إسلام ويب

مع خليل الرحمن إبراهيم [2]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تضمنت قصة إبراهيم الخليل المبثوثة في كتاب الله تعالى أدلة عظيمة من أدلة البعث وإحياء الله تعالى الموتى، كما تضمنت جملة عظيمة من دعوات إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حال رفعهما قواعد البيت، وتلك الدعوات مما ينبغي للمسلم المتبع ملة إبراهيم أن يواظب على دعاء الله تعالى بها، ويسأل الله تعالى حصول الإسلام له والتسليم، ويسأله تعالى قبول الأعمال والإثابة عليها.

    1.   

    دعاء إبراهيم عليه السلام أثناء رفع القواعد من البيت

    الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:7-9].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم.

    يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

    مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد.

    فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.

    وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    وقد قال لأصحابه يوم حجة الوداع وهم يزيدون على المائة ألف: (إنكم ستسألون عني يوم القيامة فماذا أنتم قائلون؟ فارتفعت الأصوات تقول: نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله! فرفع السبابة إلى السماء ونكتها إلى الأرض قائلاً: اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد، اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد).

    ونحن نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله.

    ثم أما بعد:

    أحبتي الكرام! نواصل الحديث مع قصة حبيب الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    إن إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت دعا بثلاث دعوات:

    الدعوة الأولى: قال: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    الدعوة الثانية: قال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128].

    الدعوة الثالثة: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129].

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أنا دعوة أخي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورأت أمي حين ولدتني نوراً أضاء لها قصور الشام).

    1.   

    الأدلة القرآنية على البعث

    وقصة إبراهيم عليه السلام وقضية البعث نقف عندها قليلاً؛ لنبين بالأدلة القاطعة موقف القرآن من البعث والنشور، وهي من أهم قضايا العقيدة، يقول ربنا سبحانه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260].

    والقرآن الكريم حينما تناول قضية البعث تناولها بأدلة قاطعة بينة تدلل وتثبت أن الذي خلق العباد أول مرة هو الذي يبعثهم بعد الموت، وهي أدلة خمسة:

    دليل الخلق الأول

    الدليل الأول: دليل الخلق الأول من عدم والنشأة الأولى، وهذا كثير في القرآن، فلننتبه إليه، مثل قول الله تعالى في سورة مريم: وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً [مريم:66]، والجواب: أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [مريم:67]، فربط بين قضيتين.

    ومما استدل به القرآن على قضية البعث من القبور بقضية الخلق من عدم قوله تعالى في سورة يس: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    وفي سورة القيامة ربط أيضاً بين القضيتين: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]، أي: هملاً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:37-40]. بلى يا رب! أنت قادر.

    وفي سورة الطارق ربط بين الخلق والبعث، يقول ربنا سبحانه: فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5]، فتأمل وتدبر وتفكر في الخلق أول مرة؛ لتعرف من الذي سيبعثك بعد الموت.

    وإن كنت عاجزاً فانظر، فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:5-8].

    إحياء الأرض بعد موتها

    الدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها، وهذا يسميه العلماء القياس العقلي، والقياس عند علمائنا من مصادر التشريع المعتبرة، والنبي عليه الصلاة والسلام استخدم القياس في أكثر من موضع، فلما جاءه رجل وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولداً أسود)، فالرجل كان أبيض والزوجة بيضاء وولدهما أسود، وقد أراد الرجل أن يلاعن الزوجة وكأنها انحرفت، ومن شابه أباه فما ظلم، أي: ما ظلم أمه، واليوم يعلمون أبناءنا في الدراسة الثانوية أنه إذا جامع الرجل زوجته فهناك احتمالات للإنجاب، ونقول لهم: ليس هناك حتمية علمية على الله عز وجل، بل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، ولو أخذنا هذه المسألة وقلنا لهم: أعطونا احتمالات الإنجاب فسيستبعدون السواد تماماً، وأما في الشرع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: (أعندك إبل؟ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق -يعني: أفيها واحد يخالف لونه لون سائرها؟- قال: نعم يا رسول الله! قال: ما تقول فيه؟ قال: لعله نزعه عرق -وكما يقولون: العرق يمد إلى سابع جد- فقال: فلعل ولدك نزعه عرق) .

    فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يقرب للرجل هذا المعنى بالقياس، وربنا عز وجل أبطل قضية أن عيسى ابن الله بالقياس، فقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]. أي: فإن كنتم تتعجبون من أن عيسى خلق من أم بلا أب وبسبب ذلك نسبتموه إلى الله وقلتم: إنه ابن الله؛ فخلق آدم أشد في الإعجاز من خلق عيسى، فهو بلا أب ولا أم، فأيهما أولى بالإعجاز إذاً؟

    وقد ناظر رجل من أهل السنة رجلاً من أهل الظاهر ينكر القياس، فقال له: إن الله يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8]، فما تقول فيمن يعمل نصف مثقال ذرة؟ فالقرآن ليس فيه نصف، وإنما فيه ذرة، وبدون قياس لن يستطيع الإجابة، فقال له الرجل: أبلعني ريقي حتى أستطيع الإجابة، قال: أبلعتك دجلة، أي: اشرب نهر دجلة، وليس الريق فقط، قال: أمهلني ساعة، قال: أمهلتك إلى قيام الساعة، فلن تستطيع أن تجيب إلا إذا استخدمت القياس، وهذا قياس الأولى.

    وقد استخدم قياس الأولى هرقل الداهية لما سأل أبا سفيان -كما في صحيح البخاري - : أتتهمونه بالكذب؟ قال: لا، فقال هرقل مستنبطاً بقياس الأولى: ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله، فهذا يستحيل. وهذا هو قياس الأولى.

    فالدليل الثاني في القرآن: القياس العقلي، مثل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:39]، وفي الحديث: أن الله عز وجل يرسل ماءً على الأرض قبل البعث فتنبت الأجساد من القبور كما ينبت النبات، وهذا أيضاً للتقريب إلى العقول.

    وقال تعالى في سورة الأعراف: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف:57]، أي: كما يخرج النبات من الأرض فكذلك يخرج العباد من قبورهم، وبعثهم ليس بكثير على رب الأرض والسماء.

    الاستيقاظ من النوم

    الدليل الثالث: الاستيقاظ بعد النوم، فالنوم موت، ولكنه موت أصغر، ولذلك كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم عند استيقاظه من النوم: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، فبين الحديث أن النوم موت، وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، فالوفاة قسمان:

    وفاة بالموت، ووفاة بالنوم. وإذا استيقظ العبد من نومه ردت إليه الروح، وإن لم تفارق الجسد، فالنوم موتة صغرى والاستيقاظ من النوم بعث، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها لجنة أبداً، أو لنار أبداً).

    ويقول لقمان لولده: إن كنت لا تؤمن بالموت فلا تنم، وإن كنت لا تؤمن بالبعث فلا تستيقظ.

    فالذي أيقظك من نومك هو الذي يبعثك بعد موتك.

