إسلام ويب

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [20]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ابتليت الأمة قديماً وحديثاً بأفكار ومبادئ منحرفة، تظهر على أيدي أشخاص بين الفينة والأخرى، ولكن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا الدين، فقيض له من يذود عن حياضه، ويدفع بالحق باطل هؤلاء المنحرفين الشاذين، وممن ابتليت بهم الأمة أهل الحلول والاتحاد، وأول من أعلن منهجهم الحلاج، وقد تصدى له ولدعوته علماء وقضاة الأمة، وبينوا فساد ما يقول به وبطلانه.

    1.   

    حقيقة شخصية الحلاج وحكم من اعتقد عقيدته

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وقد وصلنا في آخر المجلد الثاني من فتاوى شيخ الإسلام إلى صفحة (480) وموضوع اليوم هو موضوع يشابه الموضوعات السابقة، لكنه في شخصية من الشخصيات الشهيرة من أصحاب الحلول، وهو أول رجل أعلن الحلول الكفري الإلحادي في تاريخ الأمة على نحو سافر، وأصر على ذلك، ودعا له وصار له أتباع، وفتن به طوائف من أهل الأهواء والبدع إلى يومنا هذا، وهو الحلاج ، ولذلك سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحلاج فأجاب بهذا الجواب المنهجي العلمي المركز، وهو بمثابة الإعلان عن منهج السلف تجاه مثل هذه الظواهر، ومثل هؤلاء الأشخاص الذين يشذون بأفكار ومبادئ في الأمة، ويفتن بهم الناس، وما أشبه الليلة بالبارحة، وسترون من خلال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأمة ابتليت في أغلب عصورها بعد القرن الثالث الهجري بطوائف، تتباكى على أهل الأهواء والبدع وتنتصر لهم، فنرى ماذا سيقول شيخ الإسلام في هذا الأمر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه:

    ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج ؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج ، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، ويقول: الحلاج من أولياء الله، فماذا يجب عليه بهذا الكلام؟ وهل قتل بسيف الشريعة؟ ].

    في هذه الشبهة عدة قضايا، وهي دائماً بمثابة السمات لأهل الأهواء في كل زمان، فمثلاً: هذا المفتون صرح بأنه يعتقد ما يعتقده الحلاج ، من هنا يظهر الخلل بوضوح من خلال ربطه دينه برجل من الناس، ثم إن هذا الإنسان الذي ربط دينه به ليس من أهل الصلاح والتقوى والاستقامة، وهذا يعطينا درساً وعبرة بأنه ينبغي للمسلم دائماً ألا يرتبط في مسألة الاقتداء في الدين والاعتقاد إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يبالغ في القدوة المطلقة، لا يرتبط بالقدوة المطلقة إلا بالرسول صلى الله عليه وسلم، نعم، الأئمة المهتدون يقتدى بهم، لكن لا على سبيل التسليم المطلق، بمعنى أن نعتقد فيهم العصمة، فإن هذا الإنسان لما قال: أعتقد بما يعتقده الحلاج اعتقد فيه العصمة، وإلا على الأقل كان عليه أن يقيد كلامه ويقول: فيما هو عليه من الحق، إن كان اشتبه عليه الأمر، ويظن أنه على حق.

    ثم إنه أيضاً لما صرح بأنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، فإن هذا فيه تلبيس، وفيه قلب للموازين، كما يفعل أهل الأهواء، وهذه سمة من سمات أهل الأهواء، تجدهم يقلبون الموازين، وهذا الرجل المفتون كان عليه أن يسأل نفسه: من الذي أصدر الأمر وحكم بقتله؟ لو تأمل لوجد أن الذين حكموا بقتله هم خيار الأمة، فهل يعقل أن خيار الأمة يحكمون بقتل رجل مثل بعض الأنبياء أو على نهج الأنبياء؟ هذا أمر لا يعقل أبداً، ولا يستقيم لا عقلاً ولا شرعاً.

