إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل
  3. منهج السلف في تقرير العقيدة ونشرها والرد على المخالفين

منهج السلف في تقرير العقيدة ونشرها والرد على المخالفينللشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • منهج أهل السنة والجماعة في أبواب الدين وكلياته وقواعده واضح بين، سواء ما كان في مصادر التلقي والاستدلال، أم ما يتعلق بتقرير العقيدة ونشرها، أم في الرد على المخالف في أصول الدين أو فروعه وجزئياته، بخلاف أهل الأهواء والافتراق الذين ليس لديهم منهج واضح يحكمهم، ولا قواعد صحيحة يستندون إليها ويرجعون، ويستمدون منها العقيدة والدين، ولا مصادر واضحة في التلقي والاستدلال.

    1.   

    أهمية الحديث عن مناهج السلف في العصر الحاضر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فإن من أهم الأمور التي ينبغي بيانها لعموم المسلمين ولطلاب العلم خاصة: ما يتعلق بمناهج السلف العلمية والعملية في الاعتقاد والأحكام، وربما يقول قائل: لماذا التركيز على مناهج السلف في هذا الوقت؟

    فأقول: إن الموجب للحديث عن منهاج السلف في هذا العصر أمور كثيرة:

    التشكيك في المفاهيم والعقائد والأفكار

    أولها: ما دخل على قلوب كثير من المسلمين، وعلى أعمالهم ومفاهيمهم وأفكارهم ومعارفهم من أفكار وافدة، شككتهم في أصول دينهم، وفي مناهج السلف، وفي سبيل المؤمنين، ثم ما طرأ على كثير من المسلمين من الخلل في أصول تلقي الدين، وتلقي العلم الشرعي.

    فقد كان المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقت قريب يستمدون الدين عن القدوة، وما كان أحد من الناس يخالف هذه البدهية، بل كانت الأمة ترجع إلى الراسخين في العلم.. وإلى أهل الذكر كما أمر الله عز وجل، لكن في الآونة الأخيرة، ولكثرة مصادر التلقي غير النقية، ولهيمنة البدع على قلوب بعض الناس وأعمالهم، ولكثرة الأهواء والافتراق، ولشيوع المذاهب الهدامة بين كثير من المسلمين؛ اختل هذا الأصل، فصار الناس لا يدرون ولا يفهمون، وربما يجهلون عمن يأخذون الدين.

    كما أن كثيراً من أبناء المسلمين صار عندهم استقلالية في التلقي، وبعضهم أخذه التعالم والتعالي، فبمجرد ما يحصِّل الواحد منهم القليل من العلم؛ يظن أنه بذلك استغنى عن العلماء، فيستقل؛ فلا يأخذ عن القدوة وهو موجود بحمد الله في المسلمين إلى قيام الساعة؛ لأن الله تكفل بذلك.

    الهجوم الإعلامي على عقائد الناس وقلب الحقائق

    ثانيها: الهجوم الإعلامي الشرس على المسلمين وإلزامهم بمعلومات غير نقلية، وإدخالها إلى أذهان المسلمين بما يتاح من وسيلة معلنة أو خفية؛ مما جعل الناس تختل عندهم المناهج، وما كان المسلم قبل مدة يسيرة يظن أنه يتلقى الدين عن غير أهله، فكان حتى المبتدع والفاجر والفاسق والمعرض يعترف بأن الدين إنما يؤخذ عن القدوة، حتى ولو لم يأخذه، ولو خالف هواه.

    أما الآن فوجد من المتدينين من يزعم أنه يستغني عن القدوة، فقد وجد من دعاة الضلالة الذين يرفعون راية الإسلام بل والسنة بزعمهم من يحجب أبناء المسلمين عن القدوة -العالم الراسخ- بدعاوى كثيرة، وربما التبس هذا الأمر أيضاً على بعض خيار الدعاة، وعلى طلاب العلم أو من ينتسب للعلم، وربما ذهلوا عن هذه الحقيقة؛ فصرفوا من حيث قصدوا أو لم يقصدوا- الناس عن العلماء بدعاوى وشبهات.

    إذاً: نحن نحتاج إلى تذكير عموم المسلمين -وطلاب العلم خاصة- بمناهج الدين المتمثلة في مناهج السلف، ونذكرهم فيها جملة وتفصيلاً.

    1.   

    أصول ومرتكزات تتعلق بمنهج السلف في الاستدلال

    أما الحديث عن منهج السلف في تقرير العقيدة ونشرها والرد على المخالف، فهو موضوع يحتاج الناس إليه، وقبل أن أبدأ بهذا المنهج أشير إلى بعض الأصول والمرتكزات والمسلمات التي ينبغي أن تفهم قبل معرفة بعض الفوائد في منهج السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها.

    والحديث سيتركز على القواعد والمناهج دون الدخول في التفصيلات والأمثلة والأدلة؛ لأن ذلك يستدعي وقتاً طويلاً، لكني أوجز بالاقتصار على أهم الأصول والمرتكزات التي تتعلق بمنهج السلف عموماً.

    إتمام الدين وشموليته في العقائد والأحكام

    أولاً: لا بد لكل مسلم أن يؤمن -ضرورة- بأن الله عز وجل أكمل هذا الدين، فالدين بجملته وتفصيلاته ليس بحاجة إلى أن يستمد من مصادر أخرى، أو اجتهادات البشر في أصوله وقواعده وأدلته، بل يحتاج إلى جهود البشر في جانب الاجتهاديات.. في الأحكام والاستنباط، أما ما يتعلق بالأصول والمناهج.. ما يتعلق بالعقيدة والقواعد فهي أمور مقررة توقيفية، قد أكمل الله بها الدين، والله عز وجل يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    فمنذ ذلك اليوم الذي أعلن الله فيه هذا الأصل تقرر قطعاً أن الناس ليسوا بحاجة إلى أن يستمدوا الدين من غير الكتاب والسنة.

    ثم يستلزم ذلك أن كمال الدين هو صلاحيته لكل زمان ومكان، ولكل بيئة ومجتمع، ولكل وضع من أوضاع البشر إلى أن تقوم الساعة، الوضع البدائي والوضع الحضاري؛ كله لا بد أن يكون الدين قد اشتمل على المنهج الأكمل في إصلاحه واستصلاحه؛ لئلا يدعي مدع أننا بحاجة إلى نمط آخر، أو إلى أصول أو اجتهادات أخرى في قواعد الدين تختلف عن مناهج الأولين؛ بدعوى أن أوضاع البشرية تغيرت، وأن الناس قد تحضروا، وأن المدنية هيمنت.. الخ.

    والله عز وجل جعل هذا الدين هو الدين الخاتم، وجعل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الأخيرة؛ وهذا -بالضرورة- يقتضي أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، كما أن هذا الدين الذي أكمله الله لا بد أن يشتمل على العقائد والأحكام.. على الأدلة بتفصيلاتها، وعلى القواعد التي ترجع إليها ملايين الجزئيات.. إلى ما لا نهاية.

    كما اشتمل على الأصول العلمية والعملية، المنهجية والجزئية، كما اشتمل على العلم والعمل، وعلى مناهج ذلك كله الذي تؤدي إليه، كما اشتمل أيضاً على الوسائل التي تخدم الدين أو التي يكون بها الاستمداد من الدين لأحوال البشر ونوازل الحياة.

    الدين بين النظرية والتطبيق

    ثانياً: أن هذا الدين لا بد أن يمثله سلوك بشر، فالدين ليس بمثاليات ولا نظريات، إنما جاء لحل مشكلات البشر، ولتسيير أمورهم وأوضاعهم على ما يرضي الله عز وجل إذا سلكوا هذا الدين.

    فالدين يمثله سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه، وجعل ذلك مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، فجعل الله عز وجل الخروج عن مقتضى هذا الدين مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم، وخروج عن سبيل المؤمنين، وجعل اتباع غير سبيل المؤمنين من الأمور الموجبة لغضب الله ومقته وعذابه، وسبيل المؤمنين هو السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف هؤلاء المؤمنين بالجماعة، والطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وبالظاهرين، ووصفهم بأوصاف كثيرة، ثم إنه وصف حالهم بوصف دقيق يكون هو الميزان عندما يختلف الناس، أو عندما يتنازعون في المقصود بأصحاب هذا الوصف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن سبيل المؤمنين هو سبيل الجماعة، ثم لما سئل عن الجماعة قال: (هم من كان على ما أنا عليه وأصحابي).

