إسلام ويب

شرح كتاب فضل الإسلام [9]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، هذه الفطرة هي التوحيد والإسلام بمعناه العام، فإذا نشأ العبد على الإسلام تحقق له الإسلام الخاص بتفاصيله المعروفة. ولابد أن تأتي الفتن وتظهر خاصة في آخر الزمان، فإذا ظهرت فعلى المؤمن ان يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فليعتزل تلك الفرق كلها ولو أن يعض على أصل شجرة حتى يأتيه الموت.

    1.   

    معاني الفطرة والحنيفية

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها)، ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]، متفق عليه.

    وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) أخرجاه.

    وزاد مسلم : (ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط عنه وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره. قلت: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة).

    وقال أبو العالية : تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإياكم وهذه الأهواء. انتهى.

    تأمل كلام أبي العالية رحمه الله تعالى هذا ما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة والإسلام، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، وقوله: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130].

    وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول والناس عنها في غفلة، وبمعرفته يتبين معاني الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأما الإنسان الذي يقرؤها وأشباهها وهو آمن مطمئن أنها لا تناله، فيظنها في قوم كانوا فبانوا، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، ثم قال: هذه سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]) رواه أحمد والنسائي ].

    هذا الكلام والنصوص متمم لما سبق تحت الباب الأصل وهو، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [الروم:30]، وهنا ساق الشيخ عدة نصوص وأقوال وآثار للعلماء هي امتداد لتفسير معنى الحنيفية والدين، وأيضاً ما أمر الله به من الاستقامة على الفطرة والإسلام، وللشيخ وقفات عجيبة ولمحات تدل على قوة فقهه في السنة والنصوص، فهو أورد الحديث ليبين أن الإسلام هو دين الفطرة (ما من مولود يولد إلا على الفطرة).

    ثم أشار إلى أن الأصل في الناس كلهم أنهم على الفطرة، وعلى الإسلام بمعناه العام، فإذا وفق الإنسان لأن ينشأ في بيئة مسلمة ويتربى على يد أبوين مسلمين فإنه يتحقق له الإسلام بمعناه الخاص وهذه درجة ثانية، ودرجة ثالثة وهي إذا وفق العبد للاستقامة على السنة وربي عليها وبقي له معنى الإسلام الصحيح الكامل وإن لم يوفق فقد ينحرف عن السنة ولو لم يخرج من مسمى الإسلام بمفهومه العام الشامل، ولذلك لما تكلم الشيخ بعد ذلك عن هذه الأمور فصل فيها على هذا النحو.

    1.   

    تأملات في حديث حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...)

    ثم ذكر حديث حذيفة رضي الله عنه في مسألة موقف المسلم من الفتن إذا كثرت، ومن غربة الإسلام إذا صارت، وقد كثر كلام أهل العلم حول هذا الحديث وما الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر وأوصى حذيفة ووصى بعض الصحابة بمثل هذه الأمور أوصاهم على أمر سيكون، لكن إذا تأملنا الوصاية التي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وجدناها تخصص بأحوال؛ لأن هناك نصوصاً أخرى تفسر معاني هذه الوصاية، فلو تأملنا قوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الشر الذي كان قبل الجاهلية وهل سيحدث مثله أو سيعود مرة أخرى: (فهل بعد هذا الخير) أي: هذا الإسلام الذي جاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل (هل بعده من شر؟ قال: نعم) وبهذا نفهم أنه ليس المقصود بالشر عودة الجاهلية بكاملها لكنه شر نسبي، وهذا التفسير يشمل نصوصاً وأخباراً كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: نفي الإسلام عن بعض الأحوال، ونفي الإسلام عن بعض الأشخاص، ونفي الإسلام عن بعض الفئات، لابد أن يخصص لما جاء له، كذلك سيكون شر لكنه نسبي فتنة أو فتن تقع لكنها لا تزيل جذور الإسلام ولا تستبيح بيضة الإسلام والمسلمين، إنما هو أمر جزئي يقع لفتنة عارضة أو لأمور تحدث في بعض فئات المسلمين دون البقية، ودليل ذلك: الأخبار المؤكدة بأن الله عز وجل سيحفظ هذا الدين، والأخبار المؤكدة بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، حتى مع وجود الشر النسبي الذي سيكون على طوائف من الأمة أو يكون في أحوال تكون الفتنة هي السائدة، ولكن هذه ومضات وإلا فالخير باقٍ إلى قيام الساعة وإلى أن يقاتل المسلمون الدجال كما في آخر الحديث.