    ثم أيضاً نجد من سمات أهل الأهواء، وهذا الظاهر في مثل قوله: الحلاج من أولياء الله، نقول: ما مستنده في أنه ولي لله؟ هذا عنده أحد أمرين:

    الأول: إما أنه زائغ ملحد يفسر الكفر والإلحاد بالولاية لله، وهذا مذهب الكثيرين من أهل الديانات الباطلة، كلهم يعتقدون الولاية على هذا النحو، يعني: يصرفون الولاية لرءوسهم الزنادقة، رءوس الفلاسفة الملاحدة خصوم الأنبياء، ويوصفونهم بأنهم أولياء.

    الثاني: أو أنه جاهل مركب، فكان عليه ألا يسلم هذا التسليم الأعمى؛ لأن الله عز وجل أمر الجاهل بأن يتعلم ويسأل أهل الذكر، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    إذاً: من خلال ادعاء هذا الرجل المفتون أنه يعتقد ما اعتقده الحلاج تبين لنا سمات أهل الأهواء قديماً وحديثاً، وأن هذا منهجهم، يتعلقون بالأشخاص، ثم يلبسون على الناس، وربما أيضاً يدخلون مذاهبهم الإلحادية من خلال هذه المبادئ وهذه الأصول الباطلة.

    قال رحمه الله تعالى: [ فأجاب:

    الحمد للّه، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد.. ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض.

    وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق وإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93].

    وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171] الآيات.

    وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] الآيتين.

    فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله، كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح بن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح كما تقوله الغالية في علي رضي الله عنه، وكما تقوله الحلاجية في الحلاج ، والحاكمية في الحاكم ، وأمثال هؤلاء فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح بن مريم أفضل من هؤلاء كلهم.

    وهؤلاء من جنس أتباع الدجال ، الذي يدعي الإلهية ليتبع، مع أن الدجال يقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت، وللخربة: أخرجي كنوزك، فتخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلاً مؤمناً ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال ، فمن ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق، كان دون هذا الدجال .

    و الحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر.

    وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به، وأن البشر يكون إلهاً، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قتل الحلاج ].

    1.   

    الرد على القائلين بأن الله نطق على لسان الحلاج

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وإن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين، فإن الله لا يحل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده).

    فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال: إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي : قل على لساني ما شئت.

    وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم.

    وأما أن الله هو المتكلم على البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع ].

    هنا عبارة ينبغي أن تدرج وهي (لسان) في قوله: وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر.. حتى تستقيم العبارة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما أن الله هو المتكلم على [لسان] البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم؛ لكونه مصطلماً في حال من أحوال الفناء والسكر، فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما القلم، فالقول وإن كان باطلاً، لكن القائل غير مؤاخذ.

    ومثل هذا يعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل، كما يقال: إن محبوباً ألقى نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني.

    وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته.

    فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه القلم لم يكن معاقباً على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله ].

    هذه المسألة تكررت، وأيضاً تكرر التنبيه على أن شيخ الإسلام يحاول أن يعذر الذين تظهر على ألسنتهم أقوال إلحادية أو أفعال إلحادية أو اعتقادات إلحادية، وهذا الصنف الذي يرى أنه يعذر هو الصنف الذي يتجه إلى العبادة اتجاهاً خاطئاً، يتبع نهج عباد الأمم الذين ينهجون في العبادة مناهج بدعية، مثل: إرهاق النفس بالجوع والعطش والسهر والتأمل.. وغير ذلك، فيصل الأمر إلى أن يخلط الإنسان ويكون عنده ما نسميه بالهستيريا.. أو نحو ذلك مما يعتري البشر بسبب هذه المناهج البدعية.