    والنوم نقص، ولله صفات الكمال، ولذلك فهو سبحانه لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، لأن النائم يحتاج لمن يدبر أمره وهو نائم، فمثلاً أنت عندما تنام فإن نبضات قلبك تعمل ولا تتوقف، ولا يقوم على أمرها إلا القيوم الذي يقوم على أمر خلقه، فهو لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

    خلق السماوات والأرض

    القصص القرآني

    الدليل الخامس: القصص القرآني، كما في قصة إبراهيم حينما قال لربه: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: (نحن أولى بالشك من إبراهيم)، فيستحيل على إبراهيم أن يشك في قدرة الله على البعث، ولكنه أراد أن يزداد إيماناً مع إيمانه، ومن فقه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان في صحيحه أن وضع عنواناً (باب زيادة الإيمان ونقصانه)، أي: أن الإيمان يزيد وينقص، واستدل بهذه الآية: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، أي: لأزداد إيماناً مع إيماني، فأنا أريد أن أرى كيفية البعث ليزداد يقيني، مع أني مؤمن بالبعث لا شك في ذلك.

    1.   

    القصص الواردة في سورة البقرة الدالة على البعث

    وقد جاءت في سورة البقرة -كما قال الحافظ ابن كثير - خمس قصص تدل على البعث.

    قصة بقرة بني إسرائيل

    الأولى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، في قصة بقرة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم اليهود، وذلك لما قتل أحدهم عمه وحمل جسده وألقاه في قرية مجاورة؛ ليلصق التهمة بأهل تلك القرية، فاليهود يقتلون، ويحاولون أن يتملصوا من القتل، ويتهمون الآخرين، فهم ليل نهار في دك، وقتل للأطفال، ونسف وهدم لبيوت الموحدين، ويقولون: نحن نسعى إلى السلام، وأيديهم تقطر بالدم، فهذا استسلام وليس سلام، فهم يقتلون ويرفعون شعار السلام، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً [الكهف:5].

    ثم إن القاتل جاء إلى موسى وقال له: يا كليم الله! عمي قتل، فمن قتله؟ فقال الله لموسى عليه السلام: مرهم أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، فقال هؤلاء السفهاء: أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ؟ أتهزأ بنا يا موسى؟ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [البقرة:67-68]، وهذا من سوء أدبهم، لم يقولوا: ادع لنا ربنا، وإنما قالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ، فكأنه رب موسى وليس ربهم هم، فهذا من سوء أدبهم مع أنبيائهم، وهم قتلة الأنبياء في كل الأزمنة والعصور، وناقضوا العهود والمواثيق، فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء:78]، فاليهود ليس لهم عهد ولا ميثاق.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ، أي: وسطاً، وخير الأمور الوسط. فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:68-70]، فشددوا فشدد الله عليهم، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ ، أي: سالمة من العيوب، لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ، الآن! وكأنه قبل ذلك جاء بالباطل! الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة:71]. فلما ذبحوها أمرهم الله أن يأخذوا جزءاً منها ويضربوا القتيل به، فأخذوا جزءاً منها وضربوا به القتيل فأحياه الحي الذي لا يموت، فقام القتيل فسأله موسى: من الذي قتلك؟ فأخبره عمن قتله. قال سبحانه: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ، فقلوب اليهود أقسى من الحجارة، فهي لا تعرف الرحمة، وإن عرفت الحجارة الرحمة فقلوب اليهود لا تعرفها، وإن أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى ذلك الغلام الصغير الذي خرج خلف أبيه ليشتري له أشياء، وهو محمد الدرة ، فقد أخجل الضمير العربي يوم أن قتله اليهود وهو يستغيث بهم، فهو طفل لا يملك شيئاً، ولكن قلوب اليهود لا تعرف الرحمة، فهم لا يفرقون بين صغير ولا كبير، وإنما شعارهم وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8].

    قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . و(أو) هنا بمعنى: بل، يعني: بل أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، فقلوبكم أقسى من الحجارة.

    قصة العزير

    القصة الثانية في سورة البقرة: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259]، وهو العزير مر على بيت المقدس، قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، بعد أن وجدها قرية محطمة ليس فيها حركة، فوقف يقول: قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ، أي: لم يتغير، وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ، فالحمار الذي بجواره كان قد تحلل عظاماً نخرة، وأصبح رماداً وتراباً، وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً . فقام الحمار بقدرة الحي الذي لا يموت بين يدي العزير بعد أن أحياه الله عز وجل. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259].

    قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت

    قصة الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة

    القصة الرابعة في سورة البقرة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، فهم لا يؤمنون إلا بالملموس، كشأن العلمانية عندنا، وسنفرد للعلمانية لقاء؛ لأنها بدأت الآن تطل برأسها من جديد ليل نهار، وتطعن في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل باب من أبواب الدين، فهي تلحد في العقيدة وفي الشريعة، وقد فتحت لهم الصحف ليعبروا عن عقائدهم الفاسدة.

    والحرب على الإسلام في هذه الأيام واضحة المعالم، فقد أغلقت بعض الجامعات في باكستان، وجففت المنابع، وأراد قائدها العلماني أن يغير مفهوم الجهاد من جهاد الشرك والكفر إلى جهاد الفقر والجوع والمرض، ويحارب السلفية بكل معانيها.

    فدينك دينك، فهو لحمك ودمك، فعض عليه بالنواجذ؛ لأنك في زمن الغربة، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]، فلا بد من تمحيص للصف، ومن البلاء والاختبار، ودين الله عز وجل قادم لا شك في ذلك، وهو سبحانه القائل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33]، ولو كره الكافرون والعلمانيون فسيظهر الله عز وجل دينه بنا أو بغيرنا، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    قصة سؤال إبراهيم ربه أن يريه إحياء الموتى

    القصة الخامسة: قصة إبراهيم، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى [البقرة:260].

    كل هذه أدلة تدل على أن الله قادر سبحانه على أن يبعث العباد بعد موتهم، وصدق سبحانه: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    وقال في سورة الإسراء: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً [الإسراء:50]، أي: حتى إن أصبحتم حجارة أو حديداً، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51]، فعند ذلك ستلتوي الرءوس ويقرون أن الله عز وجل هو القادر سبحانه.

    أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    دعوات إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام

    دعوتهما بقبول أعمالهما

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فلقد دعا إبراهيم وولده إسماعيل بثلاث دعوات وهما يرفعان القواعد من البيت، وأول دعوة دعاها قال: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة:127]، وكان بعض السلف يبكي ويقول: يا خليل الرحمن! ترفع بيت الرحمن وتخشى ألا يتقبل الله منك!

    وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، والمقصود بذلك: أن العبد الصالح يفعل الطاعات ويصلي ويزكي ويصوم ويأمر بالمعروف ولكنه يخشى ألا يتقبل الله منه، ولذلك يقول ابن دقيق العيد : كل عمل مقبول صحيح، وليس كل عمل صحيح مقبول، فقد يكون العمل صحيحاً مستوفياً شروطه ولكن الله عز وجل لا يقبله، وليس لأعمالنا قيمة إن لم يتقبلها الله عز وجل، ولذلك يقول سبحانه: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    وقبول الأعمال له شرطان:

    الشرط الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل.