    إذاً: لابد من تخصيص مثل هذه النصوص التي تحكي وجود الشر، وهيمنة الفتنة والغربة لابد من تخصيصها بالنصوص الأخرى وتفسيرها بالنصوص الأخرى.

    ولذلك لما قال: (وهل بعد الشر من خير؟) معناه أنه يمر على الأمة مراحل تسود فيها الفتن ويسود فيها بعض الشرور، لكن تبقى جذوة السنة وتبقى الطائفة المنصورة ويبقى الحق ظاهراً بيناً كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (تركتكم على المحجة أو على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، فهذه البيضاء معناها أنها كالشمس الطالع لا تغيب.. فالشمس الظاهرة لا يمكن أن تخفى على الناس، (فقال: نعم، وفيه دخن)، فلو أخذنا أنموذجاً لتطبيق هذا الحديث لوجدنا أنه بعد هذا الحديث حدثت فتنة في عهد عثمان رضي الله عنه وهذه الفتنة صار فيها شيء من الأمور التي جعلت بعض الصحابة لا يستطيع أن يجزم بالحق في أمر ما حدث بين الأمة فوقفوا؛ فمنهم من أخذ بهذه الوصية واعتزل؛ لأنه لم يستبصر الأمر فاعتزل لكن هذا الاعتزال لم يحكم الأمة كلها، فمن الصحابة من استبصر الأمر وصار الأمر عنده واضحاً كما حدث من علي رضي الله عنه ومن كانوا معه، ومنهم من تأول كـمعاوية رضي الله عنه ومن كان معه، ومنهم من قال: لا أدري؛ لأن هؤلاء صحابة وهؤلاء صحابة وليس عندنا ما نجزم به، وهؤلاء يريدون الحق ولا نستطيع أن نتهم دين أحد، فهؤلاء عملوا بمقتضى الحديث في ذلك الوقت المبكر.

    لكن أثناء تطبيقهم لمقتضى الحديث: هل زال الإسلام وزالت السنة؟ لا، الإسلام كان قوياً والسنة كانت ظاهرة، لكن بعد هذه الفتنة وبعد انجلائها تبين الأمر أكثر من قبل، وأعقبها خير، والخير الذي فيه الدخن هو ظهور الفرق.

    فالخير يكون فيه دخن ولبس وخلط، أي: يعرفون فيه نوعاً من المخالفات والبدع، ويكون الناس يرجعون للإسلام ولكن يبقى مخالفات البدع في طوائف من الأمة وليس في كل الأمة، ولذلك ينبغي أن نحذر من تفسير بعض المعاصرين لهذا الحديث حين قال: يجب أن نقبل من المسلمين ما هم عليه، فصاحب البدعة نقبل بدعته، وصاحب الفساد والفسق والفجور نقبل منه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه سيعود الخير وفيه دخن، فلابد أن نقبل ما عند الناس ولا داعي أن نقول: السنة هكذا أو الحق هكذا أو النهج الذي كان عليه السلف هو الذي ينبغي أن يلتزم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الحق أو الخير يعود وفيه دخن! نقول له: لا، هذا فقه قاصر، فليس كل الحق يكون فيه دخن، إنما معنى ذلك أنه بعد الفتن وبعد ما يحدث على الأمة أحياناً في بعض الظروف تخرج طوائف من الأمة عن السنة، فهذا الدخن في مجموع الأمة لا في كلها، فبعد الفتنة على عثمان رضي الله عنه وبعدما حدث الشجار بين الصحابة ظهرت فرق، وهذه الفرق هي الدخن، لكن بقية المسلمين على السنة وليس في عقائدهم لبس، ولا عندهم دخن في الدين، بل كانوا على السنة الظاهرة.

    ثم فسر الدخن، (قال: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) وهم أهل البدع والظلم والفسق والفجور وهذا يدل على أن الأمة ليس كلها تقع في هذا الالتباس ولا كل الإسلام يعود بالدخن، الإسلام يبقى ناصعاً والسنة تبقى ظاهرة، ثم ذكر: (هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) وهذا يشمل ما حدث في تاريخ الأمة من البدع والأهواء والافتراق، وما حدث من المخالفات لكن ربما يخص زمناً من الأزمنة أكثر من غيرها.