    فالشيخ يذكر أن من تظهر منهم كلمات بدعية كفرية أو إلحادية أو أقوال أو أفعال تقتضي الخروج من الملة وهم على هذه الحال، فإنا لا نحكم عليهم بذلك، وإن كانت أقوالهم إلحادية، وإن كان المسلك الذي سلكوه في الوصول إلى هذه الحال مسلكاً بدعياً، وهو مقام ما يسمونه: الفناء بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعرفته عن معروفه.

    يعني: أن الإنسان يفقد وعيه في توجهه إلى العبادة على انحراف، وأنه يغيب عقله، ويقع فيما يسمونه: السكر التعبدي العبادي أو التحنثي، لا السكر الحقيقي الفعلي.

    فالشيخ كثيراً ما يعتذر لهذا الصنف، لكن الذي ينبغي أن نفهمه جيداً أنه لا يسيغ كلامهم أبداً، ولا يمرر كلامهم أو يتكلف له، بل يقول: هذا كلام إلحادي كفري.

    إذاً: غاية ما يحصل من شيخ الإسلام أنه يعذر هؤلاء ولا يحكم على أعيانهم بالكفر، أما أقوالهم الكفرية ومناهجهم فإنه يبدعها كما سمعتم.

    1.   

    كذب وافتراء ما يحكى من ظهور كرامات للحلاج عند قتله

    قال رحمه الله تعالى: [ وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل: كتابة دمه على الأرض: الله الله، وإظهار الفرح بالقتل.. أو نحو ذلك، فكله كذب ].

    وقد ذكر الشيخ وغيره من أئمة السنة أنه أحياناً يقع مثل هذا من عبث الشيطان بالناس، ومن أجل استحواذ الجن والشياطين عليهم، ففي مثل هذه المواطن مواطن الفتنة يوقعونهم في شبهات وإشكالات، فقد يسمعون أصواتاً ويظنونها أصوات ملائكة، وقد يحدث للشخص مثل ما زعموا أنه حدث للحلاج أن دمه صار على شكل فيه صور حروف أو أشكال حروف، وقد تحدث خوارق يفتن بها الحاضرون ممن ليس على السنة والاستقامة، وتنسب على أنها نصر لهذا المقتول الذي أقيم عليه الحد، أو نصر لمذهبه، وهذا من الفتنة والابتلاء.

    وما يحكى عن الحلاج كله كذب؛ لأن قصة قتل الحلاج شهدها فئام من المسلمين، بما فيهم الذين أقاموا الحد عليه، ومنهم قضاة كانوا معه إلى آخر لحظة، والسيف على رقبته وهم يستتيبونه، ومع ذلك يقرر الإلحاد، وهذه الصورة تكررت في التاريخ الحديث، فمنذ سنوات ليست بالبعيدة ظهر متنبئ كذاب في السودان اسمه محمود طه ، ودعا إلى مبادئ، منها: أنه جاء بإسلام جديد، وأن الإسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإسلام الأول، والإسلام الثاني هو الإسلام الحديث الذي جاء به هو، واختصر الصلوات، وشرع للناس تشريعات، وربط مذهبه بطرق صوفية، وربط مذهبه بحزب سياسي، وفتن به عدد من شباب الأمة، حتى أذكر أنه قال لي بعض من يعرفون الوضع جيداً في السودان: إنه انتمى إلى الحزب الكفري الإلحادي الذي يقوم على الردة ودعوى النبوة يعني: عدد الذين انضووا إليه يعد بالملايين، فهذه فتنة، واحتسب عليه بعض أهل الحسبة جزاهم الله خيراً وأقاموا عليه الحجة وناظروه، فأصر على الباطل واجتمع أهل العلم والفقهاء وشكلت له لجنة قضائية فاستتابوه فلم يتب، وأخبروه بأن موقفه هذا يقتضي الردة، وأنه سيقتل ردة، فأصر، وعرض على السيف، فأصر على باطله إلى آخر لحظة، والناس من حوله يخوفونه بالله ويلقنونه ويستتيبونه، فلم يتب، فقتل على بدعته وعلى كفرياته، فنسأل الله السلامة.

