إسلام ويب

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [4]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المعلوم ضرورة من دين الإسلام وعليه إجماع المسلمين أن الأنبياء والرسل لم يدعوا أقوامهم وأممهم إلى دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين، وإنما أمروهم بتحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، فلا يدعى إلا الله، ولا يرجى إلا هو، ولا يستغاث إلا به جل وعلا، وقد جاءت النصوص ببيان هذا الأمر، وسدت جميع الذرائع والوسائل التي قد تفضي إلى أي نوع من أنواع الشرك.

    1.   

    استدلال المجيزين للتوسل الشركي بالرأي والذوق والرد عليهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح، ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك ].

    يقصد ما يفعله المبتدعة والذين يقعون في البدع والشركيات من الاستعانة بغير الله عز وجل والاستغاثة والاستشفاع بالأحياء وبالأموات وبالأشجار والأحجار والمشاهد والآثار، والذين يعولون في هذه الأمور على المنامات والأحلام، ويرون أن من مظاهر الزهد والورع والعبادة التعلق بالأولياء والصالحين، وبعضهم يعبد الملائكة.. إلى آخره، هذه الأنواع وهذه الشفاعات هي التي يتكلم فيها الشيخ، ويقول: أن بعض الناس يذكرون فيها منافع ومصالح تحدث لبعضهم، وهذا من الابتلاء والفتنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وجواب هؤلاء من طريقين: أحدهما: الاحتجاج بالنص والإجماع، والثاني: القياس والذوق والاعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد، فإن فساد ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة.

    أما الأول: فيقال: قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب، وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ].

    ستلاحظون أن الشيخ من أجل إحكام الاستدلال، سيذكر الاستدلال على باطلهم من وجهين، وهذا في الحقيقة يعتبر من أقوى وجوه الاستدلال، حيث يضيق على الخصم ويحكم الأمر حتى لا يستطيع أن يفر.

    فالوجه الأول: أن كل عبادة من عباداتهم لا دليل عليها من الكتاب والسنة ولا من آثار السلف.

    وسيرجع عليهم مرة ثانية ويقول: قد قام الدليل على ضد ما تقولون، فهو بعد أن فرغهم من الاستدلال، رجع عليهم مرة أخرى، فذكر أن الأدلة متواترة ومتضافرة على تبديع أعمالكم والقول بشركية ما كان منها شركاً.

    هذه طريقة محكمة، لأنه كان كثير من الناس يبدأ بالاستدلال على منعها، ثم يذكر أنه ليس عندهم دليل، لكن الشيخ عكس من أجل أن يهيئ أذهانهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ولا يستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا.

    وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني.

    ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي، أو نقص رزقي، أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني.

    ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجير، أو أنت خير معاذ يستعاذ به.

    ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر..، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم.

    فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه، وآله وسلم لم يشرع هذا لأمته.

    وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئاً من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الأنبياء نقل بذلك، كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها: أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قبره أن يشفع له، أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.

    وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم.

    بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين ].

    أصل هذا كله أن العبادة توقيفية، فما لم يرد به نص في أمور العبادة لا يجوز العمل به؛ لأنه لا يُعبد الله إلا بما شرع، ولذلك وصف الله عز وجل المبتدعة والمشركين بأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فلا يجوز أن يُعبد الله إلا بما أذن الله به مما شرعه وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ضابط البدعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين.

    ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله ].

    مسالك أهل البدع في تقرير البدع

    أهل البدع قد يتمسكون أحياناً بالقشة، كالقول بأن هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، مع أنه لم يرد فيها تفصيل عند السلف إلا في مثال واحد وهو: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما استأنف صلاة التراويح، أي أمر بها ولم تكن تُفعل بعد أن توقف عنها النبي صلى الله عليه وسلم، حينما استأنفها وعمل بها قال له أحد الصحابة أو أحد الناس: إن هذه بدعة، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، وسبب ذلك ما أشار إليه الشيخ أنها ليست بدعة بإطلاق، بل هذا من باب التجوّز في إطلاق البدعة، لأنه هنا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فإذاً لها أصل ولها دليل فلا يقاس عليها غيرها، فهي أولاً مما عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم وتوقف عنها، وعلل توقفه بخوف أن تجب على الناس، فكأن هذا فيه إشارة إلى أنه حينما ينقطع الوحي بعد وفاته لا مانع من الرجوع إليها، هذا يُفهم من فحوى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الثاني: أن الذي شرعها من الخلفاء الراشدين بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بأصلها، فكانت من سنة الخلفاء الراشدين، فهنا سماها عمر بدعة حسنة من باب التجوز والمشاكلة والرد على اللفظ بالمثل، وهذا كثير في لغة العرب، ولم يقصد عمر أنها بدعة على المعنى الشرعي والاعتباري.

    فعلى هذا هي مسألة فردية لها تفسيرات ولها ضوابط ولها أصول شرعية لا يقاس عليها غيرها إطلاقاً، حتى وإن فرضنا أنا سميناها بدعة حسنة، مع أن عمر ما قال: بدعة حسنة، وإنما قال: نعمت البدعة؛ فلو فرضنا أنا بقينا على هذا اللفظ فإن هذا لا يتجاوز هذه القضية -وهي صلاة التراويح- لأسباب شرعية معلومة، وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ثم توقف عنها لتعليل انتهى بعد وفاته، وهو خشية أن تُفرض.

