إسلام ويب

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [15]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ظهرت فرق الحلولية والاتحادية منذ القرن الثاني واستمرت إلى يومنا هذا، وهم على صنفين: صنف يعتقدون الاتحاد والحلول الكلي، وهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، وحامل لوائهم هو ابن عربي وابن سينا وابن الفارض، وأما الصنف الثاني فهم من يعتقدون الاتحاد والحلول الجزئي، ومن هؤلاء الحلاج ومن سلك سبيله من المتصوفة.

    1.   

    فصل في الفرق بين أهل الحلول والاتحاد المطلق وأهل الحلول والاتحاد الجزئي

    بسم الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

    وبعد.

    بعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا ونبدأ في الفتاوى المجلد الثاني، وسنقرأ اليوم من صفحة 414.

    لا يزال الشيخ يتحدث عن أصحاب الحول والاتحاد ووحدة الوجود، وبيان كفرهم بالله عز وجل فيما ذهبوا إليه، وينقض أقوالهم بالأدلة العقلية والنقلية.

    قال رحمه الله تعالى: [ فصل.

    وأما كفرهم بالمعبود، فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد، مثل: من يعبد الصور الجميلة، ويقول: هذا مظهر الجمال، أو الملك المطاع الجبار، ويقول: هو مظهر الجلال، أو مظهر رباني.. ونحو ذلك ].

    (مظهر الجلال) يزعمون أنه دلالة على الاتحاد، وكذلك (مظهر رباني) يعني: في المخلوق، فيزعمون أن الخالق تمثل بهذه الأمور، فيعبدونها من دون الله على أنها هي هو، أو مظهر من مظاهره، وهو إما اعتقاد لوحدة الوجود، وأن هذه الأشياء هي مظاهر لصفات الله في الخلق، أو أنها تمثلت فيها حقيقة ذات الله، أو أنهم أعطوها صفة القداسة، على أنها تختص ببعض خصائص الله عز وجل، فعلى الوجهين كل ذلك شرك؛ لأن الذين يعبدون هذه الأمور يقدّسون الصور الجميلة، أو يقدسون من يعظمونه إما لقوته أو لجماله أو لأي نوع من أنواع التعظيم، فهؤلاء على درجات كما سيأتي بيانه.

    منهم: من يعبد هذه الأشياء على أنها هي الله، وهم أصحاب وحدة الوجود، أو أنها حلّت فيها بعض صفات الله، وهؤلاء أصحاب الحلول، أو أنها أيضاً مشتملة على خصائص الله عز وجل اشتمالاً كاملاً، وهؤلاء أصحاب الاتحاد.

    قال رحمه الله تعالى: [ وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق، لكن يشبه ما فيه الحق من جهة؛ إذ كلاهما بالله ومن الله، وأنه لله؛ ولهذا يسوي بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله.

    فهؤلاء الاتحادية والحلولية الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة ].

    يعني: الاتحادية الذين لا يفرقون بين الله وبين خلقه، والحلولية أصحاب الحلول الجزئي الذين يرون أن الخلق حل فيه جزء من الإله، تعالى الله عما يزعمون.

    قال رحمه الله تعالى: [ هم فرع على أولئك، ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق، كما مع أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين، ولكن مع هؤلاء قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ومَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقول الدجال : (أنا ربكم).. ونحو ذلك.

    فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين، ومعهم تشبيه الكونيات بالدينيات، والكونيات عامة لا اختصاص فيها؛ فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد والحلول المطلق منهم في المعين اعتقاداً وقولاً ].

    (أدخل) يعني: أظهر.

    قال رحمه الله تعالى: [ وإن كانوا من جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان، كما هو الواقع لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام الكونية، وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد.

    وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق، فنبهت على ذلك؛ ليفطن لموضع ضلالهم، فإذا علم حقيقة هذه الأمور عُلم حقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد :

    ألا كل شيء ما خلا الله باطل).

    فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين ].