    الشرط الثاني: أن يكون موافقاً لهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالإخلاص والمتابعة شرطان لقبول العمل عند الله تبارك وتعالى، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يغشى عليه إذا حدث بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: عالم ومتصدق ومجاهد، أما العالم فيسأله ربه: تعلمت العلم فماذا صنعت به؟ فيقول: يا رب! ما تركت مكاناً إلا ودعوت إليك فيه، فيقول له الله تعالى: كذبت، ولكنك تعلمت وعلمت ليقال عنك: عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار) .

    فطهر أعمالك يا عبد الله، فطريق الخلاص هو الإخلاص، إخلاص العمل لله تبارك وتعالى، فأخلص عملك يكفك القليل كما قال العلماء.

    دعوتهما بحصول إسلامهما لله رب العالمين

    والدعوة الثانية: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]، فالإسلام دين الأنبياء جميعاً، وفي الأسبوع الماضي قالت امرأة طبيبة: قد لوثوا أفكارنا، عندما وضعوا في عقولنا أن الإسلام هو الحق وليس غيره. والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً، وليس هذا تلويثاً، واسمعي إلى قول الله تعالى عن يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    وقال إبراهيم عليه السلام: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]، وعيسى عليه السلام يقول للحواريين: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52].

    وقالت ملكة سبأ: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44]، فالإسلام هو دين الله المقبول، وقد تتعدد الأديان، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، ويقول تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19].

    وفي الصين واليابان ودول أوروبا يخترعون كل يوم ديناً كما يخترعون الأجهزة الكهربائية، حتى الحشرة يريدون أن يعملوا لها ديناً، والهندوس عباد البقر يقول زعيمهم الأسبق غاندي: إن أمي البقرة أفضل عندي من أمي التي ولدتني؛ لأن البقرة تعطيني لبناً طوال عمرها ولا تحتاج مني إلى بر، وأما أمي فترضعني حولين وتحتاج مني إلى بر. فانظروا إلى هذه العقول!

    ولذلك في الهند إذا دخلت البقرة متجراً فإن صاحب المتجر يعظمها ويبجلها، فإذا حطمت البضائع ازداد سروراً وغبطة، ويزداد سروراً أكثر إذا تفضلت عليه وتغوطت؛ حتى يتبرك ببرازها، فأي عقول هذه؟! فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، وكفى به نعمة.

    قال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128]، أي: أرشدنا لشرائع حجنا، وعلمنا المناسك، وأرشدنا إليها، وشرائع الحج وأعماله تسمى مناسك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، والذبح أيضاً يسمى نسكاً، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ، يعني: ذبحي، وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    دعوتهما ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم من ذريتهما

    والدعوة الثالثة: دعاها إبراهيم وهو يرفع القواعد ويقول: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ [البقرة:129]، أي: من ذرية إسماعيل، وهو الحبيب عليه الصلاة والسلام، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد دعوة إبراهيم بآلاف السنين؛ فلا تتعجل الإجابة، فإذا دعونا في القنوت على اليهود والأمريكان فلا نستبطئ الإجابة، فقد أجاب الله دعوة إبراهيم ببعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بعد آلاف السنين، ولذلك جاء في الأثر: إن العبد يدعو ويقول: يا رب! يا رب! فيقول الله لملائكته: أجلوا مسألة عبدي، فتقول الملائكة: لم يا رب؟! فيقول الله: إني أحب أن أسمع صوته.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

    اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.

    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا وثبتنا على الإسلام دائماً يا رب العالمين! وعلمنا التوحيد، واقبضنا عليه، وابعثنا مع أهله يا رب العالمين!

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكِّن لدينك في الأرض يا رب العالمين!

    اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم آية فإنهم لا يعجزونك، اللهم كما أزلت النمرود ببعوضة، فأزل رءوس الكفر يا رب العالمين. إنك حسبنا ونعم الوكيل.

    اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.

    اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، وأمتنا شهداء في سبيلك، ومتعنا بالشهادة يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وأغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.

    اللهم علمنا القرآن وخَلِّقنا به، وارزقنا حب القرآن وحفظه وتلاوته.

    اللهم نور صدورنا وبيوتنا بالقرآن، وشفعه فينا، واجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه.

    اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.

    اللهم اربط على قلوب المجاهدين، اللهم اربط على قلوب المجاهدين، اللهم وحد جمعهم، واجعل الدائرة على عدوهم.

    آمين آمين آمين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    قصة إبراهيم عليه السلام فيها من الدروس والعبر الكثير والكثير، ولا سيما في مناظرته للنمرود بن كنعان ، ذلك الملك الظالم الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، فأصيب بغيبوبة ووقع من على الكرسي واصطدم وجهه بالأرض فشجت الشفة وبعض الجبين، فأقول: اللهم يا من أهلكت النمرود ببعوضة أهلك كل طاغية ببعوضة، فإنك على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإيداع في البنوك بفوائد ربوية

    السؤال: أودعت في البنك (5000) جنيه، وبعد مرور عام وصل المبلغ إلى (10000) فماذا أفعل من حيث زكاة المال بالنسبة للمبلغ الكلي، وأريد النصيحة بالتخلص من هذا؟

    الجواب: تعاملات البنك المحددة بسعر الفائدة ربا، وما هو الربا إن لم يكن هذا منه؟ فالقرض بفائدة ثابتة بغض النظر عن الربح أو الخسارة ربا، ولذلك أنصحك أن تتخلص سريعاً من هذه التعاملات.

    وأما المال الذي وضعته في البنك ونما أو زاد بفائدة فعليك أن تأخذ رأس المال فقط وتتخلص من الفائدة، والتخلص من الفائدة يكون -كما قال بعض العلماء-: بشيء يناسبها، كإقامة دورة مياه، أو رصف طريق عام، أو بعض الأشياء التي تناسبها؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    بيان ما يصل إلى الميت من الأعمال

    السؤال: توفيت والدتي فما الذي يصل إليها من ثواب الأعمال؟ وهل يجوز التصدق بنية هبة الثواب لها؟

    الجواب: هذا موضوع مهم، ويحتاج من طلبة العلم إلى أبحاث حول ما يصل إلى الميت بعد موته، وعندنا في الأرياف ظواهر عجيبة، فأول ما يضعون الميت في القبر يقوم فوق رأسه بعض التراباتية يقرءون يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس:1-4]، حتى يكمل السورة، ثم يقول: الفاتحة. وقراءة القرآن على القبور لا تجوز، كما قال ذلك الشيخ الألباني في بدع الجنائز، والواجب عليك عند القبور أن تدعو لهم؛ لحديث عائشة قالت: (يا رسول الله! ماذا أقول عند زيارة القبور؟ قال: قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، وفي الحديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، قال العلماء: مفهومه أن القبور لا يصلى إليها ولا يتعبد فيها ولا يقرأ فيها قرآن.