    فمثل هذا استحوذت عليه الشياطين، وهيمنت على جميع تصرفاته، حتى إنه لا يدرك مدى الخطر الذي يقع فيه، وربما تزين له أنه سيقدم على الجنة، وهو مقدم على النار، كما ورد عن الدجال أنه كان يموه على الناس فيريهم أن معه جنة وناراً والأمر عكس ما يريهم.

    فالمهم أن موقف الحلاج ليس بغريب من إصراره على الكفر إلى آخر لحظة، وأعود إلى موطن الشاهد وهو أن الذين حضروا مشهد قتل الحلاج هم جماعة من العلماء الثقات وغيرهم، وما نقلوا أنه كتب من دمه هذه الكلمات، ولو شوهد لنقل وفسر بالقاعدة الشرعية المعروفة: أن هذه فتنة وابتلاء، وأنه لابد أن يكون من عمل الشياطين ومن عمل الجن؛ لأنه لا يعقل لإنسان يلحد أن يكرم بهذه الكرامة، وإنما إن حصلت فتكون من الابتلاء ولا شك؛ لأن الله عز وجل تكفل بحفظ الدين وضمن بيان الدين، فلا يمكن أن يلتبس الدين على الناس، وتأتي هذه الحكايات فتكون دليلاً وحجة في دعوى أن هؤلاء على الحق، أبداً هذا لا يمكن.

    إذاً: ما يكون في مثل هذه الحالات المشبوهة من مظاهر وخوارق وما يشبه الكرامات فهي من عبث الشياطين، ومن الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد؛ لأنهم توكلوا واعتمدوا على غير الله، فوكلهم الله إلى غيره، فوقعوا في الفتنة، نسأل الله العافية والسلامة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله مثل: كتابة دمه على الأرض: الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك فكله كذب، وقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء، وقد شهد مقتله، وكما ذكر إسماعيل بن علي الحطفي في تاريخ بغداد وقد شهد قتله، وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم .. وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي فيما جمعا من أخباره.

    وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ الذين عدهم من مشايخ الطريق.

    وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله في الظاهر، فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ ].

    1.   

    كذب وافتراء من قال: إن الحلاج قتل مظلوماً وإنه من أولياء الله

    قال رحمه الله تعالى: [ وقول القائل: إنه قتل ظلماً قول باطل؛ فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه، صار زنديقاً، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ، ووجه في مذهب الشافعي ، والقول الآخر تقبل توبته.

    وأما قول القائل: إن الحلاج من أولياء الله، فالمتكلم بهذا جاهل قطعاً، متكلم بما لا يعلم، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد، فإن ولي الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضى عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم.

    وذهبت طائفة من السلف، كـابن الحنفية وعلي بن المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (مر عليه بجنازة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت وجبت، قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).

    فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن، إما بنص وإما بشهادة الأمة فـالحلاج ليس من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من أهل الإلحاد، إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله.. ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح ].

    1.   

    أوجه ضلال من أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده

    قال رحمه الله تعالى: [ فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه:

    أحدها: أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلماً وكان ولياً لله، وقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ومحمد بن سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى والسهروردي .. وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء: إنهم قتلوا ظلماً، وإنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء؟ ].