    التقرب إلى الله بالبدع اتباع للشيطان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان.

    كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]).

    فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة، وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، باتباع من خالف السنة والإجماع القديم، لا سيما وليس معه في بدعته إمام من المسلمين، ولا مجتهد يُعتمد على قوله في الدين، ولا من يُعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع، فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته.

    ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوماً بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله، فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي، وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟

    يقصد الشيخ بهذا أشياء مفيدة جداً أشار إليها بإيجاز، وهي أولاً: أن قوله: (ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم) هنا يشير إلى زلّة العالم، وقال: (لو قُدّر)، أي أنه افتراض.. فلو قُدر أن عالماً من العلماء نازع أو خالف عموم أهل السنة في قضية من القضايا، فلا يكون هذا العالم حجة، لماذا؟ لأنه:

    أولاً: ليس بمعصوم.

    ثانياً: تُحمل المخالفة على أنها زلة من العالم، والزلة من العالم لا تلغي اعتباره وعلمه وقدره، لكنه لا يُتبع على زلته، فهو مخصوم بالسنة المتواترة وبما عليه إجماع السلف.

    ثالثاً: أنه لا يُعرف أن أحداً من أهل العلم المعتبرين صار على غير نهج السلف وخفي أمره على الأمة، لا بد أن يتميّز الحق عن الباطل بعموم العلماء، قد يزل منهم الواحد والاثنان لكن يتبين المنهج بالآخرين، هذا أمر.

    رابعاً: إن من العلماء من وقع في زلات مفردة وليست مناهج، فقد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال المرجئة؛ لكن لا يقول بجميع أقوال المرجئة، قد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال الخوارج؛ لكن لا يقول بجميع أقوال الخوارج، قد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال القدرية؛ لكن لا يقول بجميع أقوال القدرية وهكذا..

    إذاً: معنى كلام الشيخ: فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين!

    أي: كل من نازع السلف نزاعاً يتعلق بتأسيس ضلالة أو بأن يكون صاحب منهج من مناهج الفرق الكبرى التي ضلت عن السنة فليس من أهل العلم المعتبرين وليس من المجتهدين، ولا معه دليل حتى وإن أُعجب به أصحابه، ولنأخذ مثلاً رءوس الخوارج فليسوا مجتهدين، ورءوس الشيعة ليسوا من المجتهدين، نعم قد ينتحلون بعض الأئمة، فالشيعة مثلاً تنتحل الحسن والحسين وأئمة آل البيت، لكنه انتحال كاذب، وعلى حسب استقرائي المحدود وما ذكره أهل العلم المعتبرين أن أكثر ما يتبرأ آل البيت من الشيعة، وأكثر ما يتعوذون من الشيعة، وأكثر ما يتأذون من الشيعة.. إذاً فليسوا قدوة لهم، بل هم يكذبون، وهكذا تأتي بعدهم القدرية، مثلاً أنشأ القدرية معبد الجهني ذكر أن عنده شيئاً من العلم لكنه طويلب علم، توثب قبل أن ينضج فصار يماري ويجادل فاغتر، فصار من أئمة الضلالة نسأل الله العافية؛ لكن ليس بعالم.

    وغيلان الدمشقي متحذلق وليس بعالم، ثم جاء بعده الجعد والجهم وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وليسوا علماء، غاية ما يقال: إن بعضهم تميّز بالزهد فقط، ثم هكذا دواليك، وما من فرقة انتسبت إلى عالم إلا وتكذب عليه أو تزيد عليه، فالمرجئة انتسبت إلى أبي حنيفة لكن قالت بأكثر مما قال به، والأشاعرة انتسبت إلى الأشعري لكنها قالت بأكثر مما قال به، بل تعوّذت وتبرأت من عقيدة الأشعري الحقيقية، وهكذا بقية الفرق.

    إذاً نخلص إلى أن قول الشيخ: (فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين)، بأن رءوس البدع ليس منهم قدوة في الدين، وما حدث من زلّات العلماء فهي أمور محدودة، وإذا تميّز الحق فلا يحسب زلّة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً ].

    بدأ الشيخ بما نبهتكم عليه، انتهى من القول بأنه ليس عندهم دليل أهل البدع، فبدأ يرجع عليهم الآن ويهاجمهم بسلاح وهو يقول: الدليل على عكس ما تقولون، فهنا بدأ يستدل على أن بدعهم على الباطل جملة وتفصيلاً.

    1.   

    تحريم الشرع لوسائل الشرك

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ بل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً، فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه، كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ].

