إسلام ويب

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [17]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تميز أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مناصحته لمخالفيه بالعدل والإنصاف، فتجده يذكر محاسن ذلك الشخص ومميزاته، مع الحذر من الوقوع في مخالفة أهل السنة والجماعة في العقيدة وغيرها، وهو بفعله هذا يدل على شفقته بالمنصوح، وإرادة الهداية له، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فهم كما يقول رحمه الله: يحبون الحق ويرحمون الخلق، وفي رسالته إلى نصر المنبجي دليل على ذلك الأسلوب الرائع الموفق منه رحمه الله تعالى.

    1.   

    رسالة شيخ الإسلام إلى نصر المنبجي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا كالمعتاد، وسنبدأ الآن في قراءة من مجموع الفتاوى، في المجلد الثاني من صفحة (452)؛ لأن ما بعد الدرس السابق موضوعات من المسائل التي فيها متاهات كلامية ومحارات لا حاجة لنا بها، والشيخ رحمه الله إنما كتبها للرد على أولئك الأقوام أو المتأثرين بهم، ولسنا بحاجة إليها؛ لذلك ننتقل الآن إلى صفحة (452).

    قال شيخ الإسلام قدَّس الله روحه:

    [ بسم الله الرحمن الرحيم.

    من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونَهَج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته؛ حتى يُظِهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته.

    أما بعد:

    فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً منزلة علية، ومودة إلهية؛ لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد، فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى والعبادة ].

    في هذه المقدمة نستطيع أن نستجلي منهج الشيخ في التعامل مع الآخرين، وهو منهج شرعي أصيل، سلكه كثير من الأئمة والعلماء الذين يكاتبون غيرهم من العلماء، سواء كانوا من الموافقين أو من المخالفين، ما لم يكونوا من أصحاب البدع المغلظة الكبرى، أي: من المنحرفين الضالين.

    والشيخ إذا كتب للعلماء الذي لهم قدرهم واعتبارهم، وإن كانوا ممن لهم زلات أو بدع أو مآخذ، يكتب لهم بأسلوب المُقَدِّر لهم، والمنوه عن فضائلهم، المؤدب مع العلماء، فهو يثني عليهم بما فيهم من الخير، ويتغاضى عما هم عليه من الأخطاء والزلات؛ لأنه لا يقصد في مثل هذه الرسالة التشهير، أو معالجة الأخطاء بالأسلوب الذي يسلكه كثير من الناس، والشيخ حتى مع الكفار من ملوك ورؤساء ووزراء وغيرهم يكتب لهم كتابة يكون فيها إشارة إلى قدرهم، أياً كانوا، إن كانوا علماء فيذكر فضلهم وعلمهم.. إلى آخره، وإن كانوا وزراء فيذكر محاسنهم، وإن كانوا ملوكاً يتلطف معهم في الخطاب لدعوتهم ونصحهم، فهو رحمه الله يؤثر خطاب النصيحة في الخطابات الخاصة، ولا أعرف من كتابات الشيخ رحمه الله للآخرين -وإن كان من المخالفين- إلا أنه يسلك هذا الأسلوب، أسلوب الملاينة والمناصحة، والاعتراف بما عند المخالف من الفضل والعلم والقدر، وإثارة هذا الأمر والجانب فيه؛ لجره إلى الخير، وتهيئة نفسه لقبول النصيحة.

    1.   

    الفرق بين المحبة الإيمانية والوجد المذموم

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم -التي هي أصل الأعمال- المحبة التي فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165].

    وقال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24].

    ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني، كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار)، فجعل صلى الله عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة، وبالمحبة فيه في الله، وبكراهة ضد الإيمان ].

    يريد الشيخ رحمه الله أن يجر العلماء المهتدين ممن يستعملون المصطلحات الصوفية إلى المعاني الشرعية، فكلمة الوجد والذوق التي استعملها هي كلمات ومصطلحات صوفية، الأصل أن نتجنبها، ولسنا بحاجة إليها، ولم ترد في الكتاب والسنة، والاشتباه فيها أكثر، فهي مشتبهة، والغالب أنها تستعمل على الوجه الباطل، لكن الشيخ يحاول أن يجر الذين ابتلوا باستعمال هذه المصطلحات من العلماء والعبَّاد إلى المعاني الشرعية التي يمكن أن تحتملها ألفاظ هذه المصطلحات، مع أنه ينفي المعاني البدعية، وينوه دائماً عن فسادها وعن ابتداعها، فهو يشير في قوله: (المحبة الإيمانية الموجبة للذوق الإيماني والوجد به) استعمل هذه المصطلحات ليشير إلى أن الوجد والذوق كل منهما مقيد بالمعاني الشرعية التي يجب أن ترد إلى الكتاب والسنة، وإلى معاني الإيمان وثمراته.

