إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [24]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تمنع من التفضيل بين الأنبياء، بينما هناك نصوص أخرى وردت بإثبات التمايز بينهم في الفضل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضلهم، والجمع بين ذلك بأن يقال: إن النهي عن التفضيل بين الأنبياء يكون إذا جاء في مقام العصبية والحمية والتفاخر على الآخرين، وإذا جاء ذلك في معرض التنقص والحط من قدر بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.

    1.   

    ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأنه خاتم الأنبياء):

    قال تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، وقال صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل)، خرجاه في الصحيحين.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي) .

    وفي صحيح مسلم عن ثوبان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)، الحديث].

    المراد بظهور ثلاثين كذاباً يدعون النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    في هذا الحديث ذكر عدد المتنبئين الكذابين الذين سيخرجون في هذه الأمة، وقد يرد في ذكر العدد بعض الإشكالات عند من لم يتأمل معنى الحديث، أو لم يتأمل أيضاً قصص التاريخ التي ذكر فيها أحاديث وقصص المتنبئين الكذابين، فالإشارة إلى الثلاثين مقيدة بأمور، منها: أن هذا العدد المقصود به بعض الذين يتنبئون وليس كلهم، فالبعض هم الذين تتوافر فيهم صفات المتنبئ الكذاب؛ لأنا لو نظرنا إلى عدد من خرجوا في التاريخ فنجدهم بالآلاف، ولا يخلو شهر أو سنة من سنين هذه الدنيا إلا ويخرج فيها متنبئ كذاب، لكنه قد لا تتوافر فيه الشروط التي بها يسمى متنبئاً، فالذين تتوافر فيهم الشروط قلة، وربما لم يبلغ عددهم إلى الثلاثين، والله أعلم.

    والذين ظهروا في تاريخ المسلمين من المتنبئين الكذابين الذين كانت لهم شوكة ولهم أثر وبقي ذكرهم؛ لا يصلون في الحقيقة إلى هذا العدد، وهذا يعني -والله أعلم- أنه لا يزال المجال مفتوحاً لخروج كذابين، لا سيّما أنه وردت أحاديث أخرى -أظنها بأسانيد حسنة- عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من المتنبئين الكذابين أربع نسوة، ولا يعرف في التاريخ من النساء من كان لها أثر وشوكة إلا سجاح التغلبية ، وهذه ظهرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وبعدها لم نعرف أن متنبئة كذابة ظهرت، فبقي منهن -إذا صح الحديث- ثلاث، وعصر المرأة الآن يمهد لظهور كذابات، والله أعلم؛ لأن نفخ المرأة بأكثر مما تستحق يجرئها على أن تدعي النبوة، وأظن أن الأمور الآن من خلال ما يحدث في العالم الآن من إعطاء المرأة أكبر من قدرها تهيئ لظهور متنبئات كذابات، وعلى أي حال لا نتنبأ بالغيب، لكن إرهاصات ذلك واضحة، ومع ذلك يبقى الأمر معلقاً على صحة الحديث، وأنا لم أتثبت من صحة الحديث، إلا أني أعرف أنه رواه الإمام أحمد ، وأنه -أيضاً- بإسناد حسن، لكن يحتاج لمتخصصين يرجعون إلى الحديث، والحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في أمتي كذابون ودجالون، سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة)، وأرجوا من الإخوة المهتمين بالحديث أن يفيدونا بصحة حديث السبعة وعشرين متنبأ، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك بعدما ظهر في آخر عهده ثلاثة من المتنبئين الكذابين، وهم: الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ، هؤلاء كلهم تنبئوا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالثلاثون هنا المقصود بهم: الذين لهم شوكة ولهم أثر، أما المجانين وأشباه المجانين والمهلوسون الذين عندهم نوع من حب الشهرة؛ فهؤلاء لا يحسب لهم حساب، وإلا فهم كثرة كاثرة لا يكادون يحصون، لكن ما ثبت من هؤلاء وأصر وصار له أتباع إلا عدد قليل، وأولهم أو الأربعة الذين ظهروا قبل حروب الردة ثم قضي على دعواتهم مع حروب الردة ما عدا العنسي ؛ فقد اغتيل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليالٍ، وقد بشر بقتله قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.

    فالذين تنبئوا في التاريخ وكان لهم أثر وكان لهم أتباع وبقي لهم ذكر وصارت لهم مبادئ وعقائد نقلت عنهم ورويت عنهم هؤلاء قلة في التاريخ.

    مزاعم أهل الضلال في معنى ختم النبوة

    قال رحمه الله تعالى: [ ولـمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)].

    في هذا الحديث أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه ختم به النبيون، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم خص بهذه الخصيصة، وهذا دليل قاطع على أنه لا نبي بعده، والذين ظهروا في التاريخ منهم من يجهل هذه الأمور أصلاً، ومنهم من يدري لكن يتأول، فيقول بأن المقصود بالختم الأفضلية، ومنهم من زعم بأن المقصود ختم النبوة فقط وليس ختم الرسالة، ومنهم من زعم أنه في مستوى فوق الرسول كما قال ابن عربي ، وفوق النبي أيضاً، فدعواه لا تتعارض مع ختم النبوة والرسالة؛ لأنه قال: إنه خاتم الأولياء، وزعم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ومن خاتم المرسلين.

