إسلام ويب

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [1]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ميز الله عز وجل هذه الأمة الخاتمة بميزات وخصائص عظيمة، فقد جعلها خير الأمم، وأكرمها بخير الرسل، وحباها بخير الكتب، وجعلها شاهدة على الأمم كلها، وحفظ لها دينها إلى قيام الساعة، وضمن لها أنها لا تجتمع على ضلالة، وجعل الخير باقياً فيها إلى يوم القيامة.. وغير ذلك من الميزات والخصائص.

    1.   

    تمهيد في بيان سبب اختيار فتاوى شيخ الإسلام المتعلقة بالعقيدة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن شاء الله تعالى سنأخذ دروساً في مجموع الفتاوى القسم المتعلق بالعقيدة، ويشمل المجلدات الثمانية الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية ، والفتاوى لـشيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد اشتملت على بعض الرسائل أو الكتب مثل: الواسطية والحموية والتدمرية.. وغيرها، والقسم المتعلق بالعقيدة -كما ذكرنا- يشمل المجلدات الثمانية الأولى والتي تنتهي بموضوع القدر، ثم يلحق المجلد التاسع والعاشر والحادي عشر فيما يتعلق بالفرق وخاصة الصوفية، وما يتعلق بأصولها ومناهجها وقضاياها وطرقها ورجالها وبدعها.. وغير ذلك، ويسمى هذا بعلم السلوك والتصوف، وقد عده السلف من الأمور المكملة للعقائد، وهي أمور الرد وتصحيح عقائد الناس، وقد كان اختيارنا للفتاوى مبني على اعتبارات عدة، منها:

    الاعتبار الأول: شمول فتاوى شيخ الإسلام في المجلدات الأولى لكل مسائل العقيدة الكبرى والمهمة، بل أحياناً حتى الفرعية.

    الاعتبار الثاني: أن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر المنهج الأنموذج الذي يجمع بين أساليب القدامى والمتأخرين في اعتماد منهج السلف في التقرير والعرض والاستدلال، بالإضافة إلى ما فيه من فائدة علمية وفوائد منهجية عظيمة جداً يستفيد منها المعاصرون، ويستفيد منها سائر طلاب العلم في تقرير العقيدة وبيانها، حتى مع تغير الزمن في هذا الوقت، بل إننا سنرى وسنلاحظ أن شيخ الإسلام رحمه الله كأنه قد كتب للناس في هذا الزمان في كثير من المسائل، وسبب ذلك تشابه أحوال عصره بأحوال عصرنا، خاصة فيما يتعلق بمناهج الناس وعقائدهم ومللهم ونحلهم، وإنما اختلفت وسائل الحياة، وهذا أمر لا دخل له في تقرير الدين.

    الاعتبار الثالث: أن فتاوى شيخ الإسلام فيما يتعلق بقسم العقيدة قد اشتمل على كثير من الردود المباشرة وغير المباشرة، ولم يكتف رحمه الله بمجرد العرض والاستدلال والتقرير، لأنه رحمه الله تعالى عندما كتب في ذلك الوقت كان أغلب الناس من المعرضين عن عقيدة السلف، فكان في معرض تقريره للعقيدة يبين الرأي المخالف ويرد على المخالفين، فيستقصي في بحثه ويستدل وينهي المسائل حتى يصل اليقين للقارئ وطالب العلم خاصة، ثم إن شيخ الإسلام امتاز أسلوبه بجزالة الألفاظ وقوة المعاني والاستنباط.

    1.   

    خطبة شيخ الإسلام في أول الفتاوى تتضمن الحمد والثناء على الله عز وجل بما هو أهله

    قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه: [بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون، الذي إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، الذي يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي دل على وحدانيته في إلهيته أجناس الآيات، وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر قدرته على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوع الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها إلا رب السماوات، وأعلم بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه؛ لما له من الأسماء والصفات، وهو المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيء من الموجودات، وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيء في نعوت الكمال، أو يلحقه شيء من الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً.

    أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزاً حكيماً، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس وتراه نعيماً، ومنذرين لم عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذاباً أليماً، وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، مخلصين له الدين ولو كره المشركون، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52]، وجعل لكل منهم شرعة ومنهاجاً؛ ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجاً.

    وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأولين والآخرين، وصفوة رب العالمين، الشاهد البشير النذير الهادي السراج المنير، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط العزيز الحميد، الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وويل للكافرين من عذاب شديد، بعثه بأفضل المناهج والشرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء، وجعله مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء ].

    1.   

    الخصائص التي انفردت بها هذه الأمة

    سيذكر الشيخ رحمه الله تعالى جملة من الخصائص التي امتازت بها هذه الأمة، وهي بالاستلزام خصائص للنبي صلى الله عليه وسلم.

    قال رحمه الله: [ وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ].

    الخصيصة الأولى: أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، والخيرية هنا مطلقة، فهي خيرية الدنيا والآخرة.

    قال رحمه الله: [ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله ].

    الخصيصة الثانية: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذه الخصيصة باقية في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وقد يكون في بعض الأمم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن ليس كهذه الأمة؛ لأن هذه الشعيرة باقية في هذه الأمة، ما دامت هذه الطائفة المنصورة التي تكفل الله ببقائها قائمة.

    إذاً: تميزت هذه الأمة باستمرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقيامها به على الوجه الصحيح في الجملة.

    الخصيصة الثالثة: الإيمان بالله، لكن قد يقول قائل: إن هذه الخصيصة تشاركها فيها جميع الأمم، وهذا غير صحيح؛ لأن المقصود بالإيمان هنا الإيمان الحق الذي يتضمن الإيمان بالله وبأسمائه وبصفاته وبأفعاله، ويتضمن توحيده عز وجل، والإيمان بأركان الإيمان الستة وأصوله؛ لذا فهذه الأمة هي أفضل الأمم استكمالاً لمعاني الإيمان بالله عز وجل.

    قال رحمه الله: [ يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله، هو شهيد عليهم وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة، بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة ].

    قوله رحمه الله: (يوفون سبعين) هذه ما أظنها من الخصائص، هذه إكمال عدد، إلا قوله: هم خيرها، يعني: خير السبعين أمة وأكرمها؛ فقد ورد بأنهم خير أمة.

    الخصيصة الرابعة: أنهم شهداء على الناس.

    قال رحمه الله: [ وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة، إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة ].

    الخصيصة الخامسة: أن الله عصمهم من أن يجتمعوا على ضلالة، وهذا من لوازم حفظ الدين، فكما أن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين وبقاء طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرة، فإن ذلك يعني العصمة من الضلالة، والعصمة لمجموع هذه الأمة لا للأفراد، لكن قد يفهم بعض الناس كما فهم بعض أهل الأهواء أن الأمة لا تقع في ضلالة، وهذا خطأ؛ لأنه قد تكون هناك طوائف من هذه الأمة تقع في الضلالة، لكن ليس كل الأمة، بل لا بد أن تبقى طائفة على الحق ظاهرة، وهم أهل السنة والجماعة.

    قال رحمه الله: [ وأكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام ديناً، وأظهره على الدين كله إظهاراً بالنصرة والتمكين، وإظهاراً للحجة والتبيين ].

    الخصيصة السادسة: إكمال الدين وإتمامه، وإظهاره على الأديان كلها، وتمكين الله لهذه الأمة إلى قيام الساعة.

    قال رحمه الله: [ وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب ].

