إسلام ويب

شرح العقيدة التدمرية [13]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما جاء في الكتاب والسنة يجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً وعسلاً وخمراً وماءً، فاجتمعت من حيث اللفظ بما في الدنيا واختلفت في الكيفيات، هذا في المخلوقات، فكيف بالخالق سبحانه ولله المثل الأعلى، فنحن نؤمن بمعاني ما أخبر عن نفسه ولا نعلم كيفيتها.

    1.   

    خلاصة الكلام في أنواع التأويل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فسيقرر الشيخ هنا قاعدة هي من أوضح القواعد، وأكثرها إلزاماً للمتكلمين المؤولة؛ لأنها تنظّر لهم على قواعدهم، وهو رحمه الله قد نظّر لهم على قواعدهم، وهذه القاعدة هي القاعدة الخامسة، وهي: أن الله عز وجل أخبرنا بأمور غيبية، وخبره صدق وحق لا شك فيه، وهي على حقائقها، لكن لا نعلم كيفيتها، فهي حقائق معلومة من حيث الإجمال، بما في ذلك أسماء الله وصفاته وأفعاله، فنعلم خطاب الله فيها، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعلم حقيقة ذلك من وجه، ولا نعلم من وجه آخر، فالوجه الذي نعلمه في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الغيب أنها حق، وأنها علم وليس بظن، وأنه لا يمكن أن تنالها العقول ولا الخواطر؛ لأنا لو كنا نعلمها من حيث الكيفية لما صارت غيباً، والله عز وجل ليس كمثله شيء، فيستحيل أن يعلم أحد من العباد كيفيات صفات الله عز وجل، وعلى هذا فإن الخلط بين هذين الوجهين هو الذي أوقع أهل الكلام في الاضطرار للتأويل والتعطيل، وهذه من ناحية، والناحية الأخرى أنهم حينما وقعوا في التأويل ظنوا أن التأويل سائغ، وقالوا: إن السلف كانوا يؤولون، فالشيخ قطع عليهم حجتهم هذه؛ لأنها أدخلتهم في الباطل واللبس، فقال: نعم كان السلف يقولون بالتأويل، لكن ليس التأويل الذي تقصدونه أنتم، فالتأويل على ثلاثة أنواع:

    الأول: بمعنى: صرف معاني الألفاظ من المفهوم للمخاطبين إلى معاني وتفسيرات أخرى بقرائن أو بغير قرائن، وهو في هذه الصورة جائز في عالم الشهادة؛ لأننا نملك وسائل الحس فنستخدمها في تأويل المعاني التي نسمعها، لكن في أمور الغيب هذا النوع من التأويل لا يمكن أن يرد إطلاقاً، فلا يمكن أن نقول: إن أي خبر أخبر الله به في ذاته وأسمائه وصفاته، أو أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم -مثل: أحوال القيامة- أنه يؤول، لأنا إذا أولناه فقد انتقلنا من الحقيقة المفهومة إلى لا شيء، والدليل على هذا أنهم حينما أولوا ما اتفقوا، فكل واحد انصرف بالتأويل إلى معنى غير ما انصرف له الآخر، وهذا أمر.

    الأمر الآخر: أن الأمر لو كان يحتاج إلى تأويل لبيّنه الله بالتأويل، فلماذا نحتاج إلى أن نخرج من الحقيقة اليقينية إلى التأويل المحتمل، لاسيما وأن التأويل في أمور الغيب احتمال وليس يقيناً؟ فلا يمكن أن يخاطبنا الله ويخاطبنا رسوله صلى الله عليه وسلم بمعانٍ محتملة، وهذا النوع من التأويل -كما قلنا- لا يجوز في الغيبيات؛ لأننا لا نملك القرينة إلا في عالم الشهادة، مثل قوله عز وجل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82]، أي: اسأل الركب الذين كانوا مع إخوة يوسف؛ لأنه معلوم في حياتنا المشاهدة أن القرية لا تتحدث، وإنما الذين يتحدثون إنما هم أهلها، فعلمنا ذلك بقرينة مشهودة، لكن هل يمكن أن نستخدم هذه القرينة في أخبار القيامة مثلاً؟ لا يمكن؛ لأن حقائق الغيب كيفياتها غائبة، فلا يمكن صرف معانيها المتبادرة للأذهان، والحقائق اللائقة بها، إلى معان أخرى بمجرد أوهام، ولاسيما أنهم قد اختلفوا في القرائن واختلفوا في التأويلات.

    الثاني: بمعنى: التفسير، وهذا لا خلاف فيه، فأي كلمة في اللغة تفسيرها هو تأويلها، وأي معنى من معاني ألفاظ الشرع تأويله هو تفسيره، إذا لم تتعلق بأمور الغيب.

    إذاً: التأويل بمعنى: تفسير الأمور، أي: بشرح مفرداتها وببيان معانيها على مقتضى القواعد المعتبرة في التفسير، وهذا النوع ليس فيه خلاف، وليس هو المقصود في التأويل.

    الثالث: بمعنى: وقوع الشيء كما أخبر الله به، كقوله عز وجل عن يوم القيامة: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف:53]، وقول يوسف عليه السلام لأبويه عندما تحققت رؤياه بعد أربعين سنة: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100]، أي: تفسيرها ووقوعها، وهذا لا شأن للخلق فيه، وإنما يتعلق بتقدير الله لأمور الغيب.

    إذاً: تأويل الشيء: هو وقوعه على ما أخبر الله به، أو إيقاعه على ما أمر الله به إذا كان أمراً شرعياً، وهذا النوع من التأويل لا نزاع فيه عند أهل الكلام، ولذلك لا نقف عنده كثيراً، وكذلك النوع الثاني لا ينازعون فيه، وإنما ينازعون في النوع الأول، ولذلك قال شيخ الإسلام: إن النوع الثاني والثالث نفسِّر به جميع النصوص، أما النوع الأول فلا يجوز أن نفسّر به أمور الغيب؛ لأن التأويل بمعنى صرف اللفظ من معناه إلى معنى آخر بقرينة يقينية، وليس عندنا قرائن يقينية، فنتحول به من الحقيقة إلى الظنون، والعقيدة ليس فيها ظنون، والله أعلم.

    1.   

    ما جاء في القرآن أو الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ إذا عُرف ذلك فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة، المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد.

    ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً ولبناً وعسلاً وخمراً .. ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته كحقيقته].

    ولذلك لا يمكن أن يقر عاقل بأن نفسر اللحم بأنه ليس المقصود به حقيقة اللحم المعروف، نعم لحم الطير في الجنة أعظم وأرقى وألذ من لحم الطير في الدنيا، لكن هو لحم، فلا يجوز تأويله، وكذلك لا يجوز تأويل الخمر أو اللبن بمعنى آخر، فهو لبن حقيقي، وخمر حقيقي، ولحم حقيقي، وماء حقيقي، لكن من حيث الكيفية يختلف عما في الدنيا، فهو أعظم وألذ وأرقى وأفضل بدرجات لا تتناهى مما في الدنيا.

    إذاً: اجتمعت هذه المعاني في الحقائق العامة واختلفت في الكيفيات، فكذلك من باب أولى أسماء الله عز وجل، فهي كمال، والله له الكمال المطلق فيها، فلا يجوز تأويلها، كما لا نؤول جميع أخبار الغيب، وأول الغيب وأعظمه ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته.

    1.   

    الإخبار عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة

    قال رحمه الله تعالى: [ فأسماء الله تعالى وصفاته أولى -وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه- ألا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.

    والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وإن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يُعلم في الشاهد ].

    هذه أيضاً حقيقة صحيحة وبدهية وفطرية وعقلية، وهو أنه من الممكن أن يعترض معترض من هؤلاء المتكلمين فيقول: لماذا عبّر الله عز وجل عن أمور الغيب بهذا التعبير، مع أنه ليس المقصود بها المعاني التي نتوهمها، وليست كيفياتها ككيفياتنا في الدنيا؟

    نقول: لأنه لا سبيل إلى إفهام العباد إلا بمثل هذه الألفاظ المشتركة، كما أنه لا سبيل إلى إثبات الحق في قلوب العباد إلا من خلال الألفاظ المشتركة، لكن الكيفية تختلف، أما الحقيقة فهي واحدة، فهذا لبن حقيقي، فيما يتعلق بلبن الجنة ولبن الدنيا، لكن الكيفية تختلف، فذاك أرقى وأعظم وألذ وأجود.

    وأما تساؤلهم بأنه لو كان المراد كذا لعبّر لنا بغير هذا التعبير، فنقول: غير صحيح، فالله عز وجل عبّر لنا عن الحقائق بهذا التعبير الذي فيه مشابهة لألفاظ الدنيا، وما ذاك إلا لتقريب الحقائق، فهي أمثال تُضرب، ولا يمكن إيصال الحقائق الغيبية إلى العقلاء إلا بهذا الأسلوب، وهو أن يُخاطبوا بالحقائق العامة، أما الكيفيات فلا شك أنها تختلف.

    قال رحمه الله تعالى: [ وفي الغائب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنحن إذاً أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك، وأما نفس الحقيقة المخبر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ].

    المقصود هنا الكيفية؛ لأن الحقيقة نوعان:

    الأولى: الحقيقة بالمعنى المثبت للفظ، أي: يُثبت للفظ معنى؛ لأن الله عز وجل ما خاطبنا إلا بحق له معان وبألفاظ لها معان، فالمعنى هذا نثبته.

    الثانية: الحقيقة بمعنى: الكيفية، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون في مدارك العباد؛ لأنه لو كان في مدارك العباد ما صار غيباً، ولذلك امتدح الله المؤمنين بإيمانهم بالغيب؛ لأنهم سلّموا وأقروا بالحق وبالحقيقة، وأقروا بمعاني كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في أمور الغيب، فأقروا بأن لها معاني وحقائق، وسلّموا بها تسليماً، لكن دون أن يفهموا الكيفيات، ولذلك أُجروا على هذا الإيمان؛ لأنه لو كان مما يشاهدونه ويحسّونه ما صار لهم فضل، وما صار لهم أجر، لكن فضلوا وفضّلهم الله عز وجل حينما أيقنوا بهذه الغيبيات، أما الكيفيات فلا سبيل إليها.

    1.   

    جواب السلف عن كيفية استواء الله عز وجل على عرشه

    قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا لما سُئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]؟

    قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ].

    إن مثل هذا الكلام واضح، ويُعتبر قاعدة ذهبية سار عليها السلف في منهجهم إلى يومنا هذا، إذ إن كل ما ثبت لله عز وجل من الصفات على ما يليق بجلاله، كالاستواء، والنزول، والمجيء، واليد، والوجه، كله يُثبت وهو معلوم، أي: أن حقيقته ومعناه معلوم، من غير أن نعلم الكيفيات؛ لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وأما توهم المتوهمين الذين يقولون: لا نفهم هذا إلا بكذا، فيفرضون تكييفهم وخيالاتهم ويجعلونها هي معنى النص، فهو من عبث الشيطان بهم، ولذلك أعجبتني كلمة نُقلت عن أحد طلاب العلم الذين عرضوا مذهب السلف ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في المستقلة، وأظنه عائض الدوسري ، وأنا لم أسمع ولم أر ذلك، ولكن تواتر عندي، فحين سأله أحد المشاغبين يريد أن يصور شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه إنسان يسيء إلى الله عز وجل، وأنه يُثبت لله ما لا يثبُت، فيُثبت لله الهرولة، وأظنه قال له: هات الدليل، فجاء له بحديث الهرولة، فقال له: إن مشكلتك هي مع النبي صلى الله عليه وسلم وليست مع ابن تيمية ، وأنت خصم للنبي صلى الله عليه وسلم ولست خصماً لـابن تيمية ، ولذلك الذين يأخذون على السلف إثباتهم للصفات، ويزعمون أنهم خصوم لأهل الحق، لم يعرفوا أن السلف ما جاءوا بشيء من عندهم، وخصومة أهل الأهواء وأهل البدع في جانب الصفات.. وغيره، ليست خصومة للسلف بأعيانهم، وإنما هي خصومة للحق، فخصمهم هو ربهم عز وجل، وخصمهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فالله هو الذي ذكر عن نفسه هذه الصفات وهذه الأفعال، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها له، ونحن نُثبت ما ثبت بالقرآن والسنة، والسلف يثبتون ما ثبت، فليس هذا قولنا، ولذلك من علامات الخذلان أن أهل الأهواء دائماً إذا أردوا أن يردوا على السلف ردوا عليهم بإيراد ألفاظ الكتاب والسنة على أنها قول السلف، فتأتي بآية وتقول: هذا قول السلف وتعيبهم فيه! وتأتي بحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: هذا قول أهل السنة المشبّهة والمجسّمة! فهذا من علامات الخذلان، وأيضاً من علامات ظهور الحق عند السلف، فالسلف ما قالوا بشيء من عند أنفسهم، وما أثبتوا لله ما لم يثبت لله، وأيضاً يحترزون في الإثبات بضرورة نفي التشبيه والمماثلة، ويثبتون لله جل وعلا الكمال كما يليق بجلاله، فما أثبتوا من عند أنفسهم شيئاً، وما قاله بعض السلف باجتهاد يزيد عن ألفاظ الشرع رده بقية السلف، وذلك من باب زلّة عالم أو اجتهاد خاطئ، لكن الكلام عن المنهج بالعموم.

    إذاً: قول الإمام مالك : الاستواء معلوم، أي: معلوم ثبوته وحقيقته، ومعلوم بالكتاب والسنة، ومعلوم بالنص القاطع، ومعلوم معناه اللائق لله عز وجل من غير الكيفية؛ لأن التطلع والكلام في ذلك لا يجوز، ثم لماذا تجعلون الكيف وسيلة للتأويل مع أن الكيف غير وارد؟!

    في الحقيقة جواب الإمام مالك هو إلهام ألهمه الله إيّاه، بل وصار قاعدة ذهبية لا تتخلّف، وما من عاقل يُدرك هذه القاعدة إلا ويسلّم بأنها مقتضى قواعد الحق، وكذلك نقول في بقية الصفات، فنقول مثلاً في صفة النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه ثبت، وكذلك الرؤية: الرؤية معلومة، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنها بدعة، وهكذا خذ كل ما ثبت لله عز وجل في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فخذه على هذه القاعدة، وليس فقط في صفة الاستواء، بل في جميع ما جادل فيه المجادلون، وعطّل فيه المعطّلون، وألحد فيه الملحدون، وأوّل فيه المؤولون، فكله يقال فيه بهذه القاعدة.

    وهذه القاعدة ملزمة لا يمكن أن يفر منها منصف ولا عاقل، بل لا يفر منها إلا صاحب هوى.

    قال رحمه الله تعالى: [ وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهول.

    ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) وهذا في صحيح مسلم.. وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره ].

    نقف عند هذا الحد؛ لأن القصد من هذا أن الأمر لو حكّمنا فيه قاعدة هؤلاء المؤولة لأبطلنا كثيراً من الحقائق في حق الله عز وجل، وليس فقط في موضوع الأسماء والصفات؛ وتحكيم قواعدهم يفتح باب شر، وعند ذلك لكل إنسان إذا اشتبه عليه الأمر أن يؤول، ولذلك السلف فرقوا في التأويل بين الغيبيات وبين ما يتعلق بعالم الشهادة وأدلة الأحكام، فهذه لا بد فيها من تأويل بعضها ورد بعضها إلى بعض، وتأويلها لا يكون بالقرائن، أما الغيب كله، سواء ما يتعلق بأمور الدنيا المستقبلية، كأشراط الساعة، أو أحوال القيامة، وأولى من ذلك وأحق ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، فلا يقبل التأويل مطلقاً؛ لأنه إذا أُوِّل خرج عن الحق إلى الأوهام والظنون والتخرصات، ولذا أكرر هذه الكلمة: الذين سلكوا مسلك التأويل ما اتفقوا على شيء، وبإمكان كل مسلم أن يقول لهم: أخرجتمونا عن حقائق كلام الله، إذ إن كل واحد منكم له مذهب في التأويل.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إطلاق بعض العبارات في حق الله عز وجل

    السؤال: بعض العوام ينسبون إلى الله عز وجل من الصفات والأفعال ما لا يليق به سبحانه، مثل عبارة: ظلمتني الله يظلمك، أو الله يخون من خان، أو أزعجتنا الله يزعجك.. إلى آخر ذلك من العبارات، فهل يجوز هذا أم لا؟

    الجواب: هذه العبارات قد يكون بعضها من باب الخبر لا من باب إثبات صفة، فعبارة: الله يزعجك، إذا جاءت من باب المشاكلة فلا حرج، فهي من باب المجازاة على أذى؛ ولا يعني ذلك أن الإزعاج من صفات الله، لكن الأفضل أن يسأل الله عز وجل أن يكفيه شره، وهذا مثل قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15]، ووَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30]، فالله عز وجل لا يوصف بالاستهزاء والمكر مطلقاً، فلا يليق ولا يمكن لعاقل فضلاً عن مسلم أن يقول بهذا على جهة الإطلاق، وإنما تُقيد بالمعنى الذي جاءت من أجله، فتُقيد بالأسلوب والسياق الذي جاءت من أجله، وهذه العبارات التي هي من باب المشاكلة لا يصل الحد فيها إلى أن نجعلها من الابتداع أو من كبائر الذنوب، لكن ذلك غير لائق، ومن الأدب مع الله عز وجل ألا يدعو بمثل هذه الأمور المشتبهة، وخاصة عبارة: الله يظلمك؛ لأنه قد ورد نفي الظلم عن الله عز وجل صراحة في القرآن، بل وكل نقص.

    إذاً: نأخذ الأمور بوسط، فالأولى للمسلم أن ينزّه لسانه عن مثل هذه العبارات المشكلة، لكن لو جاءت من إنسان عامي، أو إنسان ما تنبه لها، فإننا نبيّن له أن اللائق ألا يطلقها، ولا نعتب أو نشدد عليه؛ لأنه لا يقصد بذلك إثبات الصفة لله عز وجل.

    أسماء الله وصفاته ليست دلالاتها ظنية

    السؤال: ذكر لنا الدكتور في مادة الشريعة أن من أنواع الأدلة: أدلة قطعية الثبوت ظنّية الدلالة، وذكر مثالاً لذلك، وهو قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3]، فما رأيكم؟

    الجواب: هذا صعب؛ لأنه لا يجوز أن يكون هذا كمثال، وهو في الحقيقة أنه من الأشياء التي قد يصعب أحياناً الكلام فيها إلا بمثل مناسبة هذا السؤال، إذ إن كثيراً من قواعد أصول الفقه هي قواعد كلامية لا تستقيم مع منهج السلف، ولذلك أغلب الذين أسسوا أصول الفقه، وأسهموا فيه هم من أهل الكلام، فأدخلوا عليه المسائل الكلامية، والأمثلة التي لا تجوز شرعاً، بل وما ينافي العقيدة، ولذلك أصول الفقه فيه قواعد فقهية صحيحة معتبرة عند السلف، وفيه قواعد وأمثلة غير صحيحة وغير معتبرة، وهذا المثال كيف تكون دلالته ظنّية؟! هل معناه: أننا لا نعتقد شيئاً؟! وهل إذا كانت الأدلة الصريحة في أسماء الله وصفاته وأفعاله مثل: الاستواء ظنّية وأنه يجوز أن نبني ديننا على ظن؟! لا، فهي قطعية الدلالة والثبوت، لكن ماذا يقصد بالدلالة؟ إن قصد بالدلالة: الحقيقة، فلا شك أنها قطعية، وإن قصد بالدلالة: التأويل، فهذه ليست دلالة صحيحة لكي نسميها ظنّية، فهو من الظن الباطل أصلاً، فضلاً أن يكون من الظن المحتمل.

    الفرق بين الكيف والكيفيات

    السؤال: هل هناك فرق بين الكيف والكيفيات؟

    الجواب: ليس هناك فرق كبير، فالكيف يعني الشكل، والكيفية هي فعل التكييف، وهذا يرجع إلى تصريف الكلمة، وإلا فالمعنى واحد.

    صفات الله لها كيفية لا يعلمها إلا هو

    السؤال: هل للصفات كيفية غيبية؟

    الجواب: نعم، مع نفي علمنا بالكيفية، وليس أننا لا نؤمن، بل لا نعلم، بمعنى: لا نطّلع وليس عندنا وسيلة للاطلاع على الكيفية لا بالبصر ولا بالسمع ولا بالشم ولا باللمس ولا بأي وسيلة من الوسائل؛ لأن الكيفية غيبية.

    نصيحة لمن يثير الشبهات في مواقع الإنترنت والدعوة إلى شبهات المعتزلة

    السؤال: هناك بعض الكُتَّاب في مواقع الإنترنت يثيرون الشبهات، وقد ذكر أن أحدهم يدعو إلى الرجوع إلى قول المعتزلة في خلق القرآن، فما نصيحتكم لهؤلاء؟

    الجواب: نرى أن هؤلاء يُناصحون؛ لأن بعضهم أغراراً مساكين ضحايا الإنترنت الذي هو حمار الدجّال، فيُناصحون، والمفاسد والمصائب والفتن قد كثرت على الشباب، فبعضهم قد صار يتعاطف مع أهل البدع ويتبنون آراءهم؛ لأنه ليس عنده ثوابت، وليس عنده مسلمات، فيقرأ شبهات القوم كالمعتزلة .. وغيرهم، وهي شبهات قوية إذا عُرضت على إنسان خلو من الثوابت والمسلّمات ومنهج الاستدلال والعقيدة التي تملأ قلبه وعقله، هذا فارغ يصير فارغاً، وبمجرد ما يقرأ الشبهات قد يقتنع بالقول بخلق القرآن؛ لأنه ليس عنده أصلاً حصانة، فهذا يُناصح ويتلطّف معه لعله يفيد فيه، فإن لم يكن داعية إلى بدعة فالأولى تركه إذا لم يأخذ بالنصيحة، وأما إذا كان داعية إلى بدعة فيرد عليه، ويرجع في هذا الأمر إلى أهل الاختصاص، وتؤخذ وجوه الرد مركّزة ويرد عليه.