    فالفتنة العمياء وصف مجمل لا ندري متى تكون هذه الفتنة العمياء ولا فيمن تكون وهل هي محصورة في جيل دون جيل؟ ليس عندنا دليل، إنما هذا بيان مجمل يدل على أنها تقع في الأمة فتن، وأن الفتن إذا وقعت فإنه يعمى فيها الحق على كثير من الناس، وأن الفتن التي تحدث للأمة سواء فتن القتال والحروب وهذه يصحبها أهواء أو فتن البدع والأهواء والخروج على السنة وهي الغالب، وهذه الفتن كلها يصحبها رايات الدعاة إلى أبواب جهنم.

    فعلى هذا لا يصح الجزم بأن هذا الحديث يخص فترة من الفترات، وربما يكون في فترة في آخر الزمان يكون معنى هذا الحديث أكثر من غيره من الفتن التي سبقت.

    لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن

    أيضاً: في قوله صلى الله عليه وسلم: (تلزم جماعة المسلمين)، لما قال: (قلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، وهذه وصية عامة لكل مسلم يحدث له مثل ذلك في أي زمان وفي أي مكان إذا رأى الأمر يوجد فيه شيء مما يخفى فيه الحق، فإذا حدثت فتنة بين المسلمين أياً كان نوع هذه الفتنة، فعليه أن يلزم ما عليه جماعة المسلمين؛ لأن كلاً يدعي أنه الجماعة، وفي الأزمنة الأخيرة خصوصاً ضاعت مسألة المفاهيم الشرعية في أذهان الناس، فقد يقول قائل: ما الجماعة؟ وهذا حق وكل يدعي اليوم مفهوم الجماعة فظهرت نابتة تدعي أن المسلمين كلهم هم جماعة مسلمة، وأن الفرق المفارقة هي أولى بأن تكون جماعة المسلمين ممن يسمون السلف، وهذه دعوى من أكبر الدعاوى العريضة الفاتنة للناس، ولكن هناك ضابط شرعي للجماعة، فالجماعة لها مفاهيم كلها ينطبق عليها هذا الوصف، ومن هذه المفاهيم أولاً: أن جماعة المسلمين هم الذين اجتمعوا على إمام له بيعة، والمسلم يجمع على البيعة، فهذه من الأوصاف التي تعرف بها الجماعة، حتى وإن كانوا على رأي مرجوح، وإن كان فيهم شيء من الخلل والتقصير ما دامت كلمتهم مجتمعة على إمام مسلم، فلابد أن تتمثل بهم الجماعة في مثل هذه الوصية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بها.

    ثانياً: أن جماعة المسلمين يتمثلون بأهل الحق، وأهل الحق أيضاً دعوى ولكن نعرفها بما كان عليه العلماء أصحاب الثقة والرسوخ العلماء، والعلماء أيضاً وصف اعتباري له شروطه وضوابطه، يهبه الله عز وجل لمن يشاء ممن يوفق بأن يكون له من العلم والفضل والاعتبار في قلوب المسلمين، فالعالم القدوة الذي يكون له الرأي هذا معنى من معاني جماعة المسلمين ولا ينفك عن الأول، فالمسلمون الذين تحت إمام أو حاكم مسلم لابد أن يمثلهم علماؤهم، فيجتمع المعنيان على هذا المعنى، جماعة المسلمين الذين لهم بيعة بإمام مسلم ومن فيهم من العلماء هم داخلون على رأس الجماعة، ثم يدخل في مفهوم الجماعة من يصدرون عن العلماء وعن الحاكم المسلم من أهل الحل والعقد أهل الرأي والمشورة من أمراء وولاة وقواد ورؤساء عشائر ومطاعون في الأمة، هؤلاء يتمثل بمجموعهم جماعة المسلمين أو في بعضهم إذا فقد البعض الآخر، فقد تجتمع هذه المعاني جميعاً أو بعضها.

    إذاً: المسلم إذا أشكل عليه أمر وظهرت الأقوال المتضاربة وظهرت الفتنة، عليه أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم على حالهم التي كانوا عليها بعيداً عن النظرة المثالية كما يحدث من بعض الناس الذين يجهلون أحكام الشرع، وبعيداً عن العواطف وبعيداً عن الاعتداد بالرأي.