    هذه مسألة مهمة جداً، وليست جديدة كما يظن بعض الذين اطلعوا على مقالات وشبهات بعض المفتونين من المعاصرين، من دعوى أهل الأهواء أن الذين قتلوا لكفرهم وزندقتهم أو لعموم فسادهم في الأرض، أو الذين حدوا بأي حد من الحدود الشرعية إما بنفي أو حبس أو بتشهير أن هؤلاء مظلومون، وأنهم ضيق عليهم ظلماً، فما أثاره كثير من المعاصرين من المفتونين، والذين تكلم عنهم أحدهم في مذكرة حراسة العقيدة ليس بجديد، اللهم إلا أن الجديد أنهم استعملوا عبارات مثيرة إعلامياً للتنفير من مواقف السلف، مثل عبارة: الإرهاب المخالف، هذه استعملها من نرد عليه في هذا الدرس، فقد استعملها كثيراً، وضرب أمثلة على أن السلف يظلمون، وأنهم يرعبون المخالف ويضيقون عليه، ويستعدون السلاطين على المخالفين، وضرب أمثلة لهؤلاء بـالجهم والجعد وغيلان ، وبهذا يتضح منهجياً أن مناهج أهل الأهواء واحدة، وأن من أثار هذه الفتنة ضد السلف وأشغل شباب الأمة في هذه الظروف العصيبة في هز المسلمات والطعن في السلف، إنما هو امتداد لأسلافه الأوائل أهل الأهواء والفرق والابتداع؛ ولذلك نرى هؤلاء من مبالغتهم في الحقد على السنة وأهلها أنهم جمعوا المتناقضات، فقد جمعوا في تعاطفهم مع أصحاب المذاهب المتناقضة، فـالجهم غير الجعد ، والجعد غير غيلان ، والسهروردي غير هؤلاء، والفرق التي منها هؤلاء الأشخاص فرق متضاربة متعارضة، فلذلك من علامات الخذلان أن هذه الفئة ضمت جميع أهل الأهواء وتعاطفت معهم، ما أخذت طائفة واحدة حتى نقول: لعلها اغترت بمنهجها، لا، بل جمعوا جميع أهل الأهواء وضموهم كلهم في حزمة واحدة، وهذا يعطينا العبرة والدرس في أنه ينبغي للمسلم أن يلتزم نهج السلف؛ لأنه سبيل المؤمنين، وأن يكون في ذلك واثقاً ومطمئناً؛ لأن الله عز وجل جعل سبيل المؤمنين هو الطريق الذي فيه الاعتصام، وفيه الإجماع على الحق، الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فإنه لا يمكن أن يخفى الحق، وإذا أخذنا الأمور بموازين الشرع فسنجد الحق مع من كان على السنة والاستقامة، وإن وجد عند بعضهم شيء من التجاوزات والأخطاء التي هي من عوارض البشر، وهذا كما أشرت إليه وسأشير مرة أخرى لا يضر بالمنهج.

    أما قول أهل الأهواء عن الحلاج وغيره أنه قتل ظلماً، فهذه كلمة قالها أنصار هؤلاء في وقتهم، وقد يزيد بعض المعاصرين أمراً آخر وهو شعار جديد أرادوا أن يثيروا به شباب الأمة، هو شعار: أن هؤلاء قتلوا قتلاً سياسياً، فانظر إلى المغزى، يعني: أن بني أمية أو بني العباس الذين ركزوا على قتل الزنادقة، وذلك حين كثر الزنادقة سلط الله عليهم من أئمة الهدى من يبين عوارهم، وسلط عليهم من سلاطين الأمة وخلفائها من يقيم الحد فيهم، فأهل الأهواء يقولون: إن قتل هؤلاء من أهل الزندقة والكفر والإلحاد والفساد كان قتلاً سياسياً؛ لأنهم من مشاهير المعارضين للسلاطين، فهذا فيه شيء من الحق، لكنه صور بصورة الباطل، ووجه الحق أن أهل الأهواء دائماً يرفعون راية الخروج وعدم السمع والطاعة، بما فيهم هؤلاء الأشخاص، فقد اشتهر ذلك عن الجعد واشتهر عن غيلان وغيرهما؛ لأن صاحب البدعة من لوازم بدعته أن يكره السنة، وإذا كره السنة فإنه سيترك مناهج أهل السنة والجماعة، ومن منهج أهل السنة والجماعة: السمع والطاعة لولاة الأمر، واعتقاد حقهم من البيعة.. وغير ذلك في المعروف، فأهل الأهواء لا يسمعون ولا يطيعون، فمن هنا تأتي شبهة أنهم قتلوا قتلاً سياسياً، مع أننا نعلم أن الأحداث الشهيرة التي قتل فيها هؤلاء جرت بمنهج شرعي سليم، وتمت على أيدي أهل العلم من الأئمة الموثقين من علماء وقضاة، وكون بعض الساسة أو بعض الولاة له هوى في قتل هذا الرجل أو ما له هوى هذا أمر لا يعلمه إلا الله عز وجل علام الغيوب، لكن أن نفسر الأحداث بهذا التفسير، هذا هو عين الهوى والمنهج الخاطئ الضال؛ لأنه بذلك يؤدي إلى وصف منهج أهل السنة والجماعة بالانحراف والضلال، وهذا عين الباطل، وما كان الله عز وجل يسلم الأمة إلى الباطل بهذه الصورة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار، وعثمان وعلي والحسين .. ونحوهم؛ قتلهم الخوارج البغاة، لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين كـمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد .. وغيرهم.