    قال رحمه الله تعالى: [ وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)، فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضا بهذه الأصول، كما جعل الوجد معلقاً بالمحبة؛ ليفرق صلى الله عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة، وبين ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وبين غيره، كما قال سهل بن عبد الله التستري : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته.

    ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، قال الحسن البصري : ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية، فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده.

    وقد ذكر نعت المحبين في قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت الله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفَرَّق في الملتين قبلنا، وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله ].

    أراد الشيخ أن يبين هنا أن الملتين السابقتين: ملة موسى عليه السلام، وملة عيسى عليه السلام، كل واحدة منهما تميزت بميزة، وأن الكمال الذي وصف الله به هذه الأمة وميزها به مفَرَّق بين الملتين، فملة موسى عليه السلام تميزت بالشدة والعزة والقوة؛ لأنها كانت رسالة إلى أهل الكبرياء والتعالي الفراعنة، ثم إلى بني إسرائيل الذين احتاجوا إلى هذا الموقف إزاء الباطل، والرحمة في ملة عيسى عليه السلام؛ ولذلك عيسى لم يبعث إلى سلطان كما بعث موسى إلى سلطان، فميز الله ملة موسى عليه السلام بالشدة والعزة على أعداء الله، وميزت رسالة عيسى عليه السلام بالرحمة والرفق، فجمع الله هاتين الخصلتين في هذه الأمة، جعل في هذه الأمة القوة والعزة على الكافرين، وجعل الرحمة والذلة للمؤمنين.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق ].

    يعني: الحب المجمل المطلق هو الذي لا يصرف إلى معين، هذا الحب لا أجر فيه، ولا يدل على الإيمان، إنما الحب الذي يدل على الإيمان هو المقيد بحب الله، وحب ما يحبه الله، أما الحب المطلق الذي سيأتي فنموذج منه في هذه الأبيات التالية، هذا الحب المطلق وهو حب المفاليس: الفلاسفة، والأدباء، والفنانين والغوغائية الضائعة التي ليس لها هدف، فهؤلاء حبهم حب تائه ضائع، فالإنسان لا يؤجر على المحبة ولا يكون الحب حباً شرعياً إلا إذا قيد بحب الله، وحب ما يحبه الله، ولذلك سيأتي في هذه الأبيات التالية بنموذج من الحب التائه.

    قال رحمه الله تعالى: [كما قال فيه كبير من كبرائهم:

    مشرد عن الوطن مبعد عن السكن

    يبكي الطول والدمن يهوى ولا يدري لمن ].

    هذه المحبة التائهة الضائعة، محبة المفاليس، ولا يجوز للمسلم أن يسلك ذلك، لكن العجيب أن هذه المحبة هي التي يصرح بها عِلْيَة القوم وكبراؤهم من الصوفية، أحياناً يقيدونها بتقييد هو إلى الإطلاق أكثر، إطلاق بالكون أو بالخلق أو بما يتعلق بالربوبية مطلقاً، وهذا هو نوع من الحب المجمل المطلق، وما لم تقيد المحبة بمحبة الله عز وجل ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال والأحوال القلبية والظاهرة؛ فإنها تكون محبة ضائعة لا أجر فيها، ولا يتعبد الإنسان بمثل هذه المحبة.

    قال رحمه الله تعالى: [ فالشيخ -أحسن الله إليه- قد جعل الله فيه من النور والمعرفة -الذي هو أصل المحبة والإرادة- ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة عن المجملة المشتركة، وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضاً في التوحيد، قال الله تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد -وواجبة في كل صلاة- أن يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ].

    يشير الشيخ إلى معنى عظيم يبدو أنه استصحبه من خلال كلام سابق، وهو أنه فرق بين العبادة الشرعية التوحيدية التي يرضاها الله عز وجل، وبين العبادة البدعية، فالعبادة الشرعية: هي التي توجه بها العابد لمعبوده وهو الله عز وجل ويصرح بذلك، فهو لا يتعبد بألفاظ مبهمة، كما يعلن ذلك المحب حباً مبهماً، بل يتعبد الله بأمور واضحة في أقواله وأفعاله التي يميزها، مثل قوله عز وجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، يوجه الخطاب لله عز وجل في ألا يعبد إلا الله، ولا يستعين إلا بالله.

