إسلام ويب

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [36]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل الأهواء والبدع الذين يتعلقون بالقبور والأموات وغيرها عملهم هو مثل الطقوس والمراسم التي يفعلها عباد الأوثان وإن اختلفت الشكليات، وقد وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية مناظرات مع بعض هؤلاء الخرافيين وفضحهم وكشف أستارهم، وهدم ما يتعلقون به من شبهات وحجج واهية باطلة.

    1.   

    معنى قول القائل: (أسألك بحق السائلين)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

    [ في قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، وما في معناه.

    الجواب: أما قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه ، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه، كما قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران:194]، وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها. انتهى ].

    سبق أن بين الشيخ هذا أكثر من مرة في ثنايا قاعدة التوسل والوسيلة التي انتهت في الدرس الماضي، لكن أحب أن أشير إلى نقطة رمز إليها الشيخ أكثر من مرة وقد لا تكون واضحة في أذهان الكثيرين، وهي أنه حينما فسر، يقول: إن ثبت حديث: (اللهم إني أسألك بحق السائلين)، فسر: (حق السائلين) بأنه ما وعد الله به عباده من إجابة دعائهم، فإنه يقصد بذلك: أن السائل بهذا الدعاء الذي يدعو بهذا الدعاء يقصد أنه واحد من السائلين، لا يقصد أنه يتوسل بحق الآخرين الذين وعدهم الله.

    إذاً: فحق السائلين الذي قد يجوز الدعاء به إن صح الحديث إنما هو ما يتعلق بهذا الشخص نفسه، فهذا الشخص هو واحد من السائلين، فإذا دعا الله ربه بحق السائلين فإنه يدعو بحقه الذي يخصه لا بحقوق الآخرين، وقد يكون من وجه بعيد أيضاً: جواز طلب الدعاء من الآخر، أي: طلب الدعاء من أخيك المسلم، وأخوك المسلم وعد الله بإجابة دعائه، فقد يتعلق قلبك بإجابة الله للداعي لك، فهذا حق لك شرعه الله لإخوانك المسلمين بأن يدعوا لك.

    إذاً: إذا قلت: بحق السائلين إن جاز فإنما تدعو لأنك واحد من هؤلاء السائلين لا لأنك تدعو بحقوق إخوانك الآخرين.

    1.   

    مناظرة ابن تيمية لبعض الرهبان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح عليهما السلام.

    فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ، ونحن نقول بالسيدة مريم ، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة ، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك.

    فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام: أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكاًً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً، ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره، مثل: إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم، كما قال نوح وصالح وهود وشعيب عليهم الصلاة والسلام: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافراً حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر.

    فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه. ثم انصرفوا من عنده ].

    فهذه من الأمور التي تحتاج إلى تجلية من طلاب العلم في الجانب العلمي والعملي والتطبيق في سلوكهم وتعاملهم مع الناس.

    أقول: هذا الأمر الذي ذكره الشيخ، وهو التباس أمر الإسلام على كثير من الأمم بسبب أهل البدع، وفهمهم الخاطئ عن الإسلام بسبب الممارسات الخارجة عن السنة، هذا أمر واقع اليوم في كثير من بلاد المسلمين وغير بلاد المسلمين، فكم من إنسان حجب عن الهداية بسبب ما رآه من أفعال المسلمين وأقوالهم وسلوكهم وتعاملهم، في العبادات والأخلاق واللباس والمعاملات، وفي سائر الأمور، وذلك أن من يرى أحوال المسلمين مع غيرهم من الكفار والمرتدين والأمم الأخرى لا يجد عندهم ما يصدق به معنى الإسلام الصحيح الذي أمر الله باتباعه، فهم في العبادات لا يختلفون كثيراً عن الهندوس والمجوس والصابئة واليهود، أنا أقصد أهل الأهواء والبدع الذين يتعلقون بالقبور والأموات والأشجار والأحياء، فإن عندهم من الطقوس كما عند أهل الأوثان في عباداتهم وإن اختلفت بعض الشكليات.

    فإذاً: كيف يصلون إلى الإسلام الحقيقي من خلال هؤلاء؟

    ثم الأمور الأخرى الكثيرة: خلط الدين بالعادات، وخلط الدين بالأهواء، وخلط الدين بالشهوات والشبهات.

    فإذاً: لو استعرضنا واقع الأمة الإسلامية الآن نجد أن حال المسلمين هو الذي يحجب الأمم عن الاستفادة من الإسلام، البشرية اليوم بحاجة إلى هذا الدين في جميع وجوه حياتهم، ومن البشر من عقلاء الأمم من لو فتح بينه وبين الإسلام لنادى به في ديار الكفر، ولو عرض الإسلام بمنهج أهل السنة المنهج الصحيح السليم عرضاً سليماً لتغير وجه الدنيا اليوم.