    الخصيصة السابعة: بقاء العلماء في الأمة، بخلاف الأمم السابقة فقد اندثر فيها العلم ولم يبق فيها علماء؛ لأنها قد ابتليت بتغيير الدين والكتب المنزلة من الله عز وجل، وإذا وقع التغيير لم يكن هناك علم وعلماء، ولذلك لم يبق في أي أمة من الأمم من العلماء على الدين الصحيح والاستقامة والسنة إلا علماء هذه الأمة، فهم باقون إلى قيام الساعة، وهم الذين تتمثل بهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، لكن العلم الذي كان عند علماء اليهود والنصارى فيه شيء من التشويش، مع وجود بقية من خير، ولم يكن عندهم العلم الراسخ الذي يُعتمد عليه، ويكون بمثابة العلم الذي يحفظ به الدين نقياً صافياً، بل لم يوجد ذلك إلا عند علماء هذه الأمة؛ لأنهم ورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير تغيير ولا تبديل، وعليه فما كان من العلم عند علماء اليهود أو علماء النصارى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو أثناء بعثته لا يخلو من التشويش والتغيير والتبديل، فالنصارى كانت عبادتهم وعلمهم مبنياً على الكذب، واليهود كان عندهم شيء من الخلط والكذب والاستكبار إلا من هداهم الله فيما بعد، كـعبد الله بن سلام رضي الله عنه، فعندما أسلم اعترف بأنه كان يفعل ما يشاء، وليس بمقتضى ما أمر الله به وبمقتضى الأمانة التي حملها الله العلماء.

    قال رحمه الله: [ وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى حين الحساب ].

    الخصيصة الثامنة: أنه تبقى في هذه الأمة طائفة منصورة، وهي أهل الحق وأهل السنة والاستقامة.

    قال رحمه الله: [ وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون، كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ].

    الخصيصة التاسعة: حفظ الله لكتابه العزيز.

    قال رحمه الله: [ فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل ].

    الخصيصة العاشرة وإن كانت متفرعة عن التاسعة: امتاز الحفظ من التحريف بأنه ليس فقط حفظاً للذكر بذاته، بل حفظاً للذكر ولمعانيه الصحيحة السليمة التي بها يستقيم دين الله عز وجل، وكما حفظ هذا القرآن وحفظ هذا الدين فكذلك حفظت السنة، وعليه فيكون من خصائص هذه الأمة أن الله حفظ لها القرآن والسنة من التغيير والتبديل الذي وقع في التوراة والإنجيل.

    فإذاً: الحفظ الثاني الذي هو حفظه من التحريف والتبديل حفظ زائد، حتى تبديل التأويل، فقد نجد أن الفرق وأهل الأهواء قد أولت، لكن تأويلهم لم يقع على المعاني الصحيحة على كتاب الله عز وجل، بل بقيت المعاني الصحيحة لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم محفوظة بآثار السلف، وعلمهم الذي نقلوه بالقدوة والاهتداء والاقتداء في العلم والعمل والسلوك.

    قال رحمه الله: [ وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد، وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين ].

    الخصيصة الحادية عشرة: أن الله خص هذه الأمة بالرواية والإسناد، بمعنى: أن دينها بقي محفوظاً بالرواية والأسانيد، وهذه الأسانيد منها ما هو صحيح حفظ به الدين، ومنها ما هو فاسد ميزه أهل العلم ونفوه، وهو ما يسمى بالأحاديث الموضوعة أو المكذوبة أو الضعيفة.

    فإذاً: خص الله عز وجل هذه الأمة بأن حفظت دينها، فهيأ رجالاً من علمائها وطلاب العلم حفظوا هذا الدين بالرواية، أعني: رواية الثقات عن الثقات، ولا توجد أمة من الأمم -حتى قبل الإسلام- حفظت دينها بالرواية والإسناد إلا هذه الأمة، حتى اليهود والنصارى فقد كان عندهم الكتب حين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كانت في حكم العدم؛ لأنه لم يكن عندهم شيء من الإسناد الصحيح، بل ما كتب منها ليس بينها وبين الأنبياء أي سند صحيح، وإنما كانوا يكتبون كما يحلوا لهم، وربما قد يكون منهم من كتب كتابة صحيحة عن موسى وعيسى عليهما السلام، لكنه بلا أسانيد ولم يؤثر، وما بقي إلا المحرف والمبدل.