    وأما ما يصل إلى الميت بعد موته فالحج عنه إن مات ولم يحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة الجهنية التي قالت: (يا رسول الله! إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء)، يعني: أنه ينبغي أن تحج عن الميت إن لم يكن قد حج، شريطة أن يكون الذي يحج عن الميت قد حج عن نفسه، وكذلك الصوم عنه إن كان قد نذر صياماً، لحديث: (من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليه)، وأما إن كان أفطر لمرض فليطعم عن كل يوم مسكيناً، و(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، فالدعاء والصدقة الجارية والعلم الذي يتركه الميت يصل إلى الميت بعد موته، إلى غير ذلك.

    وأما ما نراه الآن من قراءة القرآن على أرواح الأموات إلى غير ذلك من الأعمال فهذا مما لا ينبغي، والصلاة لا تجوز عن الميت، لأن الصلاة فرض على المكلف لا تسقط عنه بحال، بل يصلي على جنبه أو إيماء بعينه، والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة بحسب توقيت التقويم الدقيق

    السؤال: نحن من الصعيد ونصلي الفجر بعد الأذان بعشر دقائق فقط، فهل نعيد الصلاة؟

    الجواب: صلاتكم صحيحة إن شاء الله، ولا إعادة عليكم، ولا داعي للتشكيك في مواقيت الصلوات؛ فإن غلبة الظن تكفي في دخول الوقت، وقد حقق بعض علمائنا في هذا كثيراً، فوجد أن هذه الأوقات المعلن عنها في النتائج صحيحة (100%)، وأما من قال: إن هناك خطأ في تقدير وقت دخول الفجر مدة عشر دقائق أو ربع ساعة أو ثلث ساعة فنقول له: ما ثبت بيقين لا يزول بشك.

    وللأسف الشديد بعض الناس الذين تبنوا هذا الرأي وأخروا الصلاة منهم من يضيع الجماعة، ومنهم من يصلي بعد شروق الشمس، ومنهم من يصلي في بيته منفرداً؛ لأنه فرط في أول الوقت.

    ولقد نشرت مجلة التوحيد بحثاً قبل ذلك في هذا الأمر ووقع عليه كثير من العلماء، فلا داعي أبداً لهذا الكلام. والله تعالى أعلم.

    حكم تشريح جثة الإنسان للتعليم

    السؤال: ما حكم تشريح جثث الموتى للتعليم بكلية الطب؟ وإذا كان حراماً فماذا يعمل طالب الطب؟

    الجواب: لا يجوز أبداً أن تستخدم جثة المسلم بعد موته للتشريح والتمثيل عليها، فحرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً، ومن الممكن أن تشرح ضفدعة، فإن كان هناك بديل يفي بالغرض أو جهاز بلاستك فيه نفس الأجهزة فاللجوء إليه أولى، وأما أن تخرج جثة ويمثل بها وتشرح فهذا لا ينبغي أن يكون أبداً، وإن كنت مكرهاً على ذلك فأنت في حكم المكره. والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة والحج عن الميت

    السؤال: ما كيفية قضاء الحج عن الميت؟ وما حكم الصلاة عنه؟

    الجواب: الصلاة عن الميت لا تجوز كما قلنا، وأما الحج عن الميت فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة ، فقال له: من شبرمة ؟ قال: أخي لي. قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة).

    وقد أفتى بعض أهل العلم أنه إذا ترك الميت تركة ولم يحج أنه يبدأ بتسديد ديونه، ومن الديون الحج، فلا بد أن يحجز مبلغ من تركته ليحج عنه أحد الأبناء شريطة أن يكون قد حج عن نفسه؛ لأن دين الله أحق بالقضاء، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أفأحج عن أمي يا رسول الله؟! قال: نعم) فبدلاً من أن نورث الأموال للورثة والميت يحاسب عن تفريطه في الحج ينبغي علينا أن نحج عنه. والله تعالى أعلم.

    وأقترح أن يقوم أحد الإخوة العلماء بعرض مناسك الحج والعمرة، بالصوت والصورة على شاشة تعرض المناسك، ويعلن في المنطقة أو في مصر كلها أن هناك شرحاً لمناسك الحج والعمرة فلا بد أن نعلم الناس هذه المناسك قبل أن يرحلوا من هنا، فأحد الحجاج قبل سنتين أو ثلاث أول ما وصل مكة حلق شعره بالمكينة، ثم قال: الحمد لله انتهيت من العمرة، وظن أن العمرة الحلق فقط، فحلق رأسه قبل أن يؤدي أي نسك آخر.

    وقال آخر: دخلت المسجد فوجدت علبة سوداء. أي: الكعبة! فهناك جهل في الأمة.

    فلا بد أن نعلم الناس مناسك الحج والعمرة بالتبسيط، وما يصنع من لحظة أن يخرج من بيته إلى أن يعود بالصوت والصورة، وبالرسوم التوضيحية والوسائل التعليمية، والحج يجمع شتى المذاهب والفرق، فلا بد أن يكون الأمر واضحاً.

    حكم سفر المرأة للعمرة بدون محرم

    السؤال: امرأة مطلقة تريد العمرة، وليس لها سوى ولد عمره أحد عشر سنة، فهل تسافر معه؟

    الجواب: لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الحج أو العمرة إلا بمحرم، وهذا الولد لا يصلح أن يكون محرماً؛ لأنه لم يبلغ، والشافعي رحمه الله قد أفتى بجواز أن تخرج المرأة إذا كان هناك صحبة آمنة، ولو رأى حالنا اليوم لعدل عن قوله هذا، حيث لا توجد الصحبة الآمنة الآن، فلا يجوز ذلك، وإن كان لا يجوز في الحج فمن باب أولى في العمرة.

    وكذلك المرأة الكبيرة التي تعدى عمرها الستين أو السبعين سنة لا تحج إلا بمحرم؛ لأن هناك بعض من هي في سن السبعين أفضل ممن هي أصغر منها.

    فالمرأة -قولاً واحداً- لا تخرج إلا بمحرم، فإن لم تجد هذه المرأة محرماً فهي غير مكلفة؛ لأن التكليف لمن استطاع، ومن شروط الاستطاعة للمرأة أن يكون لها محرم، ولا تلتفتي لغير ذلك أبداً. والله تعالى أعلم.