    فإن الأئمة متفقون على تحريم دماء هؤلاء، وهم متفقون على دم الحلاج وأمثاله.

    الوجه الثاني: أن الاطلاع على أولياء الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق الولاية، وهو الإيمان والتقوى.

    ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد كأهل الحلول والاتحاد فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفاً بالإيمان والتقوى، فلا يكون عارفاً بطريق أولياء الله، فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله وغيرهم.

    الثالث: أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته، فيكون من جنسه فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه، كشهادة اليهود والنصارى والرافضة لأنفسهم على أنهم على الحق، وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة، فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم أهل ضلال؟ ].

    1.   

    ما جاء في كون الحلاج تاب فيما بينه وبين الله

    قال رحمه الله تعالى: [ الرابع: أن يقال: أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله أو لم يتب، فهذا غيب يعلمه الله منه، وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان، وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذراً في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة قد تكون عذراً في الظاهر.

    فهذا لو فرض لم يجز أن يقال: قتل ظلماً، ولا يقال: إنه موافق له على اعتقاده، ولا يشهد بما لا يعلم، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك، وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعي فيه الاصطلام والشبهة، وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد، وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام.

    ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به، ونعرف طريق الله الذي أمرنا به، وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل، وأنه يجب قتل مثله، وأما نفس الشخص المعين؟ هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو غيرها؟ فهذا أمر إلى الله، ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك، والله أعلم ].

    يشير الشيخ إلى قاعدة شرعية مهمة، وهي: أن أحكامنا نحن البشر سواء على الأحوال أو على الأفراد أو على الجماعات أو على الهيئات أو على الأعمال أو على الأقوال مبناها على الظاهر؛ لأن الباطن لا يعلمه إلا الله عز وجل، والافتراضات لا تنقض بها الأصول والافتراضات أيضاً لا يجوز أن تغير الحكم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، فالذي ظهر لنا من الحلاج هو هذه الحال، أما كونه يحتمل أن يكون قد تاب في آخر لحظة ثم مات على التوبة هذا أمر فيه تخرص، ما عندنا عليه دليل، وهو افتراض، والافتراضات لا تبنى عليها الأحكام، وإلا فالافتراض الغيبي يرد في كل الأحكام، فلا يجوز أن نبني عليه، والمشكلة أن هذا النوع من الافتراضات تجده عند كثيرين الآن ممن يخبطون ويخلطون ويحكمون في القضايا بغير علم، فتجد الواحد يلجأ إلى هواه فيترك الواقع ويفترض أموراً قد تكون محتملة، أو غير محتملة، ويبني الحكم على الافتراض، وأغلب ما يجري الآن من الخوض والخبط بين الأمة في القضايا الكبار والفتن التي هي من هذا النوع، يعني: يهرب الشخص من أن يطبق النصوص على الواقع؛ لأن في نفسه شيئاً، وهذا الذي في نفسه قد يكون عن هوى، وقد يكون عن تشف، وقد يكون عن ضعف في الإيمان، وقد يكون عن قلة فقه، وقد يكون عن ضغط الواقع، وقد يكون عن أمور كثيرة، فيلجأ إلى بناء الحكم على الافتراضات، ويدع الأمة في واقع بعيد عن هذا الافتراض الذي يدعيه أو يزعمه، وخاصة في الحكم على الأشخاص، يعني: هناك أشخاص ظاهرهم بين، لكن يحيد كثير من الناس عن هذا الأمر الظاهر إلى افتراضات، وهذه الافتراضات ما تعبدنا الله بها.