    ومما ينبغي التنبه له: أن الجماعة في بعض الأزمان والأمكنة التي يجب الاعتصام بها قد لا تكون على الحال الأمثل وقد لا تكون في خلافة راشدة، قد تكون في ملك عضوض وقد لا يكون العلماء فيها بالصورة التي نسمع بها في القرون الثلاثة الفاضلة، وقد لا يكون الناس في جملتهم على الاستقامة، وقد يكون عندهم شيء من الانحرافات في الجملة لكن لا يضيع الحق بينهم.

    العزلة زمن الفتن

    ثم ذكر الشيخ بعد ذلك توجيهاً آخر فيما إذا لم يجد المسلم في بيئة من البيئات أو مكان من الأمكنة جماعة ولا إماماً، وهذا قد ينطبق على عصرنا أكثر من غيره، فقد مر على المسلمين فترات في السابق ويحدث في بعض الأزمان والأمكنة مثل هذا الحال لا يكون للمسلمين في بلد ما أو في مكان ما، لا جماعة ولا إمام ولكنه في زماننا أكثر، وقد يوجد في بعض بيئات المسلمين وفي بعض الأمكنة وفي بعض الظروف أن المسلم عندما يتأمل يجد أنه لا يتحقق في البيئة التي هو فيها معنى الجماعة الشرعي ولا الإمام، ولكن هذا لا يكون في الأمة كلها لوجود طائفة على الحق ظاهرين، والأمة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يضيع الحق، وأن الحق يبقى كالبيضاء ليلها كنهارها إلى آخره من النصوص التي نجزم قطعاً بأن الحق لا يضيع في مجموع الأمة بكل مكان وفي زمان واحد لا يمكن إلى أن تقوم الساعة، لكن الحديث يحكم حالات محدودة لأفراد محدودين وفي بيئات محدودة وفي زمن محدود، فإذا حدث مثل ذلك فعلى المسلم أن يعتزل هذه الفرق؛ لأنه لا يجد واحدة على السنة ولو وجد واحدة على السنة لما وسعه أن يعتزل، ويجوز له أن يعتزل، لكن ما وجد أحداً على السنة، ولا وجد إماماً يسمع له ويطيع ويخضع، فمن هنا عليه أن يعمل بهذه الوصية، وهذه حالات نادرة تحدث في الأمة.

    قال عليه الصلاة والسلام: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) ولذلك لما تأول بعض الصحابة رضي الله عنهم ما شجر بين الأمة في ذلك الوقت ونظروا في فقه هذا الحديث أبعدوا عن الحاضرة وذهب بعضهم إلى البادية والأرياف بعيدين عن المدن، واعتزلوا الفتنة أخذاً بمثل هذه الوصية، لكن ليس لجميع أفراد الأمة وإنما لمن لم يستبن له الأمر.

    ثم ذكر بعد ذلك قال: (ثم يخرج الدجال معه نهر) وهذا فيه إشارة والله أعلم إلى أن الحال الأخيرة تحدث قبيل ظهور الدجال أكثر من غيرها، وإلا فإنها تحدث على فترات التاريخ، ثم قبل خروج الدجال .

    1.   

    الصراط المستقيم هو الإسلام

    أما قول أبي العالية: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام) كلمة الإسلام يقصد بها في الأولى السنة وقصد بالثانية الإسلام بمفهومه العام.

    ولا يعني ذلك أنه حصر الإسلام بمفهومه العام بالسنة، لكنه حصر الحق النقي من البدع والشوائب بالسنة؛ لأنه في سياق هذه النصوص أراد أن يشير إلى أنه عند الاختلاف والفتن وعند الأهواء والبدع ودعاة الضلالة فإن الإسلام الحقيقي الذي أمر الله به يتمثل بالسنة؛ لأن من لم يكونوا على السنة أدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وزعموا أنه من الإسلام، فليس هذا هو الإسلام المطلوب وإن كان المخالف بما أحدثه لا يخرج به من الإسلام بالجملة إلى الردة، لكنه يخرج به من المفهوم الصحيح النقي للإسلام الذي هو الصراط المستقيم.

    ثم قال: (ولا تنحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً وعليكم بسنة نبيكم وإياكم وهذه الأهواء) انتهى.