    بيان ما يلزم في القتل الخطأ

    السؤال: سائق قتل خطأً في حادث أثناء عمله امرأة ورجلاً وطفلاً، وكانوا هم المخطئين، كما أنه توفي كذلك، فهل عليه إثم أو دية، مع أنه غير مخطئ؟

    الجواب: لا تبرئه، فهناك تنقيح المناط عند علماء أصول الفقه، وهذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر في الفتوى، فهو قد قتل خطأً، فعليه دية مسلمة إلى أهل الميت، وهذا قد قتل ثلاثة، امرأة ورجلاً وطفلاً، فالثلاثة يستحقون دية، إلا أن يعفو عنك أهل الميت، أو يقبلوا منك شيئاً أقل من الدية المقررة شرعاً، والدية المقررة شرعاً حوالي مائة وسبعة وعشرين ألف جنيه، وتجد في السعودية أربعين أو خمسين سيارة عند الحرم يهدئن السرعة، ليس محبة فيك وإنما خوفاً من الدية؛ لأنه بمجرد القتل تدفع دية مباشرة، أما عندنا في مصر فالسائق يقتل ثم يأتي ويبرز رخصته ثم يدفع ألف جنيه أو ألفين ويذهب، وكأنه يشتري بطيخاً ولم يقتل نفساً، فلا بد أن تتحلل من أهل القتيل، والكفارة: صيام شهرين متتابعين؛ لأن دماء المسلمين لها مكانة ومنزلة، وابن عباس رضي الله عنهما كان يقول للكعبة: إن لك لحرمة عند الله، وإن دم المسلم أشد حرمة من حرمتك، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:92]، فالقاتل يلزمه هذا، أما وقد توفي فيمكن لأهله أن يذهبوا إلى أهل القتلى.

    وهذه الآية التي في سورة النساء وضحت كفارة قتل المسلم وغير المسلم. والله تعالى أعلم.

    حكم أرباح الودائع في البنوك

    السؤال: هل أرباح الودائع ربا؟

    الجواب: هذا الموضوع قتل بحثاً، والدكتور علي السالوس له كتاب في هذا، وعلماء الأمة قد أجابوا عن هذا، والشيخ جاد الحق قد أجاب في أموال البنوك هذه، فهي ربا، وهذا واضح بيِّن، فأموال الودائع ربا، إلا أن تكون بنوكاً إسلامية كبنك فيصل أو المصرف الإسلامي فمعاملاتهم إسلامية.

    والبعض يقول: بنك فيصل أيضاً فيه مخالفات، ونقول: المخالفات عليه، واللائحة إسلامية، ونظامه يقوم على المشاركة والمضاربة والمرابحة، والذين وضعوا هذه اللوائح من علماء الأمة، وأما الممارسات فأنت غير مسئول عنها.

    وثانياً: لو أنه لم يكن في تجربة بنك فيصل والمصرف الإسلامي إلا إزالة بعض المنكرات فالأولى أن نقف بجوارها؛ لأن دفع بعض المنكر أولى من ترك كل المنكر.

    والبنك المركزي يحدد لهم نسبة تسمى نسبة الاحتياطي القانوني من جملة الودائع، وهذا أمر مفروض على البنك، وهو مكره عليه.

    فحاول أن تستثمر الأموال في التجارة أو غيرها، فإن كنت عاجزاً فالبنوك الإسلامية أمامك، والله تعالى أعلم.

    حكم تعطر المرأة في بيتها

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تضع عطراً أو مكياجاً أثناء الصلاة في بيتها؟

    الجواب: أخشى أن العطر يستمر معها إلى حين خروجها من البيت؛ لأن بعض العطور لا تذهب رائحتها حتى وإن حاولت إزالتها بالغسل أو بغيره؛ لأن بعض العطور تبقى في الجسد دائمة، فلتبتعد عن هذا من باب سد الذريعة. والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الصلاة

    السؤال: سمعت من يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أصلي، فهل أصلي عليه أثناء صلاتي؟

    الجواب: في المسألة خلاف، فمن العلماء من قالوا: تصلي، ومنهم من قال: لا تصلي، وهذه المسألة قد بسطها ابن القيم في كتابه القيم (جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام) صلى الله عليه وسلم.

    فالصلاة على رسول الله داخل الصلاة فيها أقوال للعلماء:

    منهم من أباحها، ومنهم من قال: لا يجوز، وأنا أطمئن إلى الإباحة. والله تعالى أعلم.

    حكم قراءة الحائض للقرآن

    السؤال: هل يجوز للمرأة الحائض أن تردد الأذان خلف المؤذن وتقرأ الإخلاص والمعوذتين عند النوم؟

    الجواب: نعم، يجوز للمرأة الحائض أن تردد الأذان، وأن تقرأ الإخلاص والمعوذتين؛ لأن المرأة الحائض منهية عن مس المصحف، وأما قراءة القرآن ففيها خلاف، والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن المرأة الحائض يحل لها أن تقرأ القرآن؛ لأن الحيضة ليست في يدها، فضلاً عن أنها قد تنسى القرآن لطول المدة، وقد استدل البخاري على أن الحائض تذكر الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (افعلي كل شيء إلا الطواف)، وكل شيء يدخل فيه الوقوف بعرفة والدعاء فيها ورمي الجمرات والتكبير مع الرمي، فأعمال الحج تحتاج إلى ذكر، فكونه أباح لها أن تفعل أفعال الحاج يعني أنه أباح لها الذكر، فللحائض أن تذكر الله ولا شك في ذلك، ولم يقل أحد من العلماء بحرمة الذكر على الحائض، وإنما الخلاف في قراءة القرآن ومس المصحف.

    والراجح في مس المصحف الحرمة وعدم المس، وأما قراءة القرآن فالراجح فيها جواز قراءة القرآن من حفظها، ولا شيء عليها. والله تعالى أعلم.

    فضل صلاة المرأة في بيتها وانتظارها صلاة الضحى في مصلاها

    السؤال: هل يكتب للمرأة حجة تامة إذا صلت الفجر في بيتها وجلست لتنتظر صلاة الضحى؟

    الجواب: جاء في الحديث: (من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله في مصلاه حتى تشرق الشمس ثم صلى ركعتين..)، إلى آخر الحديث، قال العلماء: الحديث حسن، وفيه شروط:

    الشرط الأول: أن يصلي الفجر في جماعة.

    الشرط الثاني: أن يجلس في مصلاه، أي: المسجد.

    الشرط الثالث: أن يجلس ليذكر الله، لا ليخاطب أو يحاور، بل يذكر الله إلى أن تطلع الشمس.

    الشرط الرابع: أن يصلي ركعتين.

    فإن قالت امرأة: أنا صلاتي في بيتي أفضل قلنا: نسأل الله ألا يحرمك هذا الأجر إن صليت في بيتك، ثم جلست تذكرين الله؛ لأن الذي منعك من الجماعة مانع شرعي، وهو: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجدي هذا). فإن شاء الله لها الأجر. والله تعالى أعلم.

    حكم الحلف بالطلاق

    السؤال: حلفت بالطلاق على أمي لئلا تجلس مع أحد من الجيران، فجلست، هل يقع الطلاق أم ماذا؟

    الجواب: فتاوى الطلاق والرضاع والميراث لا ينبغي أن تسأل على ورق؛ لأن الطلاق لا بد أن نسأل فيه عن نية الحالف، وعن مناسبة اليمين، وعن حال الزوجة، وإلى غير ذلك، فهذا لا يجوز أبداً.

    وأريد أن أقول: إنه لا ينبغي علينا أبداً أن نتخذ آيات الله هزواً، فمثلاً: بائع الطماطم يحلف قائلاً: علي الطلاق أنني اشتريته بكذا، وما علاقة الطلاق بالبيع والشراء؟! فهذا يضرب ويعزر.