    فالشاهد أن عدداً ممن يلجئون إلى الاعتذار عن الحلاج يفترضون أنه ربما تاب في آخر لحظة، نقول: هذا الافتراض يرد في كل من مات على الكفر، ما عدا من نص الله عز وجل على كفرهم حتى لحظة الموت، مثل: فرعون، ومع ذلك هذه الفئة ترى أن فرعون مؤمن، يعني: ما اكتفوا أيضاً بمجرد هذا المنهج الخاطئ في خرق مسلمات الدين، وخرق مسلمات الأحكام والإجماع بالافتراضات، ما اكتفوا بذلك، بل قلبوا الموازين فجعلوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، وهذا منهج قد يقل ويكثر عند الناس، فالملاحدة وأصحاب الأهواء ينهجون المنهج الفاسد، وكثير من الناس قد لا يسلم من الهوى، فيكون عنده شيء من هذا المنهج فهم بين مقل أو مكثر، فينبغي لطالب العلم أن يحرص على التجرد للحق، وأن يحرص على العمل بمقتضى الأحكام والنصوص، وأن يحرص على الابتعاد عن أن تنزع به الرغبة الشخصية أو الهوى أو الواقع إلى الافتراضات والظنون، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والله عز وجل يقول: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11].

    1.   

    الأسئلة

    حكم قبول توبة الزنديق ودرء الحد عنه

    السؤال: هل تقبل توبة الزنديق ويدرأ عنه بها الحد؟

    الجواب: من تاب تاب الله عليه مهما كان، فالمشرك والزنديق وغيره إذا تاب وأسلم، فلا شك أنه يدخل في الإسلام بالتوبة الصادقة، إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتاب عن زندقته وكفره، فقد تاب إلى الله، لكن لو قدرنا أن الإنسان أقيم عليه الحد، وفي آخر لحظة أعلن توبته، فالأصل أنه يدرأ عنه الحد، لكن هناك حالات يكون فيها هذا الرجل الزنديق مفسداً في الأرض، أو تكون عندنا قرائن واضحة على أن توبته ليست صادقة، فهل يعدل عن إقامة الحد أو لا يعدل؟ هذه مسألة خلافية، وأرى أن مثل هذه المسائل يقدرها أهل العلم في وقتها، لا يمكن أن تضبط بضوابط، فكل حالة لها حل، لكن الأصل أن من تاب إلى آخر لحظة وهو أمام الحد قبل أن يقتل تقبل توبته، بل ينبغي إلى آخر لحظة يقام عليه فيها الحد أن يلقن التوبة، هذا الذي ينبغي شرعاً، وما عدا ذلك فهي حالات نادرة يقدرها أهل العلم، وهي استثناء، وكما تعلمون في حد الحرابة لما ذكر عقوبة المفسدين في الأرض، استثنى من يتوب قبل القدرة عليه، أما إذا كان الأمر بعدما يقدر عليه فقد يكون أحياناً من المصلحة الشرعية أن يقام عليه الحد باعتبارات يقدرها أهل العلم، وليست هذه قاعدة كما قلت، القاعدة أن من تاب وأعلن رجوعه يدرأ عنه الحد.