    قبل أن نتجاوز هذه المسألة يحسن أن نضرب أمثلة لمن قصدهم الشيخ هنا؛ لأن هذه الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني والثالث والرابع وما بعده موجودة الآن، هذه المذاهب التي تعتقد الحلول الجزئي أو الحلول الكلي موجودة في عصرنا.

    أما أصحاب الحلول الكلي أو الاتحاد الكلي فهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، كـابن عربي والقونوي والسهروردي وابن الفارض وابن سينا ، فهؤلاء يعتقدون الحلول الكلي، وأول ما أعلن ذلك هم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، والإسلام منهم براء، وأصحاب الحلول الجزئي، هم أمثال: الحلاج ومن سلك سبيله من الصوفية، وغالب الصوفية أصحاب حلول جزئي، يعتقدون في الأولياء بعض خصائص الإلهية، وليس كل خصائص الإلهية، ويتفاوتون بذلك تفاوتاً كبيراً، فمنهم من يرى أن الأولياء لهم تدبير في الربوبية مع الله عز وجل، ويعتقدون أن لهم قدرات جزئية في ذلك.

    ومنهم من يعتقد أنهم يعلمون الغيب.

    ومنهم من يعتقد أن فيهم روحاً مقدسة أو عقولاً مقدسة .. أو نحو ذلك، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم فهم يتفاوتون، لكن سائر غلاة الصوفية يعتقدون الحلول الجزئي.

    وكذلك الرافضة يعتقدون في الأئمة الحلول الجزئي، فهم يعتقدون أن أئمتهم اشتملوا على بعض خصائص الألوهية أو الربوبية، أو هما معاً وهو الغالب.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن الباطل ضد الحق والله هو الحق المبين.

    والحق له معنيان: أحدهما: الموجود الثابت، والثاني: المقصود النافع، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق) ].

    هذا تقسيم عام كلي يندرج تحت تقسيمات جزئية أشير إلى أهمها، فقوله: (الحق له معنيان: أحدهما: الوجود الثابت) أي: أن الحق بمعنى الموجود، فكل موجود وكل وجود هو حق.

    (والثاني: المقصود النافع) يعني: الشيء الذي تتعلق به المرادات الصحيحة، وهو الأمر النافع؛ ولذلك نقول: شرع الله حق؛ لأنه نفع، وشرائع البشر باطلة؛ لأنها ضارة.

    وكذلك نقول: إن وجود الله حق؛ لأنه ثابت، ووجود المخلوقات كذلك حق؛ لأنها ثابتة، لكن فرق بين الحق والحق، هذا تقسيم عام كلي، أراد الشيخ أن يحصر فيه المعاني التي ستأتي من خلال هذه المقالة، لكن هناك تقسيمات تتفرع عن هذا التقسيم من وجوه أخرى أسردها بإيجاز.

    أولاً: الحق: هو الثابت الموجود، كما ذكر الشيخ.

    ثانياً: أن الحق أحياناً يعنى به لغة وشرعاً: النصيب، يقال: هذا حق فلان، يعني: نصيبه، وما له وما يملكه، فما يملكه المخلوق بحق يسمى حقاً.

    ويطلق الحق على العدل وهو ضد الظلم.

    وكذلك يطلق الحق على الصدق وهو ضد الكذب.

    ويطلق الحق على الصواب وهو ضد الخطأ.

    ويطلق الحق على الصحيح وهو ضد الفاسد.

    ويطلق الحق على الهدى وهو ضد الضلال.

    ويطلق الحق على النافع وهو ضد الضار.

    ويطلق الحق على التوحيد وهو ضد الشرك.

    إذاً: الحق على المعنى الأول: الثابت الموجود وضده المعدوم، وغير الثابت هو باطل، والنصيب كذلك ضده ما لا يملك الإنسان أو ما ليس بحق، والعدل ضد الظلم، والعدل حق والظلم باطل.. وهكذا.

    فهذه في الحقيقة تقسيمات ضرورية تندرج فيها أنواع الحق وما يقابلها من أنواع الباطل، وربما تكون كلها متفرعة عن النوعين أو المعنيين اللذين ذكرهما الشيخ هنا، وهذه الأنواع عرفت بالاستقراء.