    وأنت تحلف بالطلاق على أمك ألا تجلس، ولا يجوز أن تحلف على أمك بيمين الطلاق، فالطلاق للطلاق، ولم يشرع الطلاق بهذه الصور التي نراها الآن، وكما سألنا رجل أنه قال لزوجته: علي الطلاق عمري ما أنام بجانبك أبداً، فقلت له: أنت كذاب. فلا يجوز أن نتخذ أيمان الطلاق هزواً، ونعرض بأيمان الطلاق في أشياء ليس لها صلة بالطلاق أبداً. فهذا من فعل الشيطان الرجيم، والأخ صاحب السؤال يأتي بعد الدرس لنسأله في الطلاق وفي ظروفه.

    وقد قال البعض: لا يجوز أن تسمع دعوى الطلاق إلا في حضور الزوجة؛ لأنه مسألة قضاء بين طرفين، وليس مسألة فتوى؛ لأنه سيقول: قلت كذا، فتراجعه وتذكره، ويسمع في دعوى الطلاق للزوج وليس للزوجة، ولكن الزوجة تكون موجودة، فربما تكون ذاكرة لشيء، والذاكر حجة على الناسي. والله تعالى أعلم.

    حكم مصافحة زوجة الأخ والصلاة بعد مصافحتها

    السؤال: توضأت للصلاة وقبل أن أذهب إلى المسجد قابلت زوجة أخي فسلمت عليها وذهبت إلى المسجد ولم أعد الوضوء، فما الحكم؟

    الجواب: أولاً: وضوؤك صحيح، ولا ينتقض بهذه المصافحة.

    ثانياً: حكم هذه المصافحة حرام، فلا يجوز لك أن تصافح امرأة طالما أنها تحل لك، حتى وإن كانت محرمة حرمة مؤقتة، وربما يقول أحد: الشيخ الفلاني يقول: سلم، ولا يضرك ما دام قلبك أبيض، فنقول: جاء في الحديث: (ما مست يد النبي صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له)، وإذا حرم الله النظر فمن باب أولى أن يحرم المس؛ لأن المس أكثر مفسدة من النظر، فاتق الله ولا تسمع لهؤلاء أبداً، فالمصافحة حرام، فكان ينبغي عليك ألا تصافح هذه المرأة، أما وقد صافحت فتب إلى ربك عز وجل، ووضوؤك صحيح.

    وأما المصافحة بحائل فمن العلماء من قال: وجود الحائل كعدمه، ولكن من باب ارتكاب أقل المفسدتين، فممكن أن تصافح بحائل مرة دفعاً لذلك الموقف، وبعد ذلك تقول لها: أنا لا أصافح النساء، فالمصافحة لحائل تكون في أضيق الظروف؛ دفعاً لأكبر المفاسد، يعني: هب أنك في موقف أجبرت على المصافحة، فصافح بحائل، وليست هذه فتوى، لا، وإنما هي دفع للمفسدة الكبرى، ثم بعد ذلك إن قابلتك نفس المرأة فلا تصافحها بحائل أو بدونه، فالكلام واضح؛ لأن بعض الإخوة لا يفهم الكلام منضبطاً، فأقول: السلام بحائل مثل السلام بغير حائل، إلا إذا كان سيترتب على ذلك مفسدة كبرى فادفعها بالمفسدة الصغرى، وبعد ذلك لا تكرر. والله تعالى أعلم.

    تسمية الركعتين اللتين بعد شروق الشمس

    السؤال: هل تسمى الركعتان اللتان بعد شروق الشمس ركعتي الضحى؟

    الجواب: تسمى ركعتي الشروق وليس الضحى.

    حكم بناء المستشفيات والمساجد من مال الزكاة، وبيان مصارف الزكاة

    السؤال: هل يجوز بناء مستشفى لعلاج سرطان الأطفال من مال الزكاة؟

    الجواب: لا يجوز، وهذا رأي مجلس الإفتاء وعليه العمل، والله تعالى أعلم، وكذلك لا يجوز بناء المساجد بها، وهذه أيضاً فتوى اللجنة الدائمة، ووقع عليها الشيخ ابن باز والشيخ عبد الرزاق عفيفي ومجموعة، لأن مصارف الزكاة قد حددها الله كما في سورة التوبة.

    ومن توسع في قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] قال: بناء المساجد داخل في سبيل الله، ونحن نقول له: في سبيل الله المقصود به: تجهيز المجاهد في سبيل الله، والشيخ ابن عثيمين له بحث في هذا، فبناء المساجد والمستشفيات يكون من الصدقة وليس من مال الزكاة، والمصارف الثمانية مذكورة في سورة التوبة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60].

    حكم زكاة المنازل

    السؤال: رجل يسكن في القاهرة، وعنده منزل في القرية يملكه ملكاً خالصاً له ولا يسكنه أحد، فهل على المنزل الفارغ زكاة؟

    الجواب: لا، ليس على المنزل زكاة طالما أنه غير معد للتجارة، إلا إذا كان عقاراً للبيع فهذا يسمى عروض تجارة، وأما إذا كان لديه عدة بيوت ولا يسكن إلا واحداً منها فقط فليس عليه أن يزكي عن بقية البيوت ولم يقل أحد بهذا، طالما أنها أصول ثابتة غير معدة للتجارة. والله تعالى أعلم.

    كيفية زكاة الأراضي المعدة للبيع

    السؤال: عندي قطعة من الأرض وأنا أنوي بيعها، فهل تجب فيها زكاة عروض التجارة مع أنني لست من تجار الأراضي؟ وإذا وجبت الزكاة فهل تجب من وقت البيع أو من الآن؟

    الجواب: نعم، تجب فيها الزكاة طالما أنك اشتريت وستبيع، فأنت اشتريتها ليس للبناء عليها، وإنما لإعادة بيعها، فعليها زكاة، والرأي الراجح الذي أميل إليه: هو أنك عند بيعها تخرج من هذا المبلغ ربع العشر (2.5%)، كصفقة تجارية واحدة. والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة خلف المدخن

    السؤال: هل تجوز الصلاة وراء الإمام المدخن؟

    الجواب: الأولى أن تترك الصلاة خلف هذا الإمام إلا إذا كان إماماً راتباً؛ لأنه ليس في يدك أن تغيره، فلا تترك الجماعة لأجل أنه مدخن؛ لأن التدخين معصية، وليس بدعة شركية، والذي لا يصلى خلفه هو صاحب البدعة الشركية، كالذي يطلب المدد من الأموات ويتوسل بالأضرحة، وأما من كان على معصية فالأولى زجره، فإن لم تستطع فصل خلفه ولا شيء عليك. والله تعالى أعلم.

    أنواع الربا

    السؤال: ما هو بيع النسيئة؟

    الجواب: الربا ينقسم إلى قسمين:

    ربا الفضل، وربا النسيئة.