    أما أهل التعبدات البدعية فهم يوجهون العبادة أحياناً إلى المطلق من غير تقييد، أو يقيدونها لكن بالكون أو بالموجودات أو بالخلق.. أو نحو ذلك، لا يقيدونها بالله عز وجل؛ ومن هنا نشأ الشرك، فهم يعبدون الله ويعبدون غيره، وقد يتجهون بقلوبهم إلى الله وإلى غيره في وقت واحد، فلا يجوز ذلك؛ لأنه شرك في العبادة كالشرك في المحبة السابق، ويتمثل هذا بطرائق غلاة المتصوفة، وغلاة المتصوفة عندما يتعبدون فغاية العبادة عندهم توجيه القلب إلى غير مراد، أو إلى مراد مطلق، أو إلى مرادات متعددة، لا يحصرون الإرادة لله عز وجل، ومن هنا عبروا عن ذلك في أورادهم، ومنها: أنهم أحياناً يبدءون بلا إله إلا الله، ثم يقولون: الله الله، ثم يقولون: هو هو.

    ولفظة: (هو هو) عبارة مطلقة، من هوَ هو؟ ألا يحتمل أن الشيطان يعبث بعقولهم ويكون (هو) مراداً غير مراد الله، وهم حينما يقولون: (هو هو) -وهذه من العبادات التي لا يزالون عليها إلى اليوم- وقعوا في نفس المحظور الذي نبه عليه الشيخ، فهم لم يوجهوا العبادة إلى معين، بل أطلقوها؛ لأن (هو) ينطبق على كل مخلوق، وبعض الناس يظن أن هذا نوع من الاقتصار، لا، هذا مدخل للزنادقة عليهم؛ لئلا يعبدوا الله، وهذا مدخل نتيجة للقول بوحدة الوجوم والقول بالاتحاد؛ لأن (هو) تعني كل موجود، فهم يعبدون كل موجود؛ لأن كل الكون يطلق عليه (هو)، فليست خاصة بالله عز وجل، فهذا مثال لما أشار إليه الشيخ من ضرورة ترك الإجمال، كما تركنا الإجمال في المحبة لا بد أن نترك الإجمال أيضاً في العبادة، بمعنى أن نخصص العبادة ونعينها، ونوجه العبادة إلى الله عز وجل وحده بصريح العبارة، وبتوجه القلوب وبالأعمال.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي، أو قال: فوض إلي عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل).

    ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في القرآن، ومعاني القرآن في المفصل، ومعاني المفصل في أم الكتاب، ومعاني أم الكتاب في هاتين الكلمتين: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123].

    وفي مثل قوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    وقوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في نسكه: (اللهم هذا منك ولك)].

    1.   

    مجيء الشريعة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب

    قال رحمه الله تعالى: [ فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين لي، دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء.. ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته، وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر.

    ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر.. إلى آخرها ونحو ذلك ].

    يشير الشيخ هنا إلى معنى مهم، وهو أن العبادة هي توجه العباد بقلوبهم وأعمالهم إلى الله عز وجل، وهي التأليه، وهذه تشمل كل معاني العبادة، ويجمعها أن العبد يتوجه إلى ربه عز وجل بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والتوكل وسائر الأعمال القلبية، فهو حينما يعبد الله عز وجل يعبده مؤلهاً له، متوجهاً إلى ربه بجميع أنواع التوجه؛ لأن من أعظم معاني اسم الجلالة (الله) انجذاب العباد إلى ربهم بقلوبهم وأعمالهم وأحوالهم، وهذه عبادة غالباً تكون عبادة محضة.

    والنوع الثاني: السؤال، وهو استجلاب المنفعة للعبد من ربه، واستدفاع الضر منه عز وجل؛ فيكون متوجهاً إلى معنى الربوبية التي هي أفعال الله عز وجل.

    فالإنسان إذا عبد الله فباب العبادة هو الألوهية، وإذا سأل الله فباب السؤال هو الربوبية؛ ولذلك إذا كان الذكر محضاً؛ فينبغي أن يكون غالباً بوصف الله عز وجل بالإلهية، وإذا كان الذكر دعاء واستجلاباً؛ فينبغي أن يركز العبد على أوصاف الربوبية لله عز وجل، فيقول: يا رب يا رب! لاستجلاب المنفعة ودفع المضرة، وفي الذكر وتعظيم الله عز وجل الأولى أن يكثر من استعمال لفظ الجلالة (الله).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي السؤال: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا [الأعراف:23].

    رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:28].

    رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17].

    رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16].

    رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا [آل عمران:147].

    رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:118].. ونحو ذلك.

    وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية، والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق، من الأعيان والصفات.

    وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بها، فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن) ].

    1.   

    فناء كثير من السالكين بالتوحيد الرباني عن التوحيد الإلهي

    قال رحمه الله تعالى: [ فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوب منه ].

