إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل
  3. الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [4]

الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [4]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتميز منهج أهل السنة والجماعة بكونه المنهج الآخذ بوصية النبي صلى الله عليه وسلم في التمسك بسنته ولزوم الجماعة حال افتراق الأمة، ولكونه منهجاً لا يروق لأرباب المدرسة العقلانية مسلكه؛ إذ يصادم تقريراتهم العقلية الفاسدة؛ اتخذوا تجاهه موقف العداء، وسلكوا في الصد عنه جملة من الوسائل، ومن أبرزها قذف الشبهات المفتراة حوله، كدعوى اختلاط مشاربه، ودعوى اختلاف السلف في الثوابت، ودعوى حصول الفرقة في أنقى عصوره، ودعوى تأثر هذا المنهج بمناهج السلاطين، ونحو ذلك مما هو ظاهر كذبه وزيفه.

    1.   

    مقترحات بين يدي الموضوع

    الرد على الإساءة إلى الإسلام عبر الوسائل الإعلامية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    مشاهدينا الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم (حراسة العقيدة).

    منذ أن شع نور الإسلام تكالب الأعداء عليه بين مسفه ومكذب وحاقد وحاسد، وتوالى الهجوم على كل من اقتفى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ووجه أصحاب المذاهب الضالة سهامهم إلى منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة، لذا نجد العقلانيين في زماننا هذا يحذون حذوهم بتشكيك في أصول الإسلام، وهجوم على أتباع الحق.

    وفي هذا اللقاء نحاول الإجابة على الدعاوى التي يطرحها أرباب الاتجاهات العقلانية المعاصرة.

    فهل أهل السنة والجماعة مختلفون في ثوابت الدين؟

    وهل عقيدة السلف لها مشارب متعددة؟

    وهل وصف أهل السنة والجماعة وصف لا أصل له؟

    وهل مذهب السلف محصور فيما يسمونه بالوهابية أو الحنابلة؟

    بداية -مشاهدينا الكرام- أرحب بضيف البرنامج الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

    أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ!

    الشيخ: مرحباً بك -أستاذ تركي - وبالمشاهدين.

    المقدم: نرحب بكم -مشاهدينا الكرام- مرة أخرى.

    شيخنا الكريم! وردت علينا عن طريق منتديات الصفوة في النافذة الخاصة بحراسة العقيدة بعض الاقتراحات، وبعض التساؤلات.

    فهذه إحدى الأخوات ترحب بهذا البرنامج، وتذكر أن هناك من تعمد الإساءة إلى عقيدة الإسلام في الصحف، وفي بعض المجلات، وفي مواقع الإنترنت أيضاً، وتقترح أن يكون للشيخ ناصر العقل مكان في إحدى الصحف للرد التأصيلي على هذه الشبهات، وهذه الأشياء التي يتناقلها أناس غير متخصصين.

    الشيخ: على أي حال هي طلبت واجباً، وأنا لا أعتذر، ولكني أجدني مشغولاً بأمور هي أولى بالنسبة لي؛ لوضعي كأستاذ في الجامعة، وعندي كثير من الأمور الملزمة، فأرجو -إن شاء الله- أن أتمكن من تحقيق بعض هذا المطلب، وأنا لست وحدي في الساحة، فهذا الاقتراح يجب أن يكون مطروحاً على جميع المتخصصين، وأنا لا أتنصل من المسئولية.

    المقدم: وأنت من كبار المتخصصين في هذا المجال.

    الشيخ: على أي حال نسأل الله الإعانة، فهو اقتراح وجيه، ومحل تطبيق إن شاء الله.

    التفصيل في مسائل العقلانية والليبرالية ونحوهما

    المقدم: هنا أخ آخر يقترح نفس الاقتراح، وهو معجب بالبرنامج، ومعجب بطرحكم حفظكم الله، ويقول: هل ستناقشون مسائل عقلانية ولبرالية وتنويرية وعصرانية؟ يقول: نريد أشياء مفصلة في هذا الباب.

    الشيخ: علي أي حال فإننا في مثل هذه الحلقات لا نزال نناقش، لكن الوقت لا يتسع لمناقشة تفصيلية؛ ولذلك ركزنا -ولا نزال نركز- على الأصول والمناهج والضوابط العامة، أما الدخول في التفاصيل فهذا أمر لا ينتهي.

    هذا إن كان يقصد الطرح من خلال هذا البرنامج وأمثاله، وأما إن كان يقصد الطرح المكتوب أو المشاركات الأخرى أو الدورات العلمية والمحاضرات، فهذا -ولله الحمد- حاصل، ولكن يحتاج إلى شيء من الدفع الإعلامي والنشر، ونسأل الله أن يعين على ذلك.

    المقدم: هو يسأل فيقول: هل اللبراليون هم منافقو هذا الزمان؟

    الشيخ: الكلام في مثل هذه الأمور حساس، وإذا نظرنا إلى المفهوم العام للنفاق، فإنه يدخل فيه النفاق الخالص الذي لا يعلمه إلا الله، وإذا نظرنا إلى هذه الاتجاهات على مختلف طرائقها ومناهجها ومختلف أطيافها التي هي العقلانية والحداثة والعصرانية والتجديد بالمعنى السلبي، وكذلك العلمنة، واللبرالية وغيرها، سنجدها كلها يجمعها منهج واحد يشكل أصلاً من أصول النفاق.

    لكن لا يلزم أن يكون كل فرد من أصحاب هذه الاتجاهات متهماً بالنفاق، فهذا أمر صعب.

    المقدم: وقد أكدت -يا شيخ- من بداية الحلقات -وما زلت تؤكد- على أننا في هذا البرنامج سنطرح ونناقش المسألة كمفاهيم عامة، دون تنزيلها على أناس معينين.

    الشيخ: ولا على تيارات؛ لأنها تختلف.

    وأذكر بأن هذه المسميات يجمعها وصف النفاق في السابق، إنما التغير الآن تغير مصطلحات وشعارات.

    الإعلان للبرنامج وكتابة محتواه خطياً

    المقدم: يقترح الأخ أن يكون هناك إعلان للبرنامج، وبناءً على هذا الاقتراح رفعنا ذلك لإدارة البرامج، وإن شاء الله سينفذ.

    كما يقترح اقتراحاً آخر، وهو اقتراح بناء أيضاً، وهو كتابة الحلقات خطياً، وهذا الاقتراح نرحب به ونتمنى من الإخوة والأخوات في منتديات الصفوة ومن المشاهدين أن يتبنوا مثل هذه المشاريع؛ لأن المشايخ والعلماء مشغولون بأشياء كثيرة وبأعباء كثيرة، ولا يساعدهم الوقت على متابعة مثل هذه الأمور.

    وسنتابع كل من يكتب هذه الحلقات عن طريق منتديات الصفوة، وسنعرضها على الشيخ بإذن الله تعالى؛ حتى يؤيدها الشيخ، أو يعدل ما يشاء فيها.

    الشيخ: جزاكم الله خيراً، وأنا مستعد لأبذل ما أستطيعه، لكن كتابة الحلقات: ليس عندي لها وقت.

    المقدم: هناك اقتراح آخر يقول: نتمنى أن تكون لكم زاوية خاصة في إحدى الصحف لمناقشة هذه القضايا، وسبق الجواب على ذلك منكم.

    1.   

    عقيدة أهل السنة والجماعة تحت مجهر المدرسة العقلانية

    دعوى تعدد مشارب عقيدة أهل السنة ومصادرها

    شيخنا الكريم! النقاش في هذه الحلقة عن مواقف الاتجاهات العقلانية المعاصرة من عقيدة السلف أهل السنة والجماعة.

    بداية دعني أسألك: هل عقيدة السلف متعددة المشارب؟ أي: هل مصادرها متعددة؟

    الشيخ: الحقيقة أن هذه دعوة يثيرها كثيرون، ولعل أول من أثارها بشكل مقنن -إن صح التعبير- هم المستشرقون، فالمستشرقون يرون أن الإسلام كله خليط من مشارب اليهودية والنصرانية والمؤثرات البيئية، وأن الإسلام استفاد مما عند العرب، سواء الجانب العقدي والجانب الأخلاقي والجانب التعاملي، ومما عند غير العرب من الأمم المجاورة، فزعموا أن الإسلام خليط من عدة مشارب، وهذا الزعم نفسه تبناه كثير من أصحاب الاتجاهات الفكرية والعقلانية منذ زمن، وأصحاب الأفكار العصرانية خاصة، فهم يزعمون أن منهج السلف هو نتيجة مؤثرات كثيرة، من ضمنها المؤثرات الشخصية، أي: نزعات الأشخاص الذين هم أئمة السلف.

    ثم يقولون أيضاً: هو نتيجة تأثير البيئة، أي: ما عند الناس من تقاليد وأعراف، سواء العرب والعجم الذين دخلوا في الإسلام، ونظراً لأنهم لا يفرقون بين عقيدة السلف الصافية وبين عقائد المتكلمين -وأحياناً يخلطون بينهما- زعموا أن العقيدة تطورت من خلال التاريخ، والتطور في سنن الحياة وفي العلوم الاجتهادية وفي البحوث العلمية البحتة كائن، لكن العقائد ليس فيها تطور.

    المهم أنهم زعموا أن عقيدة السلف -كغيرها- تطورت فتأثرت بالمؤثرات البيئية والجغرافية والسياسية، وبتدخل السلاطين، وبتدخل الأهواء والفلسفات.. إلى آخره، فشكلت خليطاً بزعمهم، وهذا عن من يحسن منهم النظرة إلى عقيدة السلف، فيزعم أن عقيدة السلف شكلت خليطاً من هذه المؤثرات، وهذا كله جهل، فعقيدة السلف -والمقصود بها الثوابت- ليس لها مصدر إلا الكتاب والسنة، أي: الوحي المعصوم.

    المقدم: هل مع المستشرقين حق في قولهم: إن الإسلام استفاد من الأديان السابقة، اليهودية والنصرانية؟

    الشيخ: هم يستغلون بعض وجوه التشابه في الديانات؛ ليجعلوها برهاناً لهم على تأثر الإسلام، بتلك الديانات، وهذا راجع إلى أنهم لا يؤمنون بالإسلام أصلاً، ومن ناحية أخرى: لا يفقهون الدين، وقد يكون عندهم معلومات، ولكنها معلومات لا تنظمها قواعد، بل تنظمها منطلقاتهم الشخصية، كل واحد منهم له منطلق شخصي ديني وبيئي وعقلي، أعني: المستشرقين.

    وكذلك من أخذوا بمنهجهم من المستغربين الذين هم العقلانيون، فهؤلاء ينطلقون من خلفيات معينة ومن قناعات معينة ومن قلة الفقه في الدين.

    إنَّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي عقيدة الأنبياء جميعاً، ولذلك يوجد في العقيدة الإسلامية ما هو موجود في البقية الباقية في التوراة والإنجيل، فهما محرفان، لكن يوجد فيهما إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، ويوجد فيهما إشارة إلى الإيمان بالبعث، ويوجد فيهما إشارة إلى بعض الإلهيات.

    المقدم: الوصايا العشر؟

    الشيخ: الوصايا العشر وغيرها، يوجد بعض الحق في التوراة والإنجيل قرره الإسلام على وجه أصفى وأكمل، وبعيد عن الغبش والخلط، فظنوا أن هذا الاقتران والتشابه يعني الاستمداد، والحال أن النبي صلى الله عليه وسلم ما استمد شيئاً إلا مما أوحى به إليه ربه عز وجل، فهذا نوع من اللبس والالتباس والتلبيس حيث لبسوا على الناس بحكم وجود وجوه التشابه، حتى فيما يتعلق بالأخلاقيات وبعض الأحكام، بل حتى فيما يتعلق بمشابهة الفقه الإسلامي لبعض الدساتير أو الأنظمة الوضعية من بعض وجوه التشابه، فجعلوه وسيلة أو ذريعة للقول بأن الإسلام خليط من مصادر شتى.

    المقدم: هل تأثر منهج السلف مع الهجمة الفلسفية في عهد المأمون وما تبعه من العصور بالمناهج الكلامية والفلسفية؟

    الشيخ: لا، فالسلف لا يملكون أن يجددوا في ثوابت الدين شيئاً، السلف الصالح يتميز منهجهم في العقيدة بأنهم أخذوا بمنهاج النبوة، لا يزيدون ولا ينقصون، ولا أحد يملك أن يزيد أو ينقص في العقيدة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها هي الحق، وهي الإسلام الذي ثبت بخصائص الثوابت نفسها، لذا لا يمكن أن يتصور هذا عقلاً ولا شرعاً من أجل أن نقول مثل هذه المقالة، فعقيدة السلف عبارة عن ثوابت لا دخل لاجتهادات السلف فيها فضلاً عن غيرهم.

    الرد على دعوى تعدد مصادر ومشارب عقيدة أهل السنة

    المقدم: القضية مثلاً بشيء من التفصيل دعواهم أن عقيدة السلف لها مشارب متعددة ولها مصادر مختلفة، ما هي طريقة الرد عليها بشكل مجمل؟

    الشيخ: ينبغي أولاً أن تعرف أسباب هذا التصور عندهم؛ لأنه إذا عرفنا سبب قولهم هذا القول، وعلى أي أساس بنوا ذلك؛ هدمنا أصولهم بقواعد الحق.

    الأمر الثاني: أننا نحتاج إلى أن نشيع التأصيل الشرعي الذي يجهلونه هم ويجهله كثير من الناس، بل كثير من أجيال أهل السنة والجماعة المتأخرين من الشباب يجهلون هذه الثوابت؛ لأنهم لم يتلقوها بشكل منهجي يقاوم الغزو الذي استهدف العقيدة.

    فأنا أقول: هؤلاء يرد عليهم بالتذكير بثوابت الحق، أي: ما هي مصادر الدين؟ ثم ما هو المنهج؟

    فحينما نقول: ما هي مصادر الدين؟ نقول: هي الكتاب والسنة، ثم نأتي بالأدلة التي دلت على أنه لا يجوز استمداد الدين من غير الوحي من القرآن والسنة بدلالاتهما ومعرفة كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك وكيف كان يطبقه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان بين للصحابة ورباهم على ألا يتلقوا الدين من غير الوحي.

    وقد حدثت حادثة هي عبارة عن رسم للمنهج، وعبارة عن حماية للمنهج، هي حادثة اطلاع عمر رضي الله عنه أمام النبي صلى الله عليه وسلم على صحيفة من التوراة، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً، حتى لفت ذلك أنظار الصحابة، فالتفتوا إلى عمر ، فلما أدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب؛ عرف أنه أخطأ، وأنه يخشى أن يخلط، وأن هذا منهج، مع أن عمر -وهو عمر في فقهه- لا يتصور منه أن يتأثر مثل تأثر الناس اليوم، ومع ذلك سد النبي صلى الله عليه وسلم باب الاستمداد من أي مصدر آخر في ثوابت الدين حماية لجناب الدين وثوابت الحق.

    أما الاستدلال في العلوم الاجتهادية فنعم.

    دعوى عدم اتفاق السلف على الثوابت

    المقدم: من الدعاوى التي نسمعها أحياناً أن هؤلاء المدعين يقولون: إن السلف لم يتفقوا على الثوابت الشرعية.

    الشيخ: هذا جهل كذلك، ولا نستغرب أن يكون هذا الجهل من أصحاب هذه الاتجاهات؛ لأنهم لم يفقهوا الدين، ولم يعرفوا عقيدة السلف بالشكل الذي يجعلهم يعرفون قيمتها، لكن المؤسف أن هناك ممن ينتسب للعلم الشرعي من قد يجاري من غير تبصر بهذه الشبهة، فقد يقول: مساحة الثوابت قد تتفاوت. وهذا خطير، فالثوابت بمعناها الشرعي الدقيق هي أصول الدين وقواطعه ومسلماته، أركان الدين وفرائضه وواجباته الأساسية، ليس فيها زيادة ولا نقص، ولا تختلف مساحة الإيمان بها بين عالم وآخر من علماء السلف، وقد يوجد من غير المنتسبين للسلف من يشكك، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه لا يعرف الثوابت أو لا يؤمن بها، وليس عنده الأسس التي كان ينطلق منها السلف.

    وقد يوجد من علماء السلف من يزلُّ زلة، والزلة لا اعتبار لها، لكن إذا نظرنا إلى عموم المنهج نجد أنهم لا يختلفون في الثوابت، ولا يختلفون في الأصول وفي القطعيات إطلاقاً، لا يختلفون في مصادرها ولا في قطعيتها، فمن هنا كان لا بد من استدراك أخشى أن أنساه، وهو الذي يتذرع به هؤلاء الذين يثيرون الشبه على السلف وعقيدة السلف، ويقولون: إنهم لا يتفقون على شيء، أو إن مساحة الاتفاق قد تقل وتكثر.

    أقول: هؤلاء -في الحقيقة- يستدلون بأشياء تدل على قصورهم في إدراك الجانب المنهجي الدقيق والموضوعي عند السلف.

    فكثيراً ما يستدلون على مقولتهم بأن السلف اختلفوا في كتب العقائد في كثير من المسائل، والحظ التحديد أو الإحالة على كتب العقائد، فهذا الأمر يوهم كثيراً من الناس، فما دام أن في كتب العقائد اختلافات؛ فمعنى ذلك أن هناك اختلافاً في الثوابت.

    ومن هنا فلا بد من وقوف عند هذه النقطة بوقفة ضرورية من عدة جوانب:

    الجانب الأول: ليس كل ما يكتبه السلف في كتب العقائد هو من الثوابت، فهم في كتب العقائد يميزون بين الثوابت وغير الثوابت، هذا أولاً.

    ثانياً: المسائل التي يختلفون فيها في كتب العقيدة هي مسائل خلافية فعلاً، لكنها ليست الأصول، فهي متفرعة، فدخلت في كتب العقائد لأنها متفرعة عن العقائد وخذ على سبيل المثال في المسلمات عند السلف أركان الإيمان، فهي من الثوابت عند السلف، لا يشكون فيها، وقد يقول قائل: هل هناك من العقلانيين من يشك في أركان الإيمان؟ فأقول: نعم.

    المقدم: عجيب!

    الشيخ: فإذا كان يقول: الملائكة هي نوازع الخير، وليس هناك خلق اسمه الملائكة فإنه ما آمن بالملائكة.

    المقدم: وهل هذا الكلام موجود؟

    الشيخ: نعم، هو مذهب واسع يؤمن به عدد وفئام من الناس، وليس مذهباً قليلاً أو نادراً عندهم، يرون أن الملائكة نوازع الخير، وهذه نزعة فلسفية، فهؤلاء ما آمنوا بالملائكة.

    الأمر الآخر: أنهم يسخرون من وصف الملائكة بصفات خَلْقية.

    المقدم: عجيب!

    الشيخ: أي نعم، يسخرون سخرية واضحة.

    ومن الغيبيات القطعية: الإيمان بالجن، وأحد كبار المعاصرين يرى أنه ليس هناك شيء اسمه جن، فالجن ما هم إلا مستضعفو البشر، وهذا معناه أن الفقراء عندهم جن، والمستضعفون من الناس جن، والشياطين هم الكبراء من بني آدم.

    وهذا مذهب يحتذى الآن، مع أن ذلك من الثوابت عند السلف، فهم خرقوا هذه الثوابت بشبهات.

    فالشاهد من هذا أنه توجد مسائل يختلف فيها السلف هي تابعة للعقيدة.

    المقدم: مثل ماذا؟

    الشيخ: لهذا أمثلة كثيرة، فالسلف حينما أثبتوا الإيمان بالملائكة اختلفوا في كتب العقائد في هل هناك ملكان اسمهما منكر ونكير، فـ (منكر ونكير) لم يردا في نص، بل ذكرا في نصوص ضعيفة، فاختلفوا في اسم منكر ونكير، ولم يختلفوا في الملكين اللذين يأتيان العبد في القبر.

    ومن ذلك ملك الموت، قيل: إن اسمه عزرائيل، وجاء الخلاف فيه في كتب العقائد، فهو اسم لم يثبت، وثبت اسم إسرافيل وجبريل وميكائيل، وأما عزرائيل فلم يرد في نص قاطع، فهذه أمثلة في الإيمان بالملائكة.

    والإيمان بالرسل تتفرع عن الثوابت الموجودة فيه والقواعد القطعية مسائل، كمسألة الخضر؛ فقد دخل في كتب العقائد الخلاف في الخضر هل هو نبي أو غير نبي، وهذا الخلاف لا يضر؛ لأنه لا يوجد نص قطعي، فلا يضر ولا يؤثر في مبدأ الإيمان بالملائكة.

    وخذ مثالاً غير أركان الإيمان الستة، ولنأخذ الرؤية مثلاً، أي: رؤية العباد لربهم عز وجل يوم القيامة في الجنة بأبصارهم، نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بهذا.

    فالرؤية متفق عليها؛ لأن فيها نصوصاً قواطع، ونصوصاً متواترة، وآيات قاطعة في الدلالة، لكنهم اختلفوا في مسائل في الرؤية؛ لأن الدليل فيها غير واضح، أو لم يثبت، أو أن دلالته غير قطعية، مثل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المعراج، فهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه أم بفؤاده؟

    هذه محل خلاف، لكن أصل الرؤية ثابت.

    وهكذا لا تجد أصلاً من الأصول القطعية إلا وله حد لا يختلف فيه السلف، وهناك ما دون هذا الحد مما يختلفون فيه من المسائل التي تفرعت عن هذا.

    فأخذ هؤلاء المفتونون -نسأل الله السلامة- مثل هذه المسائل وظنوا أنها ترجع إلى الاختلاف في الأصول، وهذا جهل، وبعضهم لا يجهل، بل يتعمد التخليط.

    المقدم: لماذا يتعمد؟

    الشيخ: لأن الله عز وجل قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، فالله عز وجل الخبير بقلوب العباد أخبر أن هناك فئة من العباد تفعل ذلك، تخوض في مقتضى الأدلة الشرعية على هذا النحو، بالتلبيس والتقاط جوانب الإشكالات التي تكون عندهم ذريعة لضرب الثوابت.

    بيان المقصود بمصطلح السلف وأهل السنة والجماعة

    المقدم: اسمح لي أن أرجع خطوات قليلة إلى الوراء قبل أن ننتقل إلى النقطة التي تليها في الدعاوى، فإنه يسمع كثيراً عبارة (السلف)، فما المقصود بالسلف؟

    الشيخ: ينبغي أن نؤصل هذه الكلمة من النصوص.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الافتراق، وذكر الأهواء، وذكر الاختلاف؛ أوصى بوصايا، فهو أخبر أن الافتراق سيقع حتماً، وأن هناك طوائف من الأمة هم من المسلمين، لكنهم ارتكبوا البدع وركبوا الأهواء؛ فخرجوا عن السنة، فأوصى بوصية القرآن، وهي اتباع سبيل المؤمنين، فالله عز وجل قال: وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

    وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الاختلاف، فذكر المشاقة التي ستكون من بعض الطوائف، فقال في الحديث الصحيح: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وفي بعض ألفاظ حديث الافتراق قال: (عليكم بالجماعة)، وقال: (إياكم والفرقة)، وقال: (إن يد الله مع الجماعة).

    فهنا أوصى وصايا قطعية بالسنة وأوصى بالجماعة، إذاً: عندنا توجيه ووصية من النبي صلى الله عليه وسلم ثمينة، هي أنه إذا وقع الاختلاف والافتراق فلنسلك سبيل السنة والجماعة، فمن هم أهل السنة والجماعة؟

    لقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، فتحددت الخطوة الثالثة؛ لئلا يدعي أي مبتدع بأنه على السنة، فنقول: السنة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هؤلاء الذين هم أهل السنة والجماعة هم أئمة الهدى الذين شقوا الطريق من قبلنا، بمعنى أنهم سلفوا، فتسمية (السلف) تسمية تاريخية واصطلاحية، وإلا فهم أهل السنة والجماعة.

    فالسلف وصف وليس اسماً؛ لأنهم سبقوا على طريق الهدى، وسبقونا على منهاج النبوة؛ ولأنهم -أيضاً- رسموا لنا طريق الاتباع والاهتداء والاقتداء، فهم المرجعية لنا، ونظراً لأنهم سلفونا وسبقوا في الزمن وصفوا بالسلف، لكن اسمهم: أهل السنة والجماعة.

    المقدم: هل يقيد بالقرون الثلاثة الأولى المفضلة، أم أنه مطلق لكل من سبقنا؟

    الشيخ: لا يقيد إلا من حيث الأفضلية، فإذا قيل: من هم أول قدوة في السلف؟ نقول: الصحابة ثم القرون الفاضلة، ثم كل من سلك هذا السبيل فهو سلفي.

    إذاً: المسألة مسألة أولويات وأخرويات تاريخية فقط.

    دعوى ابتداء الافتراق في عصر الصحابة

    المقدم: من الدعاوى -يا شيخ ناصر - التي يقولونها: أن هؤلاء الصحابة الذين أنتم تنادون باتباعهم والسير على نهجهم كان أول افتراق في عصرهم.

    الشيخ: نعم، أول افتراق كان في عصرهم، لكن يجب أن نفهم جيداً أن الصحابة رضي الله عنهم ليسوا هم السبب في الافتراق، هذا أولاً.

    ثانياً: لم يكن منهم رأس في الافتراق.

    وبعبارة أدق: لم يكن من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الجماعة ببدعة أو بمنهج يتعلق بمصالح الأمة العظمى، بمعنى أنه لم يخرج عن السنة من الصحابة أحد، وإنما اختلفوا في الاجتهاديات.

    المقدم: كيف نفسر الخلاف بين علي رضي الله عنه ومعاوية ، وما حصل بينهما من اقتتال؟

    الشيخ: كل خلاف بين الصحابة كان في الاجتهاديات، حتى قتالهم كان اجتهاداً فيه المخطئ وفيه المصيب، ولا يعدم كل منهم من الأجر أو الأجرين كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فهم مجتهدون، ولم يكن في الصحابة من يعتبر قدوة لأهل البدع والأهواء والافتراق على الإطلاق، ولذلك كان ظهور الخوارج والشيعة في عهد الصحابة، ثم كان ظهور القدرية في عهد متأخري الصحابة، ولم يكن في الصحابة أحد على هذه المذاهب على الإطلاق، بل بدأ الافتراق في الجيل الثاني والثالث وما بعدهما.

    إذاً: أعود وأحرر العبارة بدقة؛ لأن هذه -في الحقيقة- مزلة قد توهم فيها بعض العلماء، فكيف بطلاب العلم ومن دونهم؟!

    فأقول: ليس في الصحابة من فارق الجماعة أو وقع في افتراق، وكل خلافاتهم التي وقعوا فيها هي في الاجتهاديات.

    1.   

    حقيقة دعوى فرق الابتداع انتسابها إلى بعض الصحابة في المنهج

    المقدم: لكنا نرى أن من أتباع الفرق كل منهم ينسب نفسه إلى منهج صحابي، فيقول: أنا أتبع الصحابي الفلاني، أو المجموعة الفلانية من الصحابة يدعمون هذا الرأي أو هذه العقيدة التي أنا أنتمي إليها.

    الشيخ: بعد التحقيق الحاصل من أئمة السلف، ثم عرض الموضوع على أي إنسان يدعي البحث العلمي والتجرد والتحقيق والتثبت أقول له: أتحداه في أن يصل ببحث علمي مؤصل تتوافق فيه شروط البحث العلمي إلى هذه النتيجة، وهي أن أحداً من الصحابة كان قدوة لفرقة من فرق الابتداع.

    ولا يوجد عند الصحابة مذهب يوافق أي فرقة من الفرق التي خرجت عن السنة، إلا بالتلبيس والتدليس والافتراء، وهذا أمر آخر.

    وقد يكون السبب اللبس، فأغلب الفرق تدعي أنها على مذهب بعض الصحابة.

    المقدم: وهذه دعوى.

    الشيخ: أو طائفة من الصحابة، ولنأخذ على سبيل المثال: الصوفية الطرقية، فهؤلاء يدعون أنهم أخذوا كثيراً من أحوالهم وعقائدهم وطرقهم من أهل الصفة، وعند المقارنة نجد البون شاسعاً، فلا علاقة لأهل الصفة من الصحابة رضي الله عنهم بهؤلاء الصوفية على الإطلاق، بل العكس هو الصحيح.

    المقدم: هل أخذوها من كونهم عبدوا الله في الصفة؟

    الشيخ: ذكروا لهم أشياء ما حدثت، وكذلك بعض السمات العامة المشتركة بين جميع من يسلكون هذا المسلك من البشر، مثلاً: يوجد فيمن ينتحلون التصوف من يميل إلى الزهد والفقر، وأهل الصفة زهاد وفقراء، ولكنهم ليسوا منهج هؤلاء، فالزهد والفقر حالة توجد حتى في الكفار.

    المقدم: ليست مقصودة منهم لذلك.

    الشيخ: ليست منهجاً تعبدياً، فالزهد توفيق من الله عز وجل، الزهد الشرعي يهبه الله لمن يشاء، وليس خاصاً بأهل الصفة، لكنهم كانوا أكثر عرضة للفقر، فزهد أهل الصفة يختلف عن هؤلاء في أحوالهم ومقاماتهم ودعواهم، هذا مثال.

    المثال الآخر: أن المعتزلة يدعون أنهم سموا معتزلة لأنهم على مذهب الذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة رضي الله عنهم لما وقعت الفتنة بين معاوية وعلي رضي الله عنهما، فهناك فئة من الصحابة لم يتبين لهم وجه الحق؛ فاعتزلوا الجميع في ذلك الوقت، فقد يصفهم بعض الناس بأنهم معتزلة.

    لكن المعتزلة التي خرجت عن السنة والجماعة ليست على مذهب هؤلاء، فرءوس هؤلاء المعتزلة صرحوا بسبِّ رءوس الصحابة الذين تبنوا قضية اعتزال الفتنة كـابن عمر ، وابن عمر رضي الله عنهما أشهر من اعتزل الفتنة، أليس كذلك؟

    المقدم: بلى.

    الشيخ: أو من أشهر من اعتزل من الصحابة، ويدعي متأخرة المعتزلة أنهم على مذهبه وغيره، في حين أن عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة يقول عن ابن عمر : ما كان ابن عمر إلا حشوياً. أو نحو هذا الكلام، و(حشوي) يعني: أنه مجسم، والتجسيم كفر.

    وقال عن تابعي التابعين الذين كانوا أنداداً لـعمرو بن عبيد ، وهم الذين كانوا على مذهب ابن عمر رضي الله عنهما ومذهب الذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة: هؤلاء أنجاس أرجاس. فهذه مفارقات، لكن الله عز وجل يكشفهم.

    والوقت لا يتسع للتمثيل، إنما هو إشارة إلى أن كل فرقة تنتحل مسلك طائفة من الصحابة كذباً وافتراءً بالنوع أو بالأشخاص؛ فبالنوع مثل الذين ينتحلون مسلك آل البيت.

    المقدم: سيأتينا كلام حول هذا.

    الشيخ: وهذه مسألة ثانية.

    المقدم: أو مسلك أشخاص معينين.

    الشيخ: أي نعم، كـابن عمر أو أبي ذر كما يقول الاشتراكيون، ولذا كتبوا كتابات عن اشتراكية أبي ذر ، مع أن أبا ذر بريء من الاشتراكية بمفهومها المعاصر.

    1.   

    الأصل الشرعي لمصطلح أهل السنة والجماعة

    المقدم: حررت قبل قليل -يا شيخ حفظك الله- مصطلح السلف، وهناك مصطلح آخر هو -أيضاً- لصيق بهذا المصطلح، وهو مصطلح أهل السنة والجماعة، فنود بداية أن نتعرف على معنى هذا المصطلح، ثم نريد أن نعرف هل هو لفظ مخترع مبتدع، أم له أصل؟

    الشيخ: أما أن له أصلاً فقد تكلمت عنه قبل قليل، وهو أنه مأخوذ من وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتعبير النبي صلى الله عليه وسلم وبلفظه، وهو لفظ الوحي: (فعليكم بسنتي)، فمن استمسك بهذا المنهاج فهو على السنة، ثم قال: (عليكم بالجماعة)، فمن استمسك بهذا المنهج الذي عليه جماعة الصحابة رضي الله عنهم المتبعون للنبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم؛ فهو من الجماعة.

    إذاً: أهل السنة والجماعة هم الذين سلكوا هذا الطريق الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سماهم بذلك، والمنهاج واضح.

    بقي الشق الآخر من السؤال، وهو: هل هو مخترع؟

    وهذه دعوى -كما قلت- يردها صريح النصوص، فهو لفظ لم يخترعه السلف لأنفسهم، ولم يرفعوه شعار استعلاء على الناس، إنما هو السنة والجماعة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فمن دخلها فهو الكاسب، ومن أعرض عنها فهو الخاسر، وليس هناك خصوصيات صنعها السلف لأنفسهم، لا في الاسم ولا في الأوصاف.

    1.   

    حقيقة دعوى فرق الابتداع كونها فرق أهل السنة والجماعة

    المقدم: لكن هناك من الفرق من يدعون أنهم هم أهل السنة والجماعة، أما غيرهم فقد يكونون حشوية أو مجسمة.. إلى غير ذلك من الأوصاف؟

    الشيخ: هناك من يدعي أنه من أهل السنة والجماعة وعنده اختلاف، وهناك من الفرق من أهل الأهواء والافتراق والبدع من هم من المسلمين، لكنهم ضلوا عن السنة، وما خرجوا من الإسلام، وأرجو أن يفهم ذلك؛ لأن هناك خلطاً، فحينما نقول: (الفرق) لا نقصد الفرق التي خرجت عن الملة، فهذه لا تحسب من فرق المسلمين، إنما الفرق التي بقيت على أصل الإسلام لكنها ابتدعت في الدين، فوقعت في ضلالات، ووقعت في بدع، وخرجت عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه خارج إطار السنة والجماعة.

    المقدم: مثل ماذا؟

    الشيخ: مثل بعض الفرق المشهورة، ولا داعي لذكرها، لكن أقول: إن هذه الفرق كل منها يدعي أنه على مسلك السنة والجماعة، أو أكثرها.

    وقبل أن أذكر الميزان في تحقيق الدعوى لا بد من أن أشير إلى أمر، وهو أن منهج السنة والجماعة قد توجد بعض أصوله وبعض ثوابته عند الفرق الأخرى، فهذه الفرق ما خرجت من الدين كله، وهي تتفاوت، فبعض الفرق بقي عندها الكثير من أصول السنة، وبعضها تركت كثيراً، وبعضها ما بقي عندها من السنة إلا القليل، لكنهم كلهم خرجوا عن السنة؛ لأن الضابط في الخروج عن السنة هو: أن من خالف في أصل أو أكثر من أصول السنة والجماعة الاعتقادية أو العلمية أو العملية، أو في مناهج الدين؛ فقد خرج عن السنة في أصل أو أكثر.

    وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من ميزان لتحقيق دعوى السنة والجماعة عند هؤلاء، فنقول: هذه ثوابت السنة: أركان الإيمان، أركان الإسلام، الشفاعة، الرؤية، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التعامل مع ولاة الأمر، التعامل مع العلماء، العبادات التي شرعها الله وشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم، عدم الإحداث في الدين.. إلخ.

    فننظر فيما عند هذه الفرق ثم نطبقه على هذه الثوابت، فإن تحقق أن كل أصولهم على الثوابت فهم من أهل السنة والجماعة، وإذا تحقق أنهم خالفوا في أصل أو أكثر سقطت الدعوى بهذا المنهج العلمي الواضح.

    المقدم: بعض الناس يقول: إن أهل السنة والجماعة هم تلك الفرق التي تقوم مقابل الرافضة، فهل هذا المصطلح له وجاهة؟

    الشيخ: قصدك السنة في مقابل الرافضة؟

    المقدم: السنة أو أهل السنة.

    الشيخ: نعم قد يطلق هذا؛ لأن كل مصطلح من المصطلحات أحياناً يكون له إطلاق عام، وأحياناً يكون له إطلاق خاص.

    فإذا أخذنا مفهوم السنة والجماعة بالإطلاق الخاص الاصطلاحي الشرعي؛ فإنه يعني الفرقة التي ثبتت على منهاج النبوة.

    ولكن هناك إطلاق عام له عندما نقسم المسلمين إلى قسمين، فنقول: سنة وشيعة، فيدخل في المفهوم العام للسنة الفرق الكلامية الأخرى والصوفية الذين لا ينتحلون التشيع في مقابل الشيعة، وهذا التصنيف لم يكن موجوداً قديماً، بل أغلبه جاء من المستشرقين، لكن مع ذلك له أصل عندما ننظر إلى عموم الوصف.

    المقدم: الذي نقصد في هذا اللقاء أن أهل السنة هم من كان على منهج النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه.

    الشيخ: الوصف الشرعي، لا الوصف العام.

    1.   

    كتب في عقيدة السلف

    المقدم: ننتقل إلى نقطة أخرى جديدة حول أبرز الكتب في العقيدة، وإن كانت الكتب متشعبة في أبواب متعددة، فهل من كتب تقترحها للأخ المشاهد أو الأخت المشاهدة؟

    الشيخ: يظهر لي أن مثل هذا السؤال يستفيد منه عموم المشاهدين، وتحضرني الآن كتب جيدة لبعض مشايخنا المعاصرين؛ لأنها ألفت بأسلوب سهل، وهي لا تخرج عن كتب السلف عموماً، يعني: الكتب الشاملة، فهناك كتب متخصصة في جانب معين، مثل كتاب التوحيد.

    وأما في العقيدة كلها فكتاب الشيخ محمد بن عثيمين ، وهو كتاب جيد ومعنصر عنصرة جيدة.

    المقدم: كتاب ماذا؟

    الشيخ: العقيدة، أو عقيدة السلف، أو عقيدة أهل السنة والجماعة، أو نحو ذلك، فالعناوين قد لا تحضرني بدقة.

    وللشيخ صالح الفوزان كتاب في العقيدة جيد ومركز ومعنصر.

    وللشيخ ابن باز رحمه الله عدة كتب، منها المختصر جداً، مثل: (ما لا يسع المسلم جهله)، وهناك كتاب آخر للشيخ ابن باز في العقيدة معنصر وجيد.

    فأنا أقول: كل مشايخنا الكبار الآن -كالشيخ ابن جبرين - أو أغلبهم لهم كتب في العقيدة، وكلها جيدة ومعنصرة بحسب ما يجد المطلع الكتاب قريباً منه، فيستفيد منه إن شاء الله.

    1.   

    الوهابية والحنبلية في ميزان المدرسة العقلية

    المقدم: من الدعاوى التي قد يطرحها هؤلاء قولهم: أنتم تقصدون بمذهب السلف الوهابية -كما يسمونها- أو الحنابلة، فهل هو محصور في هذين الوصفين؟

    الشيخ: هذا الكلام قد يكون له شيء من الصحة من جانب، لكن لو نظرنا إلى الناحية الشمولية الشرعية فهذا لا يخلو من خطأ أو من نوع من التلبيس والتمويه على الناس.

    فالوهابية وهي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذا أخذناها على حقيقتها فما هي إلا امتداد لمنهاج النبوة، وما هي إلا إحياء وإظهار وإعزاز لمنهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والقول والعمل وفي التطبيق في المجتمع والسياسة وكل أمور الحياة.

    إذاً: هي تجديد لمنهاج النبوة، وهي منهج السلف الصالح، هذه حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

    وأما تسميتها (وهابية) فهو نوع من اللمز، ونوع من التشويه الدعائي من قبل خصوم الدعوة والجاهلين بحقيقتها، سواء كانوا من الكفار أو من المسلمين أصحاب البدع والأهواء، أو من الجهلة بحقيقتها، فهم يظنون أن الوهابية فرقة، والوهابية ليست فرقة، هي منهج السنة والجماعة قام بها هذا الداعية المصلح مثلما قام بها الدعاة المصلحون السابقون، فنسبت إليه من باب التعيير، وهذه في الحقيقة تزكية، ولذلك أقول لإخواني الذين يعرفون حقيقة دعوة الشيخ: يجب أن تعتزوا بهذا الوصف وبهذا التعيير؛ لأنه تزكية إذا أخذنا الوهابية على حقيقتها، لكن إذا كان القصد بالوهابية ما يقوله أصحاب البهتان والافتراء على الدعوة من أنها خارجة عن الإسلام، أو أنها خارجة عن السنة، أو أنها مخترعة أو مبتدعة، أو أنها تبغض الأولياء أو تبغض النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه اقتراءات؛ إذ كيف تبغض الأولياء وتبغض النبي صلى الله عليه وسلم وقد قامت على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرة الأنبياء، وبذلت مهجتها في نصرة الحق الذي يمثله النبي صلى الله عليه وسلم ويمثله الأولياء؟!

    أقول: الوجه المشوه للوهابية قد يسيء فعلاً عند هذا الإطلاق.

    وكذلك الحنابلة ليسوا إلا مذهباً فقهياً اجتهادياً، ومذهب أهل السنة والجماعة لا يخص الحنابلة، وإن كان مذهب أهل السنة في الحنابلة كثيراً؛ لأن الإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة، وعلى منهجه استقر منهج السلف العملي، فأكثر منهج السلف العملي استقر على منهج الإمام أحمد ؛ لأنه آخر الأئمة الأربعة، وكلهم في العقيدة سواء، ولذلك فمن الأمور التي يجب أن نكشفها للإخوة؛ لأنها تبين -مع الأسف- مدى السذاجة عند الجاهلين، ومدى البهتان عند المتعمدين الذين يطلقون على منهج السلف لفظ الوهابية أو الحنابلة على سبيل اللمز، أن الدليل على جهلهم: أن أكثر الذين رسموا منهج السلف في القرون الثلاثة الفاضلة وما بعدها أغلبهم ليسوا من الحنابلة.

    المقدم: ممن؟

    الشيخ: من المالكية، ومن الشافعية، ومن الأحناف، وهذا يحتاج إلى استقراء دقيق، ولكن من خلال اطلاعي على بعض البحوث العلمية والرسائل المعاصرة نجد أن الأكثر عدداً ممن نصروا منهج السلف ومنهج أهل السنة والجماعة هم الشافعية والمالكية ثم الأحناف، هذا أمر.

    الأمر الآخر: ينبغي أن يعرف أن أكثر منهج السلف من الناحية المنهجية العلمية الشاملة استقر قبل الإمام أحمد ؛ إذاً: فالمفترض أن ينسب إلى مالك ، وينسب إلى الشافعي وينسب إلى أبي حنيفة قبل أن ينسب إلى أحمد .

    سر التصاق منهج السلف بالحنابلة

    المقدم: ما هو السر في نسبته إلى الإمام أحمد دون غيره؟

    الشيخ: هذا من الأشياء التي لا نعتبرها تعالياً على الآخرين، وهو أن الإمام أحمد رحمه الله كان قوياً وحازماً، ورسم للسلف منهجاً علمياً وعملياً في واقع الحياة.

    كما أنه جدد في الوسائل، ليس في الأصول والثوابت، بل في الوسائل العلمية والوسائل المنهجية في تقرير عقيدة السلف والدفاع عنها، الأمر الذي جعل إسهامه في هذا أكثر من غيره.

    المقدم: وهل المحنة التي تعرض لها الإمام أحمد لها دور في هذا؟

    الشيخ: لا شك، فالمحنة ما هي إلا دليل على ما نقول فقط، فلها دور في تعاطف المسلمين عموماً مع الإمام أحمد ، لكن الكلام على تعلقهم بمنهجه.

    فمن هنا قيل لأهل السنة: الحنابلة، هذا شيء.

    الشيء الآخر: أن الحنابلة تميزوا بالحزم في نصر السنة أكثر من غيرهم، إلى حد أن بعضهم قد يؤخذ عليه أنه أخذ منهج الشدة، لكن هذا قليل، فالأكثرية من الحنابلة عندهم حزم نصر الله به السنة.

    المقدم: لذلك الحنابلة يوصمون بالتشدد.

    الشيخ: نعم يوصمون بالتشدد؛ لأن الحزم لا يطيقه الناس، والناس لا يفرقون بين الحزم وبين العنف، فكثير من الناس يفسر الحزم والقوة في الحق -ولو كانت بضوابط شرعية- بأنها عنف، ولذلك اتهموا المذهب الحنبلي بأنه عنيف وأن أهله فيهم عنف، وليس فيهم عنف، بل حزم، وقد يوجد منهم من يتجاوز، وهذا حق.

    والأمر الثالث في شهرة مذهب الحنابلة: أن أكابر المصلحين -كـابن القيم وابن تيمية - احتذوا منهج الإمام أحمد في الاجتهاد، وإن كانوا لا يتقيدون به.

    فمن هنا جاءت هذه الشهرة، ونسب الناس السنة والجماعة إلى الحنابلة والوهابية، وهذا فيه لبس وتلبيس.

    المقدم: لذلك قد ينسب بعض أهل البدع إلى إمام من الأئمة كـالشافعي أو مالك ، كل فئة تنسب نفسها إلى إمام فقهي معين، يقولون: نحن ننتسب إلى العالم الفلاني، لذلك صنف أغلب الشافعية من قبل أهل البدع، كما صنف أغلب الحنفية.

    الشيخ: لكن هذا التصنيف لم يكن سبباً للخلط؛ لأن الذين يلبسون على الناس يستهدفون المنهج الذي يصادم قناعاتهم ويصادم مناهجهم، وهو أقوى منهم.

    وإلا فهم عند التحقيق يعرفون، وفي الحقيقة الأئمة الأربعة هم أئمة السنة، وأئمة العقيدة، ولا يختلفون؛ ولذلك فمن الأشياء التي ننبه عليها في هذا المقام: أن حقيقة انتساب أهل الأهواء والافتراق والبدع إلى الأئمة الأربعة لا تستقيم شرعاً ولا عقلاً، وعند البحث المتجرد نجد أنهم ليسوا شافعية ولا مالكية ولا حنابلة، ولا أحنافاً؛ لأن الأصل عند الأئمة الأربعة هو العقيدة، بل إنهم أشاروا إلى أن ما خالفوا فيه الدليل يطرح، وهم مجتهدون متواضعون، وما أرادوا أن يتعصب لهم الناس، ولا يرضون لأحد من أتباعهم أن يترك نهج السنة والجماعة، وقد أكدوا على ذلك.

    إذاً: الحقيقة أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب الأئمة الأربعة، وأن الذين ينتسبون إلى الأئمة الأربعة ممن خرجوا بالبدع عن السنة والجماعة انتسابهم غير صحيح وغير شرعي.

    1.   

    حقيقة دعوى تأثر عقيدة السلف بالسلاطين

    المقدم: من الدعاوى الأخيرة التي يدعونها أنهم يقولون: إن عقيدة السلف تأثرت ببعض السلاطين وآرائهم واجتهاداتهم؛ لتسلطهم وقوتهم، فهل هذا صحيح؟

    الشيخ: نعم يقولون هذا، ويبدو لي أن الذين اطلعت على كتاباتهم وأقوالهم من هذا الصنف في هذا الزمن خاصة أنهم أصحاب خلفيات فرقية، معروفون بالانتماءات الفرقية سابقاً، فلما رأوا أن منهج السلف منهج متكامل يسد عليهم جميع أبواب الشبهات وجميع أبواب الاعتراضات؛ ذهبوا يلصقون بمنهج السلف كل تهمة، فنظراً إلى أن منهج السلف فيه حزم تجاه رءوس البدع الذين يدعون إلى البدعة، وأن السلف يرون أن من دعا إلى بدعة وأفتى الناس بها فهو مفسد، فكانت أحكامهم النظرية والتطبيقية أحياناً على أهل البدع قاسية، وكانوا أيضاً يوصون الحكام بالأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء بالحزم، نظراً لذلك جاءت شبهة أن بعض أئمة السلف عملاء للسلاطين، وهذا كذب وافتراء، فالسلف وأتباعهم يناصحون السلاطين في كل زمان ومكان إلى يومنا هذا، فعلماؤنا ومشايخنا يناصحون السلاطين أبراراً كانوا أو فجاراً، وليست هذه عمالة، يناصحونهم ويسمعون ويطيعون بالمعروف.

    إذاً: الشبهة جاءت من هذا الجانب، فهم لما ضاقوا بما بين السلف والولاة من التعاون على البر والتقوى قالوا: هؤلاء الأئمة -أئمة السلف- استجابوا لضغط السلاطين في بعض مسائل العقيدة.

    ومن ضمنها: دعواهم أن مسألة التقعيد لطاعة ولاة الأمر بالقواعد المعروفة نتيجة ضغط السلاطين عليهم، حتى اعتبروا جميع أبواب الأحكام السلطانية والتعامل مع السلطان وأحكام الولاية والإمامة والخلافة التي هي جزء من أبواب العقيدة وجزء من أبواب الفقه، اعتبروها كلها نتيجة عمالة بعض أئمة السلف للسلاطين؛ كاستجابة لواقع سياسي أو ضغط أو مداهنة.. إلخ.

    وليس في عقيدة السلف -حتى في منهج التعامل مع ولاة الأمر- ما هو استجابة لرغبة سلطان ولا نتيجة ضغط ولا مجاملات، وإن حدث من بعض السلف شيء من ذلك فإنما ينفيه المنهج؛ لأنها تصرفات فردية تشذ عن القاعدة وليست محسوبة على المنهج.

    المقدم: يوضح ذلك موقف الإمام أحمد أمام الحاكم في عصره وفي تلك الفتنة قتل بعض أئمة السلف ولم يرضخوا لهذا الحاكم أو ذاك لأجل تغيير عقيدة من عقائد المسلمين.

    في نهاية الحلقة نشكر شيخنا الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل على هذه الطروح الجميلة في موضوع: (الاتجاهات العقلية المعاصرة) في الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.