    وربا الفضل هو ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب والفضل ربا، والفضة بالفضة والفضل ربا، والتمر بالتمر والفضل ربا، والشعير بالشعير والفضل ربا)، وهكذا، فهذا اسمه: ربا الفضل، ومثاله: لو أن رجلاً عنده عشرون جراماً من الذهب، فذهب إلى صائغ مجوهرات وقال له: خذ هذه العشرين وأعطني بدلها، فوزن له عشرين جراماً جديدة وأخذ منه العشرين القديمة وقال له: ادفع فارق الصناعة أو الصياغة. فهذا ربا، ولكن إذا أراد المقايضة؛ فليبع القديم أولاً ويقبض الثمن، ثم يشتري بعد ذلك منه أو من غيره؛ حتى يخرج من ربا الفضل.

    وأما ربا النسيئة فهو ربا الزيادة، وكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا، ومثال ذلك: أقرضك شخص ألف جنيه على أن تردها في العام القادم ألفاً ومائة، أو أقرضك ألف جنيه إلى آخر السنة فلم تستطع ردها في الموعد فقال لك: كل شهر تأخير عليه عشرة جنيهات، فهذا يسمى ربا نسيئة؛ لأن الله قال: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، وليس إلى فائدة، بل إلى ميسرة.

    وكذلك مثل مؤسسات التأمينات إذا كان عليك لهم ألف جنيه مثلاً فإن دخلت السنة الجديدة فإنهم يزيدون عليك في كل شهر فائدة، ويسمونها غرامات تأخير، وكذلك الضرائب في كل شهر يزيدون (1%) عن الرصيد، يعني: في السنة (12%)، وفي إحدى المرات كان على شخص خمسة آلاف جنيه ولم يقدر على تسديدها، فبقي عشر سنوات أو عشرين سنة لا يسدد شيئاً، ثم ذهب ليسدد، فوجد أن الفوائد عشرين ألفاً، وأصل الدين خمسة آلاف جنيه، فبدلاً من أن يسقطوا عنه أصل الدين كبلوه بالفوائد، وكلام الشرع أن المعسر يمهل ولا يحمل بفائدة. والله تعالى أعلم.

    حكم دفع المال للموظف لتسهيل المعاملات

    السؤال: أنا طالب في جامعة الأزهر في السنة الأولى في كلية الطب وليس لي الحق في السكن بالمدينة الجامعية، فهل يجوز لي دفع بعض المال لأحد الموظفين حتى يسهل لي السكن، مع العلم أن المدينة بها أماكن خالية كثيرة؟

    الجواب: ينظر في حالتك، فكلامك هذا ليس على إطلاقه، وإنما إن أكرهت على الدفع فالقول الراجح: أنك مكره، كمن يذهب إلى من يعمل له عملاً ويقول له: لن أعمل لك ذلك حتى تعطيني مالاً، فإذا لم تعطه قال لك: أنا مشغول تعال غداً، وهكذا، فخلص نفسك يا عبد الله! في هذه الحالة، وقد قال أحد مشايخنا: ذهبت إلى مكان لأصور ملفاً في قضية، فقال لي كاتب الجلسة: غداً -يا شيخ- فأنا مشغول، فالشيخ سمع الكلام ومشى، ثم أتى في اليوم الثاني فطلب الملف، فقال له الكاتب: بحثت عنه ولم أجده، تعال بعد غد لعلنا نلقاه، فجاءه في اليوم الثالث، وضيع بهذه الطريقة خمس محاضرات، ثم قال له رجل: يا مولانا! أعطه خمسة جنيهات وسيجهز الملف، فأعطاه خمسة جنيهات فأعطاه الملف.

    فالمسألة فيها مفاسد ومصالح، فإن أجبرت على هذا فلا شيء عليك، والله تعالى أعلم.

    حكم الاشتراك في صندوق الزمالة

    السؤال: أنا أشترك في صندوق الزمالة في العمل، وهو يقرض الناس من مائة إلى مائة وخمسة وعشرين، فهل هذا ربا؟

    الجواب: صندوق الزمالة إن كان بفائدة مرتبطة بالبنك فهو ربا؛ فإذا وضعنا لعشرة موظفين صندوقاً بحيث نعطي أحدهم المبلغ إن جاء له ظرف، ثم الآخر كذلك فلا بأس إن كان العطاء من غير فوائد، فإن كان صندوق الزمالة تابع للبنك فهو غير مشروع. والله تعالى أعلم.

    رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام

    السؤال: أريد أن تفسر لي هذه الرؤيا، حيث رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام وطلبت منه عليه الصلاة والسلام أن يدعو لي، فقال: اللهم اهده، وفي المرة الثانية كنت في غرفة فيها طفل صغير مكفن ورائحته جميلة، وفي المرة الثالثة قلت له: ادع لي بالثبات، وفي آخر مرة كان في بيت عائشة فقلت له: ادع لي يا -رسول الله- أن ييسر الله لي زوجة صالحة، فقال اللهم زوجه، وبعد ذلك رأيت ملك الموت، فقلت له: لن تستطيع أخذ روحي، وبعد ذلك رأيت طفلاًً لم أره منذ زمن بعيد جداً فسلمت عليه وأعطيته حلوى؟

    الجواب: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من المبشرات، يقول صلى الله عليه وسلم: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي). صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام في المنام من المبشرات الصالحة، وطالما أنه دعا لك بالثبات وبالزوجة الصالحة فلا شك أن هذا سيجاب، والطفل الصغير هذا ربما يكون ولدك إن شاء الله بعد الزواج الصالح.

    ولكن لا بد أن تضبط المسألة، فهناك صفات للنبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون على دراية بها؛ حتى تعرف هل هو هو أم لا؟ ولا نأخذ التشريع من المنامات كحال أهل التصوف، فتجد أحدهم يقول لك: أنا لا أشرب الشاي، فإذا قلت له: لماذا؟ قال لك: لقد جاءني النبي صلى الله عليه وسلم وقال لي: لا تشرب الشاي. فهل الرسول صلى الله عليه وسلم سيمنعه من شرب الشاي؟!

    وقد قال علماؤنا: إن أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد في النوم وقال له: رمضان غداً، فلا يصم حتى يرى الهلال؛ لأنه جاء في اليقظة وقال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، فيستحيل أن يأمر في المنام بما أمر بخلافه في اليقظة، فالتشريع لا يؤخذ من المنامات، فلا تأخذ حكماً شرعياً من المنام أبداً، وإنما هي رؤيا صالحة، (ولم يبق من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له) ، والله تعالى أعلم.

    حكم كتابة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتعليقها على الجدران

    السؤال: أنا أعمل موزعاً للوحات القرآنية على المكتبات ولدى العملاء، والعملاء نصارى، فما الحكم في ذلك؟

    الجواب: بيع اللوحات القرآنية وتعليقها كما قال النووي في كتاب (التبيان في آداب حملة القرآن): تعليق القرآن على الحوائط لا يجوز أبداً، وما سمعنا بهذا في عهد السلف، وإنما حدث بعدما امتدت العصور، فتعليق سورة الفاتحة أو آية الكرسي ليس من الشرع أبداً، فالأولى بك أن تترك هذا، والله تعالى أعلم.