    يريد الشيخ أن يبين للمرسل إليه المعاني الباطلة بالأسلوب المؤدب غير المباشر في النقد، فاستعمل مصطلحات الصوفية لجرهم إلى المعاني الموافقة للحق، يقول: (فيغيب ويفنى) هذه الكلمات ليست من الكلمات الشرعية، يعني: الغياب والفناء، ولا ينبغي أن يستعملها المسلم الذي سلم من هذه الاتجاهات، لكن الشيخ استعملها لجرهم إلى المعنى الصحيح، فيقول: (يغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني) يعني: يلهو وينشغل بتوحيد الربوبية عما هو مأمور به ومطلوب منه وهو توحيد الإلهية، فهو يشير إلى خطئهم في أنهم يركزون على جانب الربوبية ويغفلون أو يضعف عندهم التركيز على جانب الألوهية؛ ولذلك يكثرون من التعبد والتأمل والتحنث، ويقل عندهم دعاء السؤال من الله عز وجل، ويقل عندهم أيضاً الاهتمام بجانب العبادة المحضة من الصلوات، والصيام، والصدقات، وبذل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الذي هو من مقتضيات العبادة.

    قال رحمه الله تعالى: [ فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوب منه، وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم, والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه، والحب فيه والبغض فيه.

    ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول؛ فهو يشبه القدرية المشركية، الذين قالوا: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148].

    ومن أخذ بالثاني دون الأول؛ فهو من القدرية المجوسية، الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاء جميع الكائنات، كما تقول المعتزلة والرافضة، ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة ].

    يقصد بالأول: اعتبار جانب الربوبية كما تفعل المتصوفة وإغفال جانب الإلهية، ويقصد بالثاني العكس: اعتبار جانب التشريع والشرع والأمر، وإغفال جانب الربوبية الذي هو القدر.

    إذاً: فالصوفية يعنون بجانب القدر ويهملون الشرع، والآخرون المعتزلة ومن سلك سبيلهم يعنون بجانب الشرع والأمر والنهي، ويغفلون جانب القدر، أو يختل منهجهم في جانب القدر.

    والحق وسط بين ذلك وذاك؛ فإن الحق هو اعتبار الأمرين، المسلم لا بد أن يعبد الله عز وجل مؤمناً بقدره وملتزماً بأمره، يجمع بين الأمر والقدر، كما ورد في الشرع وفق قواعد وضوابط شرعية، ليس مجرد جمع إقراري دون التزام الأصول والقواعد التي يكون فيها التزام الشرع مع التسليم بالقدر.

    قال رحمه الله تعالى: [ والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم، وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو ].

    يبدو لي أن عبارة (خفو العدو) مندرجة خطأً؛ فتحذف؛ لأن الكلام يستقيم بدونها، وهي كلمة لا معنى لها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة وغيرهم؛ فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به، فيفيدهم أحوالاً فيها ما هو فاسد، يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود ].

    البدود: هي الأوثان، فمن أسمائها عند الهنود وفي آسيا الشرقية: البدود.

    1.   

    قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في القدر

    قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له ].

    كلام الشيخ عبد القادر كلام مجمل لسنا بحاجة إليه؛ لكن نظراً لتعلق الصوفية بالشيخ عبد القادر فنقول: هذه الكلمة لها محامل صحيحة وباطلة، فـشيخ الإسلام رحمه الله أراد أن يجرهم إلى الحق من خلال المحمل الحق الموجود في هذه الكلمة؛ لأن الكلمة تعني عند التأمل الجمع بين الشرع والقدر، وعدم ادعاء التعارض بينهما؛ لأن الصوفية يدعون التعارض، وأنه لا يمكن أن يخضع الإنسان للقدر ثم يلتزم الشرع، فإن خضع للقدر لا بد أن ينسى نفسه، وينسى شهوده بمشهوده، ووجوده بموجوده، إلى آخر العبارات التي هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى الحق.

    إذاً: كلام الشيخ عبد القادر له محمل حق، فأراد الشيخ أن يجرهم إلى المعنى الحق من خلال هذا المحمل، وإلا فالمؤمن المهتدي صاحب السنة ليس بحاجة إلى هذه المعاني أبداً، وإنما تكفيه ألفاظ الشرع الواردة في الكتاب والسنة، فليس بحاجة إلى مثل هذه المعاني التي تحتاج إلى شرح، وكلها تقوم على التلميح والغموض، والكلام الإشاري، ومع ذلك فهو أراد أن يقرر الجمع بين الشرع والقدر، وأن الولي من يكون منازعاً للقدر، أي: لا يقعد عن الطاعة وعن بذل الأسباب؛ بسبب التسليم للقدر، كما يفعل غلاة الصوفية.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي: أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض)، وفي الترمذي : (قيل: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئاً؟ فقال: هن من قدر الله).

    وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (يقول الله: يا ابن آدم! إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك: فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي: فائت إلى الناس بما تحب أن يأتوه إليك) ].