    فمن هنا أحب أن أؤكد إلى أنه ينبغي لطالب العلم المسلم الذي على السنة أن يلتزم السنة في كل مكان، وأن يعتز بها حتى في اللباس، وألا يترخص إلا للحاجة الضرورية، وإقامة شعائر الدين الظاهرة؛ ليتميز المسلم المستمسك بالسنة عن المسلم الذي يقع في البدع والخرافات، ومسايرة القوم، وموالاة الكفار.. ونحو ذلك.

    واليوم بحمد الله كثرت وسائل نشر الدين، ينبغي الاستفادة من هذه الوسائل في نشر السنة، وينبغي ألا يقف صاحب السنة موقف المستضعف، لا في قوله ولا في فعله وسلوكه ولا في مظهره، ينبغي أن يكون قوياً لكن بحكمة، وينبغي أن يكون أنموذجاً للإسلام كما أمر الله به لكن بشيء من التوازن والحكمة، فلا يمكن إخراج المسلمين من هذه الورطة وهي تمثيل الإسلام تمثيلاً غير صحيح إلا بتطبيق السنة تطبيقاً كاملاً من قبل أهل السنة وإن قلوا.

    1.   

    حكم تقبيل الأرض تديناً

    [ سئل رحمه الله: عمن يبوس الأرض دائماً هل يأثم؟ وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك؟

    فأجاب: أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز، بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضاً، كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال : لا)، (ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا معاذ ؟ قال: يا رسول الله! رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: كذبوا عليهم، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها، يا معاذ ! إنه لا ينبغي السجود إلا لله).

    وأما فعل ذلك تديناً وتقرباً فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتديناً فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وأما إذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه، أو حبسه، أو أخذ ماله، أو قطع رزقه الذي يستحقه من بيت المال.. ونحو ذلك من الضرر، فإنه يجوز عند أكثر العلماء، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه، وهو المشهور عن أحمد وغيره، ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان، ومن علم الله منه الصدق أعانه الله تعالى، وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك.

    وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال، ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ونحوه قالوا: إنما التقية باللسان، وهو الرواية الأخرى عن أحمد ، وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا، وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسناً، مثل أن يكره كلمة الكفر وينوي معنى جائزاً، والله أعلم ].

    1.   

    حكم النهوض والقيام عند قدوم شخص

    [ وسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قدوم شخص معين معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطناً، وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت، وأيضاً المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم؟ فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعاً ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء، وفيمن يرى مطمئناً بذلك دائماً هل يأثم على ذلك أم لا؟ وإذا قال: سجدت لله هل يصح ذلك أو لا؟

    فأجاب: الحمد لله رب العالمين.

    لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه الصلاة والسلام كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لـعكرمة ، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ رضي الله عنه: (قوموا إلى سيدكم)، وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة؛ لأنهم نزلوا على حكمه.

    والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.

    وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء؛ ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعداً في مرضه صلوا قياماً أمرهم بالقعود، وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً)، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد؛ لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود، وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما ].

    نجد شيخ الإسلام رحمه الله كعادته في مثل هذه الأمور، يقرر ويقعد، فهو في مسألة القيام التي يتنازع عليه الكثير من الناس الآن قد حرر المسألة من الناحية الشرعية وقعد لها أيضاً على أصول ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به، فهو هنا ذكر أن القيام أنواع:

    فإذا كان القيام للشخص القادم وهو جاء من سفر، أو بعد العهد به من باب التحية له والاحترام، فهذا جائز وهو مشروع.

    وإذا كان القيام لشخص ليس بغائب ولا مسافر لكن جرت العادة من الناس أن يقوموا، وليس المقصود بالقيام التعظيم والتقديس فهذا أيضاً جائز ما دام القعود أو عدم القيام يحدث شيئاً من سوء الفهم أو سوء الظن بين الفريقين أو بين القائم والقاعد، أو يعتبر إهانة وعدم تقدير للقادم، فإن الأولى القيام، كما يفعل الناس اليوم، إذا قام الناس من أجل السلام على القادم، فليس باللائق من واحد أن يشذ ويجلس، ما لم يكن هناك اعتبارات أخرى.