    ولا تعلقها حتى في المساجد، وبعض الناس يكتب على الجدار آية، فتأتي مياه المطر فتنزل على الحائط فتزيل بعض الحروف، وهذا تشويه للقرآن، وبعض الفلاحين يكتب على ظهر العربات آيات قرآنية، ثم يأتي يركب جاموسة فتدوس الجاموسة على الآية بأرجلها وتتبرز عليها، وهذا لا يجوز، ويأتي الجزار يكتب على محل الجزارة: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21]، وتاجر التجزئة يكتب: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12]، أو ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46]، أو بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41]، أو وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الإنسان:21]، ولا ينبغي هذا، فالقرآن يعظم، وأحدهم يلبس حظاظة ويكتب عليها: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، ويقول: هذه تأتي بالحظ، وأحدهم يكتب على الخاتم آية الكرسي، ولا ينبغي أن يكون هذا أبداً، فهو من قبيل عدم تعظيم كلام الله عز وجل، والله تعالى أعظم.

    ولم يكن هذا في عهد سلفنا، وقد رأينا أحاديث مكتوبة على حوائط المدينة، ولا شك أن تعظيم الأحاديث مطلوب، ولكن أن نكتب: انتخبوا رمز الجردل، وبجانبه قال صلى الله عليه وسلم كذا، وتحتها: لا تنسوا مباراة الأهلي والزمالك، وبعدها: ندعوكم إلى العيد بالعراء؛ فهذا لا يجوز، فالأصل أن نترفع بالحديث عن أن يكون وسط هذا الكلام، فالحديث يعظم، والإمام مالك رضي الله عنه كان إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وتوضأ وتطيب وتوجه إلى القبلة، ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم كذا، ويقول: هكذا أمرنا أن نحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتابة الأحاديث على الحوائط لم تكن في عهد سلفنا. والله تعالى أعلم.

    حكم الوساطة في تيسير معاملات الحج

    السؤال: ما حكم الوساطة في الحج أو دفع رشوة؟

    الجواب: اعمل ولا يضرك، فأنت تريد الذهاب للحج، ولا يمكن أن تذهب حتى توسط، فوسط ولا حرج، فأنت تطلب الخير لأداء الفريضة، وربما إذا لم يوجد أحد يسهل لك المهمة فلن تذهب إلى الحج أبداً، فإن حاولت أن توسط أحداً ليقضي لك هذا الحج أو ليسهله لك فهذه شفاعة حسنة، وليس فيها شيء؛ لأنها شفاعة لأداء فريضة، وأما دفع رشوة هنا فلا يجوز.

    كفارة الغيبة

    السؤال: ما كيفية تكفير الغيبة قبل التوبة؟

    الجواب: إذا اغتبت شخصاً وأردت التوبة من هذه الغيبة فاذكره بكلام طيب في المكان الذي اغتبته فيه، فمثلاً: إذا ذكرته في مجلس بسوء فاذكره في نفس المجلس بكلام حسن، ثم ادع له وأنت ساجد، وصحح ما فعلت عند من اغتبته عندهم وليس عنده، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، وأثن عليه ثناءً عاماً بعد ذلك، حتى ولو كان ذلك في مجلس غير المجلس الذي اغتبته فيه، وادع له بالمغفرة والرحمة وأنت ساجد، فهذا يكفر الغيبة إن شاء الله.

    وهناك أحوال ستة لا يكون فيها القدح غيبة، وهي:

    القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر

    ومجاهر فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر

    فهذه الأحوال الستة ليس فيها غيبة، وهي:

    أولاً: المتظلم، أي: الرجل الذي يتظلم من رجل ظلمه، ويقول: فعل بي كذا وأكل مالي، وهو ليس موجوداً، فهذه ليست غيبة.

    ثانياً: ومعرف، مثل أن تقول: محمد بن عبد الرحمن، فلا يعرف حتى تبين وصفه بقولك مثلاً: الأعمش أو الأحول أو الأعرج أو الأقرع.

    ثالثاً: ومحذر، كأن تعامل شخصاً فأكل عليك مالك، فإن جاء إليك شخص وسألك: ما رأيك في فلان؟ فتبين له وتحذره، وتقول له: احذر منه، مع أنه غير موجود.

    رابعاً: ومستفت، مثل أن يأتي رجل إلى مفت ويقول له: فلان ظلمني وأكل مالي وتعدى على حقي.

    خامساً: ومجاهر فسقاً، أي: الرجل الفاسق المجاهر بفسقه وبمعصيته.

    سادساً: من طلب الإعانة في إزالة منكر، كأن يقول: في مكان كذا خمور تباع؛ لتغيير هذا المنكر عند العالم أو الوالي، فهذا ليس فيه غيبة. والله تعالى أعلم.

    بيان ما لا يجوز للحلاق عمله أثناء الحلاقة

    السؤال: أنا أعمل حلاقاً للرجال، فما هو المسموح في الحلاقة وما هو المنهي عنه؟ أصدقني الخبر؛ فإني على استعداد لترك عملي هذا إن كان لا يرضي الله؟

    الجواب: بارك الله فيك، أولاً: لا تحلق اللحية؛ فحلقها حرام، فإياك أن تحلق لحية رجل! فاللحية الأمر فيها للوجوب.

    ثانياً: لا تنتف الحاجب، لأن بعض الرجال يقول: اعمل لي بالفتلة، وارفع لي حاجبي، فإن كان النمص للنساء لا يجوز فمن باب أولى للرجال؛ لأن الزينة حق المرأة، فإذا حرمت على المرأة فمن باب أولى على الرجل.

    ثالثاً: لا تحلق كبوريا ولا بنكي، وإياك والقزع، فلا تحلق من ناحية صفراً دون أخرى، ولا الذي شكله كالديك، فهذا حرام حرام، ومعظم شباب الجامعة يحلقون بنكي، وهذه الحلقة الجديدة حرام، وأقول لك: كن مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقل: الرزق سيكون ضيقاً علي، وإنما الله سيغنيك من فضله. أسأل الله لك الثبات والخير.

    حكم السلام على تارك الصلاة

    السؤال: ما حكم السلام على تارك الصلاة؟

    الجواب: إن كان عدم السلام عليه سيكون زجراً له ليصلي فلا تسلم عليه، وإن كان سيكون عوناً له على ترك الصلاة فسلم عليه، فهو على حسب حاله.

    فقد تسلم على شخص فيقول في نفسه: الشيخ يحبني، فسأصلي لأجله. وآخر قد لا تسلم عليه فيسبب ذلك تركه للصلاة وإصراره على تركها عيظاً منك لعدم السلام عليه.

    فهذا يكون على حسب حال المدعو، فربما يكون الزجر بالهجر، وربما يكون الأمر بالصلة.

    وعلى الإطلاق يجوز السلام عليه إلا إن كان زجراً. والله تعالى أعلم.