    تقدم شرح هذه الفقرة، وأن الشيخ يرد فيها على أصحاب التوسل البدعي، والذين زعموا أن بدعهم مشروعة فنسف مقولتهم من وجهين كما ذكرت لكم من قبل، الوجه الأول: التأكيد على أن أعمالهم هذه ليس عليها دليل إطلاقاً، وهي عبادة، والعبادة توقيفية لا تجوز إلا بدليل، ثم استدل عليهم من ناحية أخرى وقال: مع أنه لم يرد دليل ببدعكم هذه فإنه قد وردت الأدلة بالنهي عنها نهياً صريحاً، فهو الآن يقرر الجانب الثاني، وهو أن الله قد حرّم هذه البدع والوسائل إلى الشرك، ومنها التوسل البدعي الذي تعلق به هؤلاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا، قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً).

    واتخاذ المكان مسجداً هو أن يُتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين.

    فحرّم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده.

    فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله ].

    النهي عن التنفل في أوقات الكراهة

    قال رحمه الله تعالى: [ والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه، كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.

    ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يُفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه ].

    هذه المسألة فصّلها شيخ الإسلام أكثر من مرة في كتبه، وهي مسألة أوقات النهي، والذي يحضرني أنه قسّمها في بعض المواضع إلى قسمين: فنحن نعرف أن أول أوقات النهي يبدأ من صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس قيد رمح على الراجح، فـشيخ الإسلام قال: إن هناك وقت تحريم قاطع ووقت نهي، وقت التحريم القاطع هو أثناء طلوع الشمس يعني مثلاً عشر دقائق التي تطلع فيه الشمس فهذه يرى أنها محرمة قطعاً حتى مع ذوات الأسباب؛ لأن الدقائق المعدودة التي يمكن التأني فيها، فمثلاً إنسان دخل المسجد وعرف أنه بقي على طلوع الشمس عشر دقائق فلينتظر قليلاً؛ لأن وقت الطلوع فيه نهي شديد، لأن النهي ورد على حالتين: أثناء الطلوع والنهي المطلق ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، أما وقت الزوال فكله وقت نهي، وهو قصير جداً ليس بطويل، فيبدو لي أن شيخ الإسلام يجعل الصلاة فيه محرمة حتى ذوات الأسباب، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، لكن النهي عنها أثناء الغروب شديد وتعتبر الصلاة فيه محرمة؛ لأنه هو الوقت الذي تعلّق في نفوس المشركين وعباداتهم.

    فإذاً النهي على نوعين: وقت النهي فيه مطلق، وفيه نهي شديد محرم، وهو أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء الزوال.. أما ما سوى ذلك من الأوقات التي هي أوقات نهي فالأمر فيها كما قال: يجوز فعل ذوات الأسباب، وإن كانت المسألة خلافية.

    وبعض المشايخ يقولون: إن وقت الزوال عشر دقائق، وبعضهم يقول: ربع ساعة.

    وقرص الشمس لا يستمر في الزوال ثلاث دقائق، كما أنه عندما يطلع جميع القرص لا يستغرق ثلاث دقائق ولكن أقل، وكذلك ما بين بداية ارتكاز قرص الشمس على المغيب إلى أن يغيب جميع القرص أقل من ثلاث دقائق، لكن ما قبل ذلك بدقائق وما بعده بدقائق محسوب؛ لأن المسألة نسبية، فقد سمعت من بعض مشايخنا أنه قال: إن وقت النهي الشديد ربع ساعة أو عشر دقائق، والأرجح أنه في حدود العشر، والمسألة نسبية.

    وإذا أراد أن يتنفل الإنسان يوم الجمعة في أثناء الزوال فالأولى أن ينتظر دقائق حتى وإن كان في المسجد، ولكن لا يجلس بل ينتظر دقائق، هذا هو الأولى وإلا الصلاة أثناء الزوال فيها نهي شديد.

    زيارة القبور للاعتبار لا للتوسل والتبرك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تُشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يُقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تُشرع إلا في حق المؤمنين.

    وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يُقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يُطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يُقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء ].

    هنا ذكر الشيخ ثلاث صور من الزيارة البدعية، هذه الصور في الغالب أنها تدخل فيها كثيراً من صور الزيارات البدعية، سواء كانت شركية أو بدعية أو نحوه.

    الصورة الأولى من الزيارة البدعية: أن يقصد الزائر طلب الحوائج من الأموات، وهذه منها ما هو شركي وهو الغالب، ومنها ما هو بدعي.

    الصورة الثانية من الزيارة البدعية: طلب الدعاء والشفاعة كأن يطلب من الميت أن يدعو له، أو يطلب من الميت أن يشفع له، هذه صور أخرى أيضاً، وهي كثيرة عند أهل البدع اليوم، يطلبون من الأموات أن يدعوا لهم ويشفعوا لهم، وهذا أغلبه بدعي، وقد يكون منه صور شركية.

    الصورة الثالثة: أن يقصد التبرك بالدعاء عند القبر، وهذا ينتظم أغلب صور الزيارات عند أهل البدع اليوم.. فقد لا يدعو الميت، وإنما يدعو الله عند القبر زعماً منه أن هذا المكان مبارك، أو أن ذات الشخص المذكور مباركة، أو أنه في هذا المكان تحل البركات، أو أن هذا من مواطن الإجابة أو غير ذلك من التوهمات والتلبيسات التي لبس الشيطان بها على هؤلاء، نسأل الله العافية.