله عن ذلك، فلماذا يقول: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، ثم ينظر موسى إلى الجبل، ثم يدك الجبل ثم يخر موسى صعقاً ثم يستغفر ربه.

    وسؤال موسى الرؤية دليل على أنه كان يعتقدها كما يعتقدها سائر الأنبياء والمرسلين، فلما كلمه ربه طمع فيما يعرف أنه سيتحقق يوم القيامة في الجنة فاستعجله، فبين له الله عز وجل بأنه لا يمكن على هذا النحو.

    قال رحمه الله تعالى: [ السادس: قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143]، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب؛ فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! ولكن الله أعلم موسى عليه الصلاة والسلام أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف.

    السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يَسمَع مخاطبه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز؛ ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما.

    وأما دعواهم تأييد النفي بـ(لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد؛ فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟! قال تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]، مع قوله: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80]، فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد.

    قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله:

    ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله أردد وسواه فاعضدا ].

    ثم دلف المؤلف إلى الاستدلال بالآية الثانية في معرض الكلام عن الرؤية، فالمؤلف ذكر الفرق التي أنكرت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، ثم بدأ يرد على الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم ممن ينكر الرؤية، وبدأ الرد بدفع شبهاتهم حول النصوص، وقد استدلوا بآيات زعموا أنها دليل على إنكار الرؤية، منها قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، فقالوا: إن قوله: (لن تراني) دليل على أنه لا تمكن رؤيته، فأهل السنة ردوا عليهم بأن نفي الرؤية المقصود به نفي الرؤية في الدنيا وليس المقصود به نفي الرؤية في الآخرة.

    1.   

    وجه إثبات الرؤية في قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)

    ثم جاء المعتزلة والجهمية بشبهة أخرى حول آية أخرى لبسوا بمعناها على الناس، وهي قوله عز وجل: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، فقالوا: (لا تدركه) بمعنى: لا تراه، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، وفي معرض الرد على استدلالهم بهذه الآية ذكر الشارح جملة من الردود الجيدة التي نقلها عن أهل العلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما الآية الثانية: فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية ].

    المقصود بالصفات الثبوتية الصفات التي تتضمن إثبات كمال، سواء كانت في سياق الإثبات أو في سياق النفي، فالنصوص التي وردت في تنزه الله عز وجل كلها تدل على صفات ثبوتية، مثل قوله عز وجل: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، وقوله عز وجل: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، ونحوها من الآيات التي تنفي عن الله النقص، فإنها لا بد من أن تدل على صفات ثبوتية في المقابل، كما سيبين الشارح، فالمقصود بالصفات الثبوتية الصفات التي تدل على ثبوت الكمال، سواء كانت بلفظ الإثبات أو بلفظ النفي.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً ].

    يريد بهذا أن يمهد للرد عليهم في قولهم بأن قول الله عز وجل: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] معناه: لا تراه. يريد أن يمهد بهذه القواعد ليثبت أن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها؛ لأن قولهم: لا يرى تشبيه له بالعدم، تعالى الله عما يزعمون؛ فقولهم بأن الله لا يرى تشبيه له بالمعدوم؛ لأن الذي لا تمكن رؤيته هو المعدوم، أما المخلوق فتمكن رؤيته على أي وجه من الوجوه التي يقدر الله بها عباده على الرؤية، فكأنه يريد أن يقول لنفاة الرؤية: قولكم: إن معنى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]: (لا تراه) تشبيه له بالمعدوم؛ لأن الشيء الذي لا يرى أو لا تمكن رؤيته ولو بما يقدر الله به عباده على الرؤية هو المعدوم، وهو الذي يقبل الوصف السلبي المحض؛ لأنك إن نفيت عنه النفي المطلق قبل، وإن نفيت عنه الإيجاب قبل؛ لأنه لا يقبل الوصف، ومن هنا لا يقبل الرؤية، أما ما يقبل الوصف ويقبل التسمية ويقبل الكمال فلا بد من أن يقبل الرؤية.

    قال رحمه الله تعالى: [ وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً، كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.

    ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإذاً: المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا [الشعراء:61-62] فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه ].

    يعني: لا يتمكن الرائي لأي مخلوق عظيم وكبير من أن يحيط بحدوده، فإذا كان هذا في المخلوقات -ولله المثل الأعلى- فالله عز وجل أعلى وأعظم وأجل من أن تدركه الأبصار، أي: تحيط به على جهة الإدراك، كما قال أهل العلم وكما قال أهل اللغة: إن الإدراك معنىً زائد على الرؤية؛ لأنك قد ترى الشيء لكن لا تدركه، فقوله عز وجل: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] لا يعني: لا تراه، إنما تراه ولكن لا تدركه، بل ربما يوحي معنى الآية -كما قال بعض أهل العلم- بأن قوله: (لا تدركه الأبصار) يعني: أنها تراه، وإلا فلماذا نفى الإدراك؟! فلو تأملتم بحس لغوي لأدركتم فعلاً أن معنى الآية يُفهِم أن المؤمنين يرونه لكن لا يدركونه تعالى، فالله عز وجل تراه الأبصار ولكن لا تدركه، ولو كان لا يرى لكان السياق: لا تراه الأبصار، لكن قوله: (لا تدركه) دل على أن هناك من أبصار المخلوقين والمؤمنين في الجنة ما يرى الله عز وجل بقدرة الله عز وجل، لكنه لا يحاط به سبحانه.