    1.   

    وجه بطلان أعمال الكفار وذكر أنواع الباطل

    قال رحمه الله تعالى: [ والباطل نوعان أيضاً:

    أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدوماً كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلاً؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلاً كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب.

    الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد، كقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:27] وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق).

    وقوله عن عمر : (إن هذا رجل لا يحب الباطل) وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل.

    ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل.

    فالصحيح ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده.

    والباطل ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصوده ؛ ولهذا كانت أعمال الكفار باطلاً.

    فإن الكافر من جهة كونه كافراً يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلاً، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضاً باطلاً، ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق ].

    يعني: يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال، لا بد من تقييد العبارة، والشيخ يريد ذلك، ويتبين هذا من خلال استدلاله، حينما كان لهم أعمال وأقوال صار أهل الباطل يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال فيما يبدو لنا، والأمر لا يشتبه على من أعطاه الله عز وجل التمييز بين الحق والباطل، ومن امتلأ قلبه بالإيمان واليقين لا يشتبه عليه الحق بالباطل، حتى إن الله عز وجل يعطيه من الفراسة ما يتبين له وجوه الحق ووجوه الباطل، كما بين الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم كيف يعرف المنافقين بسيماهم وبلحن القول منهم، وكذلك كل مؤمن له من هذه الفراسة بقدر اتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم، وكل مؤمن له من هذه الفراسة التي يميز فيها بين الحق والباطل بقدر ما في قلبه من النور والهدى.

    قال رحمه الله تعالى: [ فلذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39].

    وقال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [محمد:1-3] إلى قوله: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33].

    وقال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    وقال تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة:264].

    فبيّن أن المن والأذى يبطل الصدقة فيجعلها باطلاً لا حقاً، كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضاً، وقد عمم بقوله: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] أي: لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ولا فائدة].

    1.   

    ظن طائفة من الاتحادية أن الحق هو الموجود وأن العالم ليس فيه باطل

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كـابن عربي فرأوا أن الحق هو الموجود، فكل موجود حق، فقالوا: ما في العالم باطل؛ إذ ليس في العالم عدم ].

    أراد الشيخ رحمه الله أن يفرّق بين الحق بمعناه الكوني والحق بمعناه الشرعي، فالحق بمعناه الكوني يعني: أن كل موجود هو حق، لكن هذا معنى كوني قدري يتعلق بالربوبية لا علاقة له بالعبادة وتوحيد الإلهيات.

    والنوع الثاني: هو الحق بالمعنى الشرعي، وهو ما شرعه الله، وهو اتباع أوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، وهو الالتزام بشرع الله عز وجل بالمعنى الشرعي، فأهل الاتحاد التفتوا إلى المعنى الكوني ولم يلتفتوا إلى المعنى الشرعي؛ ولذلك ادعوا الربوبية لجميع الخلق، وأعرضوا عن شرع الله عز وجل.

    إذاً: فالحق هنا كلمة مجملة، قد يراد بها الحق بمعنى الموجود، فكل الموجودات حق على هذا الاعتبار، لكن الحق الذي هو الله عز وجل حق كامل، والحق الذي للمخلوقات حق ناقص، يعتريه النقص والفناء والخلل، وكل العوارض التي تعرض للمخلوق.

    والمعنى الآخر: الحق بمعنى الهدى والشرع الذي يريده الله، الذي تعبد الله به العباد، فهذا ضده الباطل وهو الشرك والعصيان.. ونحو ذلك.

    قال رحمه الله تعالى: [ قالوا: والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلاً، وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل.

    فإن الشيء له مرتبتان:

    مرتبة باعتبار ذاته، فهو إما موجود فيكون حقاً، وإما معدوم فيكون باطلاً.

    ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان واللسان والبنان، وهو العلم والقول والكتاب؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشيء، فإن كانت مطابقة موافقة كانت حقاً، وإلا كانت باطلاً، فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق موجود، وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم، كان الخبر والاعتقاد حقاً، وإن كان بالعكس كان باطلاً، وإن كان الخبر والاعتقاد أمراً موجوداً، فكونه حقاً أو باطلاً باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه.

    ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجوداً إلا بقرينة تبين المراد.

    وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة، فإن حصلت وكانت نافعة كان حقاً، وإن لم تحصل، أو حصل ما لا منفعة فيه كان باطلاً.

    وبهذين الاعتبارين يصير في الوجود ما هو من الباطل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف، خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة، قال الله تعالى: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد:17] ].

    هذه الآية اشتملت على المعنيين، على ذكر الحق الباقي وهو السيل، والباطل الزائل وهو الزبد الرابي الذي يطفح فوق السيل، وهو عبارة عن نفاخات الماء، مجرد ما يلامسها أدنى شيء تنفقع؛ لأنها ما هي إلا هواء، والزبد هو هواء ينتفخ لفترة قصيرة ثم يزول، ولا يبقى أكثر من دقائق معدودة على أكثر تقدير، ولا يعرف أن الزبد يبقى مدة طويلة، فهذا مثال للحق وهو السيل، والباطل وهو الزبد الرابي الذي يخالط السيل، وبينهما فرق يدركه كل عاقل، فالحق باق ونافع، وينتج عنه النافع، والباطل زائل وضار، وينتج عنه الضار.

    قال رحمه الله تعالى: [ شبّه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن، فيختلط بالشبهات والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد، وبالذهب والفضة والحديد ونحوه إذا أذيب بالنار، فاحتمل الزبد فقذفه بعيداً عن القلب، وجعل ذلك الزبد هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فهو مثل الحق النافع، فيستقر ويبقى في القلب.

    وقد تقدم قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1] إلى قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [محمد:3].

    فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم، وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم، فكفرت سيئاتهم، وأصلح الله بالهم، أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولاً وعملاً، اعتقاداً واقتصاداً، خبراً وأمراً، وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم، وإن كان حقاً من وجه.

    وهذا تحقيق ما قلناه؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه، وللمقصود بالعمل، فإذا كان ذلك باطلاً لا حقيقة له كان التابع كذلك وإن كان موجوداً، وكذلك ما تقدم من قوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ [البقرة:264]، وقوله: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، ونحو ذلك من إبطال ما قد مضى ووجد إنما هو عدم؛ لعدم فائدته لا عدم ذاته؛ فإن ذاته انقضت كما انقضى ما لم يبطل من الأعمال، فكيف يقال: لا باطل في الوجود، ثم يجعل هذا ذريعة إلى أن ذلك الموجود الذي فيه الحق والباطل هو عين الله؛ لأنه هو الحق، ولا يميز بين الحق الخالق والحق المخلوق؟

    فتدبر، كيف اشتمل مثل هذا الكلام على هاتين المقدمتين الباطلتين؟ وكيف استزلوا عقول الضعفاء بهذه الشبهة؟ ].

    على هذا قد يكون من الموجود ما هو باطل، بل كثير من الموجود باطل، وليس الباطل المعدوم، ولذلك ذكر الشيخ نماذج مما جاء في كتاب الله عز وجل، مثل قوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ [البقرة:264] يعني: الصدقات التي هي موجودة ودفعت، فإبطالها يكون بالمن والأذى، ويكون إبطالها بالرياء، ويكون إبطالها بالسمعة، ويكون إبطالها بغير القصد لله عز وجل، كل هذا من إبطال الصدقات، مع أن الصدقة موجودة بعينها، لكن اعتبر عدم ابتغاء وجه الله فيها باطل، فتبطل بذلك، وتكون بمثابة المعدوم من هذا الوجه، معدومة الفائدة لا معدومة الذات، وكذلك بقية الأمور التي لا تكون على شرع الله عز وجل من الأقوال والأفعال والذوات والأشياء، كل ما لم يكن على مراد الله وعلى شرعه وعلى ما يرضيه فهو باطل ومعدوم الفائدة.

    إذاً: الوجود والعدم لهذا الشيء أمر نسبي يتعلق بالفائدة وعدم الفائدة، فإن كان مفيداً وعلى شرع الله فهو موجود وحق، وإن كان على غير شرع الله وغير مفيد فهو باطل، وقد يكون معدوم الفائدة، وهذه قاعدة مضطردة في كل شيء.

    وهؤلاء الاتحادية والحلولية ووحدة الوجود جعلوا الأشياء كلها مؤلهة؛ لأنها حق، وأن الله هو الحق، فبالتالي كل الوجود حق، نقول لهؤلاء: كل ما سوى الله فهو باطل؛ لأنه باطل بمعنى زائل وغير مقصود وغير نافع، فيكون النافع هو الله عز وجل سبحانه.

    1.   

    خمسة أوجه في الاحتجاج بقوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) على الاتحادية

    قال رحمه الله تعالى: [ وقالوا: قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو المعدوم، فكل ما سوى الله معدوم، والموجود ليس بمعدوم.

    فالموجود ليس فيه سوى، وإنما السوى هو العدم.

    فإن هذا مبني على المقدمتين الباطلتين:

    إحداهما: قولهم: إن الباطل هو المعدوم، فإنه ليس كذلك، بل المعدوم باطل وليس كل موجود باطلاً، بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو باطل كما تقدم، وهو الأعمال التي لا تنفع، والأخبار التي ليست بصدق، وما يندرج في هذين من المقاصد والعقائد.

    الثانية: لو كان لا باطل إلا المعدوم؛ لكان الموجود حقاً، وكل موجود فقد يسمى حقاً مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده، وإن كان باطلاً؛ لانتفاء حقيقته التي بها جاز إطلاق الحق عليه، لكن الحق حقان: حق خالق، وحق مخلوق.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم -في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس - يقول إذا قام من الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت).

    وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة، ومنه ما هو حق من مخلوقات الله ليس هو الله؛ ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو السوى وهو العدم، وأما الموجود فهو هو.

    وأيضاً فنفس الحديث حجة عليهم؛ فإن قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) لفظ عام يدخل فيه كل موجود سوى الله، فإن لفظ (الشيء) يعم كل الموجود بالاتفاق، ويدخل فيه ما له وجود ذهني أو لفظي أو رسمي كتابي، وإن لم يكن له وجود حقيقي من المعدومات والممتنعات، فهذا نص في أن كثيراً من الموجودات باطل، ولا يجوز أن يراد به: كل معدوم ما خلا الله فهو باطل؛ لخمسة أوجه:

    أحدها: أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات، ومثل هذا الاستثناء يدل على التناول، بخلاف الاستثناء من غير موجب، كقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء:157]، فإن ذلك لا يدل على التناول، فلو كان التقدير: كل معدوم ما خلا الله باطل؛ للزم أن يكون الحق تعالى معدوماً، وهذا أبطل الباطل.

    الثاني: أن (كل شيء) نص في الوجود، لا يجوز قصرها على المعدومات بالاتفاق.

    الثالث: أن المعدوم لا يدخل في لفظ (كل شيء) عند أهل السنة وعامة العقلاء، فضلاً عن كونه يختص به.

    الرابع: أنه لو كان المعنى: كل معدوم فهو باطل؛ لكان هذا من باب تحصيل الحاصل، بل لفظ (العدم) أدل على النفي من لفظ الباطل؛ فكيف يبين الجلي بالخفي؟

    الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: (كل ما سوى الله باطل)، فإن هذه العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ، وإن كانت تلك العبارة لا تدل أيضاً على مرادهم.

    وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه؛ فقد عرف أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهي الباطل اللذين تقدم تفسيرهما:

    أحدهما: وهو المقصود النافع، والباطل ما لا منفعة في قصده، وكل شيء ما خلا الله إذا كان له القصد والعمل كان ذلك باطلاً، والأمر به باطل، وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله، أو يعبدون الله بغير أمر الله ولا شرعه.

    فإن قيل: فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس العين المقصودة؛ قلت: بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذي قُصِدت له، كما جاء في الحديث: (أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم).

    وذلك أنه إذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو المنفي؛ فالشيء ينفى لانتفاء وجوده في الجملة، كقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:3-4].

    و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    وقوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون:91]، وقوله: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [الصافات:35].

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نبي بعدي).

    وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التي هو بها هو، كما ذكرناه، فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل، والباطل معدوم ].

    يعني: والباطل معدوم من هذا الوجه.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا (كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان: ليسوا بشيء).

    ومنه قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة:68].

    وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه؛ إما مطلقاً، وإما بالنسبة إلى غيره ].

    يعني: في الصورة الأولى ينفى الشيء لانتفاء فائدته، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان: (ليسوا بشيء)، وقول الله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ [المائدة:68]، يعني: لستم على شيء يفيدكم، كل ما أنتم فيه من الضلال، أو لستم على شيء يصح، إنما أنتم في الباطل، والباطل لا شيء، وإن كان عملاً ظاهراً، فالسجود للأصنام وغير ذلك هو شيء من حيث وجوده، لكن ليس بشيء من حيث قبوله، ولا من حيث جزائه.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه؛ إما مطلقاً، وإما بالنسبة إلى غيره، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافاً).

    ونحو ذلك قوله في المفلس والرقوب، ونظائر كل من هذه الأقسام الثلاثة كثيرة ].

    هذا يذكرنا بقاعدة مهمة في منهج الاستدلال بألفاظ الشرع، وهي أن الاستدلال بألفاظ الشرع لا يؤخذ على ظاهره دائماً، بل لا بد من تقييده بمناهج الاستدلال، وبالمعاني وبالوجوه التي تؤخذ عليها الألفاظ والعبارات والجمل وبالسياقات، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المسكنة عن الذي ترده اللقمة واللقمتان، مع أنه سماه في نصوص أخرى مسكيناً، لكن قصد هنا حقيقة المسكنة، المسكنة الكاملة لا تتم لمثل هذا، إنما المسكنة الكاملة لذاك الرجل الذي لا يجد من يغنيه، ولا يسأل الناس إطلاقاً، مع أن الذي يسأل هو المسكين.

    إذاً: النفي هنا ليس نفي أصل المسكنة، إنما نفي نوع من أنواع المسكنة، وكذلك في كثير من نصوص الشرع نجد مثل هذا.

    فعلى هذا لا بد لطالب العلم أن يدرك قواعد الاستدلال في ألفاظ الشرع، ومتى يكون الدليل صحيحاً أو لا يكون، وأنه أحياناً يقصد بالنفي نفي الكمال، وأحياناً يقصد بالنفي نفي الإجزاء.. ونحو ذلك، كنفي الصلاة عمن لم يخشع، فالذي صلى ولم يخشع قد صلى وأدى الركن، لكن ينفى عنه أجر الصلاة، وكذلك نفي الإيمان عمن عمل كبيرة من الكبائر، ورد في ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم نفي الإيمان، فهذا لا يدل على انتفاء الإيمان بالكلية، إنما يدل على انتفاء درجة أو جنس من جنس الإيمان وهو الإيمان الكامل.. أو نحو ذلك من المعاني.

    إذاً فألفاظ الشرع لا بد أن تفسر بحسب قواعد الشرع، وبحسب سياقاتها، والله أعلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ فالشيء المقصود لأمر هو باطل منتف إذا انتفت فائدته ومقصوده، فكل ما سوى الله لا يجوز أن يكون معبوداً ولا مستعاناً، فقد انتفى مما سوى الله هذا المعنى المقصود؛ فهو باطل، وكل ما سوى الله لا يجوز أن يكون صمداً مقصوداً ولا معبوداً، ولا فائدة في قصده، ولا منفعة في عبادته واستعانته؛ فهو باطل، وهذا واضح، وهذا عموم محفوظ لا يستثنى منه شيء ].

    نسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.