    فالمبطلون الذين يجرون وراءهم غوغاء أهل الباطل يتأولون مثل هذا النصوص إن علموا بها، وبعضهم لا يعلم بها أصلاً، وبعضهم يدعي أن هذا للعرب وليس للعجم، وبعضهم من عجمته وجهله يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا نبي بعدي)، ثم يقول: إن (لا) اسم شخص أو وصف، فقال: أنا (لا)، إذاً: فأنا النبي من بعده! وهذا لا يفقه العربية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: (لا) نبيٌ. إنما قال: (لا نبيَّ بعدي)، وعلى كلٍ فطرائف المتنبئين الكذابين ومضحكاتهم كثيرة.

    1.   

    إمامة رسول الله للمتقين وكونه سيداً للمرسلين

    قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وإمام الأتقياء).

    الإمام: الذي يؤتم به، أي: يقتدون به؛ والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث للاقتداء به، لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء.

    قوله: (وسيد المرسلين):

    قال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع). رواه مسلم، وفي أول حديث الشفاعة: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، وروى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)].

    الجمع بين إخباره صلى الله عليه وسلم بكونه سيد المرسلين ونهيه عن تفضيله على بعض الأنبياء

    قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟) خرجاه في الصحيحين].

    يقصد بذلك: أنه قد يشكل الأمر عند بعض الناس: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أمته بأن لا يفضلوه على غيره من الأنبياء الآخرين كما ورد في عدة أحاديث، ثم هو بعد ذلك يذكر أنه أفضل من غيره، ويذكر أنَّه سيد الناس جميعاً حتى الأنبياء، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟

    هذا ما سيجيب عنه الشارح.

    قال رحمه الله تعالى: [فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؟!

    فالجواب: أن هذا كان له سبب؛ فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم وقال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟! فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموماً، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموماً؛ فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55]، وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]، فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول.

    وعلى هذا يحمل أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا بين الأنبياء) إن كان ثابتاً، فإن هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في البخاري وغيره، لكن بعض الناس يقول: إن فيه علة، بخلاف حديث موسى فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم.

    وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على موسى)، وقوله: (لا تفضلوا بين الأنبياء) نهي عن التفضيل الخاص، أي: لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه، وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا يصعب على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك.

    ثم إني رأيت الطحاوي رحمه الله قد أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار.

    وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تفضلوني على يونس) ، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج. وعدوا هذا تفسيراً عظيماً، وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظاً ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، وفي رواية: (من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب)، وهذا اللفظ يدل على العموم، أي: لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمداً على يونس، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه، وقال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فقد يقع في نفس بعض الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام؛ إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، كما قال أول الأنبياء وآخرهم، فأولهم آدم قد قال: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وآخرهم وأفضلهم وخاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، قال في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح من رواية علي بن أبي طالب وغيره بعد قوله: (وجهت وجهي) ، إلى آخره: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت ...) ، إلى آخر الحديث.

    وكذا قال موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16].

    وأيضاً: فيونس صلى الله عليه وسلم لما قيل فيه: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48]، فنهي نبينا صلى الله عليه وسلم عن التشبه به، وأمر بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، فقد يقول من يقول: أنا خير منه. وليس للأفضل أن يفخر على من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل؟! فإن الله لا يحب كل مختال فخور.

    وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) .

    فالله تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين، فكيف على نبي كريم؟! فلهذا قال: (لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفخر على يونس.

    وقوله: (من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب)، فإنه لو قدر أنه كان أفضل؛ فهذا الكلام يصير أنقص، فيكون كاذباً، وهذا لا يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، أي: من قال هذا فهو كاذب، وإن كان لا يقوله نبي، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وإن كان صلى الله عليه وسلم معصوماً من الشرك، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال.

    وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم؛ لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره؛ إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله، صلى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر)، كما جاء في رواية.

    وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب؟! فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب. فانظر إلى هذا الاستدلال بهذا المعنى المحرف للفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى على خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه، التي تزيد على ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ رحمه الله: (محيط بكل شيء وفوقه)، إن شاء الله تعالى].

    خلاصة هذا المقطع: أن الأحاديث التي وردت في عدم جواز المفاضلة بين الأنبياء، والنصوص التي وردت في أن بعضهم أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضلهم، موجهة بأن النهي عن المفاضلة جاء إذا كانت المفاضلة بين الأنبياء في مقام العصبية والحمية والتفاخر والاستعلاء على الآخرين، فإن هذا لا يجوز، كذلك إذا جاءت المقارنة بين نبي ونبي على سبيل استنقاص مفضول أو الحط من شأنه، فإن هذا لا يجوز.