    الفرق بين الحلول والاتحاد

    السؤال: ما هو الفرق بين الحلول والاتحاد؟

    الجواب: الفرق بين الحلول والاتحاد: أن الحلول هو حلول شيئين أو اندماج عنصرين مختلفين مع بعضهما، مثل: حلول النور في الزجاجة، أو حلول الروح في الجسد.

    أما الاتحاد فهو اندماج العنصرين بحيث لا يكون لأحدهما استقلال عن الآخر، مثل: دمج الطين مع الماء حتى يكون كتلة واحدة، بحيث لا تستطيع أن تنزع الواحد من الآخر.

    إذاً: الحلول هو حلول شيء في شيء مع وجود الفرق بين العنصرين، والاتحاد هو حلول العناصر بعضها ببعض إلى حد لا نستطيع أن نميز بعضها عن بعض.

    حقيقة مذهب الحلاج وأقواله

    السؤال: هل ما يقوله الحلاج كان عن فهم خاطئ أم هو إنكار منه لمذهب أهل السنة والجماعة؟

    الجواب: الفهم الخاطئ لا يصل إلى هذه الدرجة، أما كونه ينكر مذهب أهل السنة، فالمسألة أكبر من إنكار مذهب أهل السنة والجماعة، أغلب من في الأرض هم على هذه الضلالات، يعني: كم نسبة المسلمين وأتباع الأنبياء في تاريخ البشرية؟ كم نسبتهم إلى أهل الضلال الملاحدة الذين هم على الكفر المغلظ؟ جاء في الحديث الصحيح عن نسبة أهل الجنة إلى أهل النار (1) من (1000)، (1) إلى الجنة، و(999) إلى النار، فكيف نستغرب وجود (1) ملحد في الأمة أعلن الإلحاد؟!

    إذاً: فالمسألة ما هي مسألة قبول السنة أو عدمها، المسألة أن الحلاج رد الحق كله، فقد قال بالباطل بأقصى درجات التعبير عن الباطل.

    بتقرير العقيدة دون الانشغال بكثرة الردود

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن العقيدة ينبغي أن تقرر تقريراً، ولا ينبغي الانشغال بكثرة الردود؛ لأنها قد تورث الشبه، فالإسلام هو تقرير العقيدة تقريراً كما في كتاب التوحيد محمد بن عبد الوهاب ومعارج القبول؟

    الجواب: نعم، الأصل هو تقرير العقيدة، لكن الدفاع واجب، وهذا منهج رسمه الله عز وجل في كتابه، والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، فكثير من آيات القرآن فيها الرد والتكذيب للشبهات وحماية الأمة منها، والقرآن هو منهاجنا وهو قدوتنا، وهو الهدى والبيان، وهو الحق، وهو الفرقان، وهو النور، فآياته تقرر الرد على المخالفين والرد على البدع والأهواء والكفريات بالمئات، أنترك هذا المنهج لمجرد أمور عاطفية؟

    إذاً: تقرير الدين هو الأصل والدفاع عنه واجب وفرض عين، وهو نوع من الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، والقلم الآن يقوم مقام اللسان، ومسألة الرد ينبغي ألا يتساهل فيها، والناس محتاجون إلى أن يحصنوا من الآراء الباطلة إذا انتشرت، والآن المناهج الباطلة والبدع والشبهات دخلت في صميم الحياة الأسرية، الآن أكثر الأسر عندها فضائيات مع الأسف، وعندها وسائل إعلام، وتقرأ الصحف، وتسمع من الشبهات أكثر مما تسمع من الحق، فهل نتركهم؟ لا، يجب أن نقرر الحق وندافع عنه، وأن ندفع الباطل بما نستطيع، لكن القضية قضية ضرورة، ينبغي مراعاة الأسلوب المناسب، والجمع بين المنهجين: التقرير، والرد.