    والصورة المثلى بين طلاب العلم أن يكون بينهم تواصي بألا يقوموا، مثلاً: مجلس فيه طلاب العلم كما يكون الآن في الجلسات والاستراحات ومجالس العمل وغيرها، فينبغي أن يكون بينهم شيء من التواصي بالأخذ بالسنة، بحيث أنهم كلهم لا يقومون، فإذا وجدت هذه الصورة بدون أن يكون هناك حزازات ولا لبس ولا مفاسد فهذا طيب، وينبغي للطلاب أن يعودوا الناس على هذا، لكن إن كان يترتب عليه أشياء من سوء الظنون أو إهانة الآخرين أو اعتقاد للإهانة ونحو ذلك فالأولى أن لا يوقع المسلم نفسه في حرج ويحرج الآخرين، أما إذا كان القيام لقاعد كما يحصل عند بعض أصحاب العوائج، يكون الشيخ أو الزعيم أو غيره قاعداً ثم يقوم الناس لأي سبب من الأسباب تعظيماً لهم، فهذا النص فيه صريح في المنع، وكذلك لو كان القيام للقادم لا لمجرد التحية كما هو بيننا الآن إنما للتقديس والتعظيم فالذي يزيد عن حده الشرعي فهنا ينصرف إليه التحريم، لكن المعهود عندنا في بيئاتنا أن القيام إنما هو من أجل السلام وتقدير الشخص واحترامه، فهذا إذا لم يستطع طالب العلم أن يبين للناس أن الأولى خلافه فلا حرج فيه، والله أعلم.

    [ وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه، كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سألوه: (عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا)، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا، كما في قصة يوسف عليه السلام: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض، فكيف بالركوع والسجود، وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه ].

    1.   

    تغيير الأسماء المعبدة لغير الله

    وقال شيخ الإسلام :

    [ فصل: كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم: عبد الكعبة كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف ، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة ، واسم عبد شمس بن عبد مناف ، وبعضهم عبد اللات وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة.. وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله، ونظير تسمية النصارى عبد المسيح، فغير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا، وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم .. ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشايخ فيقال: هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري.. ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين.

    وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم كما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، وعامة ما سمى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله وعبد الرحمن، كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]، فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى، وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن والأحد والواحد والقادر والكريم والملك والحق، وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة)، وكان من شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، كما قالوا ذلك يوم بدر وحنين والفتح والطائف، فكان شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله ]. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    رجوع الأسماء الحسنى إلى (الله، الرحمن)

    السؤال: قوله: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]، هل هذين الاسمين هما أفضل من بقية الأسماء الحسنى؟

    الجواب: يظهر لي والله أعلم أن غالب الصفات الذاتية ترجع إلى اسم الجلالة الله، وغالب الصفات الفعلية ترجع إلى اسم الجلالة الرحمن؛ لأن من الرحمن تكون الرحمة وهي فعل الله، ورحمة الله هي السائدة في أفعاله؛ وكثير من أفعال الله عز وجل على مقتضى الرحمة، والتأليه بمعنى: العبودية والعظمة لله عز وجل، لأن المألوه هو العظيم المعبود، فترجع بقية الأسماء أو تكون الأسماء موزعة بين الفعلية والذاتية، والذاتية أكبر ما يجمعها هو اسم الجلالة الله، والفعلية أفضل الأسماء التي ترمز هي الرحمة، والله أعلم.

    حكم التسمية بـ(عبده)

    السؤال: ما حكم التسمية بـ(عبده)؟

    الجواب: (عبده) فيها حرج، الأولى أنه يغير لكن مع ذلك ليس الحرج فيها كالتعبيد لغير الله؛ لأن الأصل في المسلمين أن يقصدون به التعبيد لله، عبده يعني: عبد الله، لكن الاشتباه موجود في الاسم، فإذا أمكن تغييره فهو حسن، وإذا لم يمكن فليس فيه حرج كالحرج في التعبيد لغير الله.

    (المحسن) من أسماء الله

    السؤال: هل ورد أن المحسن من أسماء الله؟

    الجواب: المحسن ورد فيه آثار ونصوص لكن لا تحضرني الآن، وللشيخ عبد المحسن العباد رسالة في ثبوت اسم الله المحسن، وهو عالم ثقة، وأذكر أنه أثبت لهذا دليلاً شرعياً صحيحاً، فأرجو أن ترجعوا إليه؛ لأني بعيد العهد به.