    أما إذا كان لمجرد بيان أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلق جميعاً حتى الأنبياء؛ فلا حرج فيه، بل هو جائز، إنما لا يجوز ولا يحسن إذا كان على سبيل العصبية أو المفاخرة والاستعلاء على الآخرين، أو على سبيل استنقاص المفضول.

    1.   

    ثبوت أعلى مراتب المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (وحبيب رب العالمين):

    ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ، وقال: (ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، والحديثان في الصحيح، وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه.

    وفي الصحيح أيضاً: (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته)، والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:76]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي الذي فيه: (إن إبراهيم خليل الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) لم يثبت].

    مراتب المحبة

    قال رحمه الله تعالى: [والمحبة مراتب:

    أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب].

    هذه المراتب التي سيذكرها الشارح هنا ذكرها ابن القيم ، وهذه المراتب اجتهادية ليست توقيفية، وابن القيم رحمه الله له في المسائل التعبدية طرق وأمور جيدة ومفيدة، لكن ذكره للمراتب لا يعني أنها توقيفية، بمعنى أن هذه المراتب تقرر على أنها مراتب شرعية يوقف عندها ولا يتعداها أو أنها لا تناقش، بل هي توسع من ابن القيم رحمه الله واستقراء لمعاني المحبة الشرعية واللغوية، فصنفها على هذا النحو، فترتيبها ليس بلازم، وتعدادها ليس بلازم، إنما هي نوع توسع أشبه بالموعظة.

    قال رحمه الله تعالى: [ والمحبة مراتب:

    أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب.

    والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له.

    الثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور.

    الرابعة: الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته، ومنه: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:65].

    الخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96].

    السادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب.

    السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم.

    واختلف في سبب المنع فقيل: عدم التوقيف. وقيل غير ذلك، ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة.

    الثامنة: التتيم: وهو بمعنى التعبد.

    التاسعة: التعبد.

    العاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه.

    وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه.

    واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص.

    وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد: كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك].

    1.   

    بطلان دعوى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكل دعوة نبوة بعده فغي وهوى):

    لما ثبت أنه خاتم النبيين علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب.

    ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين؛ فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا تظهر إمارة كذبه في دعواه.

    والغي: ضد الرشاد.

    والهوى: عبارة عن شهوة النفس، أي: أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس لا عن دليل، فتكون باطلة].

    هنا يشير إلى أن دعاوى النبوة التي تأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو جاءت بما يشبه المعجزات من بعض الخوارق؛ فإنها لا بد من أن تكون كاذبة؛ لأنه لا بد من أن يتبين لعقلاء الناس ما يدل على كذب الكاذب، ومن هنا فإنه قد تظهر دعوى نبوة كاذبة ويظهر معها بعض الخوارق، أو بعض الأمور التي يراها بعض الناس وكأنها معجزة، فإن عند البشر من الوسائل -كالسحر والاستعانة بالشياطين والاستعانة بعفاريت الجن ونحو ذلك- ما يظهر للآخرين، فيتصورون أنهم يأتون بأنواع من المعجزات، وقد حدث شيء من هذا كثير، فليس المعول على مجرد جنس المعجزة؛ لأن المعجزات الكبرى والكونية لا يمكن أن تأتي لكذاب غير من جاء الخبر عنه، وهو الدجال ، فـالدجال له معجزات كبرى، لكن ورد التحذير منه وورد بيان ذلك للأمة، فكل من كان صاحب أثر من هذه الأمة فإنه لا بد من أن يعرف الدجال من الآثار والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فـالدجال مستثنىً، فهو الوحيد الذي يأتي بمعجزات كبرى تشبه معجزات الأنبياء، والله سبحانه وتعالى هو الذي سلطه بهذا التسليط على البشرية؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وهذا أمر معلوم.

    أما من عدا الدجال فلا يمكن أن يأتي بمعجزات كبرى، لكنه يأتي بخوارق وبأمور هي أشبه بالمعجزات عند كثير من البشر، لكنها مما يقدر عليه الشياطين ومما يقدر عليه الجن، وما يقدر عليه الشياطين والجن أكثر مما يقدر عليه البشر، فقد يطلع على أمر من الغيب الذي يسترق، ويطلع على أمر من عالم الشهادة الذي لا يعلمه الناس، لكن يعلمه الجن والشياطين، فكأنه غيب عند الناس.

    وقد يتمادى الكذاب بعض الشيء في مسألة الخوارق فيدعي النبوة، ولكن لا بد من أن يظهر من سلوكه ومن أقواله ومن أفعاله ومن عهوده ومواثيقه ووعوده للناس ما يدل العقلاء -ولو لم يكونوا مسلمين- على أنه كاذب حتماً، فكل مدع للنبوة وإن جاءك بخوارق فلا بد من أن يظهر من تصرفاته ما يدل على كذبه، والتاريخ يشهد بذلك، فما من مدع للنبوة إلا ويظهر الله من عيوبه ومن تناقضاته ومن علامات كذبه الشيء الكثير، فيدل ذلك قطعاً على كذبه عند العقلاء، فضلاً عن المؤمنين.