    ثم ذكر استنتاجاً من كلام أبي العالية قال: (وتأمل كلام أبي العالية هذا وما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء)، فإنه يلفت نظرنا إلى المقارنة فكأنه يقول: إذا كان أبو العالية ذكر هذا في وقت مبكر وأبو العالية من كبار التابعين في وقت مبكر في القرن الأول، فكيف بعصرنا هذا المليء بالأهواء والتي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام. وتفسير الإسلام هنا هو السنة.

    والشيخ يقول: إنه لما بدأت تظهر الأهواء في عهد أبي العالية فسر الإسلام المطلوب شرعاً بالسنة؛ لأن الأهواء حدثت وكل يدعي الإسلام، فلابد من حصر المفهوم الحقيقي الشرعي للإسلام النقي المطلوب من العباد بالسنة، أما ما حدث من أهل الأهواء والبدع فليس هو الإسلام بمفهومه النقي الصحيح وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ [البقرة:131] أي: لإبراهيم.

    ثم ذكر وصية ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]) وفي هذا بيان لمعنى السنة، وأن السنة لا تتعدد، وفيه رد على أهل الأهواء قديماً وحديثاً والمفتونين الذين لم يميزوا بين الحق والباطل ولا بين المحق من المبطل، رد عليهم بأنه ليس كل من انتسب للإسلام يكون على سبيل الله، وأن أهل الأهواء والبدع خرجوا عن السبيل التي هي سبيل الله، وأنهم اتبعوا السبل ذات اليمين وذات الشمال، وهذا إشارة إلى الإفراط والتفريط، فالذين غلوا والذين تساهلوا، كغلو الخوارج وتساهل المرجئة هؤلاء سلكوا ذات اليمين، وهؤلاء سلكوا ذات الشمال عن صراط الله المستقيم.

    إذاً: فسبيل الله الذي هو دين الحق الصافي هو سبيل واحدة، والفرق التي خرجت عن السنة من فرق المسلمين ليست على سبيل الله إنما هي على سبل الأهواء والبدع وعلى سبل الشيطان حتى وإن لم تخرج بذلك من الملة، وهذا الفهم لابد من بثه بين أذهان الناس اليوم؛ لأن بعض شبابنا فتن في هذه المسألة بدعوى أن أهل الأهواء ما داموا ما خرجوا؛ فهم على الإسلام، وهذا كلام مجمل، نعم هم على الإسلام لكن هل هم على ما يرضي الله عز وجل؟ هل هم على سبيل الله؟ هل هم على السنة؟ لأنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الافتراق ذكر أن أهل الافتراق متوعدون بالنار، وحذر من هذه السبل، وبين أنها ليست على السنة، وأن السبيل الحق واحدة كما ذكر في حديث ابن مسعود في الخط واحدة، فمن هنا نجزم أنه لا يبقى على الحق والاستقامة إلا أهل السنة والجماعة الذين هم على سبيل الله، أما البقية فهم على غير السنة، وعلى غير استقامة، وفي سبل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية، وهم معرضون للوعيد وإن خرجوا من الملة، فهم من أهل الردة نسأل الله العافية.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الانتخابات التي تجري في البلدان الإسلامية اليوم

    السؤال: هل يعد ترشيح رئيس معين عن طريق الانتخابات بيعة يلزم المسلمين اعتمادها وعدم الخروج عليها؟

    الجواب: الولاية والإمارة في الإسلام والخلافة والسلطة تحدث بعدة وجوه، وبعضها حدث في الإسلام وبعضها ربما لم يحدث لكن يبقى من الوجوه المفترضة، فهناك بيعة الطائفة من المسلمين وهم أهل الحل والعقد كأن يجتمع العلماء وقواد الأمة وأهل الرأي فيها فيبايعون الإمام، فهذه تكون طريقاً من طرق البيعة أحياناً، وقد تكون البيعة عن طريق الترشيح العام، كأن يطرح الاسم أو الأسماء على جميع الأمة أو على جميع المجتمع أو الدولة فيخرج بالأصوات وهذا إذا كان الإمام مسلماً ثم تمكن بهذه الطريقة فله حق الولاية، وإن كانت هذه الطريقة عليها مآخذ شرعية؛ لأن دخول الدهماء والغوغاء هم أكثر الناس في كل بيئة، في كل مكان وفي كل زمان، فإذا فتح باب الترشيح من الغوغاء وهم الأكثرية فالغالب أنهم يرشحون بأهوائهم ويغرر بهم.

    ولذلك لما اتخذت بعض الدول الإسلامية هذا المسلك رشحت فسقة ونساء، فالدول التي ترشح النساء كان عن طريق هذه الطريقة المعيبة، وهذه الطريقة وإن كان يتشدق بها المثقفون فيجوز للأمة أن يتاح لهم فرصة أن يرشحوا أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، أما البقية فلهم عقول مشتراة، اشتراها الشيطان والهوى وأصحاب الأحزاب والشعارات، لكن إن حدث وتوافرت شروط الإمامة في هذا الإنسان على ما ذكر السائل وتمكن بهذه الطريقة فقد وجب له السمع والطاعة وصحت بيعته بأي وجه من وجوه الولاية، سواء من وال إلى والٍ آخر، أياً كان صورة العهد مثل عهد أبي بكر لـعمر أو عهد معاوية رضي الله عنه لـيزيد فذاك عهد خلافة، وهذا عهد ملك، وكلها صحت في الأمة، وكلها اندرجت تحت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وفي وصيته بالسمع والطاعة، فعلى أي حال ما يتسع الوقت لسرد الصور التي تكون فيها، بل علماء السنة اتفقوا على أنه لو بغى إنسان على الإمام -رغم أن هذا خروج عن السنة- وقاتل وتمكن على الأمة بقوة السيف ولا يستطيع الناس إزالته وهو مسلم صارت له البيعة، وإن كان ارتكب أمراً لا يجوز، ولا يجوز للأمة أن تسلك هذا المسلك.

    إذاً: الصور الكثيرة تنتهي إلى أنه إذا تمكن إمام مسلم من أن يكون والياً على بلاد المسلمين في أي صورة من صور التمكن، سواء كانت مشروعة برضا الأمة أو بغير رضاها، فإذا تمكن وصارت له الغلبة وجب له السمع والطاعة والبيعة.

    الكلام عن منهج ابن عثيمين رحمه الله في الدعوة إلى الله

    السؤال: لو كان هناك تخصيص لبعض الدروس يستخلص منها ما تميز به الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في مناهجه في الدعوة في الوقت المعاصر؟

    الجواب: الكلام عن مناهج العلماء والأئمة في الدعوة طيب ومخيف؛ لأنهم هم القدوة لاسيما في هذا العصر ونحتاج إلى أن نستجلي مناهج علمائنا ومشايخنا، الأموات منهم رحمهم الله والأحياء وفقهم الله على حياة طيبة وعلى مصالح نحن وإياهم، لكن أرى أن هذا إذا كان بعد موت الإمام أو العالم مباشرة أن فيه نوعاً من المخالفة الشرعية، فينبغي أن يكون بعد مدة، والشيخ رحمه الله لا تزال سيرته حية في أذهان كثير من طلاب العلم، والعمل بمثل هذه الأمور وهو قريب عهد فيه شيء من الندبة والنعي الذي لا يجوز شرعاً، خاصة إذا كان فيه تخصيص وقت حتى يطول الوقت ويحتاج الناس إلى التنبيه على هذه المناهج.

    مفاهيم حول الطائفة المنصورة

    السؤال: ما رأيكم فيمن تنطبق عليه الجماعة المنصورة في هذا الوقت وعلى أي من البقاع؟

    الجواب: بدأت ترد بعض الآراء الغريبة في مفهوم الطائفة المنصورة ومن تكون وأين تكون إلى آخره، وهذا ما قرره أهل العلم من أن الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية وتعني أهل السنة والجماعة أنه لا يلزم أن يجمعها مكان أو زمان، لكنها قد تتوافر في مكان أكثر من غيره، وإلا فمن كان على السنة والاستقامة في أي بلد كان فهو داخل في الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل الحق وأهل السنة والجماعة أينما كانوا، سواء في بلاد المسلمين وهذا هو الأولى والأصل، أو كان في غير بلاد المسلمين فهو من الطائفة المنصورة ما دام على نهجهم ويحبهم ويتواصل معهم ومستقيم في عقيدته وعمله على السنة.

    أما هل يشترط في الطائفة المنصورة أن تكون محكمة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قلباً وقالباً أو قد يوجد بها بعض الخلل أو كثير من الخلل في تحكيم الكتاب والسنة ولكنه أفضل الموجود، أهل السنة والجماعة في جملتهم سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين لابد أن يكونوا على الكتاب والسنة في جملتهم، أما الأفراد فلا يلزم أن يكون الواحد منهم على الاستقامة الكاملة، وأهل السنة والجماعة منهم المقصر، ومنهم من يكون عنده شيء من الإعراض، ومنهم من يكون عنده شيء من الغلو، ومنهم من يكون عنده شيء من البدع غير المغلظة؛ لأن البدع المغلظة تخرجهم من السنة، فيقع في أفرادهم ما يقع للبشر من التقصير والخلل حتى في العقيدة أحياناً، لكن لا يكون في أصول العقيدة فضلاً عن السلوك والتقصير في العبادات أو التشدد أو غير ذلك.

    إذاً: أهل السنة والجماعة في جملتهم لابد أن يكونوا على مقتضى الكتاب والسنة أما أفرادهم فقد يكون من بعضهم شيء من التقصير، أو شيء من الخروج عن بعض الجزئيات في السنة.

    حكم مبايعة المرأة بعد انتخابها

    السؤال: هل يجوز مبايعة المرأة بعد أن تفوز في الانتخابات؟

    الجواب: المرأة ليس لها ولاية على المسلمين، فالمسلم لا يجوز له أن يبايع امرأة طائعاً غير مكره، وكذلك بيعة الكافر، بيعة دين لا تجوز، وقد يضطر المسلم وهو في بلد غير مسلم أن يبايع على أمور دنيوية، أما بيعة الخلافة والإمارة التي هي السمع والطاعة على مقتضى الكتاب والسنة فلا تكون للكافر أصلاً.

    حجة تعطيل الصفات

    السؤال: ما حجة أهل التعطيل عندما قالوا في أسماء الله وصفاته: إنه سميع بلا سمع، عليم بلا علم؟

    الجواب: هذا كلام المعتزلة؛ لأنهم قالوا: إذا قلنا: لله سمع وعلم .. إلخ، فهذا يعني تعدد الصفات، وتعدد الصفات عندهم يدل على تعدد الموصوف، فمن هنا نفوا الصفات، وهذا أمر غير معقول، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : بعض الناس يتكلف في رد أصول أهل الباطل ظناً منه أن لها أصلاً ولو أنك نظرت لها بداهة لوجدتها لا يمكن أن يقرها العقل السليم، لكن هؤلاء عقولهم غير سليمة، وقد يقول قائل: كيف وصلت عقولهم التي يعتزون بها إلى هذا المقام من الخروج عن البدهيات، ومصادمة العقل السليم والفطرة وهو قول المعتزلة ومنه: أن تعدد الصفات يدل على تعدد الموصوف؟ وهل هذه قاعدة صحيحة إذا تعددت الصفات حتى في المخلوقات -ولله المثل الأعلى-؟ الإنسان كم له من صفة الجماد وكم له من صفة؟ لكنهم عندهم نظرة لله تجريدية ليست حقيقية، فهم وقعوا في معضلة إذا وصفوا الله بالصفات فلابد أن الصفات تنطبق على ذلك، وهم يهربون من إثبات الذات، وعبروا عن هذا بمسألة تعدد الموصوف؛ لأنهم يقولون: إن الذات لابد أن تتجزأ والله غير متجزئ، وهذه فلسفات تعالى الله عما يقولون، فلسفات أوهام، فمن هنا فإن أهل التعطيل ليس لهم من الحجج إلا الشبهات الواهية التي لا يقرها العقل، وأهم شيء عندهم وقاعدتهم في التعطيل أن الصفات لابد أن تدل على موصوف، وإذا تعددت الصفات تعددت الموصوفات، وهذا لا يجوز بحق الله، وهذا بالنسبة للمعتزلة.

    أما الجهمية فهم ينكرون ذات الله عز وجل، ولذلك أنكروا الأسماء والصفات؛ لأنهم قالوا: إن الاسم لابد أن يدل على مسمى، والمسمى لابد أن يكون له حقيقة ذاتية، ونظراً لأنه ليس لله عندهم حقيقة ذاتية، نفوا الأسماء والصفات ببساطة، والمسألة ما فيها تعقيد في أولياتها، إنما التعقيد فيما يسلكونه من مسالك إلى مثل هذه الأمور التي تصادم البدهيات. نسأل الله العافية.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.