    الخصيصة الثانية عشرة: أن الله عز وجل جعل هذا الدين يحمله من كل خلف عدوله، بمعنى: أن الله قد هيأ من هذه الأمة طوائف من رجال العلم والحديث والسنة من ينقل هذا الدين جيلاً عن جيل رواية ودراية، ورواية بمعنى حفظ الأسانيد والمتون، ودراية بمعنى حفظ المعاني والعمل بها، فكان المسلمون يأخذون هذا الدين عن علمائهم علماً وعملاً، وكان هذا مما تميزت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم، بأن هيأ الله لها من يحفظ دينها ويعتني به في كل زمان وفي كل مكان، حتى وإن ضعفت الأمة في بعض فترات الضعف الشديد، فإنه لا بد أن يبقى من طوائف هذه الأمة من يُعنى بها، وينقل أو يأخذ الدين عن الأسلاف.

    1.   

    من مميزات هذه الأمة أن جعلت سعادتها في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله: [وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيا بهم دين الله الذي بعث به رسوله، وبين الله بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، وملك يوم الدين.

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس أجمعين، أرسله والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يجتهد في تبليغ الدين وهدى العالمين وجهاد الكفار والمنافقين، حتى طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل البهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأعلن بدعوة الأذان، واستنار بنور الله أهل البوادي والبلدان، وقامت حجة الله على الإنس والجان، لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، صلاة يرضى بها الملك الديان، وسلم تسليماً مقروناً بالرضوان.

    أما بعد:

    فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:13]، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]، فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور.

    فإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله، فلا عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب في دين الله، وما سوى ذلك فضلال عن سبيله. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أخرجاه في الصحيحين، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي : (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنه كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).

    وقد ذكر الله طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في نحو من أربعين موضعاً من القرآن، كقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:64-65]، وقوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:32]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سبباً لمحبة الله عبده، وقد قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، فما أوحاه الله إليه يهدي به الله من يشاء من عباده، كما أنه صلى الله عليه وسلم بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50]، وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15-16].

    فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغي من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجار، وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين.

    فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب ].

    لعل هذا من أسباب كون النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون من أحب الناس إلى المرء من نفسه؛ لأن الإنسان مهما أحب نفسه إذا لم يهتد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوفق إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب النجاة خسر نفسه، وإذا خسر نفسه لم يعد لحب نفسه شيئاً، فلذلك يجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى المسلم من نفسه؛ لأن الله عز وجل هداه ووفقه بسببه، ويرجو من الله أيضاً النجاة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: لهذه ولغيرها من الفضائل التي شرف الله بها النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أحب إلى المسلم من نفسه، فضلاً عن غيرها من ولده وماله والناس أجمعين.

    1.   

    من مميزات هذه الأمة بعث الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة وجعلهما طريق النجاة والسعادة

    قال رحمه الله: [ فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته؛ إذ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسوله واجباً على جميع الأنام.

    والله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة، قال تعالى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:150-152].

    وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164].

    وقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة:231].

    وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2].

    وقال تعالى عن الخليل عليه السلام: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129].

    وقال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، وقد قال غير واحد من العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير وقتادة والشافعي .. وغيرهم: الحكمة هي السنة؛ لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة، والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلوه هو السنة.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه من حديث أبي رافع وأبي ثعلبة.. وغيرهما رضي الله عنهم أنه قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه). وفي رواية: (ألا وإنه مثل الكتاب) ].