    أمامي استدراك عن موضوع سبق أن تكلمت فيه وهو: حكم تقبيل المصحف هل هو جائز؟ وأذكر أني قلت: إنه ليس بجائز مطلقاً إلا إذا اقتضت الحال، كأن يقع المصحف في مكان مهين، أو يسقط من الإنسان في الأرض، أو يحدث عند الأطفال شيء من العبث بالمصحف، فبعض أهل العلم أجاز تقبيله، من باب إظهار تعظيم كتاب الله عز وجل، وأنه ليس من الأمور التعبدية أي التقبيل، بل أمر عادي لا يلتزم دائماً، فإذا التزم دائماً فهو بدعة، هذا ما قلته أنا. وأنا ما قلت من عندي، فأنا أذكر أن لهذه المسألة تفصيلاً كثيراً عند أهل العلم قديماً وحديثاً، عن كثير من الأئمة الأربعة أئمة السلف وغيرهم أن بعضهم أجاز التقبيل وبعضهم لم يجز، والذين أجازوا ما قصدوا بذلك الجواز مطلقاً أو أن يلتزم على شكل عبادة، لكن إذا جاء للتقبيل موجب.

    ولذلك لما استفتي كثير من العلماء المعاصرين منهم اللجنة الدائمة منعوا، وفعلاً المنع هو الأصل، وذكر أحد الإخوان الآن في الورقة التي أمامي فتوى المشايخ بأرقامها، وقال من عباراتهم أنهم قالوا: لا نعلم لتقبيل الرجل القرآن أصلاً، وهذا صحيح فليس لها أصل شرعي، وكذلك قولهم: لا نعلم دليلاً على مشروعية تقبيل القرآن، وهو أنزل لتلاوته وتدبره وتعظيمه والعمل به، وهذا صحيح، وكذلك قولهم: لا نعلم لذلك أصلاً في الشرع المطهر، وذكر صاحب الورقة يقول: سئل الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله عن ذلك فأجاب بقوله: إن تقبيل المصحف بدعة وليس بسنة، والفاعل لذلك إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة فضلاً عن الأجر، فمن قبل المصحف فلا أجر له.

    وعلى أي حال هذا هو رأي المشايخ، ولا بد أن يحترم، وهو الرأي المقدم، وأنا كما قلت: أنا فصلت قول أهل العلم، وأن الأصل عدم المشروعية إلا عندما تكون مناسبة، ومع ذلك ما دام المشايخ لم يفصلوا في مثل هذه الفتاوى فأنا أرجع عن التفصيل، لكني أحكيه لكم أنه قول معتبر عند بعض السلف.

    وجه وضع مسألة القيام للرجل في كتاب توحيد الألوهية

    السؤال: يقول: ما وجه وضع مسألة النهوض والقيام للرجل بالسلام في كتاب توحيد الألوهية؟

    الجواب: سبحان الله! وإذا لم يوضع في توحيد الألوهية فأين يوضع؟! لأن القيام والركوع للرجال أو للناس والسجود لهم مظنة العبادة، وتوحيد الألوهية هو توحيد العبادة.

    طبعاً ينبغي أن يفهم السائل أن جميع البدع التي تدخل في العبادات هي قادحة في توحيد الألوهية وليس في توحيد الربوبية، إلا أشياء قليلة جداً تتعلق بتوحيد الربوبية، وإلا فالأمور التعبدية التي تحدث للناس مثل هذه البدع هي راجعة إلى الإخلال بتوحيد الإلهية.

    حكم المظاهرات في الشريعة الإسلامية

    السؤال: هذا يتكلم عن المظاهرات التي في فلسطين وغيرها هل هو جائز شرعاً؟

    الجواب: الذي يظهر لي أن المظاهرات ليست طريقة شرعية سليمة.

    حكم تتبع زلات العلماء

    السؤال: من يدخل في كلامكم عن الذين يجمعون أخطاء بعض السلف، هل يدخل في هذا الذين يجمعون الأخطاء والزلات لبعض الدعاة والمعاصرين؟

    الجواب: الذي قصده تصيد الزلات وتجميعها والتشهير بمن له فضل من أهل العلم والدعوة إلى الله عز وجل يدخل في هذا، إذا كان الأمر يؤدي إلى التشهير واستنقاص من له فضل وقدر، فلا شك أنه يدخل في الممنوع.

    واجبنا تجاه إخواننا في فلسطين

    السؤال: ما واجبنا تجاه إخواننا في فلسطين؟

    الجواب: واجبنا تجاه إخواننا في فلسطين أن ندعو لهم، وأن نساعدهم بما نستطيع، إن احتاجوا للأموال احتاجوا إلى أي أمر من الأمور التي نستطيعها ونقدر عليها فيجب؛ لأنهم مظلومون، ولأن عدوهم عدو الجميع، عدو الإسلام والمسلمين، أعداؤهم هم أبناء القردة والخنازير.

    وجه تخصيص عيسى بالذكر في بعض النصوص

    السؤال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من ضمن بعض الأدعية التي أوصى بها مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله، لماذا خص عيسى؟

    الجواب: لأن عيسى ولد من غير أب، فيتوهم ويدخل الشيطان على الناس شبهات أنه مقدس أو أنه له علاقة بذات الله عز وجل كما تفعل النصارى، فإنهم تعللوا في قولهم: بأن عيسى ابن الله بأنه ليس له أب من البشر، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    فالقصد أنه نص على أن عيسى عبد الله لرد هذه الشبهة التي انتشرت بين النصارى وبين الأمم التي صدقت النصارى، وما دام قد ثبت أنه ولد بإذن الله عز وجل وبتقدير الله لغير أب، فقد ينقدح في أذهان بعض من يوسوس لهم الشيطان شيء في نسبة عيسى إلى الله، فصار النص عليه في كثير من الأحاديث والأدعية للنبي صلى الله عليه وسلم، بل ورد إثبات ذلك في القرآن.

    مذهب مرجئة الفقهاء

    السؤال: نسمع كثيراً عن مذهب مرجئة الفقهاء، فأرجو توضيح هذا المذهب؟

    الجواب: مرجئة الفقهاء المقصود بهم أولئك الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق، أو أنه التصديق والقول فقط، وأن الأعمال كالصلاة والصيام والحج وسائر أعمال الجوارح خاصة لا تدخل في مسمى الإيمان، لا تكون من الإيمان لكنها من الإسلام، وقد تكون شرطاً للإيمان عند بعضهم، فالمهم أنهم لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، ويترتب على هذا أن كثيراً منهم يجعلون الإيمان هو القدر الضروري المطلوب من المسلم، فإنه لو لم يعمل شيئاً من أركان الدين يبقى مؤمناً ولا يخرج بذلك من الملة، وهذا خلاف قول السلف، فإن السلف يرون أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن من الأعمال ما يخرج من الملة فعله أو تركه، وأن الإعراض عن الأعمال بالكلية يخرج صاحبه من الإسلام، فلا يبقى من المسلمين، إذا أعرض عن الدين بالكلية حتى لو ادعى الإيمان في قلبه فإن يخرج من الإسلام بالكلية إذا لم يعمل شيئاً من الأعمال، لا الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا الذكر ولا غير ذلك.

    ثم أيضاً السلف بنوا على ذلك أنه لا يلزم لخروج المسلم بالأعمال المكفرة أو الشركيات الاستحلال لها؛ لأنه لو عمل ما يقتضي الردة أو قال ما يقتضي الردة أو اعتقد ما يقتضي الردة فهو يخرج من الملة ولو لم يظهر لنا شيء من قرائن الاستحلال، وأن مسألة الاستحلال أيضاً من الأمور الغامضة القلبية الغيبية، فعلى هذا لا يعلق الكفر بالاستحلال، حتى فعل الذنوب لا يعلق بالاستحلال، فإن الإنسان إذا فعل ما يوجب خروجه من الملة بنص صريح أو قال ما يوجب خروجه من الملة خرج، سواء استحل أو لم يستحل.

    فهذا ملخص قول المرجئة والقول الذي يقابله عند أهل السنة.

    إذاً: المرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق فقط، ويبنون على هذا ما ذكرته لكم.

    قاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف

    السؤال: لا إنكار في المسائل التي اختلف فيها العلماء، هل تعتبر هذه قاعدة شرعية؟ وهل ينطبق هذا على مسائل في المعتقد؟

    الجواب: لا إنكار في المسائل التي اختلف فيها العلماء، هذه كلمة عائمة ليس لها قرار، لأنه إن قصد لا إنكار في المسائل التي اختلف فيها العلماء المعتبرون وهي من المسائل الخلافية ففعلاً لا ينبغي الإنكار فيها، أما إذا كانت من المسائل التي اختلف فيها العلماء ومخالفهم ليس من أهل الاعتبار، أو في أمور اختلف فيها العلماء ولكن المخالف زل بذلك وهو من العلماء المعتبرين وهي من قضايا الاعتقاد والأصول فلا تصح فيه هذه القاعدة.

    إذاً: القاعدة لو سلمت من جر المخالفين لها على غير حقيقتها واستخدامها على غير وجهها لكانت في الجملة أقرب إلى السلامة، لكن نظراً إلى أنها استخدمت على غير الوجه الصحيح فتبقى تحتاج إلى التفصيل، فليست على إطلاقها.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.