    وهذا وصف بيِّن جلي؛ لأن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام بيِّن جلي مسطور محفوظ، حفظه الله عز وجل في كتابه، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، المنقولة عملاً، والمكتوبة والمسطورة، والتي تكفل الله بحفظها إلى قيام الساعة؛ لئلا يحتج محتج فيقول: لا أدري أو لا أعرف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

    فالحجة بذلك قائمة، والسنة بين أيدينا ولذلك وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأن ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فالجادة هي المنارة في وسط الظلماء، إذا كان الإنسان يسير في ليل وليس أمامه إلا هذا الطريق المنار؛ فإنه إذا خالف يميناً أو شمالاً وقع في الظلمة؛ وبذلك قصد الخروج عن مقتضى الواضحة، كذلك السنة واضحة كالطريق المنارة، لا يزيغ عنها إلا من تعمد الزيغ، نسأل الله العافية.

    حفظ الدين واختلاف المناهج

    ثالثاً: أن الله تكفل بحفظ دينه، وقد يقول قائل: إن المناهج قد اختلفت علينا وكثرت السبل، وكثرت دعاوى السنة، ولم يعد الدين واضحاً، فنقول: ليس الأمر كذلك؛ فإن الله عز وجل كما أكمل الدين فقد تكفل بحفظ دينه وبقائه، فقال عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، مؤكدات قاطعة أن هذا الدين سيحفظ.

    ثم الخبر الصادق عن النبي صلى الله عليه وسلم المتواتر بأن طائفة من هذه الأمة ستبقى ظاهرة: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، والظهور يشمل ظهور العيان.. ظهور الحجة.. ظهور القدوة.. ظهور العلم.. ظهور العمل.. ظهور المناهج، وهذا أمر بدهي أن يكون الظهور من كل وجه، وإلا فمتى يكون وصف النبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، فهو لا ينطق عن الهوى.

    ثم فسر أمر الجماعة بتفسيرات أخرى، قال: (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى أن تقوم الساعة)، وسمَّاهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وسماهم الجماعة، وسماهم الصحابة رضي الله عنهم بأسماء تدل على أنهم أهل الحديث وأهل الأثر.. الخ.

    وهذه الصفات بمجموعها توجب -حتماً- أن السنة بيِّنة واضحة لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن الله عز وجل تكفل بحفظ الدين، ومن مقتضيات الحفظ: بقاء طائفة تكون هي القدوة؛ لأن الدين لا يكون مجرد مثاليات، أو نظريات.

    فكما حفظ الله الدين بمصادره -وهو القرآن والسنة- كذلك حفظ وضمن لنا العمل به، وحفظ لنا وجود القدوة وضمنها إلى قيام الساعة، ويلتمس ذلك ببقاء الطائفة الذين هم على الحق ظاهرين، وهم أهل السنة والجماعة.

    1.   

    منهج التلقي والاستدلال عند أهل السنة

    المنهج الذي عليه السلف في بيان تقرير العقيدة ونشرها يتمثل فيما يلي:

    مصادر العقيدة توقيفية لا مجال للعقل فيها

    أولاً: الدين -والعقيدة بخاصة- يقوم على الوحي، فالعقيدة توقيفية، أي: موقوفة على ما جاء عن الله تعالى، وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الدين لله، فهو سبحانه الذي شرع الدين، ولا تستطيع قوى البشر وعقولهم أن تقرر منهاجاً تعبد الله فيه على ما يرضي الله عز وجل، أو منهاجاً تعبد الله على الأحكام التي تسعد الناس جميعاً في الدنيا والآخرة؛ لأن ذلك راجع إلى الله عز وجل وليس إلى البشر.

    ولذلك كلما أراد البشر أن يخرجوا قيد أنملة عن مقتضى الدين في أي أمر من الأمور؛ تخبطوا وتاهوا، فهم قد يجيدون تدبير دنياهم بعقولهم؛ لأن الله عز وجل جعل ذلك لهم، لكن أمر الدين لا طاقة للعقول فيه.

    ولذلك فما من أحد حكم عقله في الدين إلا ويأتي بالصبيانيات المضحكات، ويقع في زلات عظيمة، ومتاهات ومحارات يدخل فيها ولا يخرج منها إلا بتوبة.

    الاعتماد على الأحاديث الصحيحة

    ثانياً: يعتمد السلف في تقرير العقيدة على الصحيح الثابت، فلا يعتمدون على الضعيف ولا الموضوع، ولا على الحكايات، أو الكرامات، أو الكشوف، أو الوجد، أو الذوق، أو العقليات والظنون، ولا على العلوم الطبيعية والمقاييس ونحوها؛ لأن هذه الأمور تتعلق بعالم الشهادة، والدين في أصوله وقواعده يعتمد على الغيب البحت، والغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    والعقول البشرية قد تدرك العمومات، لكن لا تدرك التفاصيل ولا تهتدي إلى ما يرضي الله عز وجل على جهة التفصيل، والعمومات لا توصل إلى ما يريده الله عز وجل، فلذلك أرسل الله الرسل وبعث النبيين؛ لتقوم بهم الحجة.

    إذاً: يقوم أساس منهج السلف على الاعتماد على الصحيح الثابت؛ ولذلك تميز منهج السلف بالعناية بالإسناد، وهذا لم يوجد في أي فرقة من الفرق التي خالفت السنة والجماعة أن تعتني بالإسناد، وإن عنيت ربه فعلى مناهج مختلة، ولا تعنى به أيضاً إلا عندما تريد أن تستدل بدليل للاعتضاد لا للتأصيل.

    فالسلف منهجهم فيما يتعلق بالحديث يكون معتمداً على الإسناد والرواية، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه.

    الاستدلال بالآثار الضعيفة للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها

    ثالثاً: قد يستدل السلف بعد الاستدلال بالقرآن والثابت من السنة بالأدلة والآثار الضعيفة لا للاستدلال بها، ولكن للاعتضاد، فليس عند السلف شيء من الاعتقاد إلا ويعتمد على دليل صحيح ثابت، أو على الإجماع الذي يقوم على الدليل، وهذه القاعدة لا تتخلف، ويجب أن يعتمدها طلاب العلم؛ لحماية العقيدة من تخريب المخربين، وهي أن العقيدة كلها.. بل الدين كله لا يعتمد إلا على الدليل الصحيح، وليس عند السلف شيء من الدين يعتمد على غير الدليل الشرعي الصحيح.

    وقد يشكل على بعض الناس: أن السلف في كتب السنة -خاصة كتب الآثار وبعض المسانيد وبعض السنن، ما عدا الصحاح- قد يوردون الأدلة والآثار الضعيفة؛ فيظن بعض الناس أن هذا للاستدلال، وليس كذلك وإنما لعضد الدليل الأصلي، فما من قضية من قضايا الدين ولا أصل من أصول له إلا وله دليل صحيح من الكتاب أو السنة، أو من الإجماع الذي يعتمد على الكتاب والسنة، أو من القواعد التي استمدت من مجموعة من الأدلة أو من دليل، فما قرره السلف من أصول الاعتقاد فهو مستند على دليل صحيح ثابت.

    واستدلالهم بعد ذلك بالأدلة الضعيفة وبالروايات والآثار وبالرؤى أحياناً والمنامات والقصص أحياناً؛ كل ذلك من باب عضد الدليل، لا من باب الاستدلال والاستقلال؛ فيجب أن يتنبه طلاب العلم لهذه المسألة، لأن بعض دعاة الفتنة بدءوا يثيرون هذه القضية، ويقولون: إن السلف يحشدون في كتبهم وفي كتب السنن والآثار والمصنفات شيئاً كثيراً من الروايات والأسانيد الضعيفة.

    ونقول: هذا ليس للاستدلال، إنما هو للاعتضاد، ومن باب حشد الدلالات وتقوية الدليل.

    استخدام الدليل العقلي والفطري في استنباط الأدلة

    رابعاً: من منهج الاستدلال أن السلف قد يستعملون الدليل العقلي والفطري -وهذا منهج القرآن، ففي كلام الله عز وجل نجد الاستدلال العقلي قائماً، ولكن ليس استقلالاً، فالاستدلال بالأدلة العقلية راجع إلى كمال الله عز وجل، ولا يعني ذلك أن البشر يستطيعون أن يسلكوا مسلك القرآن من كل وجه؛ لأن الله عز وجل هو خالق العقول، وهو الذي وضع من الأدلة والبراهين القرآنية ما يناسبها، لكن من الأدلة القرآنية ما لا تطيقه العقول استقلالاً؛ لأنه متعلق بكمال الاستدلال، وذلك لا يكون إلا لله عز وجل، لكن مع ذلك فإن السلف يستخدمون الدليل العقلي والفطري لتأييد الوحي، واستنباط الدلالة، وتوجيه الأدلة ودلالاتها.

    إذاً: الدليل العقلي عاضد، والدليل الفطري عاضد يؤصل له دليل من الكتاب والسنة؛ ولذلك لا يوجد عند السلف قاعدة في الدين أو أصل من أصول الدين دليلها العقل فقط؛ لأن الله عز وجل وفى في الوحي كل ما يحتاجه الناس في هذا الأمر، وإن احتاجوا إلى الاستدلال العقلي فمن باب تبيين الدلالة الشرعية، أو الدليل الشرعي، أو توظيف العقل لتأييد الشرع، وهذا لا حرج فيه، والسلف كانوا يسلكونه، بأن يأتوا بالدليل الشرعي ثم يعضدونه بالاستدلال من العقل أو الفطرة؛ لتقوية الأمر في قلوب الناس.

    1.   

    قواعد منهج السلف في بيان وتقرير العقيدة وأصول الدين

    أما من حيث منهج العرض والبيان والتقرير والنشر فإن السلف لهم في ذلك قواعد ذهبية واضحة بينة، لا لبس فيها ولا غموض:

    الالتزام بالألفاظ الشرعية

    أولها: عند عرض العقيدة وأصول الدين يلتزمون بألفاظ الشرع ومصطلحاته، فلا تجد عند السلف مصطلحات كلامية في تقرير العقيدة، ولا مصطلحات فلسفية، ولا مصطلحات صوفية، ولا مصطلحات باطنية، ولا مصطلحات أدبية، بل يلتزمون بألفاظ الشرع ومصطلحاته، وإذا اضطروا إلى مواجهة المصطلحات المحدثة؛ واجهوها بألفاظ شرعية بينة، لها دلالات من الكتاب والسنة، فقد يعبرون أحياناً بتعبير موضح للقاعدة، لكن لا يخرجون عن اللسان العربي المبين، فقد يشرحون أصلاً من الأصول الموجودة في القرآن والسنة بكلام زائد عما في الكتاب والسنة، لكنهم يلتزمون المعنى بألفاظه الدقيقة، ولا يوقعون الناس في اللبس، وفي الإشكالات اللغوية، أو المحارات العقلية، أو السفسطات الفلسفية، بل يلتزمون ألفاظ الشرع ومصطلحاته.

    ولذلك جاءت تقريراتهم بالعقيدة متفقة في ألفاظها ومعانيها، فلا تجد أحداً من أئمة السلف قديماً أو حديثاً يخالف الآخر في تقرير أصول الدين، وهذا -بحمد الله- من مقتضيات حفظ الله لهذا الدين.

    فالسلف لم يختلفوا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ولن يختلفوا إلى قيام الساعة في أصول الدين، وإن اختلفوا في بعض الفرعيات التي تلحق بمسائل العقيدة، لكنها ليست أصولاً، بل هي من الأمور التي يسع فيها الخلاف، مثل الاختلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج: هل هي عينية أو قلبية؟ لكن اتفقوا على أصل مبدأ الرؤية، كما اختلفوا في مسائل كثيرة لكنها فرعيات، وقد تلحق بالعقيدة لكن أدلتها غير واضحة.

    فهذه الأمور لا يلوم السلف بعضهم بعضاً في الخلاف فيها، أما أصول الإيمان وأركان الإسلام وأصول الاعتقاد المتعلقة بالرؤية وبالشفاعة وبكلام الله عز وجل وبالصفات هذه أصول واحدة لم يختلف عليها أحد من السلف منذ قديم الزمان وحتى الآن، ولن يختلفوا عليها إلى قيام الساعة، لأنها مسائل وأصول بينة واضحة، ولما وجد بعض الذين ندوا عن تعبيرات السلف في التعبير عن العقيدة؛ وقعوا في إشكالات، وأوقعوا الناس في إشكالات، كمن كتب عن الإسلام بأسلوب أدبي، تجد عنده تعبيرات باطنية قد لا يريدها، أو تعبيرات فلسفية، أو تعبيرات أدبية مائعة، لكنه لم يلتزم منهج السلف في التعبير عن العقيدة؛ فوقع فيما وقع فيه.

    الوضوح والبيان في تقرير العقيدة

    ثانيها: حرص السلف على الوضوح والبيان في التعبير عن العقيدة، ويبتعدون عن الألفاظ البدعية والمصطلحات الفلسفية التي أحدثها الناس، كما فعل ابن سينا وابن رشد والفارابي .. وغيرهم، الذين عبروا عن بعض مسائل العقيدة بالمصطلحات الفلسفية على فهمهم الفاسد؛ فأوقعوا الناس في محارات وإشكالات، ويبتعدون أيضاً عن التعبيرات الكلامية المحيرة، كما فعل الرازي والماتريدي ، ومن سلك سبيلهما، فقد عبرا أيضاً عن العقيدة بمصطلحات كلامية محيرة ليس لها وجه يعقل.

    ولذلك اختلفوا عليها، حتى كان الرازي يعبر عن شيء ثم يفترض على تعبيره إشكالات، ثم يحاول أن يجيب على تلك الافتراضات والإشكالات فيعجز.

    وأيضاً السلف لم يستعملوا التعبيرات الأدبية الفضفاضة المائعة، التي وقع فيها أمثال: سيد قطب رحمه الله، حيث عبر عن بعض مسائل الاعتقاد بتعبير أدبي أخل بالعقيدة، وأوقع من بعده في خلافات لفهم ألفاظه؛ حتى صار الناس يختلفون أحياناً في بعض ألفاظه على أربعة أو خمسة أقوال، هل هذا الحق أم الآخر، مع أن الحق لا يختلف عليه، والسبب في ذلك ما اعتاده من أسلوبه الأدبي، وربما لا يملك غير ذلك، لكن ليته لم يتعرض لتفاصيل العقيدة.

    ومن المسائل التي عمت بها البلوى في عصرنا حتى صارت مصدر فتنة لكثير من المسلمين، وخاصة المثقفين والناشئين من طلاب العلم، هي تسلط كثير من غير المتخصصين على قضايا العقيدة وأصول الدين.

    فمثلاً: الطبيب الذي تعلم بعض العلم الشرعي قد يحلل العقيدة من منظوره الطبي؛ فاختلطت عنده مصطلحات الطب بمصطلحات العقيدة، وهكذا المهندس درس شيئاً من العقيدة والعلوم الشرعية، ثم استقل بنفسه عن العلماء والراسخين في العلم؛ فصار يفسر العقيدة بتفسيرات هندسية، فخلط العلوم الهندسية بالعقيدة، وهلم جراً، حتى أننا نجد بعض التعبيرات في مسائل العقيدة من بعض الحكام، وقد يكون هذا المصطلح شيوعياً، أو تبع أي أيدلوجية أخرى، المهم أنه نشاز في العقيدة، والسبب في هذا: جرأة الناس على مسائل الاعتقاد.

    وبعض المسلمين قد يتردد عن الحديث في التخصصات الأخرى إذا جرى حديث في أي مجلس من المجالس، لكن إذا عرضت قضية من قضايا العقيدة والدين رأيت أجهل الناس في المجلس هو أسبقهم إلى الحديث عنها، ويوالي الذي لا يخالفه، وهذا الأمر ما كان موجوداً وإنما حدث من وقت قريب، كان الناس حتى الفجار منهم والفساق والمعرضين عن دين الله عز وجل لا يجرءون على الكلام عن الدين، أما الآن فصار الدين عرضة لكل متسول، وهذه مشكلة أدت إلى الخروج عن منهج السلف في مسألة الألفاظ.

    ومما تميز به منهج السلف أنهم تحاشوا المصطلحات الصوفية التي فيها لبس، أو تحتمل أكثر من وجه؛ وبذلك دخل كثير من الزنادقة على الإسلام، وأفسدوا العقائد من خلال المصطلحات الصوفية؛ لأنها مصطلحات مرنة تصلح لعدة وجوه، يعبر بها عن الحق وعن الباطل، فيستعملها صاحب الباطل في الباطل، ويستعملها صاحب الحق في الحق، وإن كان الحق غنياً عنها بحمد الله.

    كذلك السلف ابتعدوا عن الألفاظ الباطنية الماكرة، وعن ألفاظ الرافضة التي تقوم على الفرية والكذب.

    فتميز منهج السلف باعتماد المصطلحات والألفاظ الشرعية، والبعد عن الألفاظ البدعية في تقرير العقيدة وبيانها.

    وقد يلجأ بعض السلف أحياناً إلى استعمال بعض المصطلحات لضرورة تتعلق بعصره، أو تتعلق بأمر أو فتنة حدثت في زمنه؛ وهذه ضرورات، وفرق بين التقرير والبيان، فإن السلف لا يخلطون العقيدة بمصطلحات أخرى، لكن أحياناً قد تدخل عليهم بعض الألفاظ من باب البيان أو من باب الدفاع.

    استخدام المنهج الوسط في التعبير عن الحق

    ثالثها: يلتزم السلف في منهج العرض وتقرير العقيدة ونشرها المنهج الوسط في التعبير عن الحق، بعيداً عن المبالغات والعواطف والتحميلات الوهمية، وبعيداً عن الحشد والاستطرادات؛ ولذلك جاءت كتب العقيدة المفردة موجزة جداً، وأكثر ما يوجد في آثار السلف في كتب العقيدة من الأساليب والألفاظ المكررة؛ من باب حشد الأقوال وتقويتها في تقرير العقيدة والدفاع عنها، أما الألفاظ فليس عندهم فيها استطرادات.

    كما أنه ليس في تعبير السلف عن العقيدة غلو ولا تقصير.

    التجرد عن الهوى والرأي

    رابعها: التجرد عن الهوى والرأي، لكن لا يتجردون عن الحق.

    أما ما يتعلق بدعوى التجرد عند بعض الباحثين فيقصد بها أصحابها: أن الكاتب والمتكلم في أي قضية يحب أن يتجرد دون أن يكون له رأي مسبق حتى يبحث ويصل إلى نتيجة، وهذا لا يصح في الدين والعقيدة، لكن لا بأس بذلك في الكتب الاجتماعية وهذا الأصل كارثة الدراسات النفسية والاقتصادية، فهذا ينبغي أن تتجرد من الرأي؛ حتى تتبين لك الحجة، ويتبين لك الوسط العلمي الصحيح، لكن في العقيدة لا يصح التجرد من الحق لأن من تجرد عن الحق فقد ارتد.

    ومع الأسف فإن هذا المبدأ أخذ به بعض الباحثين في مسائل الدين وصار يطبقه جهلاً منه، فيقول مثلاً: أنا عندما أبحث عن مسألة: هل اليهود كفار أم لا؟ أتجرد عن الحكم بكفرهم حتى يثبت الدليل!! هذا حكم سبقت إليه، وقد قرره الله عز وجل، وليس هذا لك، وليست المسألة اجتهادية!

    المسائل الاجتهادية يتجرد فيها الإنسان من أن يكون له هوى أو رأي مسبق؛ حتى يصل إلى نتيجة، ويتقرر عنده الدليل الشرعي أو العقلي، أما مسائل الدين المتقررة أو قواعد المناهج الأساسية وأصول الدين فلا يجوز للمسلم أن يتجرد فيها عن الحق، بل يجب أن يلتزم الحق ويستدله، ولذلك كان السلف يبتعدون عن هذا المسلك؛ لأنه يؤدي إلى الردة، فكانوا يتجردون من الهوى والرأي الشخصي، لكن لا يتجردون عن الحق.

    استخدام الوسائل المباحة في نشر العقيدة

    خامسها: ومن أساليب السلف في ذلك: استخدام كل وسيلة مباحة في نشر العقيدة، حسب مستجدات العصر.

    والعجب من الذين يحجرون على الناس في مسألة وسائل العقيدة وأساليبها، والتفصيل فيها أن يقال: إن قصد بالوسائل والأساليب: الأمور المنهجية فلا شك أنها توقيفية، ولا يجوز لنا أن نخرج عن مقتضى عمل الشرع، وإن قصد بالوسائل والأساليب: الأدوات؛ فلا شك أنها مستجدات، فالصحابة استعملوا في تقرير الدين ونشره ما لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعون استجد لهم من الوسائل ما لم يكن موجوداً في عهد الصحابة، وتابعوهم كذلك، وسلف الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة حدث لهم من مستجدات الحياة من الوسائل والأساليب ما جددوه باسم العقيدة، فمثلاً: تصنيف الكتب لم يكن موجوداً في عهد الصحابة.

    فالسلف من منهجهم في نشر الدين: استخدام كل وسيلة مباحة في نشر العقيدة وبيانها، والدفاع عنها، في الدروس.. في حلق التعليم.. في الفتاوى.. في الخطابة.. في المواعظ.. في القصص.. في التأليف والكتابة فيما بعد.. ضرب الأمثال.. الجدال بالتي هي أحسن.. المناظرة، ضمن التفسير، ضمن الحديث، ضمن الأحكام، ضمن المتن، ضمن النظم، ضمن الرسائل الخاصة والعامة، والكتب والمصنفات؛ كل هذه استخدمها السلف في نشر العقيدة.

    الاهتمام بالتصنيف والتأليف وتعدد الأساليب فيه

    سادسها: كذلك تعددت أساليب السلف في بيان العقيدة وتقريرها في جانب التصنيف والتأليف على مناهج كثيرة جداً.

    منها: حشد الأحاديث والآثار والنصوص عن طريق المسانيد؛ كمسند الإمام أحمد ، بدون عنصرة ولا تبويب، إلا أن تسرد النصوص تحت أسماء الرواة، وهذا منهج سلكه كثير من السلف.

    ومنها: حشد النصوص وتبويبها وعنصرتها في العقيدة والشريعة والأحكام والآداب، وتسمى: المصنفات الشاملة، وهي مبوبة ومعنصرة في الغالب، ككتب الصحاح والسنن، مثل: صحيح البخاري ، والكتب الستة عموماً، وإن كان بعضهم لم يعنصرها، لكنه رتب الأحاديث على العناصر، ولذلك سهل على من بعده وضع العناصر، كما فعل الإمام مسلم .

    منها: أسلوب حشد النصوص في تقريب العقيدة، وتقريب الأحكام والفتاوى والآداب، لكن بالعنصرة والتبويب وإن لم تكن تستعمل في القرن الأول الهجري، إنما استعملت في القرن الثاني والثالث والرابع.

    ثم أتى بعد ذلك أسلوب آخر احتاجه الناس، وهو وضع المصنفات في جانب من جوانب الدين.. مصنفات في العقيدة.. مصنفات في الأحكام.. وسموا مصنفات العقيدة: السنن، وسموها الآثار، ومن ذلك مثلاً: السنة لـعبد الله ابن الإمام أحمد ، وإن كان فيه بعض الآداب والأحكام، لكن في جملته يقرر منهج العقيدة، وتبويبه وعنصرته يتضمن تقرير العقيدة والرد على المخالفين.

    ثم جاءت بعده كتب كثيرة من هذا الباب، مثل: اللالكائي وابن بطة والآجري وغيرهم.

    ثم بعد ذلك لما كثر كلام أهل الأهواء في العقيدة؛ صنفت كتب متخصصة في العقيدة، مثل: التوحيد لـابن خزيمة في الأسماء والصفات، ثم فيما هو أدق في مسائل عقدية محدودة، مثل: خلق أفعال العباد للبخاري ، وقد كانت قضية القضايا في ذلك العصر.

    ثم أيضاً في مثل قضية كلام الله عز وجل القرآن، والرد على القائلين بخلق القرآن، صنفت كتب مفردة في مسائل محدودة في العقيدة اقتضتها ظروف العصر.

    فكتب السلف في الرؤية كتب مستقلة وفي الشفاعة كتب مستقلة وفي كلام الله وفي مسألة خلق أفعال العباد وفي القدر وفي الصفات وفي الإيمان، أفردوا أصول العقيدة بمفردات، بل أحياناً الأصول المتفرعة عن الأصول الكبرى أفردوها بمفردات، لحاجة الناس إلى ذلك؛ لأن أهل الأهواء أثاروا هذه القضايا أمام العامة.

    وقد يكون بعض أهل الأهواء متخصصاً في بلية واحدة، لا يهمه قضايا الدين الأخرى، يكون سوسة في ركن واحد من أركان الدين، وفي استهداف هذا الأصل لوحده.

    ولذلك يعاتب بعض طلاب العلم الذين يؤاخذون بعض المجتهدين في الرد على مسائل مفردة من أصول الاعتقاد، وهذا منهج سليم لا حرج فيه، وهو فرض كفاية.

    فكل من رد على شبهة من الشبهات إذا عمت بها البلوى؛ فجزاه الله خيراً، ويجب أن نشكره على ذلك، ولا نقف عقبة أمام عمله.

    تقرير العقيدة من خلال الرد على المخالفين

    سابعها: كذلك من مناهج السلف في نشر العقيدة: تقرير العقيدة من خلال الرد، فمثلاً نجد عنواناً لكتاب في الرد: مثل رد الدارمي على بشر المريسي ، وكذلك رد الإمام أحمد على الزنادقة والجهمية، وهذا الرد ليس خالصاً في الرد، بل في تقرير العقيدة من خلال الرد، وهذا هو الأسلوب الأمثل الذي درج عليه السلف، فهم لا يردون رداً خالصاً دون تقرير؛ لأن القارئ مهما كان عنده من العلم فهو يحتاج إلى أن يحصن أولاً بمنهج وعقيدة السلف في الأصل المردود عليه ثم ترد، أو من خلال الرد تؤصل، ولذلك فإن الإمام أحمد وكذلك الدارمي من خلال ردهما على الجهمية في بعض الردود الجزئية كانا يؤصلان، بحيث يخرج القارئ وهو محصن.

    ونذكر هنا مسألة أن السلف عندما يعرضون شبهات المخالفين لا يعرضونها تفصيلاً، بل إجمالاً؛ لأن التفصيل يوقع الناس في فتنة، ثم يردون عليها تفصيلاً أو إجمالاً بحسب المقام، وسيأتي بيان هذا.

    إذاً: هناك من مناهج السلف التقرير من خلال الجمع بين الرد والتقرير كما فعل الإمام أحمد ، وكما فعل كثير من الأئمة، وهو منهج المتأخرين من السلف؛ لقيام الحاجة بذلك كما فعل ابن تيمية وابن القيم وكثير من أئمة السلف؛ لأن الأمة ابتليت بكثرة الأهواء والبدع والافتراق، حتى صار أهل السنة في غربة في كثير من بلاد المسلمين.

    فاحتاج الأئمة أن يكثروا من الرد، وفي أثنائه أيضاً يقررون العقيدة؛ ليجتمع التحصين والرد في آن واحد.

    1.   

    منهج السلف العلمي في الدفاع عن العقيدة والرد على المخالف

    للسلف في الرد على المخالف منهجان:

    منهج علمي، ومنهج عملي..

    المنهج العملي: يتعلق بالمواقف.

    أما المنهج العلمي فهو القاعدة للمنهج العملي.

    والمنهج العلمي عند السلف في الدفاع عن العقيدة والرد على المخالف يتمثل فيما يلي:

    الرد على المخالف من أصول الإسلام

    أولاً: أن السلف يعتقدون أن الرد على المخالف من أصول الإسلام ومن أصول الدين ومن مقاصد الشرع، ومن غايات الدين العظمى، ومن مناهج الحق التي توافرت بها النصوص في الكتاب والسنة وأجمع عليها السلف.

    ومن هنا فإن ذهول بعض الناس عن هذا الأصل يعتبر كارثة، لا سيما وقد تأثر به بعض طلاب العلم، وهناك دعوى يرددها بعض المخلصين، لكنهم جهلة يقولون: لماذا نشتغل بالرد؟ وهل الرد له أصل في القرآن أو السنة؟ والعجب من هذا السؤال: كيف يذهل طالب العلم بل المسلم العادي عن أن الرد أمر ضروري لا يمكن أن يقوم الدين بلا جدال للمخالفين والمناوئين.

    والله عز وجل قد ذكر في كتابه كثيراً من القضايا العقدية من خلال الرد، فالقرآن ومليء بالرد على أهل الكتاب: اليهود والنصارى. مليء بالرد على الديانات الأخرى ومليء بالرد على الأمم وعلى الشبهات التي صدرت عن المشركين وغيرهم من الجماعات، بل وحتى من الأفراد، كقوله عز وجل: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78]، هذا الوليد بن الوليد ، فرد واحد.

    وكذلك المقولة ولو كانت شنيعة إذا قيلت؛ لا بد من حماية الأمة منها، وبعض الناس يقول: إن بعض المقالات فيها شناعة؟ نقول: المقولات التي فيها شناعة لا أشهر بها، لكني أحصن الأمة منها بالطريقة المناسبة، فإن كانت بين طلاب العلم أدفعها عن طلاب العلم، وإذا اشتهرت بين العامة لا بد أن أدفعها عن العامة.

    ولذلك ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أموراً يقولها المبطلون ويستسمجها الذوق، حتى لو قال بها الإنسان الذي لا يهتدي بالنبوات، ولا يعرف الحق؛ فإنا نجده لو حكَّم فطرته لوجد المقولة سخيفة، ومع ذلك فإن الله عز وجل رد على أهلها في الكتاب كمن ادعى أن لله صاحبة، وإن كان هذا أمراً قد لا يخطر على بال عاقل أن الله له ولد سبحانه عما يقولون، وادعوا لله البخل تعالى الله عما يزعمون، والله عز وجل ذكر هذه المذاهب في القرآن، حين أعلنها أصحابها أمام الملأ، وصاروا يتباهون بها ويدافعون عنها، فكذلك أي مقولة أو بدعة أو مذهب خبيث يشتهر بين الأمة عبر الإعلام، أو عبر وسائل يسمعها غالب الأمة؛ لا بد من دفعها، وإلا فإنها تكون فتنة.

    وقد أفرد بعض المتأخرين وعلى رأسهم الشيخ بكر أبو زيد وفقه الله كتاباً في ذلك أسماه: الرد على المخالف.

    فالرد على أهل الأهواء والدفاع عن العقيدة من أساسيات الدين، ومن أساسيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن أعظم المنكر منكر العقيدة.. أعظم المنكر الإساءة إلى الله عز وجل.. الإلحاد في أسمائه وصفاته.. الخلل في عبودية الله عز وجل.. البدع في عبادة الله؛ هذه هي أعظم الخلل وأعظم المنكر، ومن المنكرات منكرات الأخلاق ومنكرات العادات، ولا شك أن هذه منكرات، لكن أعظم المنكرات منكرات العقيدة، ولذلك ينبغي للأمة أن تعنى بمنكرات العقيدة كما تعنى بغيرها بل أكثر.

    إن الدفاع عن العقيدة داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وداخل في الجهاد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، وقال الإمام يحيى بن يحيى : الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.

    كما أن الرد على أهل الأهواء داخل في الجدال بالتي هي أحسن، وفي الدعوة إلى الله عز وجل، وفي حماية الدين وإقامة الحجة؛ كل هذه أساسيات من أساسيات الدين، لا يقوم الدين إلا بها.

    وليس كل الأمة تجند في الرد، لكن يجب أن تنبري طائفة من المتخصصين في الرد على أهل الأهواء، ولا مانع أن يقوم بعضهم ويكون هذا همه، ويكون على ثغرة من ثغور الإسلام، أما أن نقول: نؤصل فقط، فنقول: نعم التأصيل هو الأصل، لكن أكثر الناس تقع في نفسه الشبهة حتى لا تزول إلا بتفنيد؛ فنحتاج إلى تفنيد الشبهات، وحماية الأمة منها.

    والقرآن قد تصدى لهذا الأمر وهو الهدى، فقد تضمن الرد وأمر به، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هديه وسنته القولية والعملية أمره أيضاً للأمة بالجهاد باللسان، وبالذود عن الإسلام؛ فكان يؤيد كل من ذاد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الصحابة، وأحياناً هو بنفسه يناضل ويرد، ويكشف الأمور التي فيها خطر على الأمة، ويقوم على المنبر أكثر من مرة في دفع الباطل عن الناس، أو في دفع نوازع البدعة كما حدث من النفر الثلاثة الذين نزعوا في العبادة إلى الغلو في الدين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث شيء من الأمور قام على المنبر، فقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا).

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتصدى لحماية الدين كما يتصدى لبيانه، وكذلك الصحابة والتابعون وسلف الأمة، قاموا بالواجب تجاه الأهواء منذ أن بدأ بها أفراد، كما فعل أبو بكر وعمر ، والأهواء الجماعية كما فعل الصحابة مع المرتدين، وكما فعلوا مع القدرية، وكما فعلوا مع السبئية والرافضة والشيعة، وكما فعلوا مع الخوارج.

    الصحابة بينوا، وأقاموا الحجة، ونقلت عنهم آثار كثيرة في ذلك، وكان هذا إجماعاً منهم، كلما سمعوا ببدعة -حتى البدع في العبادات التي يسميها بعض الناس جزئيات وهي ليست جزئيات- أنكرها الصحابة، فلما ظهرت بعض بدع العباد الذين يبالغون في بعض أمور العبادة، أنكر عليهم ابن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وأنكرت عليهم عائشة ، وأسماء بنت أبي بكر ، وأنكر عليهم زياد بن عبد الله وواثلة بن الأسقع ، وأنكر عليهم ابن عباس ؛ أنكروا على أفراد وعلى جماعات، على الفرق، وعلى النوازع التي تظهر في الأمة، فقد كانوا ينكرونها بشدة؛ ولذلك لما سمع عمر رضي الله عنه النزعة القبلية من العلج النصراني في فتح بيت المقدس، كان هذا العلج النصراني عنده بدعة القدر، ينكر القدر من الله عز وجل، وكان أمام عمر لما خطب خطبة الجابية المشهورة، ثم استفتح بخطبة النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال: (ومن يضلل الله فلا هادي له)، قال هذا العلج: إن الله لا يضل أحداً، وعمر رضي الله عنه لم يسمع كلامه في أول مرة، فأراد الصحابة أن يفوتوا عليه الأمر ليستأنف الخطبة، فبدأ من جديد، ثم قال الكلمة مرة أخرى، فقال العلج أيضاً: إن الله لا يضل أحداً، فلما سمعه عمر هدده بأن يفصل رأسه من جسده، فقمعت هذه البدعة بعد عمر أكثر من خمسين سنة، ولم يتكلم بها أحد، فكان الصحابة أقوياء في الرد على المخالف وفي حماية العقيدة، ثم أيضاً بقية السلف هذه سنة من سنن الهدى لا يجوز تخلي المسلم عنها، ولا يجوز التهوين من شأنها، ولا تثبيط من يعملون في هذا المجال؛ فإنه مجال من مجالات الجهاد الضرورية.

    الاعتماد على الدليل الشرعي في الرد على المخالف

    كذلك من منهج السلف في الرد وفي حماية العقيدة: الاعتماد على الدليل الشرعي الثابت، وتأييده بالحجة العقلية الفطرية، والتزام المنهج السليم في الاستدلال؛ لأن مناهج الاستدلال هي التي يكون بها تقرير الدين على وجه سليم يلتزم به صاحبه السنة، وأغلب الذين خرجوا عن السنة كان بسبب الخلل في مناهج الاستدلال، بل أول ما خرجت الفرق في هذه الأمة كان بسبب الخلل الموجود عندها في منهج الاستدلال كما فعلت الخوارج، فأول ما اختل عندها الاعتقاد وخرجت عن الجماعة؛ واستدلت بآيات الوعيد على غير وجهها، وعلى غير منهج سليم، ولم ترجع إلى أهل الذكر وإلى الراسخين من الصحابة؛ واستقل هؤلاء الأعراب السذج بجهودهم الذاتية في تقرير الدين، والاستدلال عليه على غير منهج سليم، فأخذوا نصوص الوعيد التي تتعلق بالكفار، وحكموا بها على الصحابة وكفروهم.

    إن كثيراً من الناس يستطيع أن يعرف الدليل، وينتزعه بسهولة، ومن خلال الأجهزة قد يحشد آلاف الأدلة في قضية واحدة، لكن قد لا يتخلص منها، مثل الدجاجلة الذين يحضرون الجن، ولكن لا يستطيعون الخلاص منهم، فهذا الذي يستدل أو الذي يحشد النصوص دون أن يعرف المنهج السليم في الاستدلال؛ إذا لم يسلك المنهج الصحيح فإنه سيضل، ومن هنا لا بد من التزام منهج السلف في الاستدلال على القواعد الصحيحة المعروفة عند السلف، وقواعد الاستدلال مرسومة محسومة معروفة، منها: أن القرآن يفسر القرآن، وأن السنة تفسر القرآن، وأن القرآن يفسر السنة، وأن القرآن يفسر بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وأن القرآن يفسر بأقوال الصحابة أولاً؛ لأنهم الذين تنزل في عهدهم القرآن، وتلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم العدول الثقات، ثم بأقوال التابعين وأئمة السلف، ثم بأقوال أهل العلم المختصين، ولا يستدل على أمور الدين بقواعد الفلاسفة والمتكلمين، أو النظريات الحديثة أو غير ذلك؛ هذا كله من المناهج الفاسدة التي ضل بها الناس.

    عرض المخالفات إجمالاً

    كذلك من منهج السلف في حماية العقيدة والدفاع عنها والرد على المخالف: عدم التعرض للمخالفات والبدع على جهة التفصيل، فالسلف من منهجهم إذا عمت البلوى بالشبهة، أو بمقولة فاسدة، أو بالعقيدة، أو البدعة، تصدوا لها، لكن لا يعرضونها تفصيلاً بل إجمالاً؛ لأن العرض التفصيلي يوقع الناس في الإشكال، وبعض الناس لا يميزون، فبعضهم إذا قرأ الشبهات ربما تنقدح في قلبه وعقله ثم لا تخرج، وبعض الناس يعتريهم ضعف العقول وضعف الإيمان وضعف المدارك وغير ذلك مما عليه عامة الناس، فأهل العلم يتميزون بالإدراك أكثر من العامة.

    فلذلك لا ينبغي أن كل ما يفهمه العالم يقوله، أو ما تفهمه عن الشبهة وعن صاحب الشبهة تقوله للناس، إنما تأتي بالشبهة والبدعة على وجه الإجمال؛ من أجل التنبيه على أصلها، ثم ترد عليها، وكان السلف يردون عليها بحسب الحال، تارة تفصيلاً إذا اقتضى الأمر التفصيل، وأحياناً إجمالاً إذا اقتضى الأمر الإجمال، والعالم هو الذي يقدر الأمر في ذلك.

    ثم لا يتكلمون عن غير الواقع، فالسلف لا يفترضون الشبهات، وليست هذه من عادات السلف أن يفترضوا الحجة للخصم، بل ما احتج به يردونه، وما قاله يذكرونه إجمالاً، لكن لا يفترضون الشبهات، أو الحجة للخصم؛ لأن ذلك يوقع في إشكالات، ثم إنه من التكلف الذي نهى الله عنه.

    كما لا يستهدفون إلا المقولة الواقعة فعلاً، إذا شاعت شائعة عند الناس لا ينبغي الاستسلام لها واعتبارها مقولة حتى يتثبت منها، وهذا منهج السلف.

    الرد على الشبهات والبدع غير المعلنة

    ومن مناهج السلف كذلك: أنهم لا يردون على الشبهات غير المعلنة، والبدع غير المعلنة، إنما يعالجونها بالحكمة بحسب حال البدعة وصاحبها؛ خوفاً من الإشهار أمام العامة، إذا سمعت بدعة لكنها لم تشتهر؛ فلا ينبغي أن نبادر في الرد عليها؛ لأن أغلب الناس تستهويه البدعة، فما كان السلف يظهرون البدعة قبل أن تشتهر، ولا يشهرونها قبل أن تعم بها البلوى، بل يتصدون لها بالكتمان، ويستهدفون صاحبها، ويقصدون من ابتلي بها؛ من باب النصيحة غير المعلنة، والرد غير المعلن، فهم لا يردون على الشبهات غير المعلنة، إنما يعالجونها بما يناسبها.

    التشهير بالمخالف والسكوت عنه

    إن السلف في ردودهم ودفاعهم عن العقيدة لا يذكرون أسماء أصحاب البدع والمقولات المردودة عليهم إلا إذا كان صاحب البدعة اشتهر ببدعته، أو كان داعية إليها، فعندئذ لا يجوز أن يترك، بل يشهر به باسمه؛ لأنه إذا أعلن فقد عمت به البلوى وتعلق الناس بشخصه، وإذا تعلق الناس بشخصه، فقد يكون من مقتضيات الرد التحذير من شخصه ومن مقولته في آن واحد.

    لكن إذا اشتهرت البدعة من غير قائل؛ فلا ينبغي أن نفتش عن قائلها، لأننا في الغالب نرفع له راية، والتجربة أثبتت أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع الذين اشتهروا كانوا من المغمورين، حتى تعجل بعض المنتسبين لأهل السنة في ذكر أسمائهم، فتعاطف معهم أهل البدع وتكاثروا عليهم وتحلقوا معهم، وانتشرت بدعتهم بهذا الأسلوب غير المناسب.

    فالمنهج الأسلم أنه ما دام لم يعلن ولم يشتهر؛ فالأولى أن يرد على بدعته على مبدأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام)، من هم الأقوام؟ لا ندري، إنما الذي يهمنا أن نرد الشر، لكن لو اشتهروا وصاروا أصحاب راية، أو انتصبوا قدوات شر؛ فمن هنا لا بد من التصدي لهم بأشخاصهم.

    كذلك من مناهج السلف في الرد: أنهم لا يسكتون عن القول المخالف إذا كان فيه خطر على الأمة، ولا عن المبتدع المخالف إذا جاهر ببدعته أو عمت به البلوى.

    الرد على المخالف فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد

    من منهج السلف أيضاً: أن الرد المعلن الذي يتصدون له إنما هو على صاحب البدعة، وعلى صاحب الخلاف المذموم صاحب الهوى، لا على المجتهد فيما يسوغ فيه الاجتهاد.

    وأعني بذلك أن بعض المنتسبين للعلم قد يخطئ في أمر اجتهادي، ويخالف ما عليه جمهور المفتين من الأمة، أو في وقت من الأوقات، لكن المسألة فيها خلاف، فإذا كانت المسألة خلافية ولا نعرف أن السلف يعتبرون هذا النوع من أهل الأهواء، أو يتصدون الرد عليه، لكن ينصحونه ويردون عليه رداً علمياً، لكن لا يعتبرونه صاحب بدعة، ثم إنهم لا يتحمسون في الرد على مثل هذا إلا من باب المحاورة العلمية فقط، لكن لا يطبقون عليه منهج الرد على أهل الأهواء، فمن منهج السلف أنهم لا يردون على المخالف -أي: لا يشنعون عليه- في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، أما ما لا يسوغ فيه الخلاف، أو كان من البدع، أو تبين أنه صاحب هوى، فهذا هو الذي يستهدف في الرد ويحذر منه.

    الالتزام بآداب الرد

    ومن منهج السلف في الرد والدفاع عن العقيدة: أن السلف يلتزمون آداب الحوار في الرد على المخالف، وقد يند أحياناً عن هذا المنهج عبارات لبعض السلف، لكن هذا نادر، والنادر لا حكم له، فبعض السلف قد يختل عنده شرط من شروط الحوار، أو شروط الرد؛ إما لاجتهاد، أو لاستدلال خاطئ، أو لجهل بدليل، أو لحدة اقتضاها المقام، قد يعذر فيها في ذلك الوقت؛ فلا يكون منهجاً، لا سيما أن أساليب أهل الأهواء والبدع غالبها استفزازية، فالعالم الذي يتصدى لهم قد يخرجونه عن طوره أحياناً، فتصدر منه الكلمة والعبارة، أو الأسلوب أو المنهج الذي قد يخرج أحياناً عن المنهج المعتدل، فهذا لا يعد من الأصول، إنما يعدُّ: إما من باب الزلات، أو من باب الحالات النادرة التي ليست منهجاً، فالمنهج هو العموم.. وما يقتضيه العموم، فالسلف في ردودهم على المخالفين في تقرير العقيدة والدفاع عنها لهم منهج متميز وهو التزام أدب الخلاف والحوار.

    الإنصاف والعدل عند الرد على المخالف

    من منهج السلف في الرد على المخالف: العدل والإنصاف، وعدم المراء في الدين، فإذا كانوا يحاورون أحداً أو يجادلونه، سواء في الكتابة أو المناظرة الشفوية؛ فإنهم إذا رأوا من الخصم تمادٍ فإنهم يقفون؛ لأنه يتبين لهم أنه لا يريد الحق، إذا تمادى وأخذ يلج في القضية؛ فاللجاج والمراء يدل على الهوى، فالسلف لا يستجيبون للمراء، ولذلك قل عندهم الحشو والاستطرادات في الردود، والرد على الرد، والرد على رد الرد.. إلخ، فهذه ليست عند السلف إنما يردون فقط، فإذا نكص الخصم مرة أخرى؛ عرفوا أنه ممارٍ، وقد نهينا عن المراء.

    الرد على المخالف بدون تشفٍ

    وكذلك من مناهج السلف في الرد: أنهم لا يسلكون مسلك التشفي من الخصم، فالتشفي لا يرد في عباراتهم، خاصة إذا صار من الخصم شيء من الضعف أو الانهزام؛ فإنهم يعينونه على نفسه؛ لعله يرجع إلى الحق فلا يتشفون منه أو يشهرون به كما يفعله أهل الأهواء.

    كذلك فإن السلف لا يشهرون بالمخالف، وإن كان صاحب بدعة، أو صاحب مقولة فاسدة، إلا إذا عمت بها البلوى، واشتهر اسمه ورفع الراية وأعلن نفسه؛ فمن هنا يكون هو الذي شهر بنفسه، وإذا شهر لا يمكن أن يرد الباطل إلا بسلاح يكافئه، ومن التكافؤ أن المشهر يشهر به، أو من اشتهر يشهر به، أما ما عدا ذلك فلا يشهر به، فالسلف ما كانوا يشهرون بالمخالف.

    كذلك اعتماد الحكمة والموعظة الحسنة ما دام المجال يسع ذلك.

    اشتراط الأهلية عند الرد على المخالف

    ثم السلف من عادتهم أنهم يتورعون في الرد عن أن يدخل الواحد منهم في قضية لم يستعد لها علمياً، فهم يشترطون في الراد الاستعداد والأهلية عند المجادلة والمراء، استعداداً بالعلم واستعداداً بالدليل واستعداداً بالمقدرة، فمن لا يملك العلم ولا يملك المقدرة كان يعتذر، فكثير من السلف كان يعتذر؛ لأنه يرى نفسه غير أهل، كذلك من عنده قدرة على المحاورة لكن ليس عنده دليل؛ فلا يوقع نفسه في مثل هذه الحوارات، فالسلف الذين كان عندهم تمنع كان عندهم هذا السبب؛ إما أن يكون عنده علم لكنه لا يجد في نفسه كفاية واستعداداً ومقدرة، أو عنده استعداد ومقدرة لكن ليس عنده علم كافٍ، فبعضهم تجده يحجم عن مناظرة عتاة الجهمية وعتاة المعتزلة وعتاة الفلاسفة لهذا السبب، ومن وجد في نفسه المقدرة؛ توجب عليه أن يرد، وأن يناضل ويكافح عنها.

    وهناك ظاهرة تصدي بعض من ليس لديه المقدرة بدعوى أنهم يمثلون السنة والجماعة لعتاة العقلانيين وعتاة العصرانيين وعتاة العلمانيين عبر القنوات والوسائل الإعلامية المعاصرة.

    والكثير من المحاورين يمثل الإسلام، أو يمثل السنة بزعمه لكن تراه يخرج في موقف ضعيف، وهذا خذلان للحق، وخير لنا وله وللإسلام والمسلمين أن يبقى في بيته، والله عز وجل يتولى دينه، إذا لم يكن عنده مقدرة فيجب عليه ألا يتقدم؛ لأنه سيوقع السنة في موقع المخذول، فإذا وقف من يمثل السنة موقف الضعيف؛ صور السنة على أنها هي الضعيفة.

    فلذلك يجب ألا يتصدى إلا من وجد في نفسه المقدرة، المقدرة العلمية والدليل، ثم المقدرة الشخصية والموهبة، وهذا لا يعني ألا يشارك طلاب العلم في صد الهجمات الشرسة، بل يجب أن يشاركوا، لكن بعض من يقدرون مع الأسف لم يسهموا، وكثير ممن أسهموا ليس لديهم قدرة؛ فخذلوا الحق من حيث أراد نصره، فيجب على طلاب العلم القادرين أن يبرزوا، وأن يتصدوا عبر الوسائل المتاحة، وإن كانت وسائل فيها نظر، لكن لا بد من ركوب ما يناسب منها، واستعمالها لرد الهجوم الشرس على العقيدة والسنة.

    الحذر من القول على الله بغير علم

    ثم السلف أيضاً من منهجهم في ذلك: الحذر من القول على الله بغير علم، فالمحاور والراد يسعه إذا لم يعرف الدليل أو لم يعرف الحكم أن يقول: لا أدري، وليس في هذا حرج، ولا يضر بدينه ولا بعقيدته ولا بموقفه، والمعروف عن الراسخين في العلم الذين وضع الله في قلوب الناس قبولهم أنهم ممن يقف إذا لم يصل إلى نتيجة بينة، ولم يتبين له الدليل، أو لم يتبين له وجه الاستدلال، أو لم يتبين له وجه الحق؛ قال: لا أدري، أو أتوقف، والسلف كانوا كذلك، كان الواحد منهم أحياناً يقول: لا أدري في هذه المسألة، بل أحياناً يقول: هذه من محارات الأمور لا أعرف فيها شيئاً.

    فالحذر من القول على الله بغير علم، والحذر من أن تنسب إلى الدين ما ليس منه، وليس عليك حرج ولا غضاضة من أن تعترف بالعجز، فإن الإنسان بشر، والكمال لله عز وجل، والعصمة لرسوله صلى الله عليه وسلم وليست لأحد من الناس.

    قبول الحق من المخالف

    كذلك من منهج السلف: قبول الحق وإن كان مع الخصم، إذا تبين الحق فإنه يقبل ولو كان على لسان الخصم، ثم عدم الانتصار للرأي أو الجماعة أو الحزب، والابتعاد عن العصبيات، والغرور والتعالي، بل يجب على طالب العلم أن يتواضع، حتى وإن كان في موقف الحق ويجزم أنه على السنة، بل ينبغي له أن يظهر أمام المحاور وأمام الناس سواء في الرد المكتوب أو المسموع على أنه مشفق وناصح، ولا يستعرض على أنه المستعلي، نعم، الحق عالٍ، لكن لا يعرض إلا بحكمة، والحكمة لا تكون باستفزاز الآخرين، ولا في التعالي عليهم، إنما الحكمة في خفض الجناح وإظهار الإشفاق بصدق وإظهار النصح بصدق، وهكذا.

    هذه قواعد عامة لا تمثل جميع منهج السلف، بل هي اجتهاد في استنباط بعض القواعد والمناهج في هذا الباب، وهو باب واسع يجب أن يتصدى له طلاب العلم ويبينوه للناس؛ لأن المسلمين الآن أحوج ما يكونون إليه مع اختلاط السبل وكثرة الأهواء والمناهج، فإن التذكير بهذه الأمور ضروري؛ للتقعيد لطلب العلم، ولخدمة الإسلام والمسلمين في هذا الأصل.

    أسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    مقولة: الفطرة من أصول العقيدة

    السؤال: ما رأيك فيمن يقول: إن الفطرة من أصول العقيدة، ويستدل بقول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]؟

    الجواب: هذا الكلام مجمل، ويحتاج إلى تفسير، وكثير مما يرد النزاع فيه من مثل هذه المسائل أو غيرها.. فأغلب النزاع سببه عدم اتفاق المتنازعين على المفهوم، أو على تنزيل القضية على الحالات التي تنزل عليها القضية، فالذي يقول: (يستدل بالفطرة أولاً) ماذا يقصد بالفطرة؟ ثم ماذا يقصد بدلالة الفطرة؟

    هل يقصد: يستدل بالفطرة في تقرير الدين، وتقرير أصول جديدة للدين، أو أحكام أو أدلة؛ فعلى هذا فإن الفطر لا تجدد: لا في أصول الدين ولا في الأحكام ولا في الأدلة، وإلا إننا قد وضعنا مصدراً جديداً للوحي، أو مصدراً بديلاً للوحي، أو رافداً للوحي، وهذا لا يرد، إذا ورد على الوحي شيء يخرجه عن العصمة؛ خرج من مقتضى اليقين إلى مقتضى الظنون، لأن الفطرة مهما كانت دلالاتها تبقى ظنية، فالبشر مهما كانوا ومهما كانت عقولهم وفطرهم فليس لهم قول قاطع في الغيبيات، فالفطرة رافد.. الفطرة نستمد منها الدلالة من أدلة الأحكام، (الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، هذا فيما يتعلق بالتمييز بين النافع والضار.. بين الحسن والقبيح، فيما يدخل في قواعد الشرع، وإلا لو أن أمراً من الأمور قبحه الشرع؛ فلا يجوز أن نستسيغه بالفطرة، ولو أن أمراً من الأمور حسنه الشرع؛ فلا يجوز أن نقبحه بالفطرة، لأن الفطرة هي خلق الله، والشرع والدين كلام الله وأمره، فلا يمكن أن يتعارض الخلق مع الأمر.

    فإذا كان كذلك فإن دلالة الفطرة رافدة.. دلالة الفطرة لتأييد الاجتهاد في التمييز بين الأمور الخلافية وبين أمور الأحكام الاستنباطية.

    لكن قواعد الدين وأصول الدين وقطعيات الدين.. هذه لا يمكن أن يكون للفطرة فيها إلا التأييد؛ لأنه إذا قررها سبحانه فهو خالق الفطرة.

    إذاً: هذا من باب العبث والتلاعب بالألفاظ وعدم الدقة، وربما صاحبه يقصد المعنى الآخر، وهو أن الفطرة تدلنا على دلالة النصوص في التحسين والتقبيح في الاجتهاديات، أما في غير الاجتهاديات فلا، لا للعقل ولا للفطرة مجال.

    المنهج الصحيح في رد الشبهة والبدعة

    السؤال: من أخطأ في العقيدة فهل نقرر المنهج ثم نرد الشبهة أو البدعة؟ أم نرد الشبهة والبدعة ثم نقرر منهجاً صحيحاً، وهو ما يسمى التخلية ثم التحلية؟

    ويقول سائل آخر: هل ذكر حجج بعض الشبهات والرد عليها من الطرق السليمة للرد عليها؟ أم يذكر مذهبه فقط ويرد عليه؟

    الجواب: هذا منهج فيه سعة؛ لأن السلف كانوا يقررون الحق، ثم يذكرون ما شاع عند الناس من شبهة، أو ما انتشر من بدعة ويردون عليها، وأحياناً يذكرون الشبهة ويردون عليها، ثم يقررون الحق بحسب السياق والمقال، وليس في هذا حرج فيما يبدو، وبعض الأئمة قد يستعمل هذا وهذا في وقت واحد، والإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية والزنادقة استعمل هذا وهذا، حسب السياق وما يقتضيه المقام.

    لكن ما كانوا يتركون القارئ أو السامع دون أن يبين له وجه الحق؛ لأنهم ما كانوا يفترضون أن الناس يفهمون كلهم، والناس ليسوا سواء في الفهم؛ بل فهم الناس متفاوت، فمنهم الساذج الذي حتى بدهيات الدين أحياناً تخفى عليه.

    مثال ذلك: ما حدث عند النبي صلى الله عليه وسلم (أن رجلاً قال: يا رسول الله! لا أعرف دندنتك ولا دندنة معاذ ، إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن)، فهذا يعرف المجملات، فهذا ما يترك ويسلم لشبهة تناقش.

    الولاء والبراء للمنهج السلفي وأتباعه

    السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يضع أو يكتب صفات معينة، ثم يدعي بأن من توفرت فيه هذه الصفات فهو سلفي المنهج، ومن لم تكن فيه فهو غير سلفي، وعلى أساس هذه الصفات يوالي ويعادي أتباع من وضعوا هذه الصفات؟

    الجواب: هذه أيضاً من الأمور التي تحتاج إلى تحديد، وأئمة السلف الذين صنفوا وكتبوا أو أثر عنهم آثار يضعون خصائص وسمات لأهل السنة والجماعة، فيقولون مثلاً: من سمات أهل السنة أنهم لا يسبون أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمن خرج عن هذا فهو مبتدع، المقل والمكثر كلهم سواء.

    وقالوا أيضاً: من سمات أهل السنة والجماعة الأخذ بالهدي الظاهر في العموم، لكن الهدي الظاهر في إجمالياته لا في تفصيلاته؛ لأن الهدي الظاهر: إقامة شعائر الدين الكبرى، لكن لو وجد شخص مثلاً لا يستاك أبداً فلا تقل: إنه مبتدع؛ لأنه قد يكون غفل عن السواك، لكن من تعبد بشيء يخالف السنة وإن كان جزئياً، وعرفنا أنه يتعبد به ويدعو إليه؛ فهذا مبتدع ولو كان جزئياً.

    أيضاً من علامات أهل السنة والجماعة: القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.

    ومن علامات أهل السنة والجماعة: إثبات الرؤية وإثبات الشفاعة، ومن أخل بأي أصل من هذه الأصول؛ فهو مخالف للسنة والجماعة.

    ومن علامات أهل السنة والجماعة: الولاء للسلف، ومن لمز أحداً من السلف؛ خرج عن مقتضى أهل السنة والجماعة، ولذلك قد يخرج من أهل السنة والجماعة ممن ينتسب إليهم إذا عادى بعض أئمته، أو لمزه وسبه.

    فإذاً: السلف لهم خصائص، لكن لا يرسمها أي أحد منهم، بل السلف رسموا هذه الخصائص، وهي موجودة في كتبهم ووضعوا لها ضوابط، وهذه الضوابط إجمالية أيضاً، بمعنى: أن كل من خرج عن أصل من هذه الأصول؛ يلزم أن يبدع ويخرج من السنة، لكن الأصل أن من خرج أنه بدعي بشروط:

    أن نعرف أنه ليس بمتأول، ولا جاهل، وأن يعتقد ما يفعل، ولم يكن هذا عن غفلة منه، ولا عن تساهل.. إلخ.

    فالمهم أن هناك ضوابط وميزات وصفات، من خرج عنها فهو خارج، لكن ليس لكل أحد أن يعمل هذه الضوابط على جميع الأفراد؛ حتى تتحقق الشروط، وتنتفي الموانع، كما يقال في التكفير: له شروط وموانع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    2786917213

    عدد مرات الحفظ

    686612622