    في هذا الحديث إخبار عما سيقع من بعض الطوائف في هذه الأمة، وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أناس يأتون من بعده يقولون مثل هذا القول، وهذا التحذير منه عليه الصلاة والسلام في معرض الإخبار وفي معرض التحديث في وقت واحد؛ لأننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من أشياء كثيرة وقعت في طوائف من هذه الأمة، ولم يبق سالماً مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء إلا أهل السنة والجماعة، فقد نجد أن أكثر فرق أهل الأهواء لها نصيب مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فمنهم من أنكر السنة جملة وادعى أنه يكفي العمل بالقرآن، وهؤلاء طوائف من أوائل الخوارج، وكذلك المعتزلة والجهمية يردون السنة كلها أو بعضاً منها، ثم بقيت فرق أهل الكلام: الأشاعرة والماتريدية.. وغيرهم يأخذون من السنة ما يحلو لهم ويردون ما لا يحلو لهم، ثم إنه في الآونة الأخيرة ظهرت طوائف في كثير من بلاد المسلمين يسمون بالقرآنيين، وأصبح لهم الآن مناهج وكتب ومؤلفات وأتباع، ويكثرون في الهند وباكستان، ومنهم طوائف قليلة في مصر، فقد سموا أنفسهم أو سماهم الناس بالقرآنيين وهم ليسوا بقرآنيين، لكن هذه التسمية جاءت من باب الوصف لبعض مذهبهم؛ لأنهم زعموا أنه يكفي الناس العمل بالقرآن، وهكذا تجد مجموع الفرق أو جملتهم منهم من أنكر السنة بالكلية كالرافضة، ومنهم من أنكر أكثر السنة كبعض طوائف الخوارج، ومنهم من أنكر أيضاً كل ما يخالف أصوله وقواعده كالمعتزلة، بل من المعتزلة من أنكر السنة في الجملة وقال: لا يوثق بها!

    ومنهم من لم يجرؤ على إنكار السنة لكنه طعن فيها، بمعنى: أنه زعم أن السنة ظنية، وهذا مذهب الرازي وأبي المعالي الجويني قبل أن يرجع عن هذا المذهب، وهو مذهب متأخرة الأشاعرة؛ لأنهم زعموا أن ليس في السنة يقين إلا المتواتر وهو قليل، وله شروط ثقيلة وعسيرة، وأيضاً فقد يثبتونه سنداً ويردون أو يؤولون أو يشككون العمل بها، وأما خبر الآحاد -مع أن أكثر السنة ثبتت بخبر الآحاد- فهم يردونه رداً مجملاً.

    وأما المعاصرين ممن يسمون بالقرآنيين فقد اشتهر الآن مذهبهم، وبدأت بوادر الدعوة إليه تظهر في وسائل الإعلام وفي الكتب والمؤلفات، ويتبناها طوائف وأفراد من بعض من يسمون بالمفكرين من عقلانيين وحداثيين وعصرانيين.. وغيرهم، والطامة أن بعضهم له قيمته ووزنه عند كثير من شباب الأمة، وخاصة ما يسمى بالمثقفين، وهذا منهج خطير يجب التنبه له والتنبيه إليه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منه ومن أصحابه، وهؤلاء يردون السنة إلا سنة وضعوها من عند أنفسهم، ثم إن هؤلاء يقبلون أو يأخذون ببعض الأحاديث عن علي وجابر بن عبد الله والحسن والحسين.. وغيرهم من الصحابة، أي: عن سبعة من الصحابة، فيأخذون من أحاديثهم ما يحلو لهم، ويردون من أحاديثهم بل ومن السنة كلهما ما لا يحلو لهم.

    1.   

    تميز هذه الأمة بالإسناد والرواية عن غيرها من أهل الكتاب والأهواء والبدع

    قال رحمه الله: [ ولما كان القرآن متميزاً بنفسه؛ لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس، كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] وكان منقولاً بالتواتر، لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد.

    فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان.

    وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين مقام أهل الفقه، الذين فقهوا معاني القرآن والحديث، بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول، ومنه الخفي الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.

    وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب أمر حببه الله إليهم وحلاه؛ ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمناً يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أموراً مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين؛ ليهدي المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون.

    فمن كان مخلصاً في أعمال الدين يعملها لله، كان من أولياء الله المتقين، أهل النعيم المقيم، كما قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64].

    وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين:

    أحدهما: ثناء المثنين عليه.

    الثاني: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، فقيل: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه قال: تلك عاجل بشرى المؤمن). وقال البراء بن عازب رضي الله عنه (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64] فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له).

    والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الربان، الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات، كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.

    وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سلماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم ].

    هذه سمة من سمات هذه الأمة في الجملة، أعنى: أن الله ميز هذه الأمة بالإسناد، والسنة باقية أيضاً في أهل السنة والجماعة، وعليه فالدين بل وآثار السلف تقوم على الإسناد، والمقصود بالإسناد: الإسناد الصحيح، وإلا فهناك من تعلق بالأسانيد، وخاصة بعدما اشتهر أمر الإسناد عن هذه الأمة واستقر عند أهل السنة، وعرف الصحيح من السقيم كأهل البدع والأهواء، الذين صاروا يتشبهون بأهل السنة في مسألة الاعتماد على الأسانيد التي لا أصل لها، وأحياناً نجد أهل البدع من الصوفية والقدرية من تصدى لبدعته فجعل لها أسانيد من عنده، وهذا من باب التقليد والتشبه لا من باب الأسانيد الحقيقية، ولذا فأسانيد أهل الأهواء ليست صحيحة، ثم إنها قد تشتمل أيضاً على شيء من الخلط، أو قد تكون هناك أسانيد صحيحة ومتون فاسدة أو مكذوبة؛ لأنها أولاً لم تسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما أسندوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أنها موضوعة، لذا فأغلب أسانيدهم عن رجال قد يكونون ممن ابتلوا بشيء من الأهواء أو التقصير، فتجد مثلاً الصوفية أكثر أسانيدهم في بدعهم يسندونها إلى العباد في القرن الأول والثاني والثالث، وخاصة العباد الذين فيهم شيء من الجهل والتجاوز، بل وقد يكذبون عليهم، وقد أشار شيخ الإسلام أكثر من مرة إلى أنهم يكذبون عليه، فيركبون أسانيد لرجال ثقات، لكنهم أحياناً إما أن ينقلوا عن رجل جاهل فيكون النقل عنه لا أصل له، وإما أن يركبوا في الأسانيد ما لا يصح ويكذبون على الثقات.

    قال رحمه الله: [ وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.

    وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين. عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].

    فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقاً، وإذا اجتمع أهل الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقاً، ولكل من الطائفتين من الاستدلال على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حفي، والله تعالى يلهمهم الصواب في هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية، فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه؛ لما صدقوا في موالاة الله ورسوله، ومعاداة من عدل عنه، قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22].

    وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قياماً بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، عملاً بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، ولهم من التعديل والتجريح والتضعيف والتصحيح، من السعي المشكور، والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه.

    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلغ عنه من شهد لمن غاب، ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وقال أيضاً في خطبته في حجة الوداع: (ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع).

    وقال أيضاً: (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).

    وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيهاً، ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ؛ لما أعطي المبلغون من النضرة، ولهذا قال سفيان بن عيينة : لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: نضُرَ، نَضَرَ، والفتح أفصح.

    ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث، حتى قال الشافعي رضي الله عنه: إذا رأيت رجلاً من أهل الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما قال الشافعي هذا؛ لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال الشافعي أيضاً: أهل الحديث حفظوا، فلهم علينا الفضل؛ لأنهم حفظوا لنا ].

    ابتدأ شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا المقطع أو بهذه المقدمة قبل الشروع في مواضيع العقيدة؛ لحذقه ونباهته، فهو رحمه الله تعالى قد ابتدأ بذلك ليقرر ويحرر مصادر هذا الدين، ولذا فينبغي في كل علم من العلوم الشرعية أن يتحدث فيه عن مصادره وخاصة العقيدة، فـشيخ الإسلام هنا قد حرر مصادر الدين، وهي: الكتاب والسنة، وذكر نقاءها وحفظها ليثق القارئ بعد ذلك بمنهج الاستدلال في مسائل العقيدة؛ لذا كان اختيار هذه المقدمة للفتاوى موفقاً من هذا الوجه، وهناك وجه آخر وهو: أن شيخ الإسلام ركز في هذه المقدمة على مسألة الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أعني: التسليم لهما، وهذه أول ركيزة من ركائز استقرار العقيدة في قلب المسلم، ركيزة التسليم والإذعان، ثم أيضاً أشار إلى أمر ثالث في هذه المقدمة لعله من الأسباب التي جعلته يوردها، ألا وهو أن أعظم ما يطلبه الله من العباد طاعته وعبادته.

    إذاً فهذه المعاني كلها موجودة في هذه المقالة التي جعلها مقدمة لفتاويه، وأهمها: تحرير مصادر العقيدة وغير العقيدة، فقد حرر وأصل في مصادر الدين ونقاوتها وحفظها من التحريف والتبديل، واعتماد العقيدة ومنهج السلف على الكتاب وصحيح السنة بأسلوب موجز وبقواعد ضرورية لو اتسع الوقت لنوهنا عليها، وإن شاء الله سيأتي لها مظاهر في مقالات قادمة، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية شهادة هذه الأمة على بقية الأمم الأخرى

    السؤال: كيف تكون هذه الأمة شهيدة على بقية الأمم الأخرى؟

    الجواب: شهادة هذه الأمة على الأمم الأخرى من عدة وجوه:

    أولاً: لأنها تلقت الوحي الصادق الذي تضمن أخبار الأمم، وتضمن ما أقامه الله عز وجل على الأمم من حجة بالآيات والمنذرات، والشرائع التي أنزلها الله عز وجل، فهذه الأمور جاءت في القرآن والسنة، فبقيت من المعلوم عند جميع هذه الأمة أو عند طوائف هذه الأمة على الأمم الأخرى، وسيشهدون على ذلك في الدنيا والآخرة.

    وقد أقامت هذه الأمة الإسلامية بمجموعها الحجة على خلقه في هذه الدنيا على الأمم، ولا تزال تقيم الحجة، ولا نزال نرى في المسلمين مظاهر إقامة الحجة على الأمم الأخرى، فهذه الحجة تقتضي ضرورة الشهادة؛ لأنهم بلغوا كلام الله وبلغوا ما أمر الله به من إبلاغ الأمم، وأخبروهم بمقتضيات الرسالة المحمدية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أعرض ومنهم من أطاع، فمن أعرض قامت عليه الشهادة، وهذه الشهادة نفسها تبقى أصولها حتى يوم القيامة، فعندما تقول الأمم: لم يأتنا رسل ونذر، تشهد هذه الأمة بأن الله قد بعث الرسل والنذر، وأن آيات الرسل والنذر من كلام الله عز وجل ومن آياته المشهودة والمنظورة قائمة؛ ولذا فالأمة الإسلامية تشهد على الأمم الأخرى بحجة الله عز وجل على خلقه، حتى بالآثار القائمة والقصص التاريخية المتواترة، وبالأحوال والكرامات التي يهيئها الله عز وجل لهذه الأمة على الأمم الأخرى.

    فإذاً: الشهادة تكون من مجموعة أمور أعظمها الشهادة بمقتضيات ما جاء في القرآن المحفوظ وما جاء بالسنة المحفوظة.

    دخول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت الإرادة الشرعية والكونية

    السؤال: قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110] فهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر كتبه الله جل وعلا أو شرع تطالب به الأمة قد تفعله وقد لا تفعله؟

    الجواب: الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه من الشرع، لكن ما يمتثله الناس من أوامر الله عز وجل وأوامره الشرعية يدخل في إرادته الكونية، بمعنى: أن ما يعمله وما يمتثله العباد من أوامر الله الشرعية يكون مما شاءه الله وقدره كوناً، فبين الأمرين تلازم، لكن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه داخل في إرادة الله الشرعية، وكونه عز وجل قد وعد هذه الأمة وحقق لها أن تكون آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر كان هذا لسابق علمه أنها ستعمل وتنهى، وأيضاً لأن الله قد قدر ذلك، فاجتمع في هذا الأمر الشرعي والأمر الكوني، لكنه أقرب إلى الأمر الشرعي أو